مصطفى إنشاصي
31-03-2008, 08:29 PM
في ذكرى يوم الأرض الـ 32
من رحم يوم الأرض خرج حماة الأقصى (1)
مصطفى إنشاصي
كل يوم في فلسطين هو يوم للأرض، فالفلسطيني منذ أن هُجر من أرضه مكرهاً ومضطراًً عام 1948 على أمل العودة إليها؛ بعد يوم أو يومين أو أسبوع على أقصى تقدير، كما وعدته جحافل الجيوش العربية التي جاءت لتحرير ما اغتصبه العدو الصهيوني، فأضاعت ما اغتصب وما كان لا يزال باقياً بأيدي أهلها الفلسطينيين، وهو لا زال يعيش ذلك الأمل في العودة، الذي لا ولن ينقطع يوماً، إلى أن يأذن الله تعالى بتحقيقه!!.
فالفلسطيني منذ ذلك التاريخ وهو يحمل هم الأرض والعودة إليها، ويورث هذا الهم لأبنائه ليكون هم الأجيال الفلسطينية إلى أن يأذن الله تعالى بعودتها إلى حضن أرضها، وعودة الأرض إلى أصحابها، ولا أظن أن أحداً اليوم بات جاهلاً بأن هذا الحلم الذي حافظ على الحق الفلسطيني في الأرض التي مر على اغتصابها ما يقارب الـ 60 عاماً ، هو الذي أجهض وما يزال يقف عقبة في مسلسل المؤامرة على تصفيتها وتصفية قضية أصحابها، وحقهم في العودة والتعويض .
إلا أن حديثنا اليوم عن يوم الأرض وذكراه كما أنه له شجونه الخاصة، فإنه له مرارته وآثار الأسى الشديد في النفس، كما أن له خصوصيته أيضاً هذا العام، خصوصية لها علاقة بمن ارتبط بهم يوم الأرض، بالفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم بعد اغتصاب فلسطين عام 1948، حيث تأتي ذكراه هذا العام في وقت يحاول فيه أعداء الأمة والوطن تمرير مشاريع التسوية التي تتجاهلهم، وتتجاهل حجم صمودهم وتضحياتهم من أجل الحفاظ على انتمائهم الفلسطيني، وهويتهم العربية، وتريد لهم الذوبان في مجتمع كيان العدو اليهودي في الوقت الذي يرفض فيه العدو اليهودي ذلك، ويتوعدهم في مناسبة وغير مناسبة بالتخلص منهم، ويبحث عن الوسائل لاقتلاعهم من أرضهم وإلقائهم خارج حدود وطنهم المغتصب، بدعوى الحفاظ على ما يسميه ذلك العدو "نقاء الطابع اليهودي للدولة"؟!!. وقد ازدادت هذه القناعة عند العدو اليهودي بعد أن بلغت نتائج ذلك الحدث الذي نحيي ذكراه كل عام فلسطينياً في فلسطين المحتلة عام 1948 والمحتلة عام 1967، وفي جميع مواطن الشتات، بعد أن بلغت التحولات التي أحدثها في واقع حياة وتوجهات فلسطيني الأرض المحتلة عام 1948؛ مبلغاً من التفاعل مع قضايا أهلهم وإخوانهم من فلسطين الأرض المحتلة عام 1967، بل ومشاركتهم معاناتهم بالدم، وبعد أن أصبح فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 هم حماة المسجد الأقصى ضد كل المخططات اليهودية لهدمه، من أجل إعادة بنا ء هيكلهم المزعوم مكانه، وبعد أن ازدادت قناعة الشارع العربي في فلسطين المحتلة عام 1948 بعدم جدوى المشاركة في الحياة السياسية والبرلمانية في كيان العدو اليهودي، وكشفت الأيام بأنه لا فرق بين ما يسمى اليمين الصهيوني واليسار الصهيوني في نظرته لهم بقدر ما هو في التكتيك والسياسة في التعامل معهم، خاصة بعد أن فجعوا بفلذات أكبادهم وهم يسقطون في ميدان العزة والشرف والكرامة شهداء برصاص حكومات اليسار اليهودي الذي ظنوا لفترة من الزمن أنه صديق لهم، ويختلف عن اليمين اليهودي.
حكاية يوم الأرض
بداية الحكاية مثل بداية أي مأساة أو معاناة فلسطينية مع عدو الأمة والوطن .
بدأت حكاية يوم الأرض باغتصاب الصهاينة لفلسطين عام 1948، والبدء في وضع أيديهم على الأرض الفلسطينية، وتحويلها إلى ملكية كيان العدو الصهيوني، ومن ثم بيعها إلى ما يسمى "الصندوق القومي اليهودي" الذي يقوم بدوره بتأجيرها أو منحها لليهود فقط. وقد وضعت حكومة كيان العدو اليهودي يدها على أملاك من شردهم من الفلسطينيين من وطنهم وأرضهم باسم "قانون أملاك الغائبين"، الذي به نهبت وصادرت ملايين الدونمات من الأراضي الفلسطينية، ومئات الملايين من الدولارات كعقارات وغيرها.
ولأن المعركة والصراع هي لاغتصاب الأرض، التي هي مدار الوعد الإلهي التوراتي "لشعبه المختار"، ولأنه لا قيمة للعودة إلى الأرض الموعودة، وإقامة الكيان الموعود عليها بدون اغتصاب الأرض، فكر العدو اليهودي التوراتي كما هو حاله الآن في الأراضي المحتلة عام 1967 مع المغتصبات والجدار الذي يلتهم الأرض الفلسطينية كيف يجرد الفلسطينيين الذين رفضوا الهجرة وتشبثوا بأرضهم من أرضهم؟!. فبدأ في سن القوانين التي يسلب بها الأرض من أصحابها، فهذه المساحة يضع يده عليها تحت اسم أنها "أرض محميات طبيعية"، وتلك بدعوى "منطقة عسكرية" وأخرى "للحاجات الأمنية" ...الخ، وما هي إلا فترة قصيرة من الزمن حتى تتحول هذه الأراضي العربية إلى أيدي المغتصبين اليهود، إما كمناطق زراعية، أو يقام عليها منشآت صناعية، أو حدائق عامة، أو أحياء سكنية. وما أن جاء عام 1972 حتى كان العدو الصهيوني قد صادر أكثر من مليون دونم من أرض القرى العربية في الجليل والمثلث، ولم يتبقى من نسبة الـ18% من مساحة فلسطين المحتلة 1948 التي كانوا يملكونها سوى 3.5% فقط.
وقد احتفظ الجليل بأغلبيته العربية على الرغم من كل المؤامرات اليهودية لتهجير سكانه العرب، لذا أمعنت حكومات كيان العدو اليهودي المغتصب لفلسطيننا في تطبيق سياسة التهويد فيه، وقد كان من تلك السياسات أن أعلنت حكومة العدو اليهودي في أوائل عام 1975 عن مشروع لتهويد الجليل باسم "مشروع تطوير الجليل". وفي 13/2/1976 صدر قرار عسكري يهودي بإغلاق المنطقة (9) كمنطقة عسكرة، ومنع أصحاب الأرض الأصليين من الوصول إليها، أعقبه إسحاق رابين بقرار مصادرة 20 ألف دونم من الأراضي العربية. وعلى الرغم من أن الأرض المصادرة تخص سكان منطقة البطوف؛ إلا أن الجماهير الفلسطينية جمعاء في فلسطين المحتلة عام 1948 قد أعلنت يوم 30/3/1976 يوماً للإضراب الشامل والتظاهر في المدن والقرى العربية، احتجاجاً على سياسة التعسف اليهودي، وسياسة التمييز العنصري، ومصادرة الأراضي، التي يمارسها العدو اليهودي منذ عام 1948 ضدهم، ومحاولة اقتلاعهم من أرضهم، وتمزيقهم إلى مجموعات صغيرة منعزلة ـ كما يفعل الجدار اليوم في الأراضي المحتلة عام 1967 بين المدن والقرى الفلسطينيةـ فانتفاضة الأرض في 30/3/1976 جاءت نتيجة لمجمل سياسات العدو اليهودي ضدهم منذ عام 1948.
وقد كان قرار الدعوة إلى إضراب عام لفلسطينيي الـ 48 هو أول قرار من نوعه منذ النكبة، لذلك بدءوا يُحضرون لذلك اليوم التاريخي قبل مدة، ولم تكن أسلحتهم إلا الحجارة، والعِصي والفؤوس، والمناجل، والسكاكين، وصفائح البنزين المشتعلة، ومحاولة الاستيلاء على أسلحة الجيش، واستجابت كل التجمعات العربية في الجليل للإضراب، رغم محاولات كيان العدو اليهودي إفشال هذا اليوم وبأي ثمن. وفي مساء 29/03/1976 داهمت قوات شرطة الاحتلال وحرس الحدود قرية عرَّابة، وأخذت تستفز الفلسطينيين بالضرب وإطلاق النار، وقد اشتبك معها الأهالي، واستشهد نتيجة تلك الاشتباكات أحد الفلسطينيين ويُدعى خير أحمد ياسين وكان أول شهداء يوم الأرض. وفي اليوم الثاني أي يوم 30/03/1976 أصدرت الشرطة أمراً بمنع التجوال لمدة 24 ساعة في قُرى الجليل والمثلث، في سخنين، وكفر كنا، والطيبة، وطمرة، ودير حنا، والطيرة، وباقة الغربية، وفي كسرى، وكفر قاسم، وقلنسوة، والرامة، ونحف، ومجد الكروم. وتفرقت سيارات الشرطة في القرية وأخذت تُنبه الأهالي، وتُهدد من يُحاول الخروج من منزله، ولكن التهديدات لم تُثنِ الفلسطينيين عن التعبير عن سخطهم وحقدهم، فخرجوا إلى الشوارع، واشتبكوا مع جيش الاحتلال اليهودي في معارك لم يسبق لها مثيل. وقد اعترف العدو اليهودي بنجاح الإضراب العام، فقد تحولت العديد من القرى العربية إلى ساحة حرب حقيقية بين الفلسطينيين الثائرين وقوات الاحتلال اليهودي، وقد شوهدت عشرات المجنزرات العسكرية اليهودية محترقة في قرية طمرة وبقية القرى العربية الأُخرى.
وقد اتخذت انتفاضة يوم الأرض شكل إضراب شامل ومظاهرات شعبية عارمة، وقد أسفرت أحداث تلك الانتفاضة التي تفاجئ فيها فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 بالطريقة الوحشية التي قامت بها حكومة العدو اليهودي لتفريق المتظاهرين وقمعهم، عن استشهاد ستة شهداء فلسطينيين هم: الشهيدة خديجة شواهنة، والشهيد رجا أبو ريا، والشهيد خضر خلايلة من أهالي سخنين، والشهيد خير أحمد ياسين من قرية عرَّابة، والشهيد محسن طه من قرية كفركنا، والشهيد رأفت علي زهدي من قرية نور شمسن واستُشهد في قرية الطيبة، هذا إضافة لعشرات الجرحى والمصابين، وبلغ عدد الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال الصهيوني أكثر من 300 فلسطينيي.
فشل سياسة الدمج اليهودية
قد شكل يوم الأرض معلماً بارزاً في تاريخ فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948، باعتباره اليوم الذي أعلن فيه الفلسطينيون تمسكهم بأرض آبائهم وأجدادهم، وتشبثهم بهويتهم الوطنية والقومية وحقهم في الدفاع عن وجودهم رغم عمليات القتل والإرهاب والتنكيل التي كانت ـ وما زال ـ يمارسها الاحتلال بحقهم، بهدف ترحيلهم وإبعادهم عن أرضهم ووطنهم.
لقد كان يوم الأرض يوماً فاصلاًَ بين مرحلتين، مرحلة ما قبل 30/3/1976 ومرحلة ما بعده، فقد كانت أحداث ذلك اليوم الدامي أول كلمة سجلت في شهادة فشل سياسة العدو اليهودي في استيعاب ودمج وتذويب فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 في المجتمع اليهودي، ودفعهم للتخلي عن هويتهم العربية وانتمائهم القومي والإسلامي، من خلال ضمهم للأحزاب اليسارية اليهودية، والنضال من خلالها من أجل تحقيق المساواة والعدالة بين طبقات المجتمع، ومن خلال منحهم هامش من الحياة السياسية والمشاركة في الكنيست يمكن به أن تمتص غضبهم، وتخفف من حدة شعورهم بالتفرقة العنصرية، وأنهم مواطنين من الدرجة الثالثة أو الرابعة في المجتمع اليهودي، مضطهدين ومسلوبي الحقوق. كما أنها كشفت عن فشل الأحزاب السياسية العربية في استثمار ذلك الهامش لصالح الجماهير العربية، وإن كانت لم تفشل في استثمارها في تحقيق مكاسب حزبية وشخصية.
وكما اعتبر الباحث الفلسطيني (نبيه بشير) من فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948، في كتابه "يوم الأرض: ما بين القوميّ والمدنيّ – سيرورة وتحوّل" يوم الأرض الأوّل بوصلة ضميريّة ومقولة وجدانيّة وحدثاً سياسيًا هاماً جدًا في تاريخ المجتمع الفلسطينيّ داخل أراضي 1948. يشكّل هذا الحدث مفصلاً مركزيًّا ومحورًا أساسيًّا في تطوّر الوعي الجماعيّ لدى هذا المجتمع، فهو حدث تاريخيّ ما زال صداه يشكّل عاملاً مهمًّا في ذاكرة المجتمع العربيّ، وفي علاقة هذا المجتمع بكيان العدو اليهودي. وقد بقي يوم الأرض يومًا وطنيًّا يغذّي ويُحْيي الذاكرة الجماعيّة الفلسطينيّة، على جميع مركّباتها منضمًّا بذلك إلى أيّام ذكرى أُخرى، فيها من الشبه وفيها من الاختلاف، مثل يوم النكبة. ولا تنبع أهمّـيّة يوم الأرض من كونه يوم تحدّ للسلطة المغتصبة فحسب، وإنّما لكونه يتمحور حول المركّب الأكثر أهمّـيّة في الوجود الفلسطينيّ، تاريخيًّا وإنسانيًّا وحضاريًّا، ألا وهو العلاقة العضويّة بين الشعب والأرض. فالأرض لا تعني الوجودين البيولوجيّ والمادّي فقط، ولا تقتصر على الجغرافيا والطوبوغرافيا. فأهمّـيّة الأرض تتمحور في كونها حاملة للأبعاد الحضاريّة والثقافيّة والرمزيّة للتواجد الإنسانيّ، عبر جدليّة الجهد والابتداع البشريّ والرقيّ المعرفيّ. وهي لا تقاس بفلاحتها أو استغلالها حصرًا، وإنّما بتوفيرها للحيّز الآمن للحراك الاجتماعيّ والثقافيّ والحضاريّ كذلك.
من رحم يوم الأرض خرج حماة الأقصى (1)
مصطفى إنشاصي
كل يوم في فلسطين هو يوم للأرض، فالفلسطيني منذ أن هُجر من أرضه مكرهاً ومضطراًً عام 1948 على أمل العودة إليها؛ بعد يوم أو يومين أو أسبوع على أقصى تقدير، كما وعدته جحافل الجيوش العربية التي جاءت لتحرير ما اغتصبه العدو الصهيوني، فأضاعت ما اغتصب وما كان لا يزال باقياً بأيدي أهلها الفلسطينيين، وهو لا زال يعيش ذلك الأمل في العودة، الذي لا ولن ينقطع يوماً، إلى أن يأذن الله تعالى بتحقيقه!!.
فالفلسطيني منذ ذلك التاريخ وهو يحمل هم الأرض والعودة إليها، ويورث هذا الهم لأبنائه ليكون هم الأجيال الفلسطينية إلى أن يأذن الله تعالى بعودتها إلى حضن أرضها، وعودة الأرض إلى أصحابها، ولا أظن أن أحداً اليوم بات جاهلاً بأن هذا الحلم الذي حافظ على الحق الفلسطيني في الأرض التي مر على اغتصابها ما يقارب الـ 60 عاماً ، هو الذي أجهض وما يزال يقف عقبة في مسلسل المؤامرة على تصفيتها وتصفية قضية أصحابها، وحقهم في العودة والتعويض .
إلا أن حديثنا اليوم عن يوم الأرض وذكراه كما أنه له شجونه الخاصة، فإنه له مرارته وآثار الأسى الشديد في النفس، كما أن له خصوصيته أيضاً هذا العام، خصوصية لها علاقة بمن ارتبط بهم يوم الأرض، بالفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم بعد اغتصاب فلسطين عام 1948، حيث تأتي ذكراه هذا العام في وقت يحاول فيه أعداء الأمة والوطن تمرير مشاريع التسوية التي تتجاهلهم، وتتجاهل حجم صمودهم وتضحياتهم من أجل الحفاظ على انتمائهم الفلسطيني، وهويتهم العربية، وتريد لهم الذوبان في مجتمع كيان العدو اليهودي في الوقت الذي يرفض فيه العدو اليهودي ذلك، ويتوعدهم في مناسبة وغير مناسبة بالتخلص منهم، ويبحث عن الوسائل لاقتلاعهم من أرضهم وإلقائهم خارج حدود وطنهم المغتصب، بدعوى الحفاظ على ما يسميه ذلك العدو "نقاء الطابع اليهودي للدولة"؟!!. وقد ازدادت هذه القناعة عند العدو اليهودي بعد أن بلغت نتائج ذلك الحدث الذي نحيي ذكراه كل عام فلسطينياً في فلسطين المحتلة عام 1948 والمحتلة عام 1967، وفي جميع مواطن الشتات، بعد أن بلغت التحولات التي أحدثها في واقع حياة وتوجهات فلسطيني الأرض المحتلة عام 1948؛ مبلغاً من التفاعل مع قضايا أهلهم وإخوانهم من فلسطين الأرض المحتلة عام 1967، بل ومشاركتهم معاناتهم بالدم، وبعد أن أصبح فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 هم حماة المسجد الأقصى ضد كل المخططات اليهودية لهدمه، من أجل إعادة بنا ء هيكلهم المزعوم مكانه، وبعد أن ازدادت قناعة الشارع العربي في فلسطين المحتلة عام 1948 بعدم جدوى المشاركة في الحياة السياسية والبرلمانية في كيان العدو اليهودي، وكشفت الأيام بأنه لا فرق بين ما يسمى اليمين الصهيوني واليسار الصهيوني في نظرته لهم بقدر ما هو في التكتيك والسياسة في التعامل معهم، خاصة بعد أن فجعوا بفلذات أكبادهم وهم يسقطون في ميدان العزة والشرف والكرامة شهداء برصاص حكومات اليسار اليهودي الذي ظنوا لفترة من الزمن أنه صديق لهم، ويختلف عن اليمين اليهودي.
حكاية يوم الأرض
بداية الحكاية مثل بداية أي مأساة أو معاناة فلسطينية مع عدو الأمة والوطن .
بدأت حكاية يوم الأرض باغتصاب الصهاينة لفلسطين عام 1948، والبدء في وضع أيديهم على الأرض الفلسطينية، وتحويلها إلى ملكية كيان العدو الصهيوني، ومن ثم بيعها إلى ما يسمى "الصندوق القومي اليهودي" الذي يقوم بدوره بتأجيرها أو منحها لليهود فقط. وقد وضعت حكومة كيان العدو اليهودي يدها على أملاك من شردهم من الفلسطينيين من وطنهم وأرضهم باسم "قانون أملاك الغائبين"، الذي به نهبت وصادرت ملايين الدونمات من الأراضي الفلسطينية، ومئات الملايين من الدولارات كعقارات وغيرها.
ولأن المعركة والصراع هي لاغتصاب الأرض، التي هي مدار الوعد الإلهي التوراتي "لشعبه المختار"، ولأنه لا قيمة للعودة إلى الأرض الموعودة، وإقامة الكيان الموعود عليها بدون اغتصاب الأرض، فكر العدو اليهودي التوراتي كما هو حاله الآن في الأراضي المحتلة عام 1967 مع المغتصبات والجدار الذي يلتهم الأرض الفلسطينية كيف يجرد الفلسطينيين الذين رفضوا الهجرة وتشبثوا بأرضهم من أرضهم؟!. فبدأ في سن القوانين التي يسلب بها الأرض من أصحابها، فهذه المساحة يضع يده عليها تحت اسم أنها "أرض محميات طبيعية"، وتلك بدعوى "منطقة عسكرية" وأخرى "للحاجات الأمنية" ...الخ، وما هي إلا فترة قصيرة من الزمن حتى تتحول هذه الأراضي العربية إلى أيدي المغتصبين اليهود، إما كمناطق زراعية، أو يقام عليها منشآت صناعية، أو حدائق عامة، أو أحياء سكنية. وما أن جاء عام 1972 حتى كان العدو الصهيوني قد صادر أكثر من مليون دونم من أرض القرى العربية في الجليل والمثلث، ولم يتبقى من نسبة الـ18% من مساحة فلسطين المحتلة 1948 التي كانوا يملكونها سوى 3.5% فقط.
وقد احتفظ الجليل بأغلبيته العربية على الرغم من كل المؤامرات اليهودية لتهجير سكانه العرب، لذا أمعنت حكومات كيان العدو اليهودي المغتصب لفلسطيننا في تطبيق سياسة التهويد فيه، وقد كان من تلك السياسات أن أعلنت حكومة العدو اليهودي في أوائل عام 1975 عن مشروع لتهويد الجليل باسم "مشروع تطوير الجليل". وفي 13/2/1976 صدر قرار عسكري يهودي بإغلاق المنطقة (9) كمنطقة عسكرة، ومنع أصحاب الأرض الأصليين من الوصول إليها، أعقبه إسحاق رابين بقرار مصادرة 20 ألف دونم من الأراضي العربية. وعلى الرغم من أن الأرض المصادرة تخص سكان منطقة البطوف؛ إلا أن الجماهير الفلسطينية جمعاء في فلسطين المحتلة عام 1948 قد أعلنت يوم 30/3/1976 يوماً للإضراب الشامل والتظاهر في المدن والقرى العربية، احتجاجاً على سياسة التعسف اليهودي، وسياسة التمييز العنصري، ومصادرة الأراضي، التي يمارسها العدو اليهودي منذ عام 1948 ضدهم، ومحاولة اقتلاعهم من أرضهم، وتمزيقهم إلى مجموعات صغيرة منعزلة ـ كما يفعل الجدار اليوم في الأراضي المحتلة عام 1967 بين المدن والقرى الفلسطينيةـ فانتفاضة الأرض في 30/3/1976 جاءت نتيجة لمجمل سياسات العدو اليهودي ضدهم منذ عام 1948.
وقد كان قرار الدعوة إلى إضراب عام لفلسطينيي الـ 48 هو أول قرار من نوعه منذ النكبة، لذلك بدءوا يُحضرون لذلك اليوم التاريخي قبل مدة، ولم تكن أسلحتهم إلا الحجارة، والعِصي والفؤوس، والمناجل، والسكاكين، وصفائح البنزين المشتعلة، ومحاولة الاستيلاء على أسلحة الجيش، واستجابت كل التجمعات العربية في الجليل للإضراب، رغم محاولات كيان العدو اليهودي إفشال هذا اليوم وبأي ثمن. وفي مساء 29/03/1976 داهمت قوات شرطة الاحتلال وحرس الحدود قرية عرَّابة، وأخذت تستفز الفلسطينيين بالضرب وإطلاق النار، وقد اشتبك معها الأهالي، واستشهد نتيجة تلك الاشتباكات أحد الفلسطينيين ويُدعى خير أحمد ياسين وكان أول شهداء يوم الأرض. وفي اليوم الثاني أي يوم 30/03/1976 أصدرت الشرطة أمراً بمنع التجوال لمدة 24 ساعة في قُرى الجليل والمثلث، في سخنين، وكفر كنا، والطيبة، وطمرة، ودير حنا، والطيرة، وباقة الغربية، وفي كسرى، وكفر قاسم، وقلنسوة، والرامة، ونحف، ومجد الكروم. وتفرقت سيارات الشرطة في القرية وأخذت تُنبه الأهالي، وتُهدد من يُحاول الخروج من منزله، ولكن التهديدات لم تُثنِ الفلسطينيين عن التعبير عن سخطهم وحقدهم، فخرجوا إلى الشوارع، واشتبكوا مع جيش الاحتلال اليهودي في معارك لم يسبق لها مثيل. وقد اعترف العدو اليهودي بنجاح الإضراب العام، فقد تحولت العديد من القرى العربية إلى ساحة حرب حقيقية بين الفلسطينيين الثائرين وقوات الاحتلال اليهودي، وقد شوهدت عشرات المجنزرات العسكرية اليهودية محترقة في قرية طمرة وبقية القرى العربية الأُخرى.
وقد اتخذت انتفاضة يوم الأرض شكل إضراب شامل ومظاهرات شعبية عارمة، وقد أسفرت أحداث تلك الانتفاضة التي تفاجئ فيها فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 بالطريقة الوحشية التي قامت بها حكومة العدو اليهودي لتفريق المتظاهرين وقمعهم، عن استشهاد ستة شهداء فلسطينيين هم: الشهيدة خديجة شواهنة، والشهيد رجا أبو ريا، والشهيد خضر خلايلة من أهالي سخنين، والشهيد خير أحمد ياسين من قرية عرَّابة، والشهيد محسن طه من قرية كفركنا، والشهيد رأفت علي زهدي من قرية نور شمسن واستُشهد في قرية الطيبة، هذا إضافة لعشرات الجرحى والمصابين، وبلغ عدد الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال الصهيوني أكثر من 300 فلسطينيي.
فشل سياسة الدمج اليهودية
قد شكل يوم الأرض معلماً بارزاً في تاريخ فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948، باعتباره اليوم الذي أعلن فيه الفلسطينيون تمسكهم بأرض آبائهم وأجدادهم، وتشبثهم بهويتهم الوطنية والقومية وحقهم في الدفاع عن وجودهم رغم عمليات القتل والإرهاب والتنكيل التي كانت ـ وما زال ـ يمارسها الاحتلال بحقهم، بهدف ترحيلهم وإبعادهم عن أرضهم ووطنهم.
لقد كان يوم الأرض يوماً فاصلاًَ بين مرحلتين، مرحلة ما قبل 30/3/1976 ومرحلة ما بعده، فقد كانت أحداث ذلك اليوم الدامي أول كلمة سجلت في شهادة فشل سياسة العدو اليهودي في استيعاب ودمج وتذويب فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 في المجتمع اليهودي، ودفعهم للتخلي عن هويتهم العربية وانتمائهم القومي والإسلامي، من خلال ضمهم للأحزاب اليسارية اليهودية، والنضال من خلالها من أجل تحقيق المساواة والعدالة بين طبقات المجتمع، ومن خلال منحهم هامش من الحياة السياسية والمشاركة في الكنيست يمكن به أن تمتص غضبهم، وتخفف من حدة شعورهم بالتفرقة العنصرية، وأنهم مواطنين من الدرجة الثالثة أو الرابعة في المجتمع اليهودي، مضطهدين ومسلوبي الحقوق. كما أنها كشفت عن فشل الأحزاب السياسية العربية في استثمار ذلك الهامش لصالح الجماهير العربية، وإن كانت لم تفشل في استثمارها في تحقيق مكاسب حزبية وشخصية.
وكما اعتبر الباحث الفلسطيني (نبيه بشير) من فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948، في كتابه "يوم الأرض: ما بين القوميّ والمدنيّ – سيرورة وتحوّل" يوم الأرض الأوّل بوصلة ضميريّة ومقولة وجدانيّة وحدثاً سياسيًا هاماً جدًا في تاريخ المجتمع الفلسطينيّ داخل أراضي 1948. يشكّل هذا الحدث مفصلاً مركزيًّا ومحورًا أساسيًّا في تطوّر الوعي الجماعيّ لدى هذا المجتمع، فهو حدث تاريخيّ ما زال صداه يشكّل عاملاً مهمًّا في ذاكرة المجتمع العربيّ، وفي علاقة هذا المجتمع بكيان العدو اليهودي. وقد بقي يوم الأرض يومًا وطنيًّا يغذّي ويُحْيي الذاكرة الجماعيّة الفلسطينيّة، على جميع مركّباتها منضمًّا بذلك إلى أيّام ذكرى أُخرى، فيها من الشبه وفيها من الاختلاف، مثل يوم النكبة. ولا تنبع أهمّـيّة يوم الأرض من كونه يوم تحدّ للسلطة المغتصبة فحسب، وإنّما لكونه يتمحور حول المركّب الأكثر أهمّـيّة في الوجود الفلسطينيّ، تاريخيًّا وإنسانيًّا وحضاريًّا، ألا وهو العلاقة العضويّة بين الشعب والأرض. فالأرض لا تعني الوجودين البيولوجيّ والمادّي فقط، ولا تقتصر على الجغرافيا والطوبوغرافيا. فأهمّـيّة الأرض تتمحور في كونها حاملة للأبعاد الحضاريّة والثقافيّة والرمزيّة للتواجد الإنسانيّ، عبر جدليّة الجهد والابتداع البشريّ والرقيّ المعرفيّ. وهي لا تقاس بفلاحتها أو استغلالها حصرًا، وإنّما بتوفيرها للحيّز الآمن للحراك الاجتماعيّ والثقافيّ والحضاريّ كذلك.