جاسم محمد صالح
03-06-2009, 09:48 PM
القنديل الجميل
· جاسم محمد صالح
ـ ياهٍ ما أجمل هذه القناديل !!!
قال الطفل ذلك فرحاً وهو يرفع يده ويمدها إلى السماء … يريد أن يمسكِ شيئا , فهنا... وهناك تنتشر لآلي ويواقيت جميلة وطيور ملونة .
تذكر معلمه حينما قال في الصف إثناء الدوام المدرسي:
- إن الضوء أسرع ما موجود في هذا الكون ؟
كان يردد ذلك مع نفسه وهو يسير في أحد الأزقة الضيقة , طفلاً كأيّ طفل , والدكاكين الكثيرة المنتشرة على جانبي الطريق تثير انتباهه.
نسي نفسه ووقف مذهولاً أمام دكان (الحاج ابراهيم) , وقد ووضع إصبعه الكبير في فمه وهو يتأمل شيئا غريبا معلقا في سقف الدكان .
دكان (الحاج ابراهيم) مليء بكثير من الأشياء التي تثير انتباه الأطفال , لهذا فانه كان يجول ببصره في أرجاء الدكان , ففيه أشياء كثيرة تثير رغبته , وكان يقف كل يوم أمام الدكان ليشاهد المصابيح الملونة والبالونات الجميلة والأشرطة الذهبية ولعب الأطفال … يحوّل بصره من مكان إلى مكان , وإثناء ذلك تزداد حركة إصبعه في فمه ويسيل لعابه على شفته السفلى وهو يشاهد الحلويات والمربيات التي وضعت في صوانٍ معدنية أمام الدكان , لكنه لا يملك مالا ًكثيرا والفلوس القليلة التي في جيبه غير كافية لشراء ما يحتاج من هذه الأشياء .
(الحاج ابراهيم) رجل طيب وكان أكثر الأطفال يحبونه وينظرون إليه باحترام وكان يفرح كلما يلاحظ علامات المحبة في عيونهم , ومن كان منهم لا يملك مالا فانه يعطيه ما يقع تحت يده من أشياء بسيطة , يرضيه ... ويذهب ... وهكذا يتقاطر الأطفال على دكانه .
انتبه (الحاج ابراهيم) إليه , وقدم له بعض الحلوى ذات الأشكال الورقية الملونة لكنه لم يرضَ بأي شيء قُدِم إليه , أعطاه حلوى غيرها ...رفض , أشرطة وبالونات ولعب أطفال وأشياء أخر ...رفض , رفض كل شيء قُدم له , لكن نظره إثناء ذلك كان مثبتا بشيء واحد في سقف دكانه .
علق (الحاج ابراهيم) وسط دكانه البسيط قنديلاً جميلاً جدا ً, زجاجه ملون وجسمه المعدني مذهب ومزخرف على أشكال حيوانات وعصافير وبلابل , أما منظره فقد
كان جميلا جدا ويُذهِل من يراه , قال له (الحاج ابراهيم):
- ماذا تريد يا ولدي ؟
- لا شيء لا شيء ... يا عماه
كان يقول ذلك وهو يطيل النظر الي سقف الدكان , ومضى وقت طويل على هذه الحالة و(الحاج ابراهيم) يسأله ماذا تريد ؟ وهو يرفض أن يخبره برغبته, ولهذا كان في أكثر الأحيان يصمت , لكن عينيه كانتا تتكلمان !
هنا قال له (الحاج ابراهيم) :
ـ حسن يا ولدي... إذا كنت ترفض أن تقول لي ما تريد , عليك أن تذهب الي البيت , اذهب وتعال اليّ في وقت آخر.
ذهب إلى مدرسته حزينا ,وفي البيت مرض ولازم الفراش يوماً ... يومين , وطال مرضه حتى ولأحد يعرف ما يريد , لكنه كان في كل ليلة يهبّ في فراشه مذعوراً وهو يصيح:
- لا تبع القنديل إني أحبه … أريد واحداً مثله … أريد أن اشتريه منك ... انه جميل جدا .
عرف أصدقاؤه قصة القنديل ,ولكنهم لم يعرفوا أي قنديل يريد , جلبوا له قناديل كثيرة من هنا وهناك , لكنها كانت بنظره قناديل رديئة جداً , سرعان ما يرميها بعيداً عنه وهو يردد مع نفسه :
ـ أين هذه القناديل الرديئة من ذلك القنديل الجميل … ياهٍ ما أروعه ...وما أجمله!!!
فطن (الحاج ابراهيم) إلى سر غيابه , وذات يوم سأل الأطفال عنه , فأخبروه بأنه مريض وحدثوه عن حالته السيئة التي وصل إليها , هنا تذكر (الحاج ابراهيم) آخر لقاء معه , وكيف كان يحدثه وعيناه شاخصتان نحو سقف الدكان … تذكر ذلك المشهد بشكل تام , وكيف انه رفض كل ما قدمه له , ووقتها لم يعرف سبب ذلك الرفض فضحك وقال :
ـ الآن لقد عرفت السبب … انه يحب القنديل الملون .
قال ذلك , وبسرعة وضع درجاً صغيراً على حائط الدكان وانزل القنديل المعلق في السقف , وحمله وتوجه مع بقية الأطفال نحو بيت صديقهم المريض , وفي البيت قالوا له :
ـ لقد جاء (الحاج ابراهيم) وفي يده هديه جميلة ... وأصدقاؤك معه .
قدم له القنديل هدية , القنديل الذي كان يحلم به , الآن أصبح بين يديه , لم يتوقع أن يحدث هذا أبدا حتى في أحلامه , كل شيء فكر به إلا أن يأتي (الحاج ابراهيم) إلى بيته ويقدم له القنديل الذي يحبه هدية .
تلاشى مرضه فجأة وتحسّنت صحته واخذ ينظر إلى القنديل نظرة تختلف عن نظراته السابقة إليه , لكنه هذه المرة كان يراه مثل بقية القناديل التي جلبها له أصدقاؤه ,لا يختلف عنها في شيء .
استغرب من ذلك فقد كان هذا القنديل في الدكان أجمل وألوانه أبدع , سال نفسه :
- ترى كيف يكون شكله هكذا ؟!
تألم… وتألم , وبكت عيناه دمعاً ساخناً , ثم حمل القنديل بيده وسار خلفه أصدقاؤه وتوجه الجميع نحو الدكان , وحين اقترب من دكان (الحاج ابراهيم) قال له بهدوء :
- شكرا لك , خذه يا عماه … انه في دكانك أجمل… لست بحاجة إليه بعد الآن .
· جاسم محمد صالح
ـ ياهٍ ما أجمل هذه القناديل !!!
قال الطفل ذلك فرحاً وهو يرفع يده ويمدها إلى السماء … يريد أن يمسكِ شيئا , فهنا... وهناك تنتشر لآلي ويواقيت جميلة وطيور ملونة .
تذكر معلمه حينما قال في الصف إثناء الدوام المدرسي:
- إن الضوء أسرع ما موجود في هذا الكون ؟
كان يردد ذلك مع نفسه وهو يسير في أحد الأزقة الضيقة , طفلاً كأيّ طفل , والدكاكين الكثيرة المنتشرة على جانبي الطريق تثير انتباهه.
نسي نفسه ووقف مذهولاً أمام دكان (الحاج ابراهيم) , وقد ووضع إصبعه الكبير في فمه وهو يتأمل شيئا غريبا معلقا في سقف الدكان .
دكان (الحاج ابراهيم) مليء بكثير من الأشياء التي تثير انتباه الأطفال , لهذا فانه كان يجول ببصره في أرجاء الدكان , ففيه أشياء كثيرة تثير رغبته , وكان يقف كل يوم أمام الدكان ليشاهد المصابيح الملونة والبالونات الجميلة والأشرطة الذهبية ولعب الأطفال … يحوّل بصره من مكان إلى مكان , وإثناء ذلك تزداد حركة إصبعه في فمه ويسيل لعابه على شفته السفلى وهو يشاهد الحلويات والمربيات التي وضعت في صوانٍ معدنية أمام الدكان , لكنه لا يملك مالا ًكثيرا والفلوس القليلة التي في جيبه غير كافية لشراء ما يحتاج من هذه الأشياء .
(الحاج ابراهيم) رجل طيب وكان أكثر الأطفال يحبونه وينظرون إليه باحترام وكان يفرح كلما يلاحظ علامات المحبة في عيونهم , ومن كان منهم لا يملك مالا فانه يعطيه ما يقع تحت يده من أشياء بسيطة , يرضيه ... ويذهب ... وهكذا يتقاطر الأطفال على دكانه .
انتبه (الحاج ابراهيم) إليه , وقدم له بعض الحلوى ذات الأشكال الورقية الملونة لكنه لم يرضَ بأي شيء قُدِم إليه , أعطاه حلوى غيرها ...رفض , أشرطة وبالونات ولعب أطفال وأشياء أخر ...رفض , رفض كل شيء قُدم له , لكن نظره إثناء ذلك كان مثبتا بشيء واحد في سقف دكانه .
علق (الحاج ابراهيم) وسط دكانه البسيط قنديلاً جميلاً جدا ً, زجاجه ملون وجسمه المعدني مذهب ومزخرف على أشكال حيوانات وعصافير وبلابل , أما منظره فقد
كان جميلا جدا ويُذهِل من يراه , قال له (الحاج ابراهيم):
- ماذا تريد يا ولدي ؟
- لا شيء لا شيء ... يا عماه
كان يقول ذلك وهو يطيل النظر الي سقف الدكان , ومضى وقت طويل على هذه الحالة و(الحاج ابراهيم) يسأله ماذا تريد ؟ وهو يرفض أن يخبره برغبته, ولهذا كان في أكثر الأحيان يصمت , لكن عينيه كانتا تتكلمان !
هنا قال له (الحاج ابراهيم) :
ـ حسن يا ولدي... إذا كنت ترفض أن تقول لي ما تريد , عليك أن تذهب الي البيت , اذهب وتعال اليّ في وقت آخر.
ذهب إلى مدرسته حزينا ,وفي البيت مرض ولازم الفراش يوماً ... يومين , وطال مرضه حتى ولأحد يعرف ما يريد , لكنه كان في كل ليلة يهبّ في فراشه مذعوراً وهو يصيح:
- لا تبع القنديل إني أحبه … أريد واحداً مثله … أريد أن اشتريه منك ... انه جميل جدا .
عرف أصدقاؤه قصة القنديل ,ولكنهم لم يعرفوا أي قنديل يريد , جلبوا له قناديل كثيرة من هنا وهناك , لكنها كانت بنظره قناديل رديئة جداً , سرعان ما يرميها بعيداً عنه وهو يردد مع نفسه :
ـ أين هذه القناديل الرديئة من ذلك القنديل الجميل … ياهٍ ما أروعه ...وما أجمله!!!
فطن (الحاج ابراهيم) إلى سر غيابه , وذات يوم سأل الأطفال عنه , فأخبروه بأنه مريض وحدثوه عن حالته السيئة التي وصل إليها , هنا تذكر (الحاج ابراهيم) آخر لقاء معه , وكيف كان يحدثه وعيناه شاخصتان نحو سقف الدكان … تذكر ذلك المشهد بشكل تام , وكيف انه رفض كل ما قدمه له , ووقتها لم يعرف سبب ذلك الرفض فضحك وقال :
ـ الآن لقد عرفت السبب … انه يحب القنديل الملون .
قال ذلك , وبسرعة وضع درجاً صغيراً على حائط الدكان وانزل القنديل المعلق في السقف , وحمله وتوجه مع بقية الأطفال نحو بيت صديقهم المريض , وفي البيت قالوا له :
ـ لقد جاء (الحاج ابراهيم) وفي يده هديه جميلة ... وأصدقاؤك معه .
قدم له القنديل هدية , القنديل الذي كان يحلم به , الآن أصبح بين يديه , لم يتوقع أن يحدث هذا أبدا حتى في أحلامه , كل شيء فكر به إلا أن يأتي (الحاج ابراهيم) إلى بيته ويقدم له القنديل الذي يحبه هدية .
تلاشى مرضه فجأة وتحسّنت صحته واخذ ينظر إلى القنديل نظرة تختلف عن نظراته السابقة إليه , لكنه هذه المرة كان يراه مثل بقية القناديل التي جلبها له أصدقاؤه ,لا يختلف عنها في شيء .
استغرب من ذلك فقد كان هذا القنديل في الدكان أجمل وألوانه أبدع , سال نفسه :
- ترى كيف يكون شكله هكذا ؟!
تألم… وتألم , وبكت عيناه دمعاً ساخناً , ثم حمل القنديل بيده وسار خلفه أصدقاؤه وتوجه الجميع نحو الدكان , وحين اقترب من دكان (الحاج ابراهيم) قال له بهدوء :
- شكرا لك , خذه يا عماه … انه في دكانك أجمل… لست بحاجة إليه بعد الآن .