محمد علي محيي الدين
02-06-2008, 09:01 PM
((المسيرة))
تأليف :كريم أحمد
مطبعة شهاب أربيل2006
عرض محمد علي محيي الدين
قبل البدء باستعراض مسيرة الأستاذ المناضل كريم أحمد،أود أن أوجه عتابا رقيقا لوزارة التربية العراقية،التي تعاقدت مع شركات إقليمية،لطبع الكتب المدرسية لمختلف المراحل الدراسية،وهذه الشركات لا ترقى بمستوياتها الطباعية إلى مستوى المطابع العراقية،وما دفعني لهذا الفضول ما طالعت من كتب طبعت في العراق،لمؤسسات معروفة على مستوى الوطن العربي ،كمؤسسة المدى ودار الرواد،والمطابع البغدادية والكردستانية ،لم أجد فيها شائبة أو خطأ مطبعي،رغم أن صفحاتها جاوزت المئات،وأعادت الثقة إلى المطبوع العراقي،الذي أتوقع له أن يأخذ مكانه اللائق بين المطبوعات العالمية.
وصاحب المسيرة عرفته منذ أعوام طويلة،مناضلا باسلا،شهدت له سوح النضال بالمواقف الوطنية الرائدة،وأعطى لبلده الكثير من جهده وراحته،وذاق مرارة الأذى والاضطهاد،وكان ضيفا مزمنا لسجون العراق ومعتقلاته الكثيرة،وله في ربى كردستان الحبيبة،الكثير من الشواهد والمواقف التي جعلت من عراقيته مثالا للوطني البعيد عن ضيق الأفق القومي،بفضل الأفكار التي آمن بها وناضل من أجلها،وأعطى صورة رائعة لما يجب أن يكون عليه العراقي من تسامح وألفة ومحبة.
ومسيرته حافلة بالكثير من المحطات التي تستحق الوقوف،ولكن طبيعة العرض تجعلني أركز على جوانب دون أخرى،بحسب الأهمية التي أراها،رغم أهمية الجميع،فالمقدمة رغم محدوديتها ،كانت مدخلا لمعرفة طريقة تناوله للأحداث،بالاستفادة من تجارب الآخرين عند كتابة مذكراتهم،بتجاوز الهنات التي رآها الكاتب فيما قدم هؤلاء من صورة مشوهة لبعض الأحداث، مركزين على أمور داخلية لا يجوز الإشارة إليها،بما تحمل في طياتها من أمور شخصية كان الأحرى تجاوزها،والابتعاد عن إيرادها بما تحمل من تشهير وقذف،وقد أعتمد المؤلف على ذاكرته في سرد الأحداث،واستعان ببعض المصادر لتوثيق بعض المواقف،وأعتمد الوقائع والأحداث في تدوين ذكرياته،دون الاعتماد على التسلسل الزمني،وأورد ما شارك فيه من مواقف في تجاوز للكثير من الأحداث المهمة التي لم يضطلع بدور فيها.
وكان لانحداره الطبقي،أبلغ الأثر في توجهاته المستقبلية،ومسارات حياته،فقد نشأ يتيما فتكفلته أسرة أحسنت نشأته،برعاية وأشراف من جدته،فكان ذلك دافعا للتفوق في دراسته،فأنتسب لدار المعلمين الريفية،وللوفاء بمتطلبات الدراسة،كان عليه العمل في العطلة الصيفية،فتخرج فيها عام 1946 ،وعين معلما حسب العادة،وفي هذه الدار تعرف على أنماط شتى من التفكير،كان للفكر الوطني الديمقراطي تأثيره الواضح ،مما جعله يرتبط بعلائق متينة مع الطلبة الوطنيين،ولحادثة طريفة أثرها في انتماءه المستقبلي،فقد شارك في مظاهرة تندد بالعدوان على الاتحاد السوفيتي،وبلا شعور منه هتف بصوت عال(يعيش عمو ستالين) رغم عدم انتماءه لحزب،مما حدا بمدير الدار بعد أيام لتفتيش أغراضه بحثا عن منشورات،وعندها عرف أن هناك حزب شيوعي يوزع المنشورات،فأخذ يبحث عمن يوصله إلى الحزب،فتعرف على الحزب من خلال أحد أصدقائه ،وانتمى عام 1944،وكانت البداية لمسيرته الطويلة التي جاوزت ستة عقود.
وكان له في الأتي من السنين أدوار وأدوار،فقد شارك في الحركة الوطنية،وأسهم في نضالها،فكان على رأس المظاهرات والأضرابات التي يقودها الحزب،وما أكثرها تلك الأيام..!وأسهم في جمع التواقيع لأجازة حزب التحرر الوطني،الواجهة العلنية للحزب الشيوعي المحضور،وشارك بشكل فاعل في مظاهرة عام1946 التي أستشهد فيها المناضل(شاؤول طويق) مما أدى إلى إسقاط وزارة أرشد ألعمري،وعندما عهد لنوري السعيد بتشكيل الوزارة،قاطعتها الأحزاب الوطنية وسحبت وزراءها،وظلت المظاهرات تتواصل حتى أسقطت وزارة نوري السعيد.
وقد أنهى دراسته ذلك العام ونسب للعمل في مدرسة كويسنجق،فأتصل بمسئوله الذي جمعه بالرفيق الخالد فهد،وكلفه بقيادة التنظيم هناك ،وعندما أعتذر بقلة خبرته،قال له:سيصهرك العمل،وتتعلم في مدرسة النضال ،وهكذا كان،فقد وصل كويسنجق وحاول إيجار غرفة لسكنه،فحصل بعد عناء على غرفة تفتقر لوسائل الراحة،فسكنها وكانت عائلة عثمان مصطفى خوشناو توفر له الماء،فعرض عليه السيد عثمان السكن في داره،فأفرد له غرفة وسكن هو وعائلته الغرفة الثانية،وهناك تزوج شقيقته،وأتخذ من والدة عثمان أما له،فكانت خير عون له في نضاله عبر عقود من السنين،بعد أن حرم من حنان الأم،فكانت أما حانية عطوفة لم تتخلى عنه في أحلك الظروف.
ومارس عمله في كويسنجق،محاولا لم شتات الحركة الوطنية،حيث سعى للتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي شكل قوة في حركة النضال الكردي،وكان أحد طلابه السياسي المخضرم والزعيم المعروف مام جلال طالباني،الذي ظل يحتفظ له بحقوق الأستاذية حتى اليوم،وله معه مواقف كثيرة تنبي عن عمق الترابط،والروح المفعمة بالود رغم ما خالطها من أكدار وأوضار،وله عن مام جلال ذكريات طيبة،فقد قدم له معلم الرياضة في المدرسة التلميذ النابه ذو الأربعة عشر ربيعا،الذي يفهم في السياسة،وخاصة المسألة الكردية،وقال له المعلم،أنني أتعلم منه ولست أنا معلمه،أنه يطالع الكتب والمجلات والجرائد اليومية،ويتتبع أخبار العالم،وحتى المقررات ،فأنه يقرأ الدروس مقدما ويستوعبها ويفهمها بدون معلم،فقد سئل عن موضوع في آخر الكتاب وهم في أيام الدراسة الأولى،فأجاب عنه بشكل صحيح،لذلك كان ينظر إليه باحترام أكبر من سنه،وسئل جلال ذات يوم أستاذه كريم أحمد،هل الكورد أمة أم لا؟فقال له:ولماذا هذا السوأل المفاجيء،فأجاب لأننا نتناقش مع التحرريين ويقولون أن الكرد لم يستكملوا شروط الأمة،فقال له:من الناحية السياسية نحن أمة،فالكردي في العراق وإيران وسوريا وتركيا يقول أنا كردي،وأمتي الكردية.وأشترك مام جلال في مؤتمر السباع وعمره 14 سنة،وكان أكثر نشاطا ونضجا سياسيا ممن هم أكبر منه،والتقى به بعد ثورة تموز1958 مفاوضا عن البارتي،وله معه لقاآت أخرى في مختلف المراحل السياسية،كان فيها محاورا مناورا لا يستقر على حال.
ومن المحطات التي أسهب فيها،إعدام الزعيم الخالد فهد،فقد عرف صاحب المذكرات مؤسس الحزب والتقى به عندما نسب للعمل في كويسنجق،وأعطاه الدرس الأول في العمل بين الجماهير،وكان إعدامه ضربة قاصمة للحركة الوطنية،أدت إلى تسلق بعض الكوادر غير المؤهلة لقيادة الحزب،فقادته إلى نكسات وانهيارات عديدة،خرج منها مثقلا بالجراح،ولكن هذه الشجرة الوارفة التي امتدت جذورها في أعماق الأرض لا يمكن لها أن تموت،فظهرت قيادات أدت ما عليها،وسارت بالحزب في دروب متعثرة،إلى أن قيض أن يظهر قائد،يمتلك رؤية واضحة لينهض بالحزب من جديد،فكان لسلام عادل الشاب الخجول،شرف قيادة الحزب في أحلك ظروفه،فتمكن في فترة قياسية من توسيع قاعدته الجماهيرية،وتكوين علاقات مع القوى الوطنية الأخرى.
وتطرق إلى موقفه من الانشقاقات والتكتلات التي حصلت في تلك الفترة،وموقفه الرافض لكل ما يشم منه رائحة الابتعاد عن الخط العام للحزب،والقيادات ذات الأفق الضيق التي هيمنت بعد إعدام قادته،أمثال حميد عثمان،وبهاء الدين نوري،ومالك سيف،الذين كانت الفردية السمة البارزة في قيادتهم،مما أفرز أخطاء كثيرة ما كان لها أن تكون لو كانت القيادة جماعية،وأورد الكثير من الحوادث والتصرفات التي تؤيد ما ذهب إليه،منها مواقف بهاء الدين نوري،الذي حاول فرض أرائه على اللجنة المركزية بحكم تسلمه زمام المسؤولية،وكانت آراءه تقابل بالرفض ألا أنه يمررها،أو يتخذها دون علم المكتب السياسي،أو اللجنة المركزية،ورغم هذه الأخطاء فهو لا يبخس جهوده في بناء الحزب وإصدار صحافته وزجه في أتون المظاهرات والأضرابات،التي تعتبر مفخرة من مفاخر الشعب وقواه الوطنية.
وكان لمشاركة الشهيد سلام عادل في مؤتمر الأحزاب الشيوعية لدول الكومنولث في نيسان 1954،أثر في دفع حركة الحزب إلى أمام،فقد تمكن من أبراز القضية العراقية،ومساندة تلك الأحزاب لها،وكان لكلمته في المؤتمر وقعها الايجابي،الذي ألهب حماس الحضور،فأعطى زخما للحزب ،مما مهد له البروز في الساحة الدولية،وشجع على قيام جبهة الإتحاد الوطني التي مهدت الطريق للثورة،ففي رسالة من الحزب يوم 12تموز1958،كانت التعليمات تدعوا إلى التهيوء للحدث،والالتحاق إلى بغداد عند سماع نبأ الثورة،بعد تهيئة الجهاز الحزبي للقيام بواجبه في شحذ همم الجماهير لإسناد الثورة،والدفاع عنها،والابتعاد عن الشعارات المتطرفة والمبهمة،أو التي تمجد هذا الزعيم أو ذاك من قادة الحركة.وتحرك صبيحة الثورة إلى بغداد بعد أن كان منفيا في بدرة،ليساهم إلى جانب الآخرين في دعم الثورة وإسنادها بتحشيد الجماهير،وتشكيل المقاومة الشعبية،وتشكيل الأتحادات المهنية،التي سيطرت على الشارع العراقي آنذاك وقطعت الطريق على القوى القومية والرجعية المتعاونة مع الاستعمار ودول الجوار والقيادات الطفيلية التي تضررت من الثورة وفقدت أمتيازاتها في الهيمنة والاستحواذ وتطرق إلى الملابسات التي أدت إلى نجاح الانقلابيين في8شباط الأسود1963 من قتل الثورة ،وما رافق ذلك من جرائم يندى لها الجبين.
وبشرح مسهب تناول الحركة الكردية ،وامتدادها ودور الشيوعيين في بلورة الوعي الكردي باتجاه الثورة والمطالبة بالحكم الذاتي لكردستان العراق،ولقاءه بالقيادات الكردية كالزعيم البر زاني،وجلال طالباني،والخلافات الناشبة بين الحزبيين الشقيقين،والموقف منهما،ومحاولة تقريب وجهات النظر،وإطفاء نار الخصومات،بما يخدم الحركة الكردية،وتطور سياسة الحزب حول المسألة الكردية،وكيف اتخذت اتجاهات تصاعدية في فهم أوضاعها،وبلورة توجهاتها،،وما يخدم مسيرتها،من خلال المشاركة فيها،واتخاذ مواقف ضد السلطة بالوقوف لجانبها،والدفاع عنها،وكان الشعار المركزي(الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان)الذي رفعه الحزب مدار نضال الحركة الكردية حتى أوائل التسعينيات،بعدها تبنى الحزب الفيدرالية كحل جذري للقضية الكردية،وحق الشعوب في تقرير المصير،بما في ذلك بناء دولته المستقلة.
وعقد فصلا خاصا للكفاح المسلح،وتشكيل قوات الأنصار،ومصاعب تأمين السلاح والدعم،والانتصار الكبير في معركة (سري حسن بك) مما جعل لقوات الأنصار مكانها المميز في الحركة الكردية،والعلاقات بين الأحزاب الكردية والشيوعيين وما حدثت من خلافات وأصطفافات وتوافقات ومعالجات لما يحدث من خلاف وحله سلميا.ثم تطرق لانقلاب تموز1968،والاتصالات الجارية لحل المسالة الكردية التي توجت بالحكم الذاتي1970 ،وسوء نية الحكومة،وما يحاك خلف الستار،مما أدى إلى فشله والعودة للقتال،وأشار إلى العلاقات المتميزة بين الحركات الفلسطينية والحزب،ودور الرفيق فخري كريم،الذي واجه صعوبات كثيرة في أنجاز المهام الملقاة على عاتقه،لتوفير السلاح وتدريب المقاتلين،وتأمين معيشتهم،وتوطيد العلاقات مع المنظمات اللبنانية والفلسطينية،وإصدار الجريدة ومجلة النهج ،إلى جانب تأمين المالية التي تصرف في المجالات الأخرى،وإقامة علاقة مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الذي لم يبخل بتقديم الدعم للحزب،وكذلك اليمن الديمقراطية،وشرح بإسهاب الصعوبات التي واجهتهم في نقل الأسلحة والمعدات الحربية إلى كردستان،والطرق الوعرة التي اضطروا لسلوكها،وأشار إلى ملابسات الثورة الإيرانية ،ونظرة الخميني إلى المسالة القومية الكردية باعتبارها بدعة،وتصفيته للقوى التي شاركت في الثورة،وبناء السلطة على أسس غير ديمقراطية،وأنحى باللائمة على حزب تودة الذي أنعزل عن الجماهير الكردية بسبب قيادته القاصرة عن رؤية الواقع بتجلياته المختلفة.
وعقد فصلا عن العلاقات بين الأحزاب الكردية ودور السلطة الصدامية في أذكاء نار الفتنة،وممالئة طرف على حساب الآخر،والمنافسة غير المشروعة بين القوى المتواجدة على الساحة الكردية،مما مهد مستقبلا لأبادة الشعب الكردي بالأسلحة الكيماوية وعمليات الأنفال سيئة الصيت.
وعن الانتفاضة المغدورة1991 أنحى باللائمة على القيادات العراقية التي لم تستوعب المرحلة،وتتصدى للمشاركة الفاعلة فيها،ودعمها وإسنادها داخليا وخارجيا،ومحاولة بعض الأطراف تجييرها لأنفسهم تحت واجهات طائفية مرفوضة عربيا ودوليا،وتنصل أميركا عن دعمها بعد ظهور توجهاتها،مما أفسح في المجال للقضاء عليها وما رافق ذلك من قتل وتشريد،في الوقت الذي أستطاع الكرد أقناع المجتمع الدولي لإقامة نظام لا يخضع للحكومة الصدامية،مما مهد لقيام إقليم كردستان.
وقد أدت التطورات في الساحة العراقية إلى ضرورة تشكيل حزب شيوعي كردستاني،الذي مر بمراحل متعددة،فقد شكلت في البداية (منظمة إقليم كردستان للحزب الشيوعي العراقي)وعقدت مؤتمرها الأول عام1969،وبعد تطور الأوضاع في كردستان،وما أستجد من أقرار الحزب للفيدرالية،تقرر أن يكون الحزب الشيوعي الكردستاني/العراق،ويرتبط بعلاقات تنظيمية متوازنة مع الحزب الأم،وأنتخب الرفيق كريم أحمد لقيادته.
وفي الخاتمة آن له أن يضع عصا الترحال بعد نضال جاوز الستة عقود،وبلوغه السن التي لا يستطيع معها العمل بذات الهمة والطاقة الجسدية،لإنجاز واجباته الحزبية،فطلب التنحي عن قيادة الحزب في المؤتمر الثالث،وإفساح المجال للطاقات الشابة لأخذ دورها في قيادة الحزب،على أن يكون جنديا أمينا لمباديء الحزب،وكامل استعداده للقيام بما يكلف به من مهام،وبذلك قدم هذا المناضل صورة رائعة لما يجب أن يكون عليه الناشطين السياسيين في نكران ألذات وتهيئة الأجواء المناسبة لتولي القيادات الشابة قيادة الأحزاب،بدلا من أن تضمر وتموت كما هو عليه حال الطارئين على العمل السياسي،الذين توارثوا القيادة رغم عدم وجود المؤهلات التي تمكنهم من قيادة الجماهير.
تأليف :كريم أحمد
مطبعة شهاب أربيل2006
عرض محمد علي محيي الدين
قبل البدء باستعراض مسيرة الأستاذ المناضل كريم أحمد،أود أن أوجه عتابا رقيقا لوزارة التربية العراقية،التي تعاقدت مع شركات إقليمية،لطبع الكتب المدرسية لمختلف المراحل الدراسية،وهذه الشركات لا ترقى بمستوياتها الطباعية إلى مستوى المطابع العراقية،وما دفعني لهذا الفضول ما طالعت من كتب طبعت في العراق،لمؤسسات معروفة على مستوى الوطن العربي ،كمؤسسة المدى ودار الرواد،والمطابع البغدادية والكردستانية ،لم أجد فيها شائبة أو خطأ مطبعي،رغم أن صفحاتها جاوزت المئات،وأعادت الثقة إلى المطبوع العراقي،الذي أتوقع له أن يأخذ مكانه اللائق بين المطبوعات العالمية.
وصاحب المسيرة عرفته منذ أعوام طويلة،مناضلا باسلا،شهدت له سوح النضال بالمواقف الوطنية الرائدة،وأعطى لبلده الكثير من جهده وراحته،وذاق مرارة الأذى والاضطهاد،وكان ضيفا مزمنا لسجون العراق ومعتقلاته الكثيرة،وله في ربى كردستان الحبيبة،الكثير من الشواهد والمواقف التي جعلت من عراقيته مثالا للوطني البعيد عن ضيق الأفق القومي،بفضل الأفكار التي آمن بها وناضل من أجلها،وأعطى صورة رائعة لما يجب أن يكون عليه العراقي من تسامح وألفة ومحبة.
ومسيرته حافلة بالكثير من المحطات التي تستحق الوقوف،ولكن طبيعة العرض تجعلني أركز على جوانب دون أخرى،بحسب الأهمية التي أراها،رغم أهمية الجميع،فالمقدمة رغم محدوديتها ،كانت مدخلا لمعرفة طريقة تناوله للأحداث،بالاستفادة من تجارب الآخرين عند كتابة مذكراتهم،بتجاوز الهنات التي رآها الكاتب فيما قدم هؤلاء من صورة مشوهة لبعض الأحداث، مركزين على أمور داخلية لا يجوز الإشارة إليها،بما تحمل في طياتها من أمور شخصية كان الأحرى تجاوزها،والابتعاد عن إيرادها بما تحمل من تشهير وقذف،وقد أعتمد المؤلف على ذاكرته في سرد الأحداث،واستعان ببعض المصادر لتوثيق بعض المواقف،وأعتمد الوقائع والأحداث في تدوين ذكرياته،دون الاعتماد على التسلسل الزمني،وأورد ما شارك فيه من مواقف في تجاوز للكثير من الأحداث المهمة التي لم يضطلع بدور فيها.
وكان لانحداره الطبقي،أبلغ الأثر في توجهاته المستقبلية،ومسارات حياته،فقد نشأ يتيما فتكفلته أسرة أحسنت نشأته،برعاية وأشراف من جدته،فكان ذلك دافعا للتفوق في دراسته،فأنتسب لدار المعلمين الريفية،وللوفاء بمتطلبات الدراسة،كان عليه العمل في العطلة الصيفية،فتخرج فيها عام 1946 ،وعين معلما حسب العادة،وفي هذه الدار تعرف على أنماط شتى من التفكير،كان للفكر الوطني الديمقراطي تأثيره الواضح ،مما جعله يرتبط بعلائق متينة مع الطلبة الوطنيين،ولحادثة طريفة أثرها في انتماءه المستقبلي،فقد شارك في مظاهرة تندد بالعدوان على الاتحاد السوفيتي،وبلا شعور منه هتف بصوت عال(يعيش عمو ستالين) رغم عدم انتماءه لحزب،مما حدا بمدير الدار بعد أيام لتفتيش أغراضه بحثا عن منشورات،وعندها عرف أن هناك حزب شيوعي يوزع المنشورات،فأخذ يبحث عمن يوصله إلى الحزب،فتعرف على الحزب من خلال أحد أصدقائه ،وانتمى عام 1944،وكانت البداية لمسيرته الطويلة التي جاوزت ستة عقود.
وكان له في الأتي من السنين أدوار وأدوار،فقد شارك في الحركة الوطنية،وأسهم في نضالها،فكان على رأس المظاهرات والأضرابات التي يقودها الحزب،وما أكثرها تلك الأيام..!وأسهم في جمع التواقيع لأجازة حزب التحرر الوطني،الواجهة العلنية للحزب الشيوعي المحضور،وشارك بشكل فاعل في مظاهرة عام1946 التي أستشهد فيها المناضل(شاؤول طويق) مما أدى إلى إسقاط وزارة أرشد ألعمري،وعندما عهد لنوري السعيد بتشكيل الوزارة،قاطعتها الأحزاب الوطنية وسحبت وزراءها،وظلت المظاهرات تتواصل حتى أسقطت وزارة نوري السعيد.
وقد أنهى دراسته ذلك العام ونسب للعمل في مدرسة كويسنجق،فأتصل بمسئوله الذي جمعه بالرفيق الخالد فهد،وكلفه بقيادة التنظيم هناك ،وعندما أعتذر بقلة خبرته،قال له:سيصهرك العمل،وتتعلم في مدرسة النضال ،وهكذا كان،فقد وصل كويسنجق وحاول إيجار غرفة لسكنه،فحصل بعد عناء على غرفة تفتقر لوسائل الراحة،فسكنها وكانت عائلة عثمان مصطفى خوشناو توفر له الماء،فعرض عليه السيد عثمان السكن في داره،فأفرد له غرفة وسكن هو وعائلته الغرفة الثانية،وهناك تزوج شقيقته،وأتخذ من والدة عثمان أما له،فكانت خير عون له في نضاله عبر عقود من السنين،بعد أن حرم من حنان الأم،فكانت أما حانية عطوفة لم تتخلى عنه في أحلك الظروف.
ومارس عمله في كويسنجق،محاولا لم شتات الحركة الوطنية،حيث سعى للتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي شكل قوة في حركة النضال الكردي،وكان أحد طلابه السياسي المخضرم والزعيم المعروف مام جلال طالباني،الذي ظل يحتفظ له بحقوق الأستاذية حتى اليوم،وله معه مواقف كثيرة تنبي عن عمق الترابط،والروح المفعمة بالود رغم ما خالطها من أكدار وأوضار،وله عن مام جلال ذكريات طيبة،فقد قدم له معلم الرياضة في المدرسة التلميذ النابه ذو الأربعة عشر ربيعا،الذي يفهم في السياسة،وخاصة المسألة الكردية،وقال له المعلم،أنني أتعلم منه ولست أنا معلمه،أنه يطالع الكتب والمجلات والجرائد اليومية،ويتتبع أخبار العالم،وحتى المقررات ،فأنه يقرأ الدروس مقدما ويستوعبها ويفهمها بدون معلم،فقد سئل عن موضوع في آخر الكتاب وهم في أيام الدراسة الأولى،فأجاب عنه بشكل صحيح،لذلك كان ينظر إليه باحترام أكبر من سنه،وسئل جلال ذات يوم أستاذه كريم أحمد،هل الكورد أمة أم لا؟فقال له:ولماذا هذا السوأل المفاجيء،فأجاب لأننا نتناقش مع التحرريين ويقولون أن الكرد لم يستكملوا شروط الأمة،فقال له:من الناحية السياسية نحن أمة،فالكردي في العراق وإيران وسوريا وتركيا يقول أنا كردي،وأمتي الكردية.وأشترك مام جلال في مؤتمر السباع وعمره 14 سنة،وكان أكثر نشاطا ونضجا سياسيا ممن هم أكبر منه،والتقى به بعد ثورة تموز1958 مفاوضا عن البارتي،وله معه لقاآت أخرى في مختلف المراحل السياسية،كان فيها محاورا مناورا لا يستقر على حال.
ومن المحطات التي أسهب فيها،إعدام الزعيم الخالد فهد،فقد عرف صاحب المذكرات مؤسس الحزب والتقى به عندما نسب للعمل في كويسنجق،وأعطاه الدرس الأول في العمل بين الجماهير،وكان إعدامه ضربة قاصمة للحركة الوطنية،أدت إلى تسلق بعض الكوادر غير المؤهلة لقيادة الحزب،فقادته إلى نكسات وانهيارات عديدة،خرج منها مثقلا بالجراح،ولكن هذه الشجرة الوارفة التي امتدت جذورها في أعماق الأرض لا يمكن لها أن تموت،فظهرت قيادات أدت ما عليها،وسارت بالحزب في دروب متعثرة،إلى أن قيض أن يظهر قائد،يمتلك رؤية واضحة لينهض بالحزب من جديد،فكان لسلام عادل الشاب الخجول،شرف قيادة الحزب في أحلك ظروفه،فتمكن في فترة قياسية من توسيع قاعدته الجماهيرية،وتكوين علاقات مع القوى الوطنية الأخرى.
وتطرق إلى موقفه من الانشقاقات والتكتلات التي حصلت في تلك الفترة،وموقفه الرافض لكل ما يشم منه رائحة الابتعاد عن الخط العام للحزب،والقيادات ذات الأفق الضيق التي هيمنت بعد إعدام قادته،أمثال حميد عثمان،وبهاء الدين نوري،ومالك سيف،الذين كانت الفردية السمة البارزة في قيادتهم،مما أفرز أخطاء كثيرة ما كان لها أن تكون لو كانت القيادة جماعية،وأورد الكثير من الحوادث والتصرفات التي تؤيد ما ذهب إليه،منها مواقف بهاء الدين نوري،الذي حاول فرض أرائه على اللجنة المركزية بحكم تسلمه زمام المسؤولية،وكانت آراءه تقابل بالرفض ألا أنه يمررها،أو يتخذها دون علم المكتب السياسي،أو اللجنة المركزية،ورغم هذه الأخطاء فهو لا يبخس جهوده في بناء الحزب وإصدار صحافته وزجه في أتون المظاهرات والأضرابات،التي تعتبر مفخرة من مفاخر الشعب وقواه الوطنية.
وكان لمشاركة الشهيد سلام عادل في مؤتمر الأحزاب الشيوعية لدول الكومنولث في نيسان 1954،أثر في دفع حركة الحزب إلى أمام،فقد تمكن من أبراز القضية العراقية،ومساندة تلك الأحزاب لها،وكان لكلمته في المؤتمر وقعها الايجابي،الذي ألهب حماس الحضور،فأعطى زخما للحزب ،مما مهد له البروز في الساحة الدولية،وشجع على قيام جبهة الإتحاد الوطني التي مهدت الطريق للثورة،ففي رسالة من الحزب يوم 12تموز1958،كانت التعليمات تدعوا إلى التهيوء للحدث،والالتحاق إلى بغداد عند سماع نبأ الثورة،بعد تهيئة الجهاز الحزبي للقيام بواجبه في شحذ همم الجماهير لإسناد الثورة،والدفاع عنها،والابتعاد عن الشعارات المتطرفة والمبهمة،أو التي تمجد هذا الزعيم أو ذاك من قادة الحركة.وتحرك صبيحة الثورة إلى بغداد بعد أن كان منفيا في بدرة،ليساهم إلى جانب الآخرين في دعم الثورة وإسنادها بتحشيد الجماهير،وتشكيل المقاومة الشعبية،وتشكيل الأتحادات المهنية،التي سيطرت على الشارع العراقي آنذاك وقطعت الطريق على القوى القومية والرجعية المتعاونة مع الاستعمار ودول الجوار والقيادات الطفيلية التي تضررت من الثورة وفقدت أمتيازاتها في الهيمنة والاستحواذ وتطرق إلى الملابسات التي أدت إلى نجاح الانقلابيين في8شباط الأسود1963 من قتل الثورة ،وما رافق ذلك من جرائم يندى لها الجبين.
وبشرح مسهب تناول الحركة الكردية ،وامتدادها ودور الشيوعيين في بلورة الوعي الكردي باتجاه الثورة والمطالبة بالحكم الذاتي لكردستان العراق،ولقاءه بالقيادات الكردية كالزعيم البر زاني،وجلال طالباني،والخلافات الناشبة بين الحزبيين الشقيقين،والموقف منهما،ومحاولة تقريب وجهات النظر،وإطفاء نار الخصومات،بما يخدم الحركة الكردية،وتطور سياسة الحزب حول المسألة الكردية،وكيف اتخذت اتجاهات تصاعدية في فهم أوضاعها،وبلورة توجهاتها،،وما يخدم مسيرتها،من خلال المشاركة فيها،واتخاذ مواقف ضد السلطة بالوقوف لجانبها،والدفاع عنها،وكان الشعار المركزي(الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان)الذي رفعه الحزب مدار نضال الحركة الكردية حتى أوائل التسعينيات،بعدها تبنى الحزب الفيدرالية كحل جذري للقضية الكردية،وحق الشعوب في تقرير المصير،بما في ذلك بناء دولته المستقلة.
وعقد فصلا خاصا للكفاح المسلح،وتشكيل قوات الأنصار،ومصاعب تأمين السلاح والدعم،والانتصار الكبير في معركة (سري حسن بك) مما جعل لقوات الأنصار مكانها المميز في الحركة الكردية،والعلاقات بين الأحزاب الكردية والشيوعيين وما حدثت من خلافات وأصطفافات وتوافقات ومعالجات لما يحدث من خلاف وحله سلميا.ثم تطرق لانقلاب تموز1968،والاتصالات الجارية لحل المسالة الكردية التي توجت بالحكم الذاتي1970 ،وسوء نية الحكومة،وما يحاك خلف الستار،مما أدى إلى فشله والعودة للقتال،وأشار إلى العلاقات المتميزة بين الحركات الفلسطينية والحزب،ودور الرفيق فخري كريم،الذي واجه صعوبات كثيرة في أنجاز المهام الملقاة على عاتقه،لتوفير السلاح وتدريب المقاتلين،وتأمين معيشتهم،وتوطيد العلاقات مع المنظمات اللبنانية والفلسطينية،وإصدار الجريدة ومجلة النهج ،إلى جانب تأمين المالية التي تصرف في المجالات الأخرى،وإقامة علاقة مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الذي لم يبخل بتقديم الدعم للحزب،وكذلك اليمن الديمقراطية،وشرح بإسهاب الصعوبات التي واجهتهم في نقل الأسلحة والمعدات الحربية إلى كردستان،والطرق الوعرة التي اضطروا لسلوكها،وأشار إلى ملابسات الثورة الإيرانية ،ونظرة الخميني إلى المسالة القومية الكردية باعتبارها بدعة،وتصفيته للقوى التي شاركت في الثورة،وبناء السلطة على أسس غير ديمقراطية،وأنحى باللائمة على حزب تودة الذي أنعزل عن الجماهير الكردية بسبب قيادته القاصرة عن رؤية الواقع بتجلياته المختلفة.
وعقد فصلا عن العلاقات بين الأحزاب الكردية ودور السلطة الصدامية في أذكاء نار الفتنة،وممالئة طرف على حساب الآخر،والمنافسة غير المشروعة بين القوى المتواجدة على الساحة الكردية،مما مهد مستقبلا لأبادة الشعب الكردي بالأسلحة الكيماوية وعمليات الأنفال سيئة الصيت.
وعن الانتفاضة المغدورة1991 أنحى باللائمة على القيادات العراقية التي لم تستوعب المرحلة،وتتصدى للمشاركة الفاعلة فيها،ودعمها وإسنادها داخليا وخارجيا،ومحاولة بعض الأطراف تجييرها لأنفسهم تحت واجهات طائفية مرفوضة عربيا ودوليا،وتنصل أميركا عن دعمها بعد ظهور توجهاتها،مما أفسح في المجال للقضاء عليها وما رافق ذلك من قتل وتشريد،في الوقت الذي أستطاع الكرد أقناع المجتمع الدولي لإقامة نظام لا يخضع للحكومة الصدامية،مما مهد لقيام إقليم كردستان.
وقد أدت التطورات في الساحة العراقية إلى ضرورة تشكيل حزب شيوعي كردستاني،الذي مر بمراحل متعددة،فقد شكلت في البداية (منظمة إقليم كردستان للحزب الشيوعي العراقي)وعقدت مؤتمرها الأول عام1969،وبعد تطور الأوضاع في كردستان،وما أستجد من أقرار الحزب للفيدرالية،تقرر أن يكون الحزب الشيوعي الكردستاني/العراق،ويرتبط بعلاقات تنظيمية متوازنة مع الحزب الأم،وأنتخب الرفيق كريم أحمد لقيادته.
وفي الخاتمة آن له أن يضع عصا الترحال بعد نضال جاوز الستة عقود،وبلوغه السن التي لا يستطيع معها العمل بذات الهمة والطاقة الجسدية،لإنجاز واجباته الحزبية،فطلب التنحي عن قيادة الحزب في المؤتمر الثالث،وإفساح المجال للطاقات الشابة لأخذ دورها في قيادة الحزب،على أن يكون جنديا أمينا لمباديء الحزب،وكامل استعداده للقيام بما يكلف به من مهام،وبذلك قدم هذا المناضل صورة رائعة لما يجب أن يكون عليه الناشطين السياسيين في نكران ألذات وتهيئة الأجواء المناسبة لتولي القيادات الشابة قيادة الأحزاب،بدلا من أن تضمر وتموت كما هو عليه حال الطارئين على العمل السياسي،الذين توارثوا القيادة رغم عدم وجود المؤهلات التي تمكنهم من قيادة الجماهير.