محمد علي محيي الدين
02-06-2008, 09:07 PM
(فوضى الألقاب)
محمد علي محيي الدين
طلع علينا الأستاذ سلام حربة في فضا آت ثقافية الفيحاء بعددها 146 الصادر في28/2/2007 بكلام مفلسف عن الثقافة العراقية والمفكرون الجدد،ولعل الصواب بجانبه في الكثير مما طرحه،وأشار إليه،ولكن هل قعقعة الألقاب وليدة عصرنا الراهن ونتاج ثقافتنا المعاصرة،أم هي موروث تعاقب بمرور العصور والأزمان،وهل تمنح الألقاب استنادا لقيم محددة،أم أنها مجارات لهذا وذاك،وفق أطر المجاملة وتبادل المواقف للعاملين في الجوانب الفكرية المختلفة،وهل من يوصف بالمفكرين هم مفكرون فعلا،هذا ما يستحق المناقشة،والخوض فيه،والأستاذ الكريم وقع على مكمن الداء ،وأصاب كبد الحقيقة،فالمفكر هو من ينتج المعرفة،ويبتكر الجديد،وهو خلاصة المجتمعات الروحية،وعصارة الإبداع الحضاري والمعرفي،ولكن هل في من وصموا أنفسهم من يقع ضمن تلك المواصفات،أو وصل بإبداعه الفكري لاستحقاق هذا اللقب،لو ستعرضنا من نعتوا أنفسهم بالمفكرين،واصدعوا رؤوسنا بأحاديثهم عبر الفضائيات لوجدنا جلهم أن لم يكن أكثرهم من الطارئين على ساحة الفكر،وظهورهم هذه الأيام نتيجة فراغ ثقافي كبير أباح لمثل هؤلاء احتلال الساحة،لابتعاد المفكرين الحقيقيين عن الرقص على أشلاء الضياع الذي أصاب الفكر والثقافة،وفقدان الأسس والاعتبارات التي عليها المعول في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب،وشيوع المعايير البعيدة عن المهنية الغارقة في حمأة التشظي في الفكر المعرفي،لمتصدري الولائم الباذخة في أسواق النخاسة الثقافية،وهؤلاء امتداد للعقلية السلفية التي راجت عبر قرون التخلف والارتداد،التي تميزت بمنح الألقاب الفخمة دون وجه حق،ولو طالعنا المخطوطات والمطبوعات الحجرية للفترة المظلمة،لوجدنا ألقاب ما أنزل الله بها من سلطان،وتحت يدي الكثير من هذه الكتب التي لا يمكن إعطائها صفة العلمية،وهي من تأليف جناب الأمام العلامة والحبر الفهامة،نتيجة عصره ونابغة دهره،من جمع فأوعى،وأصاب وأدعى....إلى أخر هذه (الجنجلوتية) الفارغة،وعندما تدخل في صميم كتابه،تجده من الفهاهة والفجاجة والضحالة،ما لا يستحق الوقوف عنده في نقل أو اقتباس،وفي المجالات الأخرى نلاحظ كثرة الألقاب وفخامتها،وتعدد الأسماء وتنوعها،دون أن تدري من منحه اللقب الكبير،وما هو الأسلوب المتبع،والكفاءة التي أوجبت منحه إياه،وأن هذه الفوضى غير المحسوبة،أدت إلى طفرات أخشى أن تودي بالجميع،لتصبح الألقاب كلمات فارغة غير دالة على شيء.
ولعل أعجب هذه الألقاب العلمية،وأكثرها إثارة ما ظهر هذه الأيام عبر وسائل الأعلام المختلفة،بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان،فما أن كتب أحدهم مقالا ،أو أبدى رأيا،أو أشار بكلمة،حتى أصبح بقدرة قادر محلل سياسي،أو خبير إستراتيجي،أو باحث ثبت،ولعل لقب الأستاذية الجليل أخذ بتداوله من لا يصلحون طلابا في معاهد العلم،وهذه الفوضى الخلاقة،جعلتنا نغرف من بحر للألقاب العلمية،لم يصل إليه الكثير ممن أفنوا أعمارهم في الدراسة والبحث العلمي،في الوقت الذي كان عميد الأدب العربي طه حسين،يكتب أسمه(حافيا) من كل الألقاب العلمية التي أستحقها بجدارة،ولم يطرز كتبه أو مقالاته أو بحوثه بأكثر من (طه حسين) وهو من هو في عالم الفكر والثقافة،وغيره كثيرون تخلوا عن ألقابهم العلمية لا ترفعا أو استكبارا ،ولكن تواضعا في التعريف واعتماد على ألمعية القراء،ولو كان لدينا من يصمون أنفسهم بالمفكرين فعلا ،لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه من تخلف في مجالات الحياة،وعلى كثرة الأسماء التي طفت على السطح،أو قيض لها الظهور في زحمة الأعلام،فلم أجد فيهم من يستحق هذا الاسم الكبير،وقد ظهر أحدهم ذات يوم،وأنا أعرفه طفلا صبيا ويافعا فتيا إلى أن بان والشيب ناصع،فإذا به يقرن لنفسه لقب المفكر،ويفاجيء المشاهدين بقوله أنا المفكر..الكبير!!،ولم أعهدة مفكرا،أو أديبا أو باحثا،ولكنها ضيعة المقاييس وبلبلتها في العراق الجديد،ولعل أكثر ما ساءني ظهور أحدهم وهو لم يبلغ الحلم،ويطرح نفسه على أحد الفضائيات كمفكر..كبير،بعدها لعنت الفكر والمفكرين وتمنيت أن أكون جاهلا حتى وأن سرت على أربع،فإذا كان هؤلاء المتفكرون الصغار يعطون لأنفسهم ما ليس فيها دون خشية من لوم أو عتاب،وإذا كان هذا (المتشايخ) مفكرا فماذا نقول عن السيد الصدر،وعبد الكريم الزنجاني،وكارل ماركس،وغيرهم من أصحاب النظريات التي كانت شيئا في الفكر الإنساني،وماذا نصف عشرات الأسماء،ممن خرجوا بنظريات وأفكار رائدة في الفكر والمعرفة،وأغنوا الفكر الإنساني بآرائهم السديدة وأفكارهم الرشيدة،وأتساءل هل هناك معايير وأسس أو ضوابط توقف هذا الزحف الكارثي في الإغارة والسلب في وضح النهار،لألقاب فخمة سطا عليها من تسلقوا السلالم وتسوروا الأسوار في غفلة من الزمن،وهل يمكن وضع قوانين اعتبارية توقف هذه الحمى،وتردع من هب ودب،ليضع أمام أسمه ما شاء من الألقاب والصفات والنعوت،ما كان لأمثاله الاقتراب منها في يوم من الأيام،وهل نستطيع أن نعاملهم كمزورين أو منتحلين،أسوة بمن ينتحل شهادة أكاديمية،ولنتساءل ،ما هي الأسباب الكامنة وراء هذه الأدعاآت ،وهل في قيمنا المجتمعية الداعية لتأليه الأشخاص سببا وراء هذا التهافت في منح الألقاب،والعيش في قعقعتها الفارغة،وإذا كان الأستاذ سلام حربة قد وجه حرابه لمن منحوا أنفسهم لقب المفكرـ ومعه الحق ـ فما باله في المجالات الأخرى لفوضى الألقاب الفخمة التي تعطى لهذا أو ذاك لأوهن الأسباب، فتقرن لأسمائهم صفات تزيد على مجرد التفكير،وتصل مرحلة التأليه،وكل هذا نتيجة الفراغ الفكري الذي يعيشه أغلب هؤلاء،فالمجتمعات الضيقة المتقوقعة على نفسها تنتج قيمها الاعتبارية التي لا تستند إلى أسس واقعية،وتعيش في حمى الرطانة الفكرية التي تجعلها حبيسة العنعنة الفارغة البعيدة عن القيم المثلى للمجتمعات المتفتحة على الثقافات المختلفة،ولو خرجنا عن قوقعتنا الضيقة ـ وهذا ما سيكون ـ لتولد لدينا ما يجعلنا بموازاة الآخرين في تفكيرهم وتصوراتهم،بما يجعل الولادة الجديدة خالية من التصورات السابقة التي بنيت على فراغ.
أن الثقافة الجديدة التي قرعت أبوابنا بمساربها المختلفة،ستجعلنا ولا شك بعيدين عن الفكر الضيق،الذي عشعش طيلة قرون،وأن ثورة المعلومات ستجعلنا نضحك على الكثير من مألوفنا،الذي جعلنا أسرى المتاهات التي لا توصل لمرا فيء الحقيقة،وسيجد الكثير من هؤلاء المتفكرين أنفسهم في وهدة تنبي عن ضحالة تفكيرهم وعقم تصوراتهم،وسيحيلون أنفسهم على التقاعد بعد أن يكتب أمام أسماءهم" مفكر سابق" كما يوصف من ترك وزارته،ليلفه الإهمال والنسيان.
محمد علي محيي الدين
طلع علينا الأستاذ سلام حربة في فضا آت ثقافية الفيحاء بعددها 146 الصادر في28/2/2007 بكلام مفلسف عن الثقافة العراقية والمفكرون الجدد،ولعل الصواب بجانبه في الكثير مما طرحه،وأشار إليه،ولكن هل قعقعة الألقاب وليدة عصرنا الراهن ونتاج ثقافتنا المعاصرة،أم هي موروث تعاقب بمرور العصور والأزمان،وهل تمنح الألقاب استنادا لقيم محددة،أم أنها مجارات لهذا وذاك،وفق أطر المجاملة وتبادل المواقف للعاملين في الجوانب الفكرية المختلفة،وهل من يوصف بالمفكرين هم مفكرون فعلا،هذا ما يستحق المناقشة،والخوض فيه،والأستاذ الكريم وقع على مكمن الداء ،وأصاب كبد الحقيقة،فالمفكر هو من ينتج المعرفة،ويبتكر الجديد،وهو خلاصة المجتمعات الروحية،وعصارة الإبداع الحضاري والمعرفي،ولكن هل في من وصموا أنفسهم من يقع ضمن تلك المواصفات،أو وصل بإبداعه الفكري لاستحقاق هذا اللقب،لو ستعرضنا من نعتوا أنفسهم بالمفكرين،واصدعوا رؤوسنا بأحاديثهم عبر الفضائيات لوجدنا جلهم أن لم يكن أكثرهم من الطارئين على ساحة الفكر،وظهورهم هذه الأيام نتيجة فراغ ثقافي كبير أباح لمثل هؤلاء احتلال الساحة،لابتعاد المفكرين الحقيقيين عن الرقص على أشلاء الضياع الذي أصاب الفكر والثقافة،وفقدان الأسس والاعتبارات التي عليها المعول في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب،وشيوع المعايير البعيدة عن المهنية الغارقة في حمأة التشظي في الفكر المعرفي،لمتصدري الولائم الباذخة في أسواق النخاسة الثقافية،وهؤلاء امتداد للعقلية السلفية التي راجت عبر قرون التخلف والارتداد،التي تميزت بمنح الألقاب الفخمة دون وجه حق،ولو طالعنا المخطوطات والمطبوعات الحجرية للفترة المظلمة،لوجدنا ألقاب ما أنزل الله بها من سلطان،وتحت يدي الكثير من هذه الكتب التي لا يمكن إعطائها صفة العلمية،وهي من تأليف جناب الأمام العلامة والحبر الفهامة،نتيجة عصره ونابغة دهره،من جمع فأوعى،وأصاب وأدعى....إلى أخر هذه (الجنجلوتية) الفارغة،وعندما تدخل في صميم كتابه،تجده من الفهاهة والفجاجة والضحالة،ما لا يستحق الوقوف عنده في نقل أو اقتباس،وفي المجالات الأخرى نلاحظ كثرة الألقاب وفخامتها،وتعدد الأسماء وتنوعها،دون أن تدري من منحه اللقب الكبير،وما هو الأسلوب المتبع،والكفاءة التي أوجبت منحه إياه،وأن هذه الفوضى غير المحسوبة،أدت إلى طفرات أخشى أن تودي بالجميع،لتصبح الألقاب كلمات فارغة غير دالة على شيء.
ولعل أعجب هذه الألقاب العلمية،وأكثرها إثارة ما ظهر هذه الأيام عبر وسائل الأعلام المختلفة،بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان،فما أن كتب أحدهم مقالا ،أو أبدى رأيا،أو أشار بكلمة،حتى أصبح بقدرة قادر محلل سياسي،أو خبير إستراتيجي،أو باحث ثبت،ولعل لقب الأستاذية الجليل أخذ بتداوله من لا يصلحون طلابا في معاهد العلم،وهذه الفوضى الخلاقة،جعلتنا نغرف من بحر للألقاب العلمية،لم يصل إليه الكثير ممن أفنوا أعمارهم في الدراسة والبحث العلمي،في الوقت الذي كان عميد الأدب العربي طه حسين،يكتب أسمه(حافيا) من كل الألقاب العلمية التي أستحقها بجدارة،ولم يطرز كتبه أو مقالاته أو بحوثه بأكثر من (طه حسين) وهو من هو في عالم الفكر والثقافة،وغيره كثيرون تخلوا عن ألقابهم العلمية لا ترفعا أو استكبارا ،ولكن تواضعا في التعريف واعتماد على ألمعية القراء،ولو كان لدينا من يصمون أنفسهم بالمفكرين فعلا ،لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه من تخلف في مجالات الحياة،وعلى كثرة الأسماء التي طفت على السطح،أو قيض لها الظهور في زحمة الأعلام،فلم أجد فيهم من يستحق هذا الاسم الكبير،وقد ظهر أحدهم ذات يوم،وأنا أعرفه طفلا صبيا ويافعا فتيا إلى أن بان والشيب ناصع،فإذا به يقرن لنفسه لقب المفكر،ويفاجيء المشاهدين بقوله أنا المفكر..الكبير!!،ولم أعهدة مفكرا،أو أديبا أو باحثا،ولكنها ضيعة المقاييس وبلبلتها في العراق الجديد،ولعل أكثر ما ساءني ظهور أحدهم وهو لم يبلغ الحلم،ويطرح نفسه على أحد الفضائيات كمفكر..كبير،بعدها لعنت الفكر والمفكرين وتمنيت أن أكون جاهلا حتى وأن سرت على أربع،فإذا كان هؤلاء المتفكرون الصغار يعطون لأنفسهم ما ليس فيها دون خشية من لوم أو عتاب،وإذا كان هذا (المتشايخ) مفكرا فماذا نقول عن السيد الصدر،وعبد الكريم الزنجاني،وكارل ماركس،وغيرهم من أصحاب النظريات التي كانت شيئا في الفكر الإنساني،وماذا نصف عشرات الأسماء،ممن خرجوا بنظريات وأفكار رائدة في الفكر والمعرفة،وأغنوا الفكر الإنساني بآرائهم السديدة وأفكارهم الرشيدة،وأتساءل هل هناك معايير وأسس أو ضوابط توقف هذا الزحف الكارثي في الإغارة والسلب في وضح النهار،لألقاب فخمة سطا عليها من تسلقوا السلالم وتسوروا الأسوار في غفلة من الزمن،وهل يمكن وضع قوانين اعتبارية توقف هذه الحمى،وتردع من هب ودب،ليضع أمام أسمه ما شاء من الألقاب والصفات والنعوت،ما كان لأمثاله الاقتراب منها في يوم من الأيام،وهل نستطيع أن نعاملهم كمزورين أو منتحلين،أسوة بمن ينتحل شهادة أكاديمية،ولنتساءل ،ما هي الأسباب الكامنة وراء هذه الأدعاآت ،وهل في قيمنا المجتمعية الداعية لتأليه الأشخاص سببا وراء هذا التهافت في منح الألقاب،والعيش في قعقعتها الفارغة،وإذا كان الأستاذ سلام حربة قد وجه حرابه لمن منحوا أنفسهم لقب المفكرـ ومعه الحق ـ فما باله في المجالات الأخرى لفوضى الألقاب الفخمة التي تعطى لهذا أو ذاك لأوهن الأسباب، فتقرن لأسمائهم صفات تزيد على مجرد التفكير،وتصل مرحلة التأليه،وكل هذا نتيجة الفراغ الفكري الذي يعيشه أغلب هؤلاء،فالمجتمعات الضيقة المتقوقعة على نفسها تنتج قيمها الاعتبارية التي لا تستند إلى أسس واقعية،وتعيش في حمى الرطانة الفكرية التي تجعلها حبيسة العنعنة الفارغة البعيدة عن القيم المثلى للمجتمعات المتفتحة على الثقافات المختلفة،ولو خرجنا عن قوقعتنا الضيقة ـ وهذا ما سيكون ـ لتولد لدينا ما يجعلنا بموازاة الآخرين في تفكيرهم وتصوراتهم،بما يجعل الولادة الجديدة خالية من التصورات السابقة التي بنيت على فراغ.
أن الثقافة الجديدة التي قرعت أبوابنا بمساربها المختلفة،ستجعلنا ولا شك بعيدين عن الفكر الضيق،الذي عشعش طيلة قرون،وأن ثورة المعلومات ستجعلنا نضحك على الكثير من مألوفنا،الذي جعلنا أسرى المتاهات التي لا توصل لمرا فيء الحقيقة،وسيجد الكثير من هؤلاء المتفكرين أنفسهم في وهدة تنبي عن ضحالة تفكيرهم وعقم تصوراتهم،وسيحيلون أنفسهم على التقاعد بعد أن يكتب أمام أسماءهم" مفكر سابق" كما يوصف من ترك وزارته،ليلفه الإهمال والنسيان.