سعدي عوض الزيدي
09-04-2009, 02:16 AM
القصة في مسارات التجديد
*
في اواسط السبعينات اوقبلها بقليل ظهرت اصوات كردية قصصية شابة ..أفادت كثيرا من عملية الأنفراج السياسي والأنفتاح على النشر باللغتين العربية والكردية ..يضاف له طموح هولاء الشباب في اختراق العزلة .....وقصص غفور صالح وشيرزاد حسن واحلام منصور علامات بارزة في مسارات التجديد في القصة الكردية ........................
غفور صالح عبد الله : قصة جديدة وواقع متسارع
ولج عالم الكتابة في أواسط السبعينات وإذ بدأ القاص"21" في هذه المرحلة , يعني انه دخل البيت القصصي في مرحلة مهمة جدا" , هي مرحلة احتدام التجارب في الأدب الكردي – عموما" – ولاسيما إن النضج الإبداعي في هذه الفترة بدأ يعطي ثماره , إضافة لذلك فأن كثيرا" من العلامات لهذا الإبداع قد تحددت ملامحها فلم تعد القصة الكردية , ذلك المضمار السهل الذي يستطيع خوضه كل من عنت له الفكرة – فكرة الكتابة 0
في مثل هذا الظرف بدأ القاص وإذا ما تتبعنا مسيرته فيما بعد نجده يحمل من مخلفات هذه الحقبة الكثير وخاصة في الجانب الأسلوبي وعدم الاستقرار في منحاه .. تارة" يكتب النفسي مستفيدا" من كل معطيات المدرسة النفسية وتارة" نجده الموبساني لاهثا" وراء شخوصه من اجل نهاية تليق برصف الأحداث لابمنطقيتها رغم تسليمنا بأن لامنطق يحدد القاص غير العملية الإبداعية فأنه في هذا النوع من القصص لا يتوخى المنطق السالف .. لكن معرفة هذا القاص خلال الاستنتاج توصلنا إلى إن القلق الكبير الذي يغمره في أثناء عملية الكتابة تضطره إلى التواصل مع شخوصه بما يشبه الانقياد متجاوزا" انصهاره في التجربة ونضجها في ذهنه ليكتبها مرات متعددة وبصور مختلفة .. وحينما يرى ضرورة في التخلي عن أسلوب اختطه لنفسه أو منهج اتبعه من اجل تجربة جديدة فأنه يسعى إليها غير آسف لجهد بذله .. هذه الأطوار التي مر بها ويمر بها الكاتب لا تدل على قلق في فراغ لكنها صورة من صور الكفاح اليومي الذي يرسم نفسه على الورق وبشكل شخوص من الواقع المتسارع في ثغراته والفجائية في الحصيلة .. هذه الشخوص مثل واقعها متقلبة , قلقة , مخادعة , متحولة ... والتحولات لدى شخوصه : تحول الجليد إلى سائل (تحت حرارة باهته) بشكل بطئ يبعث القرف والانتظار على هذه الشاكلة يولد الاحتجاج ويثير الكوامن الحفية _ النفسية في اغلبها - ويحفزها ويثير ترقبها إلى نهايات مفزعة أو غائمة على اقل احتمال ولعل قصص (التمثال والرجل) و(جولة في المدينة الصعبة)و (عودة سالار) و(الثلج والجدار)"22" خير أمثلة على ذلك . مع امتياز هذه القصص بالإطالة والتكرار ذلك التكرار المماثل للجليد (وفر, صقيع , ثلج) المسوغ بدلالة المقابلة أو التماثل . والمقابلة لديه جماد قاس يثير الحفيظة (جدار = ثلج) ,( تمثال = رجل كالتمثال) , (مدينة مبهمة = استفهام) .
وهكذا تفر الحيويات إزاء شموخ الجماد وإزهاق نفس الإنسان الذي يدب دبيبا" حزينا" في القرى الكبيرة كالمنقطعات , في الشوارع العريضة والغريبة المزدحمة السكان المقذوف فيها بطله ... لذا فهو دائم
التساؤل , دائم الاحتجاج , كثير التذمر والتذمر يأتي من زحف أدوات الإنسان على وجوده ورغم إن شخوصه من البسطاء لكن تلك الأدوات تثقل الكاهل ... كزحف المدينة على القرية الخضراء , اتساع المدن وامتلاء دروبها بالعجلات ومحلات بيع كل شئ .. انه تذمر متصاعد ما دامت تلك الامتدادات لا حدود لها وليس من نهاية يرتضيها الإنسان ذاته لها .. إنها نهايات ذات بدايات متسعة وسيتسع عنها السؤال وتكبر معها علامة الاستفهام حينما يكون بطل القصة (كاتبا") فأنه يكتب ويروي بخطاب يجمع كل العقد..
وغفور صالح عبد الله يخاطب من خلال أبطاله فهم يستصرخون ولا يتجسدون بقدر ما يشيرون هم الى الخريطة الحياتية ومنحنياتها ..
• شيرزاد حسن : منحنيات الفن والتجربة الخاصة
حينما تضحي التجربة الخاصة تاريخا" متسعا" لاحتواء الفن , فأن الشخوص الثانوية تجد نفسها مضطرة لاختراق جدران مفترضة ومفروضة جدلا" والرؤية الفكرية تغدو محاججة مقحمة تفرضها طبيعة رصف الأحداث لا طبيعة الواقع الذي تخوض غماره ولا الرؤية الفنية الواعية لكنه الواقع المركب واعتراض الفن ورؤية الذات . أحيانا" يروم الكاتب من خلال الصور المتداخلة والشخصيات الحادة في تحركها الفوضوي إعلان هجائه غير المباشر لكن دون أن يدري علق يافطة للشتم وهذا ما لا يرغبه القاص أو ما لا يتفق مع مسعاه الفكري – الاجتماعي – الذي سيتضح فيما بعد فأي نمط أراد القاص شيرزاد حسن اختراقه.؟
نمط الفن .؟
نمط الحياة بعمومها ..؟
نمطيات الواقع باختلافها ..؟
وأي واقع أراد تصويره والعبور من خلاله إلى منحني الفن والتجربة الخاصة ؟ من خلال نماذجه القصصية نجده لا ينشغل كثيرا" بالفن والتقنيات بقدر انشغاله ألمضموني فهو يسعى جاهدا" لإيصال أفكاره ورؤاه الخاصة وفق تجربته الخاصة ككاتب لاسيما قصة ما وراء الباب الحديدي"23" ومضمونا" موضوعة القصة الإنسانية مبررة وخالدة عبر العصور ألا وهي موضوعة الحب وجدل الاستمرار عبر الحب والتواصل ولكن شوك الواقع هل يبقي الشوق كما جذوته الأولى حيث الانتظار والاحتراق والتوله – الإرادي – إن هذا الشوك يكبر ويتسع حتى يحيل المروج إلى فناء فالفقر شوك ونوازع ورغبات الطرف الأخر المغايرة والتطلعات غير المشروعة شوكا" آخر لا بد أن يأتي يوما" ليسحق الحب فنيران واحتراقات الشوق ليست بقادرة على الإتيان بأوارها على الأشواك مهما يبست إذ أن سياج الهجر والصد يمنع وصول شعله كهذه .. فيضل البطل الراوي والكاتب في شوارعه وغرفه الضيقة يرى كل شئ بعين المتحسر الفاقد والرافض عن قناعة في دخول أروقة الاتجار والأرقام وحسبان خفقات القلب وفق معطيات السوق انه يخلق ملاذه الفلسفي الحياتي والتبرم والضيق والاعتداد بالتجربة تجربة – البطل الخاصة – التي لانعرف ماهيتها سوى إننا نجد التبرير المناسب من خلال القصة بأن البطل أو الراوي هو لسان حال الكاتب , الكاتب الذي أراد خلق انسجام ما بين التجربة {الخاصة جدا"} وفلسفته ولم ينطلق من بعد جماعي لموضوعة كهذه مطروقة ومعروفة في القصة العراقية عموما" والكردية خاصة إن المثير في الموضوع هذا التحول من رؤية الوجدان إلى منطقة حرب - أي حرب – بالهجوم خير وسيلة للدفاع :((رغم كل الهدوء البادي على وجهك يتلاطم بحر انتقام في أغوارك ولذا تتدلى هابطا" في داخل ذاتك)) القصة 0
بحر الانتقام هذا لا يتولد نتيجة حب إنسانية وإنما هذا التعليق المرير – تدليا" – بالحياة والتجاوز الرمزي أو عبور الرمز من شبكة الذات إلى ميدان الوجود هو الذي منح شيرزاد حسن حرية الانتقال من حال إلى أحوال في قصة واحدة ضاجة بالاسترسال العاطفي وذكر التفاصيل الصغيرة والكبيرة عبر سياحة طويلة من الأزقة المظلمة إلى قصر الحبيبة لاتخلو من الملل وفائض وصفي هنا وهناك 0 والفائض الوصفي الذي سقطت في قصة (( ما وراء الباب الحديدي)) لا نجد له أثرا" في قصة ((الفزاعة))"24" والفزاعة قصة يمكن أن يقال عنها الكثير فبالإضافة إلى امتيازها بالتفوق الفني حد الإبداع الكبير فأنها تزاوج بشكل لافت للنظر بين الواقعي والرمزي ومع اتفاقها مع القصة السالفة في اختيار الموضوع المطروق والمطروق جدا" , الاستغلال الجشع وحيوانية الملاك لكن القاص وبمسحة فنية مقتدرة استطاع الخروج من مأزق المألوف والتوافق الرمزي مع الواقعي استولده وعي القاص الباحث عن الرموز الموائمة لإحداث القصة ..
تتصاعد الأحداث , تتأزم , يتكاثر الأطفال – الفزاعات – وأسراب العصافير هي الأخرى تتكاثر , يوازي تكاثرها أعواد القمح ويكبر قلق ((جلبي وصنيعة حمد)) انه الغزو البربري (( للعصافير)) هكذا يود
أن يقول الملاك وإزاء تحول هذا الكائن الصغير اللطيف اللصيق بالبراءة إلى نقمة وتساؤل حائر ما جدوى هذه الأسراب والسؤال مبطنا" بالحقد وحب الأملاك فقط فلا بد من الاستعانة بحمد – أو بالأحرى تنفيذ اقتراح حمد بجلب المزيد من الأطفال ليكونوا فزاعات تذود عن الحقل وهكذا يتحول الأطفال إلى فزاعات وتحت لهيب الشمس الحارقة تتجمد الأجساد الطرية وتغدو فزاعات حقيقية وبأنتقالة نادرة يحقق القاص قفزته الفنية القوية باحتواء مقتدر لمفاصل الاتجاهات الفنية فمن الواقعي الرمزي إلى العصر السريالي عبر خطوط متداخلة وبعبارات موجزة سهلة يقتنص فيه صيدها , وصيد شيرزاد حسن في هذه القصة كبير وثمين تمثل في تلك المزاوجة البديعة بين الاتجاهات والمدارس الأدبية واختراقه القوي لأحادية المذهب أو الاتجاه مدللا" على أن قلم الكاتب وذهنه لهما القدرة الكاملة على الاستحواذ على المساحة الشاسعة التي يشتغل في أراضها وكذلك له قدرة التحليق في فضائها الآمن 0
وبعد هذا الخوض في قصتي ( شيرزاد حسن ) يمكن تلمس خطوط التطوير الكبير في مجالي الموضوع والاقتصاد السردي إذا جاز التعبير فذلك الفيض الوجداني الذي انساب هنا وهناك خارج مساحة القصة في (ما وراء الباب الحديدي) يتلاشى تماما" في قصة الفزاعة واخذ مجاله الطبيعي دون اللجوء إلى الإيضاحات الزائدة في بعض الأحيان وغير المبررة وكأنه يتخذ القصة مناسبة لحشر المعلومات الكبيرة واللافتة للنظر التي تطغى في بعض الزوايا على موضوعة القصة الأساسية 0 فكيف تحولت القصة من حقل متنوع النباتات إلى حقل مخصص مثمر خال من الأدغال والأشواك 0
اعتقد هذا التحول جاء نتيجة صراع حاد مع الذات التي استخدمها في تشذيب حقله لم يكن من الميسور الحصول عليها دون إهمال الكثير من التأوهات والحشرجات الذاتية واغتنام الفن كوسيلة من وسائل الإيضاح الفكري والمعبر القوي إلى ضفة اختار محط قدمه فيها بشكل واسع 0
* * *
• أحلام منصور : لعبة احتواء الأفكار
هرمت المرأة الشابة قبل الأوان"25" . بح صوتها واجتاح البياض اللعين الأماكن التي تتوق لان تظل سوداء لا حبا" في السواد ولكن هي شهوة الحياة والرغبة في القبض عليها بقوة , بصرامة تشبه ذلك القيد الكاسر الذي يخنق المرأة الشرقية منذ الأزل 0
وارى سوء طالع أي امرأة تحاول خوض معمعة الفن فأنها تختار صلبها من صنع يديها وستنسج ثيابها السود على مهل ويشتعل رأسها بالشيب . إنها ضريبة قاتلة وقاسية تدفع ثمنها لا عن طيب خاطر أو صحوة مزاج بقدر ما هو الثمن المعلوم لقاء البقاء في ميدان الاحتراق 0
ومن تود احتراقا" كهذا ستوافي الشيخوخة مبكرا" وهذا ما يصح تماما" على القاصة (أحلام منصور) المرأة الكردية , العراقية . والقاصة المتمردة على كل شئ والرافضة لأشياء عديدة ومغزى هذا التمرد والرفض الحب الزائد للحياة , الذات , قل ما شئت بالرغم من أنها ترى الدنيا تمشي بالمقلوب وأحلام تعرف هذا المقلوب فتصب جام غضبها فوق رأس الحدث , الفعل فتمسكه من ذيله ليتدلى على رأسه ولا تتوانى عن رفسه بأقدامها أو تشخر منه , تشتمه , فلا تبالي بشيء سوى إنها تفتت أو تمزق الأحداث في بنية السرد لأنها هكذا ترى الأشياء ومعذور من يفصل ما يرى حسب درايته حتى لو أضحى مهلهل الشكل أو يفتقر إلى الترتيب وعدم الانسجام مع أذواقنا أو اختلف عن اعتيادنا باختلافه عن المألوفات هي ليست كذلك . لقد اعتدنا اختلاف قوانين خاصة لكل فن والأفكار المبدعة خالقة لقوانينها الخاصة بذاتها . ان الفضيلة التي يجب أن تسجل للفنان صدقه مع ذاته فمن حقه تشكيل أو صنع نماذجه 0
لقد وجدت القاصة نفسها متوزعة بين فضاء الأدب ومحرقة الحياة وصعب مفارقة احدهما . والأصعب تلك الموازنة بين ميزانين يفترقان عند الاشتغال , فكيف بها التحليق بفرح بعيدا" عن فضاء المحرقة..؟
فما القضية التي تبحث عنها أحلام منصور ..؟
هل هي قضية الدفاع عن حقوق المرأة مثلا" ..؟
هل هو الدفاع عن حقوق الرجل المهدورة في قلوب النساء وباحة الأحلام ..؟
إن القاصة لاتعاني من كل هذه العقد تماما" فتمارس نضالها اليومي من اجل حياة أكثر إشراقا" . حياة تود لو تتلمس ملامحها في كل شئ بعيون المرأة وخشونة رجل , تغريد الأطفال في الصباحات الشتائية ...
ولأجل أن لايبخس حق القاصة فأنها لاتعاني من قيود المجتمع الصغيرة بالقدر الذي تعانيه من احباطات الإنسان المفكر العالم لأسباب المشي بالمقلوب 0
هي تعي أسباب الانحرافات في الواقع وتخالف هذه المعرفة حتى يتوهم من ينظر إليها في نتاجها القصصي بأنها ترى الواقع بنظر منحرف ...
لم تر الواقع بنظر منحرف فالبناء القصصي لديها يشير إلى ترتيب ذهني يخالف ترتيبنا للأشياء التي اختلقها لنا التلقين الطوعي , بحثا" عن السهولة وابتعادا" عن كد الذهن بفعالية منتجة .. فكيف يغدو للثلج رمادا" ؟ فأي سخرية مرة هذه من جميع الجمادات أو المجمدات الاجتماعية ...؟ من خلال مجمل نتاجات القاصة نعثر على الانهيارات المتعددة لبنى التواصل الإنساني والحضاري وهذا التداخل في الأحداث أو الطلسمية التي تبدو واضحة في أكثر قصصها , ما هي إلا الانعكاس المقصود والمرسوم لنتائج ما بعد الانهيار : فشل في الحب : الموت غرقا" : دهس سيارة : بيت آيل للسقوط : امرأة معصبة العينين (وهنا نجد عيون معصبة , امرأة معصبة العينين) . إنها العتمة المصورة والملتقطة بعدسة عارف لمغزى وأسباب التشوهات - والتشوهات في قصصها متعددة ومتنوعة وأقسى تشوه تراه القاصة : الاختراق النفسي بين الإنسان وواقعه – التغرب والإحساس الدائم بالغربة – ولعل تلك الصور الموحية للخراب والذعر تتجسد في نهايات قصصها , حيث تتكرر صورة واحدة وبجمل مختلفة : -
((وغدا خندقي يشبه القبر فما بال السماء لاتبكي)) 0
((هكذا رفعوني فوق أكتافهم واندفعوا خارجا" , لم يتبع جنازتي احد , عدا فردتي حذائي العتيقين)) 0
وهكذا يمكن اكتشاف هذه الصور المفزعة , الحادة التي تدل على إحباط كامن لا يمكن التخلص منه وإذا ما كانت القاصة تعرض : المرارة , الانهزام , القنوط – عرضا" . فأنها في قصصها المتأخرة تلجأ الى السخرية المرة المحرقة – كوميديا سوداء – وكأنها تحولت من الاحتجاج بطريقة الإعراض عن الشيء إلى إظهار اللسان والتمتع بالألم والتفرج عليه حد التشهير وفضح الألم ...
في واحدة من قصصها المتأخرة تحكي بطلة القصة وهي الكاتبة ذاتها تفاصيل تمرد (الأشياء)"26" الخاصة على صاحبتها : النظارة الطبية (أحلام تستخدم النظارة) , المحبرة والقلم (وهما من أدواتها في العمل الأدبي والصحفي) , الحذاء , المرآة ... الخ 0 هذه الأشياء اللوازم تتحول إلى شخوص ناطقة وثائرة على صاحبتها . بل النقمة تتفاقم إلى حد دعوة القلم (هولاء الأصدقاء – بقية اللوازم - ) إلى الطيران وهجرة صاحبتهم نهائيا" . فحسنما يهجرها القلم وتتعرى قدماها من الحذاء ويجف عنها الحبر وتتمانع الأوراق عن الانصياع لها , فما الذي يتبقى لبطلة القصة – الكاتبة – ومن ثم لأحلام منصور – بتحديد ضيق –
الشعور باللاجدوى هو الذي السن الأشياء وحمل الكاتبة وزر البوح بهذه الأسرار , فما المشاجرة التي حصلت بينها وبين خصوصياتها الجمادية – اللوازم , شخصية , ذاتية , خاصة جدا" . طلاق تام مع الأشياء المحيطة .. لانغفل إن أحلام منصور تهتم بالفن القصصي وتحرص على إنتاج قصة فنية ولكنها تشوش أحيانا" بقصديه , أي تستخدم تعمية مقصودة وهي واحدة من وسائلها في الإيصال وغالبا" ما تجرب ولا تستقر على نمط واحد واعتقد أنها سوف لا تستقر أبدا" , حيث أنها طلقت التوافق نهائيا" مع الأشياء – كما يبدو من قصصها ... وبدقة ووضوح اكبر نقول : بالقدر الذي تلزم القاصة فيه نفسها باحتواء الأفكار الإنسانية الكبرى ومحاولتها الجادة والمستمرة في خلق كينونتها الخاصة . فإنها تقابل هذا الالتزام الذي يصل في بعض الجوانب إلى الإلزام . فإنها كثيرة الخرق لقوانين القص ولا اعتقد بأنها تقر بقوانين خاصة تتحدد بها وبعبارة أخرى نزوحها الدائم نحو نص قصصي مجرب , والعملية لديها , برمتها تجربة ومحاولة سبر أغوارها وأغوار المحيط المعتم "27"..
ومن نتائج التجريب والمحاولات المستمرة فيه الوقوع في منطقة تتأرجح بها القصة بين رغبة الكاتبة لان تبوح بكل شئ وصنع قصة مشذبة فيها من أناقة المرأة الكثير . فهل لأحلام منصور بعد هذا الشوط الطويل , المرهق من الاتكاء على قوائم جسر في قرية قصية وادعة أو أنها ستواصل تحليقها بأجنحة طائرة اللامبالاة "28" ..؟
* * *
*
في اواسط السبعينات اوقبلها بقليل ظهرت اصوات كردية قصصية شابة ..أفادت كثيرا من عملية الأنفراج السياسي والأنفتاح على النشر باللغتين العربية والكردية ..يضاف له طموح هولاء الشباب في اختراق العزلة .....وقصص غفور صالح وشيرزاد حسن واحلام منصور علامات بارزة في مسارات التجديد في القصة الكردية ........................
غفور صالح عبد الله : قصة جديدة وواقع متسارع
ولج عالم الكتابة في أواسط السبعينات وإذ بدأ القاص"21" في هذه المرحلة , يعني انه دخل البيت القصصي في مرحلة مهمة جدا" , هي مرحلة احتدام التجارب في الأدب الكردي – عموما" – ولاسيما إن النضج الإبداعي في هذه الفترة بدأ يعطي ثماره , إضافة لذلك فأن كثيرا" من العلامات لهذا الإبداع قد تحددت ملامحها فلم تعد القصة الكردية , ذلك المضمار السهل الذي يستطيع خوضه كل من عنت له الفكرة – فكرة الكتابة 0
في مثل هذا الظرف بدأ القاص وإذا ما تتبعنا مسيرته فيما بعد نجده يحمل من مخلفات هذه الحقبة الكثير وخاصة في الجانب الأسلوبي وعدم الاستقرار في منحاه .. تارة" يكتب النفسي مستفيدا" من كل معطيات المدرسة النفسية وتارة" نجده الموبساني لاهثا" وراء شخوصه من اجل نهاية تليق برصف الأحداث لابمنطقيتها رغم تسليمنا بأن لامنطق يحدد القاص غير العملية الإبداعية فأنه في هذا النوع من القصص لا يتوخى المنطق السالف .. لكن معرفة هذا القاص خلال الاستنتاج توصلنا إلى إن القلق الكبير الذي يغمره في أثناء عملية الكتابة تضطره إلى التواصل مع شخوصه بما يشبه الانقياد متجاوزا" انصهاره في التجربة ونضجها في ذهنه ليكتبها مرات متعددة وبصور مختلفة .. وحينما يرى ضرورة في التخلي عن أسلوب اختطه لنفسه أو منهج اتبعه من اجل تجربة جديدة فأنه يسعى إليها غير آسف لجهد بذله .. هذه الأطوار التي مر بها ويمر بها الكاتب لا تدل على قلق في فراغ لكنها صورة من صور الكفاح اليومي الذي يرسم نفسه على الورق وبشكل شخوص من الواقع المتسارع في ثغراته والفجائية في الحصيلة .. هذه الشخوص مثل واقعها متقلبة , قلقة , مخادعة , متحولة ... والتحولات لدى شخوصه : تحول الجليد إلى سائل (تحت حرارة باهته) بشكل بطئ يبعث القرف والانتظار على هذه الشاكلة يولد الاحتجاج ويثير الكوامن الحفية _ النفسية في اغلبها - ويحفزها ويثير ترقبها إلى نهايات مفزعة أو غائمة على اقل احتمال ولعل قصص (التمثال والرجل) و(جولة في المدينة الصعبة)و (عودة سالار) و(الثلج والجدار)"22" خير أمثلة على ذلك . مع امتياز هذه القصص بالإطالة والتكرار ذلك التكرار المماثل للجليد (وفر, صقيع , ثلج) المسوغ بدلالة المقابلة أو التماثل . والمقابلة لديه جماد قاس يثير الحفيظة (جدار = ثلج) ,( تمثال = رجل كالتمثال) , (مدينة مبهمة = استفهام) .
وهكذا تفر الحيويات إزاء شموخ الجماد وإزهاق نفس الإنسان الذي يدب دبيبا" حزينا" في القرى الكبيرة كالمنقطعات , في الشوارع العريضة والغريبة المزدحمة السكان المقذوف فيها بطله ... لذا فهو دائم
التساؤل , دائم الاحتجاج , كثير التذمر والتذمر يأتي من زحف أدوات الإنسان على وجوده ورغم إن شخوصه من البسطاء لكن تلك الأدوات تثقل الكاهل ... كزحف المدينة على القرية الخضراء , اتساع المدن وامتلاء دروبها بالعجلات ومحلات بيع كل شئ .. انه تذمر متصاعد ما دامت تلك الامتدادات لا حدود لها وليس من نهاية يرتضيها الإنسان ذاته لها .. إنها نهايات ذات بدايات متسعة وسيتسع عنها السؤال وتكبر معها علامة الاستفهام حينما يكون بطل القصة (كاتبا") فأنه يكتب ويروي بخطاب يجمع كل العقد..
وغفور صالح عبد الله يخاطب من خلال أبطاله فهم يستصرخون ولا يتجسدون بقدر ما يشيرون هم الى الخريطة الحياتية ومنحنياتها ..
• شيرزاد حسن : منحنيات الفن والتجربة الخاصة
حينما تضحي التجربة الخاصة تاريخا" متسعا" لاحتواء الفن , فأن الشخوص الثانوية تجد نفسها مضطرة لاختراق جدران مفترضة ومفروضة جدلا" والرؤية الفكرية تغدو محاججة مقحمة تفرضها طبيعة رصف الأحداث لا طبيعة الواقع الذي تخوض غماره ولا الرؤية الفنية الواعية لكنه الواقع المركب واعتراض الفن ورؤية الذات . أحيانا" يروم الكاتب من خلال الصور المتداخلة والشخصيات الحادة في تحركها الفوضوي إعلان هجائه غير المباشر لكن دون أن يدري علق يافطة للشتم وهذا ما لا يرغبه القاص أو ما لا يتفق مع مسعاه الفكري – الاجتماعي – الذي سيتضح فيما بعد فأي نمط أراد القاص شيرزاد حسن اختراقه.؟
نمط الفن .؟
نمط الحياة بعمومها ..؟
نمطيات الواقع باختلافها ..؟
وأي واقع أراد تصويره والعبور من خلاله إلى منحني الفن والتجربة الخاصة ؟ من خلال نماذجه القصصية نجده لا ينشغل كثيرا" بالفن والتقنيات بقدر انشغاله ألمضموني فهو يسعى جاهدا" لإيصال أفكاره ورؤاه الخاصة وفق تجربته الخاصة ككاتب لاسيما قصة ما وراء الباب الحديدي"23" ومضمونا" موضوعة القصة الإنسانية مبررة وخالدة عبر العصور ألا وهي موضوعة الحب وجدل الاستمرار عبر الحب والتواصل ولكن شوك الواقع هل يبقي الشوق كما جذوته الأولى حيث الانتظار والاحتراق والتوله – الإرادي – إن هذا الشوك يكبر ويتسع حتى يحيل المروج إلى فناء فالفقر شوك ونوازع ورغبات الطرف الأخر المغايرة والتطلعات غير المشروعة شوكا" آخر لا بد أن يأتي يوما" ليسحق الحب فنيران واحتراقات الشوق ليست بقادرة على الإتيان بأوارها على الأشواك مهما يبست إذ أن سياج الهجر والصد يمنع وصول شعله كهذه .. فيضل البطل الراوي والكاتب في شوارعه وغرفه الضيقة يرى كل شئ بعين المتحسر الفاقد والرافض عن قناعة في دخول أروقة الاتجار والأرقام وحسبان خفقات القلب وفق معطيات السوق انه يخلق ملاذه الفلسفي الحياتي والتبرم والضيق والاعتداد بالتجربة تجربة – البطل الخاصة – التي لانعرف ماهيتها سوى إننا نجد التبرير المناسب من خلال القصة بأن البطل أو الراوي هو لسان حال الكاتب , الكاتب الذي أراد خلق انسجام ما بين التجربة {الخاصة جدا"} وفلسفته ولم ينطلق من بعد جماعي لموضوعة كهذه مطروقة ومعروفة في القصة العراقية عموما" والكردية خاصة إن المثير في الموضوع هذا التحول من رؤية الوجدان إلى منطقة حرب - أي حرب – بالهجوم خير وسيلة للدفاع :((رغم كل الهدوء البادي على وجهك يتلاطم بحر انتقام في أغوارك ولذا تتدلى هابطا" في داخل ذاتك)) القصة 0
بحر الانتقام هذا لا يتولد نتيجة حب إنسانية وإنما هذا التعليق المرير – تدليا" – بالحياة والتجاوز الرمزي أو عبور الرمز من شبكة الذات إلى ميدان الوجود هو الذي منح شيرزاد حسن حرية الانتقال من حال إلى أحوال في قصة واحدة ضاجة بالاسترسال العاطفي وذكر التفاصيل الصغيرة والكبيرة عبر سياحة طويلة من الأزقة المظلمة إلى قصر الحبيبة لاتخلو من الملل وفائض وصفي هنا وهناك 0 والفائض الوصفي الذي سقطت في قصة (( ما وراء الباب الحديدي)) لا نجد له أثرا" في قصة ((الفزاعة))"24" والفزاعة قصة يمكن أن يقال عنها الكثير فبالإضافة إلى امتيازها بالتفوق الفني حد الإبداع الكبير فأنها تزاوج بشكل لافت للنظر بين الواقعي والرمزي ومع اتفاقها مع القصة السالفة في اختيار الموضوع المطروق والمطروق جدا" , الاستغلال الجشع وحيوانية الملاك لكن القاص وبمسحة فنية مقتدرة استطاع الخروج من مأزق المألوف والتوافق الرمزي مع الواقعي استولده وعي القاص الباحث عن الرموز الموائمة لإحداث القصة ..
تتصاعد الأحداث , تتأزم , يتكاثر الأطفال – الفزاعات – وأسراب العصافير هي الأخرى تتكاثر , يوازي تكاثرها أعواد القمح ويكبر قلق ((جلبي وصنيعة حمد)) انه الغزو البربري (( للعصافير)) هكذا يود
أن يقول الملاك وإزاء تحول هذا الكائن الصغير اللطيف اللصيق بالبراءة إلى نقمة وتساؤل حائر ما جدوى هذه الأسراب والسؤال مبطنا" بالحقد وحب الأملاك فقط فلا بد من الاستعانة بحمد – أو بالأحرى تنفيذ اقتراح حمد بجلب المزيد من الأطفال ليكونوا فزاعات تذود عن الحقل وهكذا يتحول الأطفال إلى فزاعات وتحت لهيب الشمس الحارقة تتجمد الأجساد الطرية وتغدو فزاعات حقيقية وبأنتقالة نادرة يحقق القاص قفزته الفنية القوية باحتواء مقتدر لمفاصل الاتجاهات الفنية فمن الواقعي الرمزي إلى العصر السريالي عبر خطوط متداخلة وبعبارات موجزة سهلة يقتنص فيه صيدها , وصيد شيرزاد حسن في هذه القصة كبير وثمين تمثل في تلك المزاوجة البديعة بين الاتجاهات والمدارس الأدبية واختراقه القوي لأحادية المذهب أو الاتجاه مدللا" على أن قلم الكاتب وذهنه لهما القدرة الكاملة على الاستحواذ على المساحة الشاسعة التي يشتغل في أراضها وكذلك له قدرة التحليق في فضائها الآمن 0
وبعد هذا الخوض في قصتي ( شيرزاد حسن ) يمكن تلمس خطوط التطوير الكبير في مجالي الموضوع والاقتصاد السردي إذا جاز التعبير فذلك الفيض الوجداني الذي انساب هنا وهناك خارج مساحة القصة في (ما وراء الباب الحديدي) يتلاشى تماما" في قصة الفزاعة واخذ مجاله الطبيعي دون اللجوء إلى الإيضاحات الزائدة في بعض الأحيان وغير المبررة وكأنه يتخذ القصة مناسبة لحشر المعلومات الكبيرة واللافتة للنظر التي تطغى في بعض الزوايا على موضوعة القصة الأساسية 0 فكيف تحولت القصة من حقل متنوع النباتات إلى حقل مخصص مثمر خال من الأدغال والأشواك 0
اعتقد هذا التحول جاء نتيجة صراع حاد مع الذات التي استخدمها في تشذيب حقله لم يكن من الميسور الحصول عليها دون إهمال الكثير من التأوهات والحشرجات الذاتية واغتنام الفن كوسيلة من وسائل الإيضاح الفكري والمعبر القوي إلى ضفة اختار محط قدمه فيها بشكل واسع 0
* * *
• أحلام منصور : لعبة احتواء الأفكار
هرمت المرأة الشابة قبل الأوان"25" . بح صوتها واجتاح البياض اللعين الأماكن التي تتوق لان تظل سوداء لا حبا" في السواد ولكن هي شهوة الحياة والرغبة في القبض عليها بقوة , بصرامة تشبه ذلك القيد الكاسر الذي يخنق المرأة الشرقية منذ الأزل 0
وارى سوء طالع أي امرأة تحاول خوض معمعة الفن فأنها تختار صلبها من صنع يديها وستنسج ثيابها السود على مهل ويشتعل رأسها بالشيب . إنها ضريبة قاتلة وقاسية تدفع ثمنها لا عن طيب خاطر أو صحوة مزاج بقدر ما هو الثمن المعلوم لقاء البقاء في ميدان الاحتراق 0
ومن تود احتراقا" كهذا ستوافي الشيخوخة مبكرا" وهذا ما يصح تماما" على القاصة (أحلام منصور) المرأة الكردية , العراقية . والقاصة المتمردة على كل شئ والرافضة لأشياء عديدة ومغزى هذا التمرد والرفض الحب الزائد للحياة , الذات , قل ما شئت بالرغم من أنها ترى الدنيا تمشي بالمقلوب وأحلام تعرف هذا المقلوب فتصب جام غضبها فوق رأس الحدث , الفعل فتمسكه من ذيله ليتدلى على رأسه ولا تتوانى عن رفسه بأقدامها أو تشخر منه , تشتمه , فلا تبالي بشيء سوى إنها تفتت أو تمزق الأحداث في بنية السرد لأنها هكذا ترى الأشياء ومعذور من يفصل ما يرى حسب درايته حتى لو أضحى مهلهل الشكل أو يفتقر إلى الترتيب وعدم الانسجام مع أذواقنا أو اختلف عن اعتيادنا باختلافه عن المألوفات هي ليست كذلك . لقد اعتدنا اختلاف قوانين خاصة لكل فن والأفكار المبدعة خالقة لقوانينها الخاصة بذاتها . ان الفضيلة التي يجب أن تسجل للفنان صدقه مع ذاته فمن حقه تشكيل أو صنع نماذجه 0
لقد وجدت القاصة نفسها متوزعة بين فضاء الأدب ومحرقة الحياة وصعب مفارقة احدهما . والأصعب تلك الموازنة بين ميزانين يفترقان عند الاشتغال , فكيف بها التحليق بفرح بعيدا" عن فضاء المحرقة..؟
فما القضية التي تبحث عنها أحلام منصور ..؟
هل هي قضية الدفاع عن حقوق المرأة مثلا" ..؟
هل هو الدفاع عن حقوق الرجل المهدورة في قلوب النساء وباحة الأحلام ..؟
إن القاصة لاتعاني من كل هذه العقد تماما" فتمارس نضالها اليومي من اجل حياة أكثر إشراقا" . حياة تود لو تتلمس ملامحها في كل شئ بعيون المرأة وخشونة رجل , تغريد الأطفال في الصباحات الشتائية ...
ولأجل أن لايبخس حق القاصة فأنها لاتعاني من قيود المجتمع الصغيرة بالقدر الذي تعانيه من احباطات الإنسان المفكر العالم لأسباب المشي بالمقلوب 0
هي تعي أسباب الانحرافات في الواقع وتخالف هذه المعرفة حتى يتوهم من ينظر إليها في نتاجها القصصي بأنها ترى الواقع بنظر منحرف ...
لم تر الواقع بنظر منحرف فالبناء القصصي لديها يشير إلى ترتيب ذهني يخالف ترتيبنا للأشياء التي اختلقها لنا التلقين الطوعي , بحثا" عن السهولة وابتعادا" عن كد الذهن بفعالية منتجة .. فكيف يغدو للثلج رمادا" ؟ فأي سخرية مرة هذه من جميع الجمادات أو المجمدات الاجتماعية ...؟ من خلال مجمل نتاجات القاصة نعثر على الانهيارات المتعددة لبنى التواصل الإنساني والحضاري وهذا التداخل في الأحداث أو الطلسمية التي تبدو واضحة في أكثر قصصها , ما هي إلا الانعكاس المقصود والمرسوم لنتائج ما بعد الانهيار : فشل في الحب : الموت غرقا" : دهس سيارة : بيت آيل للسقوط : امرأة معصبة العينين (وهنا نجد عيون معصبة , امرأة معصبة العينين) . إنها العتمة المصورة والملتقطة بعدسة عارف لمغزى وأسباب التشوهات - والتشوهات في قصصها متعددة ومتنوعة وأقسى تشوه تراه القاصة : الاختراق النفسي بين الإنسان وواقعه – التغرب والإحساس الدائم بالغربة – ولعل تلك الصور الموحية للخراب والذعر تتجسد في نهايات قصصها , حيث تتكرر صورة واحدة وبجمل مختلفة : -
((وغدا خندقي يشبه القبر فما بال السماء لاتبكي)) 0
((هكذا رفعوني فوق أكتافهم واندفعوا خارجا" , لم يتبع جنازتي احد , عدا فردتي حذائي العتيقين)) 0
وهكذا يمكن اكتشاف هذه الصور المفزعة , الحادة التي تدل على إحباط كامن لا يمكن التخلص منه وإذا ما كانت القاصة تعرض : المرارة , الانهزام , القنوط – عرضا" . فأنها في قصصها المتأخرة تلجأ الى السخرية المرة المحرقة – كوميديا سوداء – وكأنها تحولت من الاحتجاج بطريقة الإعراض عن الشيء إلى إظهار اللسان والتمتع بالألم والتفرج عليه حد التشهير وفضح الألم ...
في واحدة من قصصها المتأخرة تحكي بطلة القصة وهي الكاتبة ذاتها تفاصيل تمرد (الأشياء)"26" الخاصة على صاحبتها : النظارة الطبية (أحلام تستخدم النظارة) , المحبرة والقلم (وهما من أدواتها في العمل الأدبي والصحفي) , الحذاء , المرآة ... الخ 0 هذه الأشياء اللوازم تتحول إلى شخوص ناطقة وثائرة على صاحبتها . بل النقمة تتفاقم إلى حد دعوة القلم (هولاء الأصدقاء – بقية اللوازم - ) إلى الطيران وهجرة صاحبتهم نهائيا" . فحسنما يهجرها القلم وتتعرى قدماها من الحذاء ويجف عنها الحبر وتتمانع الأوراق عن الانصياع لها , فما الذي يتبقى لبطلة القصة – الكاتبة – ومن ثم لأحلام منصور – بتحديد ضيق –
الشعور باللاجدوى هو الذي السن الأشياء وحمل الكاتبة وزر البوح بهذه الأسرار , فما المشاجرة التي حصلت بينها وبين خصوصياتها الجمادية – اللوازم , شخصية , ذاتية , خاصة جدا" . طلاق تام مع الأشياء المحيطة .. لانغفل إن أحلام منصور تهتم بالفن القصصي وتحرص على إنتاج قصة فنية ولكنها تشوش أحيانا" بقصديه , أي تستخدم تعمية مقصودة وهي واحدة من وسائلها في الإيصال وغالبا" ما تجرب ولا تستقر على نمط واحد واعتقد أنها سوف لا تستقر أبدا" , حيث أنها طلقت التوافق نهائيا" مع الأشياء – كما يبدو من قصصها ... وبدقة ووضوح اكبر نقول : بالقدر الذي تلزم القاصة فيه نفسها باحتواء الأفكار الإنسانية الكبرى ومحاولتها الجادة والمستمرة في خلق كينونتها الخاصة . فإنها تقابل هذا الالتزام الذي يصل في بعض الجوانب إلى الإلزام . فإنها كثيرة الخرق لقوانين القص ولا اعتقد بأنها تقر بقوانين خاصة تتحدد بها وبعبارة أخرى نزوحها الدائم نحو نص قصصي مجرب , والعملية لديها , برمتها تجربة ومحاولة سبر أغوارها وأغوار المحيط المعتم "27"..
ومن نتائج التجريب والمحاولات المستمرة فيه الوقوع في منطقة تتأرجح بها القصة بين رغبة الكاتبة لان تبوح بكل شئ وصنع قصة مشذبة فيها من أناقة المرأة الكثير . فهل لأحلام منصور بعد هذا الشوط الطويل , المرهق من الاتكاء على قوائم جسر في قرية قصية وادعة أو أنها ستواصل تحليقها بأجنحة طائرة اللامبالاة "28" ..؟
* * *