المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من رحم يوم الأرض خرج حماة الأقصى (1)


مصطفى إنشاصي
31-03-2008, 08:29 PM
في ذكرى يوم الأرض الـ 32
من رحم يوم الأرض خرج حماة الأقصى (1)
مصطفى إنشاصي
كل يوم في فلسطين هو يوم للأرض، فالفلسطيني منذ أن هُجر من أرضه مكرهاً ومضطراًً عام 1948 على أمل العودة إليها؛ بعد يوم أو يومين أو أسبوع على أقصى تقدير، كما وعدته جحافل الجيوش العربية التي جاءت لتحرير ما اغتصبه العدو الصهيوني، فأضاعت ما اغتصب وما كان لا يزال باقياً بأيدي أهلها الفلسطينيين، وهو لا زال يعيش ذلك الأمل في العودة، الذي لا ولن ينقطع يوماً، إلى أن يأذن الله تعالى بتحقيقه!!.
فالفلسطيني منذ ذلك التاريخ وهو يحمل هم الأرض والعودة إليها، ويورث هذا الهم لأبنائه ليكون هم الأجيال الفلسطينية إلى أن يأذن الله تعالى بعودتها إلى حضن أرضها، وعودة الأرض إلى أصحابها، ولا أظن أن أحداً اليوم بات جاهلاً بأن هذا الحلم الذي حافظ على الحق الفلسطيني في الأرض التي مر على اغتصابها ما يقارب الـ 60 عاماً ، هو الذي أجهض وما يزال يقف عقبة في مسلسل المؤامرة على تصفيتها وتصفية قضية أصحابها، وحقهم في العودة والتعويض .
إلا أن حديثنا اليوم عن يوم الأرض وذكراه كما أنه له شجونه الخاصة، فإنه له مرارته وآثار الأسى الشديد في النفس، كما أن له خصوصيته أيضاً هذا العام، خصوصية لها علاقة بمن ارتبط بهم يوم الأرض، بالفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم بعد اغتصاب فلسطين عام 1948، حيث تأتي ذكراه هذا العام في وقت يحاول فيه أعداء الأمة والوطن تمرير مشاريع التسوية التي تتجاهلهم، وتتجاهل حجم صمودهم وتضحياتهم من أجل الحفاظ على انتمائهم الفلسطيني، وهويتهم العربية، وتريد لهم الذوبان في مجتمع كيان العدو اليهودي في الوقت الذي يرفض فيه العدو اليهودي ذلك، ويتوعدهم في مناسبة وغير مناسبة بالتخلص منهم، ويبحث عن الوسائل لاقتلاعهم من أرضهم وإلقائهم خارج حدود وطنهم المغتصب، بدعوى الحفاظ على ما يسميه ذلك العدو "نقاء الطابع اليهودي للدولة"؟!!. وقد ازدادت هذه القناعة عند العدو اليهودي بعد أن بلغت نتائج ذلك الحدث الذي نحيي ذكراه كل عام فلسطينياً في فلسطين المحتلة عام 1948 والمحتلة عام 1967، وفي جميع مواطن الشتات، بعد أن بلغت التحولات التي أحدثها في واقع حياة وتوجهات فلسطيني الأرض المحتلة عام 1948؛ مبلغاً من التفاعل مع قضايا أهلهم وإخوانهم من فلسطين الأرض المحتلة عام 1967، بل ومشاركتهم معاناتهم بالدم، وبعد أن أصبح فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 هم حماة المسجد الأقصى ضد كل المخططات اليهودية لهدمه، من أجل إعادة بنا ء هيكلهم المزعوم مكانه، وبعد أن ازدادت قناعة الشارع العربي في فلسطين المحتلة عام 1948 بعدم جدوى المشاركة في الحياة السياسية والبرلمانية في كيان العدو اليهودي، وكشفت الأيام بأنه لا فرق بين ما يسمى اليمين الصهيوني واليسار الصهيوني في نظرته لهم بقدر ما هو في التكتيك والسياسة في التعامل معهم، خاصة بعد أن فجعوا بفلذات أكبادهم وهم يسقطون في ميدان العزة والشرف والكرامة شهداء برصاص حكومات اليسار اليهودي الذي ظنوا لفترة من الزمن أنه صديق لهم، ويختلف عن اليمين اليهودي.
حكاية يوم الأرض
بداية الحكاية مثل بداية أي مأساة أو معاناة فلسطينية مع عدو الأمة والوطن .
بدأت حكاية يوم الأرض باغتصاب الصهاينة لفلسطين عام 1948، والبدء في وضع أيديهم على الأرض الفلسطينية، وتحويلها إلى ملكية كيان العدو الصهيوني، ومن ثم بيعها إلى ما يسمى "الصندوق القومي اليهودي" الذي يقوم بدوره بتأجيرها أو منحها لليهود فقط. وقد وضعت حكومة كيان العدو اليهودي يدها على أملاك من شردهم من الفلسطينيين من وطنهم وأرضهم باسم "قانون أملاك الغائبين"، الذي به نهبت وصادرت ملايين الدونمات من الأراضي الفلسطينية، ومئات الملايين من الدولارات كعقارات وغيرها.
ولأن المعركة والصراع هي لاغتصاب الأرض، التي هي مدار الوعد الإلهي التوراتي "لشعبه المختار"، ولأنه لا قيمة للعودة إلى الأرض الموعودة، وإقامة الكيان الموعود عليها بدون اغتصاب الأرض، فكر العدو اليهودي التوراتي كما هو حاله الآن في الأراضي المحتلة عام 1967 مع المغتصبات والجدار الذي يلتهم الأرض الفلسطينية كيف يجرد الفلسطينيين الذين رفضوا الهجرة وتشبثوا بأرضهم من أرضهم؟!. فبدأ في سن القوانين التي يسلب بها الأرض من أصحابها، فهذه المساحة يضع يده عليها تحت اسم أنها "أرض محميات طبيعية"، وتلك بدعوى "منطقة عسكرية" وأخرى "للحاجات الأمنية" ...الخ، وما هي إلا فترة قصيرة من الزمن حتى تتحول هذه الأراضي العربية إلى أيدي المغتصبين اليهود، إما كمناطق زراعية، أو يقام عليها منشآت صناعية، أو حدائق عامة، أو أحياء سكنية. وما أن جاء عام 1972 حتى كان العدو الصهيوني قد صادر أكثر من مليون دونم من أرض القرى العربية في الجليل والمثلث، ولم يتبقى من نسبة الـ18% من مساحة فلسطين المحتلة 1948 التي كانوا يملكونها سوى 3.5% فقط.
وقد احتفظ الجليل بأغلبيته العربية على الرغم من كل المؤامرات اليهودية لتهجير سكانه العرب، لذا أمعنت حكومات كيان العدو اليهودي المغتصب لفلسطيننا في تطبيق سياسة التهويد فيه، وقد كان من تلك السياسات أن أعلنت حكومة العدو اليهودي في أوائل عام 1975 عن مشروع لتهويد الجليل باسم "مشروع تطوير الجليل". وفي 13/2/1976 صدر قرار عسكري يهودي بإغلاق المنطقة (9) كمنطقة عسكرة، ومنع أصحاب الأرض الأصليين من الوصول إليها، أعقبه إسحاق رابين بقرار مصادرة 20 ألف دونم من الأراضي العربية. وعلى الرغم من أن الأرض المصادرة تخص سكان منطقة البطوف؛ إلا أن الجماهير الفلسطينية جمعاء في فلسطين المحتلة عام 1948 قد أعلنت يوم 30/3/1976 يوماً للإضراب الشامل والتظاهر في المدن والقرى العربية، احتجاجاً على سياسة التعسف اليهودي، وسياسة التمييز العنصري، ومصادرة الأراضي، التي يمارسها العدو اليهودي منذ عام 1948 ضدهم، ومحاولة اقتلاعهم من أرضهم، وتمزيقهم إلى مجموعات صغيرة منعزلة ـ كما يفعل الجدار اليوم في الأراضي المحتلة عام 1967 بين المدن والقرى الفلسطينيةـ فانتفاضة الأرض في 30/3/1976 جاءت نتيجة لمجمل سياسات العدو اليهودي ضدهم منذ عام 1948.
وقد كان قرار الدعوة إلى إضراب عام لفلسطينيي الـ 48 هو أول قرار من نوعه منذ النكبة، لذلك بدءوا يُحضرون لذلك اليوم التاريخي قبل مدة، ولم تكن أسلحتهم إلا الحجارة، والعِصي والفؤوس، والمناجل، والسكاكين، وصفائح البنزين المشتعلة، ومحاولة الاستيلاء على أسلحة الجيش، واستجابت كل التجمعات العربية في الجليل للإضراب، رغم محاولات كيان العدو اليهودي إفشال هذا اليوم وبأي ثمن. وفي مساء 29/03/1976 داهمت قوات شرطة الاحتلال وحرس الحدود قرية عرَّابة، وأخذت تستفز الفلسطينيين بالضرب وإطلاق النار، وقد اشتبك معها الأهالي، واستشهد نتيجة تلك الاشتباكات أحد الفلسطينيين ويُدعى خير أحمد ياسين وكان أول شهداء يوم الأرض. وفي اليوم الثاني أي يوم 30/03/1976 أصدرت الشرطة أمراً بمنع التجوال لمدة 24 ساعة في قُرى الجليل والمثلث، في سخنين، وكفر كنا، والطيبة، وطمرة، ودير حنا، والطيرة، وباقة الغربية، وفي كسرى، وكفر قاسم، وقلنسوة، والرامة، ونحف، ومجد الكروم. وتفرقت سيارات الشرطة في القرية وأخذت تُنبه الأهالي، وتُهدد من يُحاول الخروج من منزله، ولكن التهديدات لم تُثنِ الفلسطينيين عن التعبير عن سخطهم وحقدهم، فخرجوا إلى الشوارع، واشتبكوا مع جيش الاحتلال اليهودي في معارك لم يسبق لها مثيل. وقد اعترف العدو اليهودي بنجاح الإضراب العام، فقد تحولت العديد من القرى العربية إلى ساحة حرب حقيقية بين الفلسطينيين الثائرين وقوات الاحتلال اليهودي، وقد شوهدت عشرات المجنزرات العسكرية اليهودية محترقة في قرية طمرة وبقية القرى العربية الأُخرى.
وقد اتخذت انتفاضة يوم الأرض شكل إضراب شامل ومظاهرات شعبية عارمة، وقد أسفرت أحداث تلك الانتفاضة التي تفاجئ فيها فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 بالطريقة الوحشية التي قامت بها حكومة العدو اليهودي لتفريق المتظاهرين وقمعهم، عن استشهاد ستة شهداء فلسطينيين هم: الشهيدة خديجة شواهنة، والشهيد رجا أبو ريا، والشهيد خضر خلايلة من أهالي سخنين، والشهيد خير أحمد ياسين من قرية عرَّابة، والشهيد محسن طه من قرية كفركنا، والشهيد رأفت علي زهدي من قرية نور شمسن واستُشهد في قرية الطيبة، هذا إضافة لعشرات الجرحى والمصابين، وبلغ عدد الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال الصهيوني أكثر من 300 فلسطينيي.
فشل سياسة الدمج اليهودية
قد شكل يوم الأرض معلماً بارزاً في تاريخ فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948، باعتباره اليوم الذي أعلن فيه الفلسطينيون تمسكهم بأرض آبائهم وأجدادهم، وتشبثهم بهويتهم الوطنية والقومية وحقهم في الدفاع عن وجودهم رغم عمليات القتل والإرهاب والتنكيل التي كانت ـ وما زال ـ يمارسها الاحتلال بحقهم، بهدف ترحيلهم وإبعادهم عن أرضهم ووطنهم.
لقد كان يوم الأرض يوماً فاصلاًَ بين مرحلتين، مرحلة ما قبل 30/3/1976 ومرحلة ما بعده، فقد كانت أحداث ذلك اليوم الدامي أول كلمة سجلت في شهادة فشل سياسة العدو اليهودي في استيعاب ودمج وتذويب فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 في المجتمع اليهودي، ودفعهم للتخلي عن هويتهم العربية وانتمائهم القومي والإسلامي، من خلال ضمهم للأحزاب اليسارية اليهودية، والنضال من خلالها من أجل تحقيق المساواة والعدالة بين طبقات المجتمع، ومن خلال منحهم هامش من الحياة السياسية والمشاركة في الكنيست يمكن به أن تمتص غضبهم، وتخفف من حدة شعورهم بالتفرقة العنصرية، وأنهم مواطنين من الدرجة الثالثة أو الرابعة في المجتمع اليهودي، مضطهدين ومسلوبي الحقوق. كما أنها كشفت عن فشل الأحزاب السياسية العربية في استثمار ذلك الهامش لصالح الجماهير العربية، وإن كانت لم تفشل في استثمارها في تحقيق مكاسب حزبية وشخصية.
وكما اعتبر الباحث الفلسطيني (نبيه بشير) من فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948، في كتابه "يوم الأرض: ما بين القوميّ والمدنيّ – سيرورة وتحوّل" يوم الأرض الأوّل بوصلة ضميريّة ومقولة وجدانيّة وحدثاً سياسيًا هاماً جدًا في تاريخ المجتمع الفلسطينيّ داخل أراضي 1948. يشكّل هذا الحدث مفصلاً مركزيًّا ومحورًا أساسيًّا في تطوّر الوعي الجماعيّ لدى هذا المجتمع، فهو حدث تاريخيّ ما زال صداه يشكّل عاملاً مهمًّا في ذاكرة المجتمع العربيّ، وفي علاقة هذا المجتمع بكيان العدو اليهودي. وقد بقي يوم الأرض يومًا وطنيًّا يغذّي ويُحْيي الذاكرة الجماعيّة الفلسطينيّة، على جميع مركّباتها منضمًّا بذلك إلى أيّام ذكرى أُخرى، فيها من الشبه وفيها من الاختلاف، مثل يوم النكبة. ولا تنبع أهمّـيّة يوم الأرض من كونه يوم تحدّ للسلطة المغتصبة فحسب، وإنّما لكونه يتمحور حول المركّب الأكثر أهمّـيّة في الوجود الفلسطينيّ، تاريخيًّا وإنسانيًّا وحضاريًّا، ألا وهو العلاقة العضويّة بين الشعب والأرض. فالأرض لا تعني الوجودين البيولوجيّ والمادّي فقط، ولا تقتصر على الجغرافيا والطوبوغرافيا. فأهمّـيّة الأرض تتمحور في كونها حاملة للأبعاد الحضاريّة والثقافيّة والرمزيّة للتواجد الإنسانيّ، عبر جدليّة الجهد والابتداع البشريّ والرقيّ المعرفيّ. وهي لا تقاس بفلاحتها أو استغلالها حصرًا، وإنّما بتوفيرها للحيّز الآمن للحراك الاجتماعيّ والثقافيّ والحضاريّ كذلك.

مصطفى إنشاصي
31-03-2008, 08:38 PM
في ذكرى يوم الأرض الـ 32
من رحم يوم الأرض خرج حماة الأقصى (2)
مصطفى إنشاصي
تنظيم أُسرة الجهاد
على الرغم من أن الجذور الأولى للحركة الإسلامية والعمل الإسلامي في فلسطين المحتلة عام 1948 تعود إلى أوائل السبعينيات؛ حيث ظهرت النواة الأساسية للحركة الإسلامية في منطقة المثلث عام 1971، ثم امتدت بعد ذلك إلى منطقتي الجليل والنقب، وكان الشيخ (عبد الله نمر درويش) من أوائل المبادرين إلى تأسيس الحركة الإسلامية. إلا أن الوحشية التي واجه بها جيش الاحتلال الإضراب والمظاهرات في يوم الأرض، شكلت منعطفاً مهماً في تاريخ فلسطينيي 1948، فقد أعقب تلك الأحداث تشكيل تنظيم أُسرة الجهاد (منظمة سرية شبه عسكرية)، من مجموعة من الشبان من تيار سمي "التائبين" بقيادة فريد أبو مخ من مدينة باقة الغربية، رأوا أن تحرير فلسطين سيتم بالجهاد المسلح بما في ذلك الحرب الاقتصادية. وقد قاموا بعشرات العمليات العسكرية ضد معسكرات ودوريات العدو اليهودي، وحرق عشرات الآلاف من الدونمات الزراعية التي اغصبها اليهود، وتدمير مخازن ومستودعات ومصانع مدنية وعسكرية يهودية وغيرها من الأعمال التي قام بها ذلك التنظيم.
وقد أصاب هذا التنظيم العدو اليهودي وأجهزته الأمنية بحالة من الإرباك والاضطراب والتخبط، لعجزها عن معرفة مصدر كل تلك الأعمال، إلى أن تم كشف أحد مجموعات ذلك التنظيم بالخطأ عام 1979، وتم اعتقال معظم أعضاء التنظيم في يناير عام 1980، وكان من بين المعتقلين زعيم التنظيم (فريد أبو مخ) الذي حكم بالسجن 10 أعوام، وقد أطلق سراحه مع آخرين في إطار صفقة النورس لتبادل الأسرى بين القيادة العامة أحمد جبريل والعدو اليهودي عام 1985، والشيخ عبد الله نمر درويش والشيخ رائد صلاح وأفرج عنهما عام 1983، وكانت التهمة التي أدينا بها صلتهم بتنظيم سري إسلامي (أُسرة الجهاد). وقد كان وقع الصدمة وهول المفاجأة صاعقاً على قادة ومفكري العدو اليهودي، عندما اكتشفوا أن معظم أعضاء التنظيم كانوا من الناشطين في تنظيمات يسارية يهودية، ممن كانوا أمل العدو اليهودي في أن يلعب أولئك وأقرانهم دوراً رئيساً في المستقبل في تذويب فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 في المجتمع اليهودي، من خلال حمل الأفكار التقدمية واليسارية والديمقراطية والانخراط في النضال الأُممي العالمي ضد البرجوازية الصغيرة والكبيرة العربية واليهودية على حد سواء.
الحركة الإسلامية
من رحم ووحي تجربة ذلك التنظيم الذي أعاد إلى ذاكرة الفلسطيني الضائع ما بين انتمائه للأرض ونكبته بها، وما بين أفكار النضال الأُممي، حقيقة هويته وانتمائه، بدأت تتبلور أفكار الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة عام 1948، خاصة وأنه حتى تلك الأيام لم يكن هناك حالة انتظام لمشروع الحركة الإسلامية، ولكن بعد الخروج من السجن عام 83 كان من الطبيعي أن تدرس الحركة المستجدات، وأن تتبنى مبدأ العمل في ظل القانون، معتبرة أن الطريقة الأسلم للجهاد والحفاظ على الهوية العربية الإسلامية، وتعميق الانتماء والتواصل مع جسد الأمة وسط فلسطيني 1948، هو الجهاد والنضال السلمي تقديراً للواقع الفلسطيني الذي يمثل أقليه مشتته وسط كيان العدو اليهودي. لذلك عادت إلى ما بدأت به منذ بداية السبعينيات من إقامة القاعدة الأساسية، وتأسيس البنية التحتية، فكثفت في الثمانينيات والتسعينيات من إنشاء المؤسسات الدينية التي تقدم خدمات حيوية لفلسطينيي 48؛ الأمر الذي زاد من شعبية هذه الحركة داخل صفوف الفلسطينيين، ونظرًا لما تستغله الحركة من مفهوم ديني حول تحرير القدس والمسجد الأقصى (القبلة الأولى للمسلمين).
كما أنها عملت على أسلمة مجتمع فلسطينيي 1948 وإفشال مخطط "الأسرلة"؛ وأكد ذلك تقرير أعده بعض كبار المسئولين في جهاز الأمن العام الداخلي "شاباك"، وأرسلوه إلى وزير الأديان "آشر أوحنا"، ومفاده أن الحركة الإسلامية تستغل نفوذها القوي للتحريض ضد الكيان اليهودي. أما التقرير الذي أُرسل إلى حكومة شارون، فإنه اعتبر الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ صلاح أخطر ألوان الطيف السياسي في فلسطين المحتلة 1948. وحذر التقرير بشكل خاص من جهود الحركة لإضفاء طابع إسلامي على المجتمع الفلسطيني داخل العدو اليهودي. وترى الدوائر الاستخبارية أن نجاح الحركة الإسلامية في ذلك يعني أن تنضم أوساط أُخرى من فلسطينيي الخط الأخضر إلى دوائر العداء للدولة.
لقد انطلقت الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة عام 1948 تعمل رويداً رويداً داخل مجتمعاتها من أجل الحفاظ على هويتها، وتقوية روح الانتماء لأمتها ودينها، ورفع مستوى حياة ومعيشة الفلسطينيين فيها، والدفاع عن حقوق الوطنية و... و...، ثم سرعان ما خرجت إلى إطارها الأوسع للتفاعل والتجاوب مع قضايا إخوانها وأهلها في فلسطين المحتلة عام 1967، وتقديم الدعم بالإمدادات الغذائية والطبية والمالية، ودعم ومساعدة أسر الشهداء والجرحى وكفالة أبناء الشهداء والذين ينفذون عمليات استشهادية داخل كيان العدو اليهودي. وكان قمة نشاطها من خلال مؤسستها "لجنة الإغاثة الإنسانية" في مخيم جنين؛ حيث كانت الحركة أكبر جهة إغاثة على الإطلاق قامت بمساعدة وإغاثة مخيم جنين، وإقامة مخيمات عاجلة لأهله وأهل المناطق المجاورة، وأعلنت الحركة أنها على استعداد لإعادة إعماره بالكامل؛ وهو ما يتناقض مع سياسة المحتل القاضية بالهدم والقتل، ومن ثم التهجير (الترانسفير). أضف إلى ذلك حملة المؤاخاة التي أطلقتها بين الأسر الفلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1948 والأراضي المحتلة عام 1967، حيث تكفل الأسرة التي تتآخى من الأراضي المحتلة عام 1948 الأسرة المحتلة في الأراضي عام 1967 ...إلخ، التي قدمتها الحركة الإسلامية إلى أهلها في الأراضي المحتلة عام 1967 أثناء ثورة المساجد/ الانتفاضة الأولى، وثورة الأقصى/الانتفاضة الثانية. وقد وصلت ذروة هذا التفاعل مع أهلهم وإخوانهم في فلسطين المحتلة عام 1967، وذروة التعبير عن انتمائهم الحقيقي في ثورة الأقصى/الانتفاضة الثانية، عندما خرجوا في أكتوبر 2000 في مظاهرات تضامن مع أهلهم في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وقد تطور رد الفعل على ذلك العمل الإجرامي اليهودي بقيام بعض الشباب بتقديم المساعدة العسكرية للمقاومين والمجاهدين في فلسطين المحتلة 1967، وخاصة تهريب أسلحة بالغة التطور إلى الضفة الغربية وقطاع غزّة من أجل تنفيذ عمليات ضد جيش الاحتلال، وكذلك القيام بتهريب شحنات متفجرة إلى كيان العدو اليهودي لتنفيذ العمليات الاستشهادية، بالإضافة إلى العديد من النشاطات الأخرى. ولم يقف الأمر عند هذا الحد في دعم المقاومة؛ ولكنه بتاريخ 5-9-1999 وقع حادثَا تفجير في مدينتي طبريا وحيفا؛ حيث انفجرت سيارتان مفخختان قيل كان يقودهما فلسطينيون من سكان قريتي دبورية والمشهد في الجليل الشمالي، اتهمتهم شرطة الاحتلال بالانتماء للحركة الإسلامية (الجناح الشمالي بزعامة الشيخ رائد صلاح). ومنذ ذلك الحين بدأت موجة من التحريض الموجه والعدائي من قبل الأجهزة الأمنية واليمين اليهودي ضد الحركة الإسلامية جناح الشيخ رائد صلاح. وقد اشتدت حملات التحريض التي تعرض لها فلسطينيي 1948 بعد مشاركة عدد من سكان قرية "البعنة" من منطقة الجليل في التخطيط والمساعدة على القيام بعملية صفد الاستشهادية، التي قامت بها "كتائب عز الدين القسام" الجناح العسكري لحماس، حيث استغلت دوائر صنع القرار السياسي والأمني لنزع الشرعية عن أكثر من مليون فلسطيني يحملون هويات كيان العدو المغتصب. وقد صدر العديد من المشاريع والقوانين التي تقدم بها ممثلو التيار اليميني الديني والعلماني في البرلمان ضد الفلسطينيين. أما وسائل الإعلام اليهودية فقد صبت الزيت على النار، وتبارى الكتُّاب والمعلقون- حتى بعض أولئك الذين يوصفون بأنهم "يساريون ليبراليون"- في التحريض على المواطنين الفلسطينيين، وزخرت الصحافة بتقارير تدعي أن مظاهر مشاركتهم في عمليات المقاومة ضد إنما تعكس نزعتهم الانفصالية عن الكيان المغتصب.
حماة الأقصى
لم تشغل كثرة النشاطات والأعباء التي تقوم بها الحركة الإسلامية وخاصة جناح الشيخ رائد صلاح،؛ عن الاهتمام بأولى القبلتين، مسرى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلمن ومحاولات العدو اليهودي هدمه وإقامة الهيكل المزعوم مكانه، فتولت مسئولية الدفاع عنه، وكشف المخططات اليهودية ضده، وما يقومون به من حفريات وشق للأنفاق تحته، وذلك في وقت انشغلت فيه القيادة الرسمية الفلسطينية والعربية بما يسمونه (السلام)، ونسوا ما يعده العدو اليهودي للأمة من مؤامرات، وما يقوم به من أعمال وحفريات لهدم المسجد الأقصى. وقد قام الشيخ رائد صلاح وإخوانه بإطلاق صرخة (الأقصى في خطر) عام 1997، والعمل على كشف المخططات العملية لهدم المسجد الأقصى والتصدي لها، وجمع الأموال لترميمه والحفاظ عليه، وإقامة مهرجان سنوي تحت اسم "الأقصى في خطر"، يجتمع فيه مئات الآلاف من فلسطيني 1948 لتذكيرهم بحقيقة هويتهم الإسلامية وانتمائهم الإسلامي. وقد رأى العدو اليهودي في "مهرجان الأقصى في خطر" أنه المسبب الأول لانتفاضة الأقصى، حيث بدأت الانتفاضة ـ كما يقولون ـ بعد المهرجان بأسبوعين فقط.
لم يكن مهرجان الأقصى في خطر الوحيد الذي يقوم به فلسطينيي 1948 للدفاع عن المسجد الأقصى وحمايته، ولكن هناك كثير من الأنشطة الأُخرى، مثل: مهرجان "صندوق طفل الأقصى" الذي أقامته الحركة للمرة الأولى داخل المسجد الأقصى في 21/8/2002، وعن سبب اختيار هذا اليوم يقول صلاح: إنه اليوم الذي قام فيه المجرم مايكل روهان بإحراق منبر نور الدين في محاولة حاقدة منه لإحراق المسجد الأقصى المبارك. والذي شهد حضورًا عالميًّا لأجهزة الإعلام، وأعلن خلاله قادة الحركة أن الأقصى مسجد إسلامي بكامل مكوناته ويخص المسلمين فقط، وقد انتهى المهرجان باقتحام شرطة الاحتلال لساحات الأقصى واعتقال أفراد منتمين للحركة.
وكذلك "مسيرة البيارق" وما حققته من ربط وتواصل بين الأقصى وفلسطينيي 1948، حيث وصل عدد الحافلات التي قامت بنقل الفلسطينيين من جميع مدن وقرى الأراضي المحتلة 1948 خلال سبتمبر 2002، فقط 457 حافلة تحمل أعدادًا ضخمة تقوم بالصلاة داخل المسجد الأقصى، إضافة إلى مصاطب الأقصى التي تم إحياؤها لمواصلة الدروس الدينية، كما كان في الأقصى قديماً، وهذا في حد ذاته يتعارض مع السياسة اليهودية القاضية بتفريغ الأقصى من التواجد الإسلامي، ومنع أي نشاطات إسلامية داخله. ومشروع "قطف الزيتون" في ساحات الأقصى، حيث تتوافد إليه مئات النساء من الأراضي المحتلة 1948 لقطف ثمار الزيتون عن 55 شجرة مثمرة داخل أسوار المسجد، وهذا المشروع يعود بالفائدة على مدخولات الأقصى المبارك.
مما أفقد العدو اليهودي صوابه، فقام بشن حرب إعلامية ونفسية ضد الحركة الإسلامية جناح الشيخ رائد صلاح، وأغلق عدد من مؤسساتها، وأخيراً قام باعتقال الشيخ رائد صلاح ليلة 13/5/2003 ومعه عدد من قيادات الحركة الإسلامية ونشطائها، وتلفيق التهم له، ليقضوا سنوات في السجن. ويخرجوا بعدها ليواصلوا مسيرة الجهاد والدفاع حفاظاً على المسجد الأقصى، إلى درجة يكاد يكون فيها فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 هم وحدهم حماة الأقصى اليوم، لأنهم بحكم هوياتهم الصفراء التي يحملونها يستطيعون الوصل إلى القدس والدخول إلى المسجد ألأقصى، دون أن تمنعهم الحواجز العسكرية اليهودية المنتشرة في كل شبر من أرض الوطن، مثلما تمنع إخوانهم من الأراضي المحتلة عام 1967، ذلك في وقت يقف فيه المسلمون يفركون أيديهم أو غير مبالين بما يحدث لمسرى رسولهم الحبيب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وغير ذلك من المشاريع والأنشطة.
هذه حكاية يوم الأرض؛ حكاية بدأت بالانتفاض فلسطينيي الأرض المحتلة عام 1948 ضد مصادرة العدو اليهودي لـ 21 ألف دونم من أراضي فلسطينيي 1948، وانتهت بقيامهم بدور الأمة فيما قصرت فيه نحو قبلتها الأولى ومسرى نبيها صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن يصبحوا هم حماته الوحيدون، في تجارة مع الله فليبارك الله لهم فيها.

منيب أبو سعادة
01-04-2008, 01:52 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الكاتب الفاضل/ مصطفى انشاصي ..حفظه الله
تحية طيبة وبعد،،
اسمح لي بأن أحييك .. وأرحب بك فكم يسرنا ويسعدنا انضمامك لملتقانا (( ..منتدى ادباء ومشاهير العرب ..)) كم أتمنى أن تتسع صفحات منتدياتنا لقلمك وما يحمله من عبير مشاعرك ومواضيعك وآرائك الشخصية التي سنشاركك الطرح والإبداع فيها .لــتــصــل هــمــســات قــلــمــك إلــى قــلــوبــنــا وعــقــولــنــا ... ونحن بانتضار بــوح قــلــمــك.
http://smiles.al-wed.com/smiles/25/q136ut.gif

مصطفى إنشاصي
01-04-2008, 05:25 PM
أخي الكريم منيب أبو سعادة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشكرك على ترحيبك بهذه الكلمات الرقيقة، وأسأل الله تعالى أن يوفقكم لما فيه خير الفائدة لأبناء الأمة والوطن، وأن يكون هذا الملتقي ملتقي لجميع أبناء الوطن من أجل خير الوطن، وأن لا يفسد الاختلاف في الرأي للود قضيةبين الإخوة، وأن يكون الاختلاف في الرأي من أجل المصلحة العامة وليس الشخصية أو الحزبية، ولأن يتسع هذا الملتقي لكل الآراء.
جزاكم الله خير ووفقكم لما هو خير

تحسين أبو عاصي
01-04-2008, 05:40 PM
النجم اللامع مصطفى النشاصي أحييك من أعملق قلبي فأهلا بك نجما مشرقا في سماء ملتفانا ومنتدانا متمنين أن تقضي معنا وقتا طيبا بيننا في سويداء قلوبنا وعيوننا

تحسين أبو عاصي
01-04-2008, 05:55 PM
من رحم يوم الأرض خرج حماة الأقصى
سلم قلمك وسلمت يمينك نعم من رحم يوم الأرض خرج حماة الأقصى . الله ... الله ... ما أجمل ما خطت يدك أخي لأخي الكبير والمعلم مصطفى إن الأخ المربي والقائد رائد صلاح أعرفه معرفة جيدة فقد اجتمعت به مرات عديدة منذ أن كنت سجينا أمنيا في السجون الاسرائلية في أواسط التسعينات وبرفته وفدا قياديا عرفته أخا وصديق ورجلا مخلصا مهذبا متزنا واعيا منتميا
أسأل الله أن يحفظه ومن والاه وأن ينصره على من عاداه

مصطفى إنشاصي
01-04-2008, 09:37 PM
أخي الكريم تحسين أبو عاصي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يسعدني أن أكون بين إخوة طيبين مثلكم، وأسأل الله تعالى أن أكون عند حسن طنكم، خاصة وأنا لست بذلك الكاتب الذي تتصورونه، وإن الكتابة عندي هي أضعف الإيمان، بعد أن حرمني البعض شرف مواصلة الجها بالبندقية وإن كان القلم والبندقية عندي صنوان لتحقيق الهدف لا تقل أهمية إحداهما عن الأخرى، ولكن استعدادي النفسي كان وما زال أكثر للأولى، وإن سارتا عندي جنباً إلى جنب.
أرجو من الله تعالى أن أكون عند حسن ظنكم بي

أحمد عدوان
02-04-2008, 12:30 AM
الأخ الغالي مصطفي انشاصي مقال طويل بحاجة الي التمعن والتدقيق الكثير لما فيه الخير الكثير قرات الكثير منه ولكنني فهمت المعني وفهمت المراد اخي الغالي

بالفعل
لم تشغل كثرة النشاطات والأعباء التي تقوم بها الحركة الإسلامية وخاصة جناح الشيخ رائد صلاح،؛ عن الاهتمام بأولى القبلتين، مسرى الرسول صلى الله عليه وعلى آله

صدقت والله يا طيب في بحثك المطول في كل كلمة قلتها شاكر لك اخي الكريم تواجدك الطيب وقبولك الغالي علي والله لقبولك دعوتي للانضمام الي اسرة ملتقي الادباء واهلا بك مرة اخري

وادعو جميع الكتاب الي النقاش في هذا الموضع الهام واهلا بك

سامي الأخرس
02-04-2008, 12:33 AM
اخي ابو بلال : سأكتفي ولن أمدح بكلمة سواء اتمني ان يكون هذا الرحم رحيما بابنائه
دمت بحب
سامي الأخرس

مصطفى إنشاصي
02-04-2008, 03:17 PM
أشكرك لكما أخوي أحمد وسامي كلماتكما الطيبة، وفهمت أخي أبو محمد (سامي) مقصدك، أسأل الله تعالى أن نكون جميعاً رحماء ببعضنا