المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخلط بين النعي وترانيم الأطفال


محمد علي محيي الدين
04-06-2008, 07:53 PM
الخلط بين النعي وترانيم الأطفال
محمد علي محيي الدين
يخلط بعض الباحثين بين النعي الخاص بالهموم الذاتية للمرأة،والنعي الخاص برثاء الموتى،وبين أغاني الأمهات أو التلولي أو الترانيم والهدهدة الخاصة بالأطفال،وأسباب هذا الخلط كثيرة لعل أهمها عدم التفريق بين لون وآخر،لتشابكهما ،أو الفصل بين المقاصد المختلفة لهذه الفنون،ومعرفة الأغراض والدوافع ورائها،فالتلولي هو ما تنشده المرأة أثناء هز المهد أو (الكاروك) لتنويم الطفل والهدهدة عند وضعه في حضنها لتنويمه ،وأغاني ترقيص الأطفال وتدليلهم تكون مع حركات خاصة كألعاب مسلية للطفل،وهذه الأمور تختلف فيما بينها ولا تلتقي إلا بالتعبير في بعض الأحيان عن همومها الذاتية،فيما تندفع في مرات أخرى للتعبير عن عواطفها وأحاسيسها التي لا علاقة لها بالتنويم،وتردد بعض الأشعار بنغمات رتيبة شجية معبرة مع تحريك الأرجل برتابة متوالية حتى يخلد الطفل إلى النوم ،فيما يكون النعي تعبير عن الحزن والفجيعة لفقدان عزيز،أما الألوان الأخرى فهي تعبير عن معانات حياتية،وقضايا وجدانية لا يمكن لنا وضعهما في مكان واحد،لذلك علينا التفريق وعدم الخلط بين الاتجاهات المختلفة لهذه الفنون.
لقد طالعت في التراث الشعبي بحثا للشيخ عبد الجبار الساعدي عن التلولي،خلط فيه الباحث خلطا عجيبا بين النعي والتلولي،ولا أدري كيف وقع في هذا الوهم وعهدي به دارسا حصيفا وأديبا لامعا له مشاركات جلا في النواحي الأدبية والتاريخية المختلفة،فقد أورد النعي التالي على أنه من التلولي،وهو بلا شك وهم منه،فهذا النعي تردده النساء عند حصول جفوة أو خلاف مع شقيقها،وقد يقال عند المواجهة معه،ويجري العتاب رقيقا هادئا مصحوبا بالدموع التي تذرفها المرأة تعبيرا عن خيبتها وألمها جراء الإجحاف بحقها،وقد تردده المرأة عند أدارة الرحى والطحن:
ما ريد من جدرك غموس ولا ريد من جيبك فلوس ردتك الي هيبة وناموس
فهي لا تحتاج إلى المال لتأخذه منه،أو الطعام لتأتدم به،بل هي بحاجة إلى موقفه في المواجهة مع زوجها أو أهله،لأن المرأة ضعيفة مغموطة الحقوق،تحتاج إلى من يشد أزرها لمواجهة متطلبات الحياة،وليس من الصحيح أن تهدهد لولدها بهذا النوع من الشعر الذي لا يرضي زوجها أو أهله،لما فيه من مدا ليل اجتماعية بعيدة،وشاهد آخر:
يمه الولي شنريد منه أنريد البشاشة وضحك سنه ونكعد أبيته بغير منه
وكيف يكون من التلولي هذا النعي الذي قالته أم أضناها الزمان بظلمه،فتذكرت أخاها الذي فارقته..وتقول لو كنت أدري بما سيجري علي لقطعت الفيافي القاحلة بدون ماء أو متاع لألتقي بأخي:
لو أدري زماني ضام الى هاي كطعتج يهيمه بغير ماي متاعي شري والمسعده جاي
وأخرى تخاطب بضعة كبدها الذي طواه الردى واختطفته المنون،فكيف يدرج هذا النعي المؤثر تحت باب التلولي وترانيم الأطفال وفيه من الحزن الشيء الكثير:
يمه الولد للكبره أريده طحت بنهر وأنطاني أيده أثاري الولد لأمه ضميده
وبعضهم يستعصى عليه فهم النصوص،فتختلط عليه المعاني،وتتباين توجهاته تبعا لذلك في رأي خاطئ،فيجره ذلك لمتاهات ما كان أغناه عنها لو أمعن فكره جيدا،وللقارئ الحكم على هذا النص في صحة ما ذهبت إليه،فهل هو من التلولي أم النعي المعبر عن الهموم الذاتية للأم:
أم الولد لو هزت أذراع مثل السفينه الشايلة شراع موتي يروحي وساوي الكاع
أو المثال التالي:
كاع البعيدة وحرت بيها وكلمن يباريها وليها كوي العزم كول وتجيها
أو: أنه جايه وأبني على أديه يكلي يخويه هاي جيه اليثكل عليج يخف عليه
ويحلو لبعض الكتاب إضافة كلمات على النعي ليبدوا للقارئ أنها من التلولي أو هدهدة الأطفال:التراث الشعبي عدد8 سنة1973
دللول يمه الولد يا عتبة الباب دللول يمه ويامفرشي حدر التراب
وطرادتي والماي خنياب
وهذه الأبيات من النعي المشهور الذي قالته خنساء خزاعة فدعة الشاعرة المعروفة في رثاء أخيها حسين أضاف له الكاتب(دللول) ليدرجه تحت أغاني الأطفال:
يحسين أنته عتبة الباب ويا مفرشي عن التراب ويعكازتي والكاع جبجاب
ويطرادتي والماي خنياب ويالهلهيتي حسين يا ياب
أحسين أمسى بالتراب ثجيل اللحد وأظلم السرداب
ويورد ذات الكاتب المقطع التالي على أنه من أغاني ترقيص الأطفال:
نكلتك أبطني تسعه أصحاح وأطلك من أعشه للصباح
أوكت الطلوكه الموت الي لاح ردتك براس النعش لواح
وهذا البيت من النعي المشهور إلا أن البعض أورده في باب هدهدة الأطفال قالته امرأة في رثاء ولدها الذي اختطفه الموت وهو في ريعان الشباب:
الولد يا محبس يميني ويا زهوة الدنيا بعيني وعكبك بعد ياهو اليجيني
ويقول أحدهم"وللترابط وقوة الشبه بين التلولي والتعدودة نورد شيئا من التعدودات أو الكولة التي تنشدها العدادة أو الكوالة في المناحة"فما وجه الترابط بين هذين الفنين المتناقضين ،فالهدهدة تعبير عن الفرح والسرور والابتهاج،والتعديد تعبير عن الحزن والألم وهواجس الإنسان والأنكى من ذلك أيراد قصائد خاصة باللطم على الصدور أو الوجوه على أنها من النعي رغم الفارق الكبير بين الاثنين سواء في النظم أو طريقة الأداء: صياد السمج بأرض العزيزية فرد ذبه يصيد ثنعش بنية
والنعي بنصوصه المتداولة لدينا يمكن تقسيمه إلى:
1- رثاء الموتى:وهو ما يقال في المآتم والأحزان،وليس شرطا أن تقوله الملة أو العدادة أو الكوالة،فالكثير من النساء يتأتى لهن نظمه وترديده والإجادة فيه،وما أن تضع "الشيلة " على وجهها حتى تسترسل بنغم شجي حزين يستلب الدموع من الأعين،وهناك من يحفظن نصوص كثيرة منه،وأخريات لهن القدرة على ارتجاله،وبعض الملالي لا يستعملن (القصائد) وهي الكتب التي تسجل فيها النصوص،ولنا بحث عن الملالي الشواعر ربما يأخذ طريقه إلى النشر قريبا.
2- النعي بالتعبير عن الهموم الاجتماعية للمرأة وما تعانيه من تصرفات زوجها أو أهله،لذلك يرددن نوعا من النعي يمكن أدراجه تحت عنوان النعي الاجتماعي،فهو تصوير لما عليه المجتمعات المتخلفة من عادات وتقاليد لا تصب في صالح المرأة،فالمرأة بحاجة لمن يساعدها في حياتها حتى بعد الزواج،،وهذا المساعد هو شقيقها ،لذلك نجد مئات النصوص التي تشير إلى هذه الحالة،وهذا النوع يقال في أوقات تشعر بها المرأة بمعاناة تدفعها لترديده والتفاعل معه ببكاء يقطع نياط القلوب.
3- وتعمد الكثير من النساء إلى ترديد النعي عند أدارة الرحى أو المجرشة،يوم كانت النساء تقوم بجرش الرز،أو طحن الحبوب قبل توفر المكائن الحديثة،وهذا النوع يمكن إدخاله ضمن القسم الثاني وأن أختلف في طريقة ترديده
4- وربما تعمد بعض النساء ممن يشعرن بوطأة الظروف،ومعاندة الأقدار على ترديد النعي الذي لا يدخل ضمن الرثاء عند قيامها ببعض الأعمال المنزلية،لتقوم بالدندنة بترانيم تعبر من خلالها عن همومها ومشاكلها،ولا يمكن إدخالها ضمن نعي الموتى وذكر مناقبهم،لذلك علينا التفريق بين هذين النوعين من النعي وأن اتحدا بالوزن والطريقة،ولكنهما يختلفان بطبيعة الموضوع الذي يتم تناوله،وعلينا عدم الخلط بين هذه الأنواع التي تختلف وتتقاطع في دوافعها ومراميها،وما تردده المرأة عند تنويم الطفل،أو هدهدته،أو ترقيصه،وان يكون لكل منها عنوانه الخاص الذي تندرج تحته،وهناك الكثير مما يصح الاستشهاد به أثرت عدم إيراده خوفا من الإطالة.

سامح عطية
05-06-2008, 09:55 PM
شكراً أستاذى على هذا التوضيح
وشكراً على هذا النقد الذى وضح حجم الفرق بين المعنيين
شكراً لك أستاذى

محمد علي محيي الدين
06-06-2008, 10:51 PM
سيدي الكريم
أشكر لك هذا التقييم الذي أعتز به مع تمنياتي بالتوفيق