المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حول حقيقة قصيدة المجرشة


محمد علي محيي الدين
20-03-2009, 07:15 PM
حول حقيقة قصيدة المجرشة
التاريخ: Monday, July 07
اسم الصفحة: ثقافة شعبية
محمد علي محيي الدين
طالعت ما كتبه أستاذي الفاضل إبراهيم الخياط عن المجرشة العراقية التي اشترك في النظم على غرارها الكثير من الشعراء العراقيين ولو جمع ما كتب لشكل ديوانا ضخما بمئات الصفحات

وما زالت هذه الرائعة الفريدة مثار إعجاب كل من يطالعها لأنها عبرت بشكل دقيق ورائع عن عمق معاناة المرأة العراقية في تلك الأيام، وربما ما زالت هذه القصيدة تحتفظ بجدتها برغم مضي أكثر من ثمانية عقود على إذاعتها، فهي تعبير واقعي عن حال المرأة في أواسط القرن الماضي وأوائل القرن الجديد، الذي يصح تسميته (قرنا) بمعناه الآخر فقد اصبح قرنا طويلا لثور هائج يبقر البطون ويصيب من الناس المقاتل، لذلك لهذه القصيدة المعبرة تجلياتها في عصرنا الراهن بعد ان عادت المجتمعات القهقري او كما يقول المثل الشعبي (مثل بول البعير ليوره) فحق للمرأة هذه الأيام مداعبة اربابها بقارص القول على عودة العالم الى الوراء.وعذرا من هذه المقدمة والأجدى ان أبدأ من جديد فأول المآخذ على استاذي الفاضل وهو المطلع على ما ينشر في الصحافة الورقية والالكترونية ان لا يجزم بنسبتها للشاعر الكرخي فما زالت هذه القصيدة مثار تساؤلات وخلافات بين الباحثين والدارسين للآداب الشعبية فقد اشار الكثيرون الى ان هذه القصيدة المنشورة في ديوان الكرخي وصحفه العديدة لم تكن خالصة النسبة اليه فقد ادعاها الكثيرون واثير حولها لغط كبير، وثبت من خلال دراسة بعض مقاطعها ان التفرد بنسبتها للكرخي خطأ مشهور ففيها من الكلمات الفراتية التي لم تكن مألوفة في شعر الكرخي، ولم يتطرق اليها في قصائده الكثيرة، وفيها أبيات كرخية واضحة تفصح عن نفسها لتوافقها مع اشعار الكرخي الاخرى وطريقته في النظم التي تتسم بخواص عديدة اذا شاء الاستاذ الفاضل نوردها في مقال آخر، ولكن هناك شبه اجماع على ان الكرخي قد استعار وزن القصيدة وطريقتها وربما مطلعها وبعض المقاطع من شاعر فراتي بدليل ان تلك المقاطع لا تتساوق وما يكتبه الكرخي وهو ما بيناه بشكل مبتسر في مقالنا المنشور على العديد من المواقع وفي جريدة الفيحاء الحلية، لذلك كنت اتمنى على أخي الكريم ان يشير الى ذلك او يحاول من خلال موقعه في اتحاد الادباء العراقيين اثارة الموضوع وفتح باب النقاش لوضع الأمور في نصابها، واعادة الحق لأصحابه الشرعيين باعتبار ان القصيدة فراتية حلية وليست بغدادية كرخية، لان الكرخي على ما يبدو استغل عمله الصحفي فنشر المجرشة باسمه بعد اطلاعه على مقاطع منها، نسج على غرارها مقاطع ونشرها باسمه ثم توالت الاضافات حتى وصلت الى ما وصلت اليه، وسأرفق في نهاية المقال ما نشرته عنها وعن نسبتها للكرخي او غيره.
وقد أفادني الأستاذ الدكتور عدنان الظاهر في رسالة (أتذكر مرة قال فيها المرحوم والدي: ان القصيدة كلا او جزءا قالتها امرأة ممن كن يعملن فعلا بالجرش من أهالي الهندية / طويريج... وقد رأيت بالفعل وكنت ما زلت طفلا هناك ساحة كبيرة ليست ببعيدة عن نهر الفرات تعمل فيها ليلا ونهار نسوة كثار خلف طواحين الحجر الرصاصية اللون / مجارش وكن دفعا للسأم والملل من العملية المتكررة التي تأكل الروح يهزجن ويغنين تماما كشأن اغلب الحلاقين فهم يدفعون عن نفوسهم الملل بكثرة الكلام مع الزبون تحت ايديهم وتحت رحمة المقص والموس الحاد).
وأفادني ايضا الاستاذ ذياب آل غلام برسالة ثم نشر مقال في المواقع الالكترونية ان قائلتها امرأة نظمتها في مجارشهم الكائنة في طويريج وان نور الملا شبيب قد نظمها في ذلك المكان الذي كان الكرخي يزوره ايضا بحكم العلاقة التي تربطه بهم، ما يؤيد انها حلاوية اضافة لما ذكرته في مقالتي السابقة من ادلة واسانيد.ومما يدل على ان قائلها امرأة دقة التصوير لمعاناة المرأة العاملة، وصدق مشاعرها في التعبير عن معاناتها، وهو ما لا يستطيع الرجل ادراكه او التوصل اليه الا اذا لمس عمق المعاناة وخاض تجربة مماثلة والكرخي لم يعمل في هذا الجانب ما يدل على افادته من تجربة اخرى فكان ان كتب ما كتب مجاراة لأبيات سمعها منقولة قالتها امرأة فتلبس لبوسها وكتب عن معاناتها، وان ما في المجرشة من كلمات نسائية ما يؤيد ان قائلتها امرأة، وهذا لا يعني طعنا بشاعرية الكرخي فهو من الشعراء المجيدين المكثرين، ولكن طبيعتها واختلاف لغتها وما اثير حولها يجعلنا نجزم بأن الكرخي مقلد لا مبتكر لهذه القصيدة.ان ما ذكرته اعلاه لا يلغي ان الاستاذ الخياط قد استطاع بثاقب وعيه ولغته الجميلة ان يأتينا برائعة توازي المجرشة اثارة وروعة بما فيها من تصورات وافكار رائعة جعلت المجرشة بمصاف الترانيم الثورية، فهي مناجاة المظلوم، ونفثات عبرت من خلالها المرأة العراقية عن افكارها بوضوح وجلاء، وقاومت ـ بطريقتها الخاصة ـ الظلم الذي أحاق بها بفعل النظرة المتدنية لها في مجتمعنا الرجولي، وكان لأخي الخياط المقارنة بين عقلية المرأة وأحاسيسها في بدايات القرن المنصرم وما وصلت اليه المرأة العراقية اليوم من تدن وضحالة فكرية، برغم ما وصل اليه العالم من تطورات على الصعد المختلفة، فأصبحت نساء اليوم يتعثرن في دياجير العمى والتخلف والظلام، واختارت امرأة القرن الواحد والعشرين ان تكون دمية صاغرة غارقة في متاهات بعيدة عن التصور، فاختارت بمحض ارادتها نساء يفقهنا تخلفا وجهلا ليكنّ ممثلاتها في البرلمان، فأين المرأة القديمة الجاهلة من المرأة الحديثة المتعلمة، وهل نفع العلم المدرسي المرأة، وجعلها ترتقي لمستوى شاعرة المجرشة التي كانت تعرف ما تريد في الوقت الذي تجهل المتعلمة ما يراد لها، ناهيك عما تريد.وقد وردت في القصيدة هنات كثيرة لا يتحمل مسؤوليتها الكاتب الكريم فقد نقلها عن الديوان المطبوع الذي لم يسلم من الخطأ فعلى سبيل المثال:ساعة واكسر المجرشة وألعن أبو اليجرش بعد حظي يهل ودّي نزل والجايفة حظها صعد سلمت أمري واسكتت للي وعدني ابهالوعد نصبر على الدنيه غصب للحد وانباريها والصواب (حظي يهالوادم نزل والجايفة حظها كعد)ساعة واكسر المجرشة وانحر على النمسا ومجرهناك انكر تبّع وقحطان والطائي ومضرترضه يالمسيّر سفينة نوح يا رب البشر عبّيات ابو ها الكحيلة واحضان الجرد يشبيها.والصواب (عبيان ابوها كحيلته واحصان الجرد يشبيها)والمقصود عنها عملية تلقيح الخيول عندما (تشبي) الفرس الضامر بحصان اصيل.
وفي الختام فالمجرشة صرخة مدوية للمرأة العراقية، وفيها صور كثيرة عن معاناتها ما تزال بحاجة الى نضال دؤوب لتجاوزها عسى ات تعود المرأة لوعيها ذات يوم وتعلنها ثورة عارمة تطيح بكل العقبات التي وضعت في طريقها ومسخت انسانيتها وجعلتها في آخر القائمة من المخلوقات.







هذا الخبر من موقع جريدة الصباح