المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جورج أوغست فلين (عبد الوالي، 1811-1852)


حسيب شحادة
15-05-2008, 09:53 PM
جورج أوغست فلين (عبد الوالي، 1811-1852)
أ. د. حسيب شحادة
جامعة هلسنكي

وُلد هذا المستشرق والرحّالة والحاجّ والرائد الفنلندي المعروف Georg August Wallin في بلدة سُنْد في أرخبيل أولاند في 24/10/1811 ومات في هلسنكي في 23/10/1852 وهو أعزبُ. انتقلت أسرته للسكن في مدينة توركو الواقعة في غرب فنلندا سنة 1817. اتّسم فلين منذ نعومة أظفاره بالشجاعة والاستقلالسة وحبّ الرياضة لا سيّما السباحة والملاحة. في سنة 1829 توجّه فلين إلى هلسنكي، ابنة البلطيق، العاصمة الجديدة للبلاد، لدراسة الفلسفة واللغات الكلاسيكية، اليونانية واللاتينية، والشرقية مثل العربية والفارسية والتركية في الجامعة التي حملت آنذاك الاسم “جامعة ألكسندر” ثم في جامعة بطرسبورغ. من ضمن ما درس فلين في هلسنكي خلال سبع سنوات مقامات الحريري وحكايات ألف ليلة وليلة. أستاذه وصديقه في هلسنكي كان أستاذ اللغات الشرقية، Gabriel Geitlin, 1804-1871. حصل فلين على شهادة الماجستير عام 1836 وبعد ذلك بثلاث سنوات نال شهادة الدكتوراة التي كان موضوعها أوجه الاختلاف بين العربية الكلاسيكية الفصحى واللهجات العربية الحديثة، وكتبت باللغة اللاتينية تحت العنوان: De praecipua inter hodiernam Arabum linguam et antiquam differentia ونُشرت عام 1839.
لقد تعلّم فلين بنفسه الفرنسية والألمانية والإنجليزية كما درس العربية والفارسية أيضا في معهد الاستشراق في مدينة بطرسبورغ مدّة سنتين على أستاذين من أهل هاتين اللغتين، الشيخ الأزهري المصري، محمد عيّاد الطنطاوي، والريراني مِرْزا إسماعيل. يبدو أن الشيخ الطنطاوي (1810-1861) من الأزهر كان قد شجّع فلين على السفر إلى البلاد العربية وقد أثّر فيه إيجابيا.
أعدّ فلين ذو الحسّ الفني والموسيقى المرهف العدّة للقيام بالرحلة إلى بلاد العرب رغم الصعوبات والمخاطر الجمّة لمثل هذه المشاريع في منصف القرن التاسع عشر. تقدّم فلين بطلب للحصول على منحة لزيارة مصر. كما وأنه شرع بالاطلاع على أسس العلاج الطبي مدة نصف سنة ليسافر طبيبا كما أن عمله في المستشفيات في هلسنكي أتاح له الفرصة للتعرف على بعض الجنود المسلمين في الجيش الروسي ومن ثم على الدين الإسلامي والكثير من العادات والتقاليد الإسلامية التتارية. في الثاني من كانون الثاني عام 1851 عُيّن أستاذا لكرسي الآداب الشرقية في جامعة هلسنكي.
في منتصف عام 1843 بدأ فلين رحلته ووصل شاطىء الإسكندرية في أواخر العام ذاته. ثم انتقل إلى القاهرة واستأجر مسكنا في البازار بعد جهد جهيد بمبلغ مائة قرش شهريا. من أقوال فلين ذات المسحة الرومنسية في تلك الفترة ما معناه: لا شيء أكثر روعةً من عيون المرأة الشرقية، ولستُ أدري إن كنتُ قد شاهدت حقّاً جمالا أنثويا قبل أن أحضر إلى هنا.
وخلال مكوثه في القاهرة حقّق هذا المستشرق مرحلة متقدمة من معرفته للغة العربية كما واطلع على فنون الخطّ العربي والزخرفة الإسلامية. مما يُروى عنه أنه أحبّ حديقة الأزبكية التي قضى فيها معظم أوقاته واصفا إياها بـ”واحة خضراء”. لا غرابة في ذلك، فهذا الفنلندي كان مولعاً بالطبيعة والتجوال في أحضانها. يُقال إنه في هذه الفترة تأسلم فلين وأصبح اسمه الجديد “عبد الوالي” وأخذ بارتداء الزيّ العريب والتصرف كعربي مسلم وشكله الخارجي وبشرته السمراء ساعداه على ذلك.
وصل فلين عبر النيل إلى أعماق النوبة حوالي ألف كيلومتر من القاهرة ، ودوّن انطباعاته وملاحظاته بشأن معيشة الفلاحين والمعالم الأثرية في الأُقْصر. كما وأشار هذه الرحّالة الفنلندي إلى أن هناك عداوة مستديمة بين الفلاح والبدوي. قام عبد الوالي أو عبد المولى كما دعاه الوهّابيون برحلتين إلى الجزيرة العربية، بدأت الرحلة الأولى في 12/4/1845 والثانية عام 1847. نقطة انطلاقه في كلتا الرحلتين كانت مدينة السويس. ففي الرحلة الأولى وصل إلى مَعان في 30/3 ثم بادية الشام فالجوف فالجبة فقنا فجبلي أجا وسلمى معقل قبائل شمّر فالكبّ فالحائل فالمدينة المنوّرة فمكة المكرمة حيث قام بفريضة الحج.
عن معان يقول: “ومعان (بفتح الميم) هو الاسم الذي يطلقه اليوم جميع العرب على هذه البلدة بدلا من معان (بضم الميم) الذي ذكره جغرافيّوهم القدماء ... ومعان الحالية من أكبر البلدان على طريق الحجّ السوري، فيها مائتا عائلة تقريبا تتحدر من سبعة بطون مختلفة، وقد اختلطت بالمهاجرين النازحين إليها من شتّى القرى السورية. وهم أقوياء البنية، سوريو الملامح، يستطيعون تعبئة قوة مقاتلة قوامها مائة وخمسون مقاتلا ... وهناك قلعة قديمة واحدة وأخبرني الأهلون أن بانيها هو السلطان سليمان التركي. وعن مدينة الجوف، حيث أقام أربعة أشهر تقريباً، يقول إنها مكونة من اثني عشر حيا تسمّى زسواقا ويتحدّر أهلوها الأقدمون من الأصل السوري وأكل من تمر الجوف وتيماء. وأهل الجوف مضيافون لا نظير لهم ولا يرحلون ويتحلون بنواهب شعرية ويجيدون الغناء بمصاحبة الربابة، تلك الآلة اليدوية الرتيبة والساحرة. وعن جبّة التي وصلها بعد انطلاقه من الجوف بـ 87 ساعةً يقول بأن فيها 170 بيتاً وجلّ سكّانها من قبيلة أرمال.
والجدير بالذكر أن عبد الوالي قد كتب صفحاتٍ كثيرةً عن تقاليد قبائل شمّر وغزواتهم. اعتبر عبد الوالي منطقة نجد وبلاد الجبلين من أفضل بلاد العرب. استغرقت رحلته من حائل إلى مكّة عبر المدينة 85 ساعة على الجمال القوية.
في أواخر عام 1847 بدأ فلين رحلته الثانية من القاهرة إلى السويس فالمويلح على الشاطىء الغربي من الجزيرة العربية فتبوك فتيماء فجبلي اجا وسهى فقفار فحائل فمشهد في العراق. من مشهد في العراق رلى السويس فحائل فالنجف التي وصلها في 15/3/1848. وعن بلدة تبوك قال إنها مؤلفة من ستين منزلا في وسط سهل فسيح يُدعى همادة تبوك. بنو عطية هم أهل البلدة. أما عن تيماء فيقول إن عدد سكانها يقدّر بمائة عائلة من الشمّر وأصلهم من بطنين علي وحمدة. يتبع بنو شمّر زعيمهم ابن الرشيد في نجد وهم من الوهابيين. هناك مساحات شاسعة مغروسة بأشجار النخيل ويذكر فلين أن تمر ”الحلوة” هو أشهى تمر في بلاد العرب.
نُشرت دراستُه القيّمة حول شمالي شبه الجزيرة العربية في مجلة الجمعية الجغرافية الملكية في لندن بالإنكليزية عامي 1852-1854. Journal of the Royal Geographical . Society
ومما يجدر ذكره أن فلين كان الفنلندي الأول الذي حاضر في الجمعية المذكورة بتاريخ 22/4/1850. وهناك ترجمة عربية لذلك بقلم سمير شبلي ومراجعة يوسف يزبك. كما أن بعض المقتطفات من رسائل ?لين ويومياته كانت قد رأت النور باللغة العربية أيضا.
يُعتبر فلين الرائد الأوروبي الحقيقي الذي وُفّق في الدخول إلى شمالي شبه الجزيرة العربية، كما أنه يعتبر أول باحث أوروبي قام بشنر نماذج من الشعر العربي البدوي من شبه الجزيرة العربية. وتقدّْر مدّة مكوثه في الشرق العربي بستّ سنوات، تعلّم خلالها ما تيسّر له من اللغة العربية وتعرّف على العادات والتقاليد ومن الصعب القول إلى أي مدى وصلت معرفته بهذه اللغة إلا أنه من الواضح أنه كان يستعمل اللهجة المحكية في رحلاته والسعوديون اليوم يكنّون له كل تقدير واحترام.
إن مسألة تأسلم فلين ما زالت غامضة وغير مؤكدة. هناك من يدّعي أنه تأسلم وأطلق على نفسه الاسم “عبد الوالي” ليتسنّى له زيارة شبه الجزيرة العربية. من جهة أخرى يتسائل المرء لماذا كُتب على قبره الاسم العربي المذكور ويقال إنه نوى الاقتران من بدوية من تيماء وأنه قبل موته ردّد العبارة “الحمد لله ثم الحمد لله”. من الجلي أن فلين لم يهتمّ كثيرا لا بالدين ولا بالسياسة. إنه لم يكنّ أي حبّ أو احترام للأتراك والفرس في حين أنه أحبّ العرب لا سيما البدو. وكان حبُّه لهم نابعا من بساطتهم واستقامتهم ونزاهتهم كما أشار إلى ذلك في مناسبات عديدة. في حين أنه وجد أن المصريين في القاهرة، على سبيل المثال، خاملون وبعيدون عن النظافة. كما أنه من العسير فهم عقليتهم وشخصيتهم إذ أنهم سرعان ما يثورون ويحتدّون غيظا لأتفه الأسباب. زد إلى ذلك أنهم ليسوا أهل ثقة ولا بدّ من التحلّي بالصبر إزاءهم ومن يعيش بين ظهرانيهم ردحا من الزمن يصبح مثل أيوب صبرا.
من أعمال فلين “قصيدة الفارض”، هذه القصيدة الحائية من الأشعار الفارضية منقولة بشرحها من كتاب “كشف السرّ الغامض في شرح ديوان ابن الفارض” لصاحب المقام السامي الشيخ عبد الغني النابلسي الشامي مع ترجمتها باللاتيني للعبد الفقير جورج أوجست ولّين السؤمي، هلسنكي 1850. معنى “السؤمي” هو “الفنلندي” إذ أن اسم فنلندا باللغة الفنلندية هو Suomi وقد يكون فلين أول من استخدم اللفظة المذكورة بالعربية.
أطروحته الأولى كانت، كما أسلفنا، عن مقارنة الفصحى بالعامية، عام 1839، في جامعة سانت بطرسبورغ، أما أطروحته الثانية فكانت عن ابن الفارض. وفي هذا السياق لا مندوحة من الإشارة إلى أن الأستاذ الفذّ المرحوم يوسّي تنلي أرو (Jussi Taneli Aro, 1928-1983) كان قد أعدّ فهرسا بمخطوطات فلين، كما ونشر أرو بالاشتراك مع زميله الأستاذ أرْمَس سَلونِن مقتطفاتٍ من مذكرات ?لين ورسائله تحت عنوان: “رحلات علمية بين العرب”.
تمتاز كتابات فلين بالدقّة والأمانة العلمية وهو من خير النماذج للمستشرق الأمين الموضوعي وطالب علم بحق وحقيق كما يقول بنو قحطان. يبدو أنه كان مغرماً بالبدو وبحياتهم ويقول عنهم في ص. 107
“وفي بدء عيشي بين العرب الرحّل دُهشتُ كثيرا لرؤيتي الصغار الذين تتراوح أعمارُهم بين ثلاث واثنتي عشرةسنة، يرافقون المسنين، ويُسمح لهم بمبادلتهم الحديث، ويُستشارون أحيانا في مواضيع تفوق مستواهم، فيُصغى إلى أقوالهم ويعيش الصغار مع أهلهم في محبّة وألفة. ولم أر في الصحراء تلك المشاهد الكريهة المألوفة في مصر، مشهد والد حانق يضرب ابنه، ولا رأيت الاستعباد الذي يلقاه صغار الأتراك إذ لا يسمح لهم بالجلوس أو الكلام في حضرة أبائهم المتعجرفين، ولم أر في العالم كله أولادا أكثر تعقّلاً وأحسن خلقا وأكثر طاعة لأبيهم من أبناء البدوي”.
من القبائل البدوية التي يذكرها فلين: التباها (بنو الرشيد والحكوك)، الترابين، الحويطات، العلاوين، الطوَرة، بنو العمران، الشرارات، عنزِة وتنقسم إلى الرولة (أو كلاس شعلا) والفُقْراء ووِلد سِلمان والنايف، بنو صخر، المسعوديون، الحجّايا، الشمّر، عرب معازة، بنو عقبة، السعيدون، العُمّر، العباس، السلْمان، الهبوب، دربة، مناحي، أرمال.
عينة لهجية: أهل الحيط = أهل المدن؛ أهل الشعر = البدو؛ الصواني = كل الحيوانات المستعملة للري؛ نقرة الشام = حوران؛ مشلح = عباءة في الجوف؛ طاووس = تلال رملية في منطقة النفود؛ ءأولاد الشيخ = الوهابيون؛ بكّار، ج. بكاكير = كوخ مؤقت من الجريد وسقفه من الخوص.
في المتحف الوطني في هلسنكي بعض ما جلبه فلين معه من بلاد العرب وفي مكتبة جامعة هلسنكي ومخطوطات المجلدات واليوميات العديدة التي سطّرها خلال رحلاته. على قبره في مقبرة هيتانيمي (Hietaniemi) في هلسنكي مكتوب Georg Aug. Wallin وبالعربية “عَبْدُ ال وَالِى”.
سبق فلين في زيارة مكّة من الأوروبيين تسعة على الأقلّ. يبدو أن أولهم كان الإيطالي Ludovico de Varthema عام 1503. وقد عبّر المستشرق الفنلندي في رسائله عن رغبته الشديدة بمغادرة وطنه قاسي المناخ متوجها صوب بلاد العرب. كما ونوى ترك حياته الشاقة وهي تعليم الألفباء العربي للطلاب الشبان. الهدف من وجودي، قال فلين، العودة إلى الشرق لا سيما صحراء العرب. أراد ذلك الرجل أن يبحث عن ملجأ في البراري فارّاً من الجوّ الجائر، القارس والمعتم، في أوروبا. كان يبحث عن السلام والسكينة بعيدا عن الخداع والتفاهات وصلابة الأوروبيين ليعيش بدويا حرا طليقا ويلاقي وجه ربّه في آخر المطاف بين أبناء البيداء الأحرار الذين أحبهم وعمل جاهدا على جمع شعرهم. لم يتمكن ?لين من تحقيق رحلته الجديدة إذ مات فجأة قبل أن “يطبق” من العمر واحدا وأربعين عاما إلا يوما واحدا. هناك في هلسنكي شارع يحمل اسمه منذ العام 1901.
وثمة نقطة هامّة لا مندوحة من ذكرها قبل إطراح القلم، وهي ما خطّه عبد الوالي في مفكرته أثناء مكوثه بضعة شهور في انجلترا عام 1850 بعد مغادرته لشبه جزيرة العرب وقبيل رجوعه إلى أرض الوطن. لقد سجّل عبد الوالي هذه الملاحظة إثر لقائه بعربي في لندن: “ما أحمقني! إني عند سماعي لتلك الأصوات المألوفة والغالية تمثلت كل صور البيداء ورموزها في مخيلتي، والآن لا أعلم أيهما أحِبّ أكثر لغة أمي والشعب الفنلندي أم العرب ولغتهم”.
في خاتمة هذه العُجالة عن المستشرق الفنلندي فلين الذي ثيستحقّ دراسة مستفيضة بالعربية، لا بد من تسليط الضوء على نقطة ذات بال تجلّت في شخصيته وبحثه العلمي ونقطة أخرى هي بمثابة عبرة وعظة لمن يتّعظون ذات يوم إما خفية وإما علانية وجهرا. لقد أحبّ ?لين موضوع بحثه، اللغة العربية والحضارة العربية، واحترم أهلها فما تعلّمه علما وعملاً للغة الضاد بشقيها الرئيسيين، الفصحى والعامية، إلا خير دليل قاطع على ما نرمي إليه. كان ذلك قبل قرن ونصف من الزمان تقريبا، إذ لا يمكن للباحث الحقيقي، وكم بالحري بالنسبة للأستاذ الجامعي، أن يصل إلى فهم شامل وعميق لحضارة العرب دون السيطرة التامّة على اللغة العربية بمهاراتها الأربع، الإصغاء والتكلم والقراءة والكتابة ومن ثم التعرف الجدي والمباشر على عاداتهم وتقاليدهم في شتّى مناحي الحياة.
في مقدور شخص معيّن أن يقوم بترجمة نص عربي قديم إلى لغة أمّه دون أن يكون قادرا على التفوّه بجمل معدودة حتى ولو كانت ركيكة “وعرجاء” إذ أن مِِِهنة ذلك الشخص هي الترجمة إلى لغة أمّه وقد يكون مترجما ناجحا أو فاشلا أو ما بين هذا وذاك ولا يتصوّر أيّ عاقل حتى في أحلام اليقظة أن مثل هذا الانسان يصلح لتدريس لغة حية معينة ناهيك عن لغة عريقة وثرية كاللغة العربية.
تسنّى لكاتب هذه السطور أن يلتقي للمرة الأولى بأستاذ اللغات السامية في جامعة هلسنكي، المرحوم يوسي أرو، في عمارة بورثانيا قبل ربع قرن تقريبا. الحق يقال إنني لم أصدّق أذنيّ أن محدثي كان أجنبيا على الإطلاق، إذ أنه تحّدث بالعربية العامية الفلسطينية معي بطلاقة ابن اللغة القح. وإنصافا للمرحوم أرو علينا أن ننوّه أن اكتسابه للغة العربية والتمكن منها كانا ثمرة باحث فذّ عصامي يحترم نفسه أولا وقبل كل شيء ويحترم اللغة العربية مكتوبة ومحكية وحضارتها قديما وحديثا. لم يكن ذلك العلم نتيجة شرط في السياسة الأكاديمية يقضي بأن على الأستاذ الجامعي أن يجيد اللغة التي يدرسها علما وعملا فمثل ذلك لا وجود له وللأسف بل تلبية لما يتطلبه الواقع والضمير الحيّ. إن التكلم عن اللغة العربية شيء والتحدث بها شيء آخر وشتّان ما بينهما، سؤال ملحاح يطرحه رجل الشارع البسيط والأكاديمي البارع على حدّ سواء: ما هي الوسيلة السحرية التي يستخدمها أستاذ جامعي في تدريس لغة حيّة لطلابه وهو عاجز كل العجز عن التكلم بها، بل كيف يمكن أن يكون قدوة حسنة للجيل الصاعد. يُقال في اللهجة الفلسطينية “عيش كتير بتشوف كتير”، “التلم لِعْوج من التور لِكْبير”. وقد يكون من الملائم الإشارة إلى أن القدرة على إلقاء الخطابات باللاتينية كانت من المهارات الأساسية لكل شخص متعلّم في القرن السابع عشر في توركو وشتّان ما بين اللاتينية آنذاك قبل ثلاثة قرون ولغة الضاد اليوم في القرن الحادي والعشرين.
رحِم الله القدير فلين وأرو ومنّ على عروس البلطيق بضئضئي بار لهذين الجهبذين في لغة الضاذ وأدابها وثقافتها في المستقبل المنظور خدمة للعلم والمعرفة في بلاد الشمال وديار العرب أجمعين.

إيمان أحمد ونوس
20-05-2008, 01:45 PM
بحث قيّم ورائع أ. د. حسيب شحادة
لما فيه من معلومات وفائدة وتعريف بأحد أهم المستشرقين الذين حلوا في بلادنا للتعرف على جغرافيتها وشعوبها ولغتها...
وهي بذات الوقت تعزز مقولة أن يحب الإنسان ما يقوم به من مهام وأعمال، لا أن يؤدي أداءً وظيفياً روتينياً خالٍ من الابداع والاجتهاد.
وما ينقصنا في عالمنا العربي، أو لنقل ما يقلل من أهمية اوقيمة عقدة النقص العربية تجاه الغرب، هو تعمقنا بلغتنا وآدابنا وتراثنا
لا جموداً، بل تطوراً وارتقاءً بآدابنا ومفكرينا للمستوى الذي يستحقونه.
كل التقدير دكتور حسيب لهذه المادة القيمة والهامة فعلاً.

محمد علي محيي الدين
20-09-2008, 07:32 PM
الأستاذ الفاضل

معلومات قيمة وجديدة أتحفتنا بها الف شكر لك على هذا الجهد الكبير ودراستك الهامة لهذا المستشرق الذي أطلعنا على الكثير عنه من خلالكم