المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : على بُعد خطوات من بيتنا . . .


محمود عصفور
09-05-2008, 03:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



على بُعد خطوات من بيتنا . . .



بقلم : محمود عصفور





الساعة الواحدة ليلاً . . والناس نيام وعيون لا تنام !



خطوات حذرة مترقبة تنتظر المجهول و القدر المحتوم



انتظار طويل . . . . سكون مخيم على المنطقة . . . .



في الجانب الآخر حركة نشطة . . تخطيط . . تحريض



الساعة الواحدة ليلاً . . والناس نيام وعيون لا تنام !



سندع اليوم الجراح والدماء هي التي تتحدث للتاريخ عن ما رأته على بُعد خطوات من بيتنا . . .



يبدأ اللقاء ولكنه لقاء من نوع آخر لقاء البنادق والأسلحة الثقيلة ,,,



كما قلنا الناس نيام ويبدأ اللقاء بتلاقي الرصاص بين المقاومين الحارسين للديار وبين جيوش التتار بقيادة باراك وليس هولاكو . . . استبسل المقاومين أمام آليات الاحتلال الهمجية ولكن ماذا تراها أن تفعل المقاومة أمام هذا الجيش بوسائل حربية يدوية ! !



القوات الصهيونية الخاصة تحاصر المنطقة والآليات تساندها مما دعا المقاومة إلى الانسحاب التكتيكي ولكنها لم تغادر الميدان لحظة ، بدأت النيران الصهيونية الملتهبة تدق بيوت الناس الآمنين من كل جانب والرصاص الأعمى يدق كل أخضر ويابس...



لا رحمة . . لا شفقة . . نيران الحقد الملتهبة في كل مكان شرقا وشمالا الدبابات من كل صوب وطائرات الاستكشاف " الغربان السود " تحلق تبحث عن فريسة لكي تلتهمها بكل شراسة . . والناظر إلى حال الميدان يرى أن الاحتلال هذه المرة يضرب بكل قوة وعنف فقذائف الدبابات تصطاد يمنة وشمالا وكذلك الغربان السود تضرب المدنيين قبل المقاومين فأصابت 9 من الشباب المدنيين والمقاومين . . والرصاص الأعمى لا يشاور أحدا عند إصابته فقتل فتى بعمر الزهور يبلغ من العمر 15 سنة وأصاب أخ له بحالة خطرة ، لم يتوقف الحال هنا ففي فترة الظهر وأحد الشباب تاركاً بيته وأهله وراءه ومنسحب لمنطقة آمنة استهدفته هو وشهيد آخر في المنطقة الغربان السود مما أفقدته أحد عينيه والآخر استشهد . . . وهناك العديد من الإصابات نتيجة القذائف والصواريخ والتي وصل عددها إلى 25 إصابة . . هذا كله في النهار أما الساعة الحادية عشرة مساءاً تسللت قوة خاصة إلى إحدى المنازل وقامت بتفجير باب المنزل وقامت باغتيال الشهيدة البطلة المعلمة وفاء أمام أعين أبنائها وكذلك هددوا البنت التي تبلغ الحادية عشر من العمر بالقتل أن لم تصمت عن الصراخ . . قتلوا الأم وأخرسوا الطفلة . . كل هذا الغل الأسود في القلوب المريضة الصهيونية لم يتوقف الحقد إلى هنا ،،، جرافاتهم الصهيوأمريكية لم تدخر جهداً إلا وقامت به فقامت بتجريف الأراضي الزراعية وأشجار الزيتون المعمرة التي تبلغ مئات السنين من العمر ،وكذلك البيوت الآمنة قاموا بتجريفها على رؤوس ساكنيها ، ومصادر الرزق من أراضي وأشجار ومحلات تجارية وسيارات وخزانات وآبار مياه وشوارع وأعمدة الإنارة والاتصالات ومزارع الدجاج . . . قامت بالإجهاز على ما يقارب مساحة الكيلو والنصف بعداً عن الحدود بالتجريف والقتل والدمار . . كما وقامت قوات الاحتلال باعتقال ما يقرب من 40 شخصا من أطفال وشباب ورجال وشيوخ ومرضى وأطلق سراحهم اليوم التالي للعدوان وبقى معتقلا لديهم ما يقارب الخمسة شباب . . . هذا هو حال الميدان والصورة أبلغ بكثير مما كتبت والألم والقهر الذي رأيناه وعشناه لمدة 24 ساعة أكبر بكثير من أن نعبر عنه ببضع كلمات.



أما على صعيد الحالة النفسية للأهالي المحاصرين كانت ومازالت سيئة للغاية فبرأي لو اجتمع علماء النفس في غزة كلها لمعالجة وإرشاد المنطقة بأكملها من أطفال ونساء وشيوخ وحتى رجال لما كفوا ! من كثر ما رأته العيون من حقد كمين .



الآن وبعد أن انسحب الاحتلال من المنطقة في ظل تهديدات بالرجوع إلى المنطقة وإكمال التجريف والقتل لما تبقى من جراح تئن تحت ظلال الليل . . لا ماء . . لا طعام . . لا تموين . . لا مواصلات وسولار . . لا حضن دافئ يضمنا بقوة ويحسسنا بأننا ما زلنا نتنفس بصعوبة ولكن ما بال الكثير من البشر لا يعنيه أمرنا ولا أمر الآلاف من العائلات التي تقتل ليل نهار . . .



الموضوع يا أخواني لا يحتاج خبر صحفي على شريط الأنباء أو شي مثل هذا ، لا على العكس تماما الاحتلال يضرب ويعي تماماً أن لا أحد سوف يبالي أو يكترث لأمر هؤلاء الناس في هذه البقعة من العالم ، ويعي أيضاً أن هناك من سيقلب الحقائق طبعاً لصالحه ويجعل من الجلاد الضحية والضحية الجلاد . . . ناشدنا وطلبنا كثيراً . . ولكن هيهات هيهات أن يجيبنا صوت أحد . .



الساعة واحدة ليلاً من اليوم التالي . . انسحبت الأفاعي الحُمر بعد أن أشبعت الأرض سُماً ، وأشعلت في القمح ناراً ، وجعلت البيوت ركاماً ، وجرفت الأراضي أكواماً ، في وسط كل هذا وبعد الانسحاب انطلق أهالي المنطقة بعد أن ابعدوا عنوة وقوة عن بيوتهم للاطمئنان على أملاكهم وأهلهم الذين تركوهم في البيوت . . ولكن ما تم مشاهدته للوهلة الأولى وليلاً كان معبرا وبليغاً جدا لما سنراه بشكل أوضح نهاراً . ..



صباح اليوم التالي للاجتياح . . زلزال ضرب المنطقة بيوت مجرفة لا ذكر لها ولا معالم . . أراضي وأشجار عدمت وغير مكانها واندثرت . . قبور جرفت ونبش في جثث الموتى والشهداء . . رجال اعتقلوا . . آبار المياه مجرفة . . اهانات وذل رأوه من تبقوا في المنطقة . .. وأهالي الشهداء ذهبوا لدفن شهدائهم والحزن والأسى يحرق قلوبهم والدعاء والرحمة لا يفارق لسانهم والدموع تملأ عيونهم . .







على جدار الزمان نكتب آهاتنا ، وعلى صفحات التاريخ ندون ألامنا ، وعلى جدار الحق نكتب شكوانا ، وعلى صراط الرحمن نقتص من قاتلينا ، ستبقى الكلمة للأجيال القادمة شاهدة على أن الأرض والمفتاح والزيتون ستبقى نبراسنا ونورنا لنا ولأحفادنا . . . ولكن هيهات أيها المحتل أن تنال منا شيئاً ، وستظل الروايات تتحدث عن نفسها وتعبر عن جرحها إلى يوم الحساب . على بُعد خطوات من بيتنا رويت لكم غيض من فيض من حجم معاناة أهل عاشوا لحظات من جل تاريخهم العاصف بالذكريات المؤلمة. .



محمود عصفور

Mahmoud_as40@hotmail.com