المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من اوراق مدينة


علي حسين الخباز
11-05-2008, 08:46 AM
( من اوراق مدينة )

(حوارية مع جدي محمد الأعور)


(علي حسين الخباز)

( الاول )

أني أردد حكاياتك بأسلوبك الجميل، بنفس النظرات- يقول البعض أني أخذت منك الكثير وأنا أعرف أن مخيلتي دونك مجذبة وكلماتي يباس وأنت وحدك الذي تحيلني إلى حكيم يجيد الرؤيا ويستبصر الخطوات- قد تعتقد أن قد أكون أنت يوماً من الأيام قادتني الذكريات يوماً إليك لأجلس على قبرك الجميل لا أدري هل كنت أتذكر أم أنك فعلاً خرجت إلي كي تحدثني:- الكربلة رخاوة كما يقولون في القدمين وهذا تشبيه برخاوة أرضها
في عمق قبرك يا جد وما زلت تحب كربلاء .. انفرجت فتحة من التراب:- ولدت في سفر دانيال أن الأسم كاربيلا أرامي وهذا ما يراه مصطفى جواد ربما كان النور الذي يتسرب إلى داخل القبر أنار وجه جدي/ لا يبدوا أنه يحمل مصباحاً يتوهج عند الكلام
منذهلاً أسمعه ( يرى السيد هبة الله الحسيني منحوتة من كور بابل وكذلك يراها محمود عباس العقاد) خرج إليه الجد جلس بالقرب مني ليقول (انستاس ماري الكرملي.. أن كربلاء منحوته من كلمتين كرب وآل أي حرم الله) وفجأة فتح كتاب استله من التراب وراح يقرأ النواويس يا بني هي مقابر النصارى أكيد كان الجد يدرك اندهاشي وخوفي وحيرتي وأنا ألتفت خشية الناس حولي ربما سيستغرب من يراني أحدث ميتاًً ضحك الجد اطمئن لا أحد يراني قلت يعني سيروني إذاً مجنوناً يتحدث وحده قذف الكتاب من يديه وأنا أراه وقد تراباً لا شيء يا بني هي كربلاء واحدة هي الحائر والطف هي مدينة الحسين لم يسطع تاريخها إلا بثورة أبي عبد الله وباستشهاده وصارت مقصد الزائرين.. عاد الهلع يرسم أمام عيني عدة وجوه كلها لجدي فأوشكت أن أستعرض جميع أحاديثه وقصصه وحكاياته انفعالاته ما زالت كما هي لم يتخلَ يوماً عن روح الحماسة والاندفاع (المنزلة الدينية جعلت كربلاء مركزاً لنشاط تجاري) أحاسيس حية لا أكاد أن أصدق أن جدي ميتاً كل النواميس تقول أن الشهداء أحياء بعد الرحيل وها هو أمامي يحمل في عيني الهوس الكربلائي والشهداء لا يمارون أبداَ.. أيام العثمانين استعاظ الناس عن ضعف الحكومة بالوجهاء فمحلتنا المخيم كان يرأسها محمد علي وأخوه فخري كمونه وباب بغداد كان يرأسها أولاد عبد الرزاق العواد وهم عبد الكريم وعبد الرحمان وعبد الجليل ومحلة باب الخان يرأسها عبد علي ومجيد الحميران وابراهيم أبو والده ومحلة العباسية شيخ اخليف وابن حسون الحسن وباب السلامة عمر وعثمان أولاد الحاج عثمان شيخ الوزون وباب الطاق علوان جار الله شيخ بني سعد وباب النجف كانت لعلماء البلدة) أنا أؤكد أن ما رأيته حقيقة هو جدي ليست صورته أو شبحه هكذا كان رجلاً صلباً عصبياً غضوباً ولم أحسه يوماً بهذه اللطافة والهيبة يقول لي أرجو أن يتسع صدرك عسى أن أنفع جنونك الصحفي بشيء قلت ها جد أتسمي هذا الشغف الذي علمتنياه جنوناً؟ أليست هذه مفارقة؟ قال سمها ما شئت ولكن المهم أن لا يخفت هذا النشاط الذي هو مفخرتي هنا بين الشهداء اكتب عن كل ما يمنح الناس الرؤيا واكتشف بنفسك الروح النابضة لهذه المدينة التي ما أنصفها أحداً يوماً كان عدد سكانها ستون ألف نسمة وقال الرحالة الجيكووسلفاكي واسمه (الواموا سيل) في ثلاثين ألف نسمة عندما زارنا سنة 1912م والبعض قدرها بمائة وخمسة ألاف نسمة والحقيقة أن كربلاء مدينة الحراك فيها علماء وتلاميذ كثار سكنوا فيها وازدهرت الحركة العلمية وأينعت الثقافة وكان لهم منزلة كبيرة بيننا فلوا تدري
كانت فصول اللقاء تحثني للتلقي أكثر من التحاور وما أسمعه الآن يحمل جمالية أكثر مما كنت أقرأه رغم تشابه المعلومات وجزء من سعادة هذا اللقاء هي النشوة التي أراها في محايا الجد وهو يتحدث عن كربلاء..: هي أرث ثورة لا يهدأ سرعان ما عاد العصيان- مجرد شجار بسيط بين شخصين يتحول إلى ملامح معركة تنشب أضفارها بين عشيرتين. اجبرت حينها بتصرف كربلاء (حمزة بك) للتحرك نحوها وأخماد نارها وخشية اشتعال فتنة استدعى قوة كانت مرابطة في سدة الهندية أثارت دخولها إلى كربلاء مخاوف الفارين من الجندية فأصبح لا مفر لهم سوى مواجهة هذه القوة وأجبارها على الأنسحاب من كربلاء.. قلت في نفسي لأسأله على حذر خشية انفعال ما فأني أخشى انفعال الشهداء فرحت أتفلسف في السؤال علني أخفض جديته دون انتقاص قمية الجواب: يبدو أنها هكذا وعلى ما يبدو أن الأمر كان ليس أكثر من مجرد منازعات ليس ثمة ثورة حقيقية وهيجان عام واستياء جماهيري وكفاح مسلح فضحك الجد حينها (أظن أنه على ما يبدو كشفت مسعاي وتعرت غايتي أمامه فأجاب بالفعل هي مجرد مخاوف بعض الفارين أو رباأصحاب بعض المصالح الفردية لكن سواد الناس في كربلاء ومعظم الطبقة المثقفة كانت مع الدولة العثمانية حتى أن أخر متصرف عثماني (أسعد رؤوف) ودع بحفاوة كبيرة من قبل ناسها والبعض رافقه إلى المسيب.. قلت لنفسي: كيف؟ أبهذه العفوية واجهت كربلاء الانجليز فضحك الجد وكأنه كان يسمع السؤال: هل حقاً الشهداء يسمعون همس الروح ؟فقال: لا طبعاً هناك تنظيم ووضوح رؤية وهدف والشرارة التي فجرت ثورة العشرين كانت كربلائية فقد أصدر فيها العلامة الشيخ محمد تقي الحائري فتواه الجهادية فكربلاء هي التي احتضنت اجتماع الثوار وكربلاء هي أول مدينة رفرف فوقها أول علم عراقي وكربلاء هي التي احتضنت المؤتمر المناهض للأحلاف عم 1931م وصد معاهداته الجائرة التي حاولت ربط العراق بعجلة الاستعمار البريطاني وفي كربلاء أثيرت قضية العريف مزاحم الخفاجي عام 1941م الذي اسقط طائر انكليزية وقتل طياريها واعترف بعمله البطولي الذي قوبل بنهضة جماهيرية كبيرة وحكم عليه بالإعدام وأعدم وبعد معاهدة بورتسموث عام 1948م تم اعتقال الكثير من الشباب الكربلائي أثر مواجهات مع الشرطة المحلية وكربلاء لها مواقف كبيرة أثناء انتفاضة 1952م وأثر انتفاضة 1956م المؤيدة لتأمين قناة السويس.

عزيز العرباوي
11-05-2008, 01:00 PM
أخي علي :

أهلا وسهلا بك معنا ....
حوارية جميلة وراقية وأسلوب كتابي رائع ...
شكرا لك على طرحك الهادف ورؤيتك الحصيفة ...

سلمت

//
//

تحسين أبو عاصي
14-05-2008, 01:35 PM
أخي الكريم علي الخباز أسأل الله أن يجعل كل مدننا كربلاء البطولة والتضحية وغزة الصمود وجباليا التحدي ورفح البطولة فأهلا بك وشكرا لك