المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مدخل إلى ظاهرة انقراض اللغات


حسيب شحادة
09-05-2008, 02:07 PM
مدخل إلى ظاهرة انقراض اللغات
ا. د. حسيب شحادة
جامعة هلسنكي

إن أوضح ميزة فارقة بين الإنسان وسائر الكائنات الحيّة هي اللغة، شجرة نسب الأمم، وقد عُرِّف الإنسانُ في حقبة تاريخية معينة بـ “الإنسان المفكّر، الحيوان الناطق” (ينظر مثلا: رسائل ابن رشد...، ص. 92). ومن قَبيل المستحيلات تصوّر إمكانية التعبير عن فكر معيّن بدقّة وشمولية وعمق دون اللجوء إلى الكلمات. تُعتبر اللغة أروع أداة اخترعها الإنسان قبل مليون سنة تقريبا. ويعرّف اللغويون عادة "اللغة المنقرضة" بأنها تلك التي يتكلمها أقل من ألف إنسان. تواجه معظم لغات العالم ضغطا شديدا بسبب الهيمنة التي تفرضها العولمة واللغات الأساسية مثل الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والصينية. 97% من سكان العالم يتكلمون 4% فقط من اللغات و96% منها لا يتكلمها سوى 3% من أهل الأرض.
يُقدَّر عدد اللغات في العالم بزهاء السبعة آلاف وهي موزّعة بالنسب التالية، في آسيا 32%, وفي إفريقيا 30%، وفي المحيط الهاديء 19%، وفي الأمريكيتين %15 وفي أوروبا 4%. تأتي لغة المندرين الصينية في المرتبة الأولى من حيث عدد المتكلمين بها، قرابة التسعمائة مليون وتليها الإنجليزية فالإسبانية فالبنغالية فالهندية فالبرتغالية فالروسية فاليابانية. قد يدهش القارىء العربي لغياب اللغة العربية من هذه اللائحة إذا علمنا بأن عدد العرب يصل اليوم إلى حوالي ثلاثمائة مليون، وعليه فمكان العربية يجب أن يتبوأ المرتبة الثالثة بعد الإنجليزية بواقع 322 مليون متحدّث وقبل الإسبانية بواقع 266 مليون ناطق بها. لا غرابةَ في الأمر إذا ما فكّر المرء قليلا بشأن المقصود من "العربية"، أهي العربية الحديثة الأدبية أم الكم الهائل من اللهجات العربية المحلية التي هي في الواقع لغة الأم بالنسبة للعرب. العربية الفصحى، كما هو معروف للجميع، ليست لغة أمّ طبيعية بالمعنى العادي لأي إنسان عربي. والإنسان العربي هو السوري والفلسطيني والمصري واليمني والعُماني إلخ. ولا ذكر للفظة ؛عربي" في جوازات السفر أو الهويات الشخصية العربية، اللهم باستثناء هويات أبناء الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل، قراية مليون وربع الملبون نسمة. هناك ألفاظ فضفاضة لا طائل تحتها مثل "اللغة هي ديوان العرب" في حين أن العرب مفرَّقون حتى في اللغة وما قد يوحّد بعضَهم لغويا هو ما يسمّى بلغة بين بين، اللغة الوسطى/المشتركة، لغة المثقفين ولا توجد إحصائيات دقيقة بالنسبة للمسيطرين على هذا النمط اللغوي العربي الذي هو بدوره لا يمكن تسميته بلغة أمّ.
ومما يجدر ذكرُه أن لنسبة ضئيلة جدا من اللغات، أقل من 7%، أي حوالي خمسمائة لغة، تمثيلا معينا على الشبكة العنكبوتية. تتصدر الانكليزية اللائحةَ بنسبة عالية جدا 68.4% فاليابانية فالألمانية فالصينية فالفرنسية فالإسبانية فالروسية فالبرتغالية فالإيطالية فالكورية الجنوبية. أما العربية فمرتبتها أقل من صفر فاصلة بعض الكسور وهذا بالرغم من أن نسبة عدد العرب تصل حوالي 4.5% من سكان العالم.
هناك أزمة ثقافية عالمية شبه خفية تتمثّل في أن نصف لغات العالم ستنقرض قبل انسلاخ هذا القرن. زد إلى ذلك أن 40% منها في تهديد حقيقي للاندثار لأن عدد الأولاد المتكلمين لتلك اللغات في تناقص كبير، مثال على ذلك، خمسون لغة في كاليفورنيا وبعض اللغات في إندونيسيا. يشار إلى أن المصطلح الأجنبي الذي يصف احتضار اللغة هو moribund المأخوذ من اللاتينية moribundus.
نعم تطوّر اللغات المستمر هو أمر حتمي وطبيعي وغالباً ما نجهل كنهه اجتماعيا ونفسيا، بل وبعضها ينقرض أحيانا، فهي، بمعنى ما، تشبّه بالكائنات الحية كحيوانات وطيور قد انقرضت كالديناصورات والضفادع أو النباتات إلا أنها في واقع الأمر هي عبارة عن منظومة أنماط في عقل المتكلم وسلوكه ولا وجود لجينات في اللغة. ففي البرازيل وحدها انقرضت قرابة 170 لغة بعد الاحتلال البرتغالي لها في القرن السادس عشر والذي استمر حتى العام 1822, أما في المكسيك فقد بلغ عدد "الوفيات" إلى 113 لغة وبقيت 12 لغةً. من هذه الكائنات الحية طائر الدودو، وهو بحجم الإوزّة، ينتمي إلى فصيلة الحَمام، إلا أنه لا يقوى على الطيران. وهذا الطائر ذو المنقار الكبير والقائمتين المتينتين وفي كل منهما أربع أصابع، كان قد انقرض عام 1681. كان موطنه في جزيرة ماوريتيوس على المحيط الهندي إلى الشرق من جزيرة مدغشقر. وتُستعمل لفظة الدودو، dodo في الإنجليزية بمعنى “الأحمق، المتخلّف عن العصر الحاضر، دقّة قديمة”.
المصير ذاته كان من نصيب لغات كثيرة في الماضي البعيد، مثل معظم اللغات السامية التي تعدّ بالعشرات، مثل الأكّادية بفرعيها الأشوري والبابلي والأوغريتية ، وجيعز، لغة الحبشة الكلاسيكية، والفينيقية والأمورية. وذاك المصير ينسحب أيضا على لغات في عصرنا هذا مثل بعض اللغات في شمال أوروبا المنتمية إلى الفصيلة الفنّو-أُچرية، Saame, Liivi, Vatja والإيدش الغربية. يصل عدد اللغات التي في رمقها الأخير إلى أكثرَ من أربعمائة وتتواجد في معظمها في منطقة المحيط الهادىء فأمريكا فإفريقيا فآسيا فأوروبا.
هناك من يعتقد أن اللغة اللاتينية قد ماتت لأنها غير محكية حاليا إلا أنها في الواقع لم تندثر بل تبدّلت بمرور الزمن وتغير اسمُها إلى لغات عدّة مثل الفرنسية والإسبانية والإيطالية والسردينية، كلها متحدرة من اللاتينية الأمّ. ويحلو لبعض الناس تشبيه العربية الفصحى ولهجاتها الحديثة باللاتينية وبناتها. ومن اللغات التي في طور الاحتضار يمكن الإشارة إلى لغة Gaeli في جزيرة Cape Breton الواقعة إلى الشمال الشرقي من Nova Scotia التي كانت تكوّن إحدى الولايات الأربع في دومنيون كندا. يقدّر عدد الناطقين بهذه اللغة اليوم كلغة أم بحوالي خمسمائة من المسنّين في حين أن عددهم في مستهل القرن العشرين تراوح ما بين خمسين ألفا وخمسة وسبعين ألفا. يُشار إلى أنه في عام 1890 قدّم في البرلمان الكندي اقتراح يجعل لغة چايلي لغة رسمية ثالثة في البلاد. في ذلك الوقت تحدّث أكثرُ من ثلاثة أرباع سكّان جزيرة كيپ بريتون لغات اسكتلندية قديمة. هناك بعض الجامعات التي ما زالت تدرّس لغة الچايلي ضمن اللغات السلتية (Celtic) وهي مجموعة من اللغات الهندية-الأوروبية؛ أما في جزيرة كيپ بريتون فهناك أربع مدارس فقط تعلّم اللغة المذكورة فيها كمادّة اختيارية وهناك إمكانية لتعلمها على الشبكة العنكبوتية.
كيف من الممكن للغة ما أن تموت فالبشر لا ينقطعون عن الكلام، إلا أن السؤال الجوهري: الكلام بأية لغة؟ من عوامل اندثار اللغات حروب إبادة وكوارث طبيعية مثلما جرى لشعوب الكاريبي خلال عقد من السنين بعد كولومبس، إلا أن مثل هذه الحالات نادرة. وهكذا إثر اندحار العرب في الأندلس بعد قرابة ثمانية قرون انقرضت عربيتهم هناك؛ وفي جنوب السودان مثلا ظهرت عربية جوبا وفي جزيرة مالطا تحوّلت عربيتها إلى لغة أوروبية. وفي عصرنا الحاضر حلّت الإنجليزية محل الإيرلندية في شمال إيرلندا وتهدد الآن الولشية والجالية في أسكتلندا. عادة ما يكون سبب الموت ناتجا عن عوامل داخلية أو خارجية، احتلال لغة ما تدريجيا مكان لغة أخرى لأسباب اجتماعية أو سياسية. مثال على ذلك لغة كشوا في أمريكا الجنوبية التي يتحدثها نحو ثمانية ملايين نسمة وبالرغم من ذلك فهي مرشحة للانقراض بعد بضعة عقود لأن الأطفال يتكلمون الإسبانية عوضا عنها. عندما نتحدث عن موت لغة ما فذلك لا يعني أنها هرمت وذبلت وهوت أرضا جرّاء عمرها المديد، إذ أن الموت يحلّ بلغة حديثة العهد أيضا. إن اندثار اللغات في كل الحالات يحدث عندما تحتلّ لغة ما ذات هيبة ونفوذ سياسيا واجتماعيا واقتصاديا مكان لغة ثانية. ذلك الموت قد يكون، كما يذكر في مراجع معينة، إما انتحارا وإما قتلا، ويكون الأول عند تشابه اللغتين والثاني حين اختلافهما. في الحقيقة لا خط واضح المعالم دائما بين نمطي “الموت” هذين وأمامنا على المحكّ ظاهرة اجتماعية في الأساس.
في عام 1992 توفى آخرُ ناطق باللغة Ubykhin في تركيا وهو السيد Tefvik Esenc وقبل ذلك بثلاثة أعوام رحلت عن هذه الفانية آخر متكلمة باللغة Kamassin وهي Klavdia Potnikova وفي العام 1974 توفى Ned Maddrell آخر متحدث بلغة Manksin في الجزر البريطانية، وكذلك الأسترالي Arthur Bennett الذي كان يعرف إلى حدّ ما اللغة Mbabaram وكذلك الأمر بالنسبة للسيدة من ألاسكا، Marie Smith، ولغتها Eyakintiaani، ويذكر أن الناس في ألاسكا قد تحدثوا بعشرات اللغات واليوم يتعلم الأطفال اثنتين فقط. وهناك لغة باسم نوشو، لغة النساء الوحيدة في العالم، وكانت قد انقرضت مؤخرا إثر وفاة آخر ناطقة مسنّة بها في الصين، والطريف أن كل ما دُوّن بهذه اللغة كان مصيره الحرق تمشيا مع عقيدة تلك الجماعة. والملاحظ من هذا كله انعدام أي قاسم مشترك بين هؤلاء الأشخاص وما مثّلوا من لغات وثقافات، كل واحد منهم انتمى إلى بقعة جغرافية بعيدة عن بلاد الآخر. بالرغم من كل هذا يمكن القول إن القاسم المشترك الوحيد الذي يجمعهم هو اندثار لغاتهم وثقافتهم بعد موتهم، انفراط الحلقة الأخيرة من السلسلة، ذهب الأصل ولم يخلّف فرعا. إن العبرة المستفادة من مثل هذه الاندثارات اللغوية المحزنة تتمثل في أن مصير اللغات الصغيرة على وجه هذه الكرة الأرضية في طريقه إلى الزوال في عصر العولمة هذا. لا بد من التنويه بميزة معينة بالنسبة للسيد توفيق إسنس وهي كثرة الأصوات الصامتة مقارنة بالصائتة، يصل عدد الأولى إلى 81 أما الثانية فإلى ثلاثة فقط. وقد وجدت في إفريقيا لغات ذات عدد أكبر من هذه الأصوات الصائتة. ومما يجدر ذكره أن نحو 80% من لغات هذه القارة هي شفوية فقط. وفي بعض الأقطار الإفريقية لغات كثيرة تتصارع، في ساحل العاج مثلا سبعون لغة وطنية تعيش حالة صراع كهذه. وفي المقابل هناك لغات تضمّ عددا ضئيلا جدا من الأصوات كما هي الحال في غينيا الجديدة حيث نجد لغة فيها خمس حركات وستّة أصوات صامتة، ومثل هذه اللغات معرضة للاندثار.
ويتوقع اندثار قرابة 50% من لغات العالم في غضون هذا القرن، الحادي والعشرين وعليه فباحثو اللغات في سباق مع عجلة الزمن المتسارعة لرصد صفات تلك اللغات وتوثيقها. إن أستراليا مثلا كانت قد شهدت في فترة زمنية معينة حوالي 250 لغة أصلية ومن المحتمل القريب اندثار 90% منها خلال هذا القرن والحبل على الجرّار إذ لم تتم إجراءات عاجلة وفعالة للحفاظ على بعضها على الأقلّ. ففي هذه القارة بعض اللغات التي لا يتكلمها أكثر من مائة شخص. وتحتل القارة الأمريكية الشمالية المركز الثاني من حيث عددُ اللغات الأصلية المندثرة أو الآيلة إلى الزوال، حيث يقدّر عددها بحوالي 80%. كان لدى الهنود الحمر بأمريكا، على سبيل المثال، أكثر من 175 لغة بقي منها عشرون فقط. ولم يتبق منها في الواقع سوى خمس لغات ويصل عدد ناطقيها إلى عشرة آلاف فقط. أما في كندا فالوضع لا يختلف كثيرا، إذ أنه من ضمن ستين لغة أصلية لم يبق إلا خمس لغات ما زالت حية تُرزق. أما في القارة السوداء فيصل عدد اللغات التي ولّت أربعا وخمسين وعدد التي في إطار خطر الاندثار مائة وستّ عشرة لغة. يلاحظ أن اللغات المهددة بالاندثار تعاني من ضعف في النقل منها وإليها خاصة إذ ما أخذنا بالحسبان أن 40% من المؤلفات المترجمة في العالم هي من اللغة الانجليزية.
غني عن البيان أن هذه الأرقام هي، في واقع الأمر تخمينية، إذ أننا ما زلنا بعيدين عن معرفة حقيقية ودقيقة للغات العالم. في جمهورية پاپوا غينيا الجديدة مثلا، الواقعة شمالي أستراليا والتي استقلت عام 1975 وذات حوالي أربعة ملايين من السكان، يوجد قرابة 800 لغة لا يعرف العالم اللغوي الحديث عنها بصورة تفصيلية أكثر من اثنتي عشرة لغة. أضف إلى ذلك أنه من العُسر بمكان تخمين مدى قابلية لغة معينة على الحياة. ففي العام 1905 كان عدد الناطقين بلغة البريتون في الشمال الغربي من فرنسا حوالي مليون وربع المليون والآن وبعد قرن من الزمان انخفض العدد إلى ربع مليون نتيجة لإحجام الأجيال الجديدة عن ممارسة هذه اللغة. ومن ناحية أخرى نرى أن الوضع اللغوي في آيسلندا أكثر أماناً وغير مرشّح للتغيير الجذري وذلك لأن اللغة تنتقل عبر الأجيال رغم التأثير الأمريكي وهي على ألسنة الجميع حية عفوية.
من الملاحظ أن القسم الأكبر من لغات العالم المعروفة تنهج في بنيتها النحوية هذا النمط: الفاعل فالفعل فالمفعول به مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والعربية الحديثة المكتوبة والمنطوقة: الطالب قرأ كتابا. وفي بعض اللغات الأخرى كاليابانية نظام الجملة العادي هو: الفاعل فالمفعول فالفعل. وفي نسبة ضئيلة من لغات العالم تصل إلى قرابة 10% نجد أن تركيب الجملة العادي هو: الفعل فالمفعول فالفاعل كما هي الحال في بعض اللهجات العربية الحديثة في بعض الأحيان مثل اللهجة الفلسطينية: أكل الأكل موسى. وقد اعتقد في البحث اللغوي المقارن أنه من غير الجائز وجود لغات يكون فيها تركيب الجملة: مفعول به ففاعل ففعل كما هي الحال في لغة الهنود الهكسكَرْبَنا في أدغال الأمازون والقبائل المحيطة بهم فقط. هناك من اللغويين المعاصرين من يعتقد أن موجة الاندثار اللغوي آنف الذكر ستجتاح مجموعة اللغات الأكثر تعقيدا لدى الجنس البشري. أضف إلى ذلك أن هذه اللغات ذات السمات الخاصّة والمعقدة شبيهة باللغة المهنية الدارجة في هندسة الحاسوب وعلم الوراثة. وفي المقابل يمكن القول إن اللغات العالمية كالإنجليزية التي تتحدثها أعداد كبيرة من الناس المنتمين لثقافات مختلفة تتسم بالبساطة واليُسر.
ظاهرة اندثار لغة بشرية ما لا تعني زوال مفردات رائعة وتراكيب وأنماط نحوية فحسب بل وتراث ثقافي معين. إذ أن وراء قبيلة صغيرة هناك تاريخ طويل يمتدّ لآلاف السنين من التكيف للمنطقة التي كانت تعيش فيها من حيث الثروتين الحيوانية والنباتية وكذلك الظواهر الطبيعية. في أستراليا مثلا قبيلة باسم Dyirbal تمكّن أبناؤها في الستينيات من القرن العشرين التعرّف على أسماء ما يزيد عن 600 صنف من النباتات، في حين أن هذه المعرفة قد تبخّرت لدى الجيل الجديد في أواخر القرن المذكور. وإذا قارنّا الوضع في أيامنا لدى أبناء المدن خاصة في الدول العربية فقد لا يعرف الانسان العادي أسماء بعدد أصابع اليدين من النباتات البرية الموجودة في بلاده. والأمر نفسه ينسحب بالنسبة للمواطنين في جزيرة تاهيتي حيث نسوا الكثير الكثير من أسماء الأسماك التي عرفها أجدادُهم.
السؤال الذي يطرح نفسه هو علاقة الثقافة باللغة، هل اندثار اللغة يؤدي في خاتمة المطاف إلى اندثار ثقافتها؟ أهناك ثقافة بدون لغة؟ أليست “الوردة” هي نفسها في أية لغة كانت كما قال شكسبير؟ الجواب الذي يمكن إعطاؤه ليس سهلا، اللغة، أية لغة آدمية، تسعى لتبويب الأشياء وترتيبها وتعريفها وفي كل ثقافة نظام للتصنيف والتبويب للواقع والحياة تعكسها اللغة. في العديد من اللغات البولينيزية في المحيط الهادىء، على سبيل المثال، تصنف الأشياء بناء على أصحابها أو مالكيها إلى مجموعات متغيرة وغير متغيرة أي بين الثابت والمتغير. ففي ولاية هاواي في غرب الولايات المتحدة الأمريكية، الأرض والوالدان وأعضاء الجسم غير متغيرة في حين أن الأزواج والزوجات والأولاد قابلون للتبديل لتوفر إمكانية الاختيار. وهذا التقسيم الثنائي بين الثابت والمتغيّر يتخلل كافة الأنماط والمستويات وصورة العالم في الثقافة في هاواي. وفي الوقت الراهن الذي فيه لا يعرف الجيل الجديد لغته حق المعرفة نرى أن الناس قد نسوا أية أمور تندرج تحت ”المتغير” وأيها تحت ”الثابت”. ما يبقى في الواقع ما هو إلا ظلال باهتة لتلك اللغة والثقافة في غابر الأيام. وفي اللغة العربية، كما هو معروف، ينقسم العالم إلى قسمين من حيث التذكير والتأنيث )وهناك التخنيث، إذا جاز التعبير( ومن حيث العاقل وغير العاقل في حين أن هذه اللغة تقسّم العدد إلى ثلاثة أقسام، مفرد ومثنى وجمع (وفي الجمع أقسام).
في البداية كانت هناك لغات لا حصر لها وهيمنة اللغة الواحدة تاريخيا هي ظاهرة حديثة العهد. وهناك من يرى أن اندثار اللغات ليس أمرا مقلقا إذ أن انتشار اللغة الإنكليزية مثلا على حساب لغات أخرى أمر مرغوب فيه إذ أنه يتمخّض عنه استمرار العالم. وكلما تزايد عدد اللغات المحكية كلما صعب على الإنسان فهم أخيه الإنسان وغدا العالَم أقل تناسقا وتناغما. وعلى ضوء قصة العهد القديم كان العالم قبل برج بابل واحدا وذا لغة واحدة وبعد ذلك حاول بنو آدم بناء مدينة وبرج رأسه إلى السماء وأغضبوا الخالق بذلك وعليه عاقبهم الربّ قائلا “هلمّ نهبِط ونبلبل هناك لغتهم حتى لا يفهم بعضُهم لغةَ بعض (سفر التكوين 7:11) بعبارة ثانية، لغات العالم هي نتيجة عقاب الله هذا. ويرى علم اللغة الحديث في النظرية القائلة بأن العالم القديم كان أحاديَّ اللغة بمثابة أسطورة ثقافية، إذ كان المجتمع البشري متعدد الألسن منذ البدء. وفي مقدور العقل البشري وبيُسر السيطرة على أربع لغات أو خمس إذا تعلمها منذ نعومة أظفار الطفل إذ تكون ذاكرته الأقوى في السنوات الثلاث الأولى لحياته.
يبدو أن المكان الأمثل لبحث التعددية اللغوية هو پاپوا غينيا الجديدة Papua-New-Guinea، مِساحتها أقلّ من مساحة فرنسا بقليل وعدد سكانها زهاء الخمسة ملايين إنسان ويتكلمون وفق آخر إحصاء 860 لغة وهي مقسّمة إلى 26 فصيلة لغوية. الأغلبية الساحقة لهذه اللغات جدّ مغمورة إذ أن لـ 80% منها خمسة آلاف ناطق فقط. وفي مثل هذا المحيط متعدد اللغات يتعلّم السكّان الكثير منها وبصورة طبيعية، يتسنّى للطفل سماع خمس أو ستّ لغات وتعلمها شرط أن يكون مصدر كل واحدة منها ثابتا. كما وتلعب اللغات في پاپوا غينيا الجديدة دورا اجتماعيا هامّا فاللغة تعزّز صلة الفرد بقبيلته ومعرفة لغات أخرى تفتح للشخص إمكانيات اقتصادية وعسكرية وشخصية أيضا مثل الزواج. وهكذا لم تنتشر لغة واحدة معينة وبسرعة على حساب لغة أخرى. ويذكر أنه في منطقة ثنائية اللغة تواجدَ على الدوام أناس فضّلوا لغة ما على الأخرى وهكذا نمت وعظمت هذه اللغة المنتقاة واحتلت مكان اللغة الثانية في آخر المشوار. وفي الوقت نفسه تنشأ لغات جديدة عند اندثار مجتمعات معينة ونشوء مجتمعات جديدة. وعليه يبقى عدد اللغات على حاله تقريبا وهذا ما يدعوه اللغويون بـ”التوازن اللغوي” الذي يسود معظم الكرة الأرضية كما هي الحال بالنسبة للتوازن في الطبيعة أيضا. ويذكر أن الجنس البشري في مراحله التاريخية الأولى كان متعدد اللغات، أما الوضع الثقافي المتشابه في أمريكا وإنجلترا حيث يتكلم الناس لغة واحدة فقط فهو من المنظور التاريخي ظاهرة جديدة وشاذّة.
أخيرا قد يكون مفيدا ذكر الإحصائيات اللغوية الآتية. هناك في العالم 7227 لغة موزّعة على النحو التالي: في اسيا 2197، وفي إفريقيا 2058، وفي منطقة المحيط الهادىء 1311، وفي أمريكا 1013، وفي أوروبا 230، أما عدد اللغات الميتة تقريبا الآن حيث عدد المتكلمين بها جد قليل فهي: 55, 37, 157, 161, 8 وفق الترتيب المذكور، أي أن عدد اللغات التي في طور الاندثار والتلاشي هو 418 لغة.
ما مصير اللغة العربية الأدبية في هذه المعمعمة التي كثُر الحديث فيها عن الانقراض اللغوي في الآونة الأخيرة. كانت منظمة اليونيسكو قد أكّدت أن العربية ستكون ضمن اللغات المرشّحة للانقراض خلال هذا القرن. لا شك أن القول الشائع بأن العربية لا يمكن أن تندثر لأنها لغة القرآن الكريم وقد ورد فيه في سورة الحجر "إنا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون" يحتمل أكثر من معنى لغويا وتفسيريا.
تاريخيا أمامنا مثل جلي لانقراض لغة محكية مدة سبعة عشر قرنا من الزمان تقريبا بالرغم من وجود كتاب ديني سماوي لدى المنتمين لتلك اللغة. وهذه اللغة فريدة في نوعها في التاريخ اللغوي إذ أنها عادت قبل زهاء قرن من الزمن ، منذ بداية الثمانينيات من القرن التاسع عشر في فلسطين، نتيجة لتظافر عدة ظروف مؤاتية، وغدت لغة محكية حية تدرّس فيها كل المواضيع حتى الطبّ في الجامعات الإسرائيلية، إنها العبرية الحديثة التي انبثقت من عبرية العهد القديم التي يرجع تاريخها إلى حوالي ثلاثة آلاف عام. المألوف في علم اللغة هو تطور لهجة محكية في ظروف معينة إلى لغة مكتوبة، أما العكس أي "إحياء" لغة مكتوبة لتصبح محكية فنادر جدا. في هذا السياق من الممكن الإشارة إلى لغة كورنيش بانجلترا التي بعثت من جديد عام 1777 ويقدّر عدد متكلميها اليوم بحوالي ألف شخص وهي بمثابة لغة ثانية عندهم. من هذا المنطلق قد تنقرض اللغة، بمعنى أنها ستغيب عن ألسنة الناس وقد تبقى بأقلامهم أو بالأحرى بحواسيبهم كما هي الحال بالنسبة للعربية الأدبية منذ القدم، وفي الوقت ذاته يبقى الذكرُ كما حصل أيضا في إسبانيا وإيران. ثم يجب التذكير مثلا أن عبرية العهد القديم لا تشمل على أكثر من ثمانية آلاف كلمة وفي غضون المائة عام الماضية دخلت واشتقت في العبرية الحديثة زهاء الخمسة عشر ألف لفظة. وما في القرآن الكريم لا يمثّل إلا أقل من ثلث ما في لغة الضاد من جذور وتراكيب ومعان كما ذكر مؤخرا الشيخ الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية في مؤتمر بالقاهرة. يبدو أن القول الفصل في إمكانية الحفاظ أو عدمه على لغة معينة يرجع إلى أبناء هذه اللغة ودورهم الثقافي والحضاري بين الشعوب الأخرى.
وفي هذا السياق الراهن للغة العربية الأدبية الحديثة هناك عدة عوامل غير مشجعة نذكر منها ما يلي. الحبّ والتقدير للغة العرب لا يتعدى في الغالب الأهم الشفتين؛ العرب، حكومات وشعوبا، مغلوبون على أمرهم، تابعون، والمغلوب شغوف بالاقتداء بالغالب في كل شيء كما قال ابن خلدون "إن الأمّة إذا غُلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء"؛ العربية لغة رسمية في البلاد العربية شكلا فقط إذ لا وجود لأنظمة أو قوانين لتنفيذ المكتوب، رغم أن أغلب الدول المتقدمة تتدخل سياسيا في مجال اللغة والتخطيط لها؛ هوة الازدواج اللغوي بين الفصحى والعاميات عميقة إذا ما قورنت بالوضع المماثل في اللغات الأخرى؛ الأمية ضاربة أطنابها في العالم العربي والقراءة سلعة نادرة فيه، قيل إن العرب تقرأ بالأذن، معدل ما يقرأه الفرد سنويا في الغرب هو خمسة وثلاثون كتابا وفي إسرائيل مثلا أربعون، أما عند العرب فهناك كتاب واحد مقروء لكل ثمانين فردا! الميل للتحدث بالإنجليزية والفرنسية على حساب العربية؛ أبناء النخبة أو الذوات يدرسون في مدارس أجنبية أو مدارس خاصة ونصيب العربية فتات في أحسن الأحوال؛ زعماء العرب لا يقدمون نموذجا لشعوبهم في هذا المجال؛ ممثلو دول العرب في منظمة الأمم المتحدة لا يستخدمون عادة العربية؛ أين المعجم التاريخي للغة العربية؟ متى يعرّب التدريس الجامعي في البلدان العربية أسوة بالجمهورية السورية؛ مناهج التدريس بحاجة ماسّة للتعديل والتطوير الدائمين تمشيا مع التطورات العلمية الحديثة في العملية التربوية التي في تطور مستديم؛ لا بد من مشروع حقيقي شامل لتبسيط تعليم العربية والتركيز على الجانب الوظيفي فيها والابتعاد عن التقعر؛ افتقار لمفردات العصر؛ ظاهرة شيوع الأخطاء اللغوية الفادحة والفاضحة في الصحافة الإلكترونية خاصة والورقية؛ شأن أستاذ اللغة العربية بحاجة ماسة للدعم معنويا وماديا والإشراف الحقيقي والمتواصل على تأهيله؛ إعلاء شأن أدب الأطفال أمانة مقدسة في أعناق وزارات التربية والتعليم.
أحيانا. قد يتساءل المرء بعد مثل هذا التأمل، أهناك أمة لا تحترم فعلا لغتها مثل العرب؟ الصين وكوريا واليابان وغيرها أمثلة يُحتذى بها بهذا الصدد. حافظت اليابان على تراثها اللغوي رغم إنجازاتها التكنولوجية المميزة ولم تهرول لإعلاء شأن اللغات الأجنبية على حساب اليابانية. العربية في وسائل الإعلام المختلفة ستسمع وتقرأ فهناك بالإضافة إلى الصحف والمجلات على أنواعها العشرات من محطات التلفزة في الدول العربية وخارجها. هناك على سبيل المثال أربع وعشرون محطة عربية فضائية ضمن الثمانين على القمر الأوروبي ومؤخرا سمعنا عن صوت روسيا. في تقديرنا السؤال الأساسي هو ماذا سيكون جوهر اللغة العربية الأدبية في الإعلام في أواخر هذا القرن؟ ماذا ستكون مكانة العربية في العالم بعد نضوب آبار الذهب الأسود في أرض العرب؟ قد يضيف المرء أيضا ما طبيعة المكانة ذاتها في حالة انحسار ما يسمى بالإرهاب الأصولي الإسلامي في العالم أو تفاقمه؟ مثقفو العرب الحقيقيون من شعراء وأدباء سيستمرون في حمل مشعل سلامة اللغة والعمل على تطويرها لا تقديسها وتحنيطها في أجواء ليست سهلة على العموم. إنهم سيستمرون في نفخهم على الجمرة كيلا تنطفىء.
نأمل أن يولي الإنسان العربي عامّة والمغترب خاصة، مثل المقيم هنا في بلاد الشمال النائية موضوعَ اللغة أهمية قصوى، لا سيما كلغة محكية وأن يورثها لفلذات أكباده رغم الصعوبات الجمّة التي تعترضه، خاصة عندما تكون الزوجة أجنبية ولا تعرف العربية بصورة مُرضية. اللغة المحكية هي اللغة الحية، عُنوان الهوية ومرآة الثقافة وعليه فإنها تستحقّ منّا كل جهد ووقت للحفاظ عليها بل والعمل من أجل تطويرها فالوسائل التقنية في عصر العولمة هذه متوفرة وينبغي استغلالها خير استغلال. اللغة، أية لغة ليست أداة للتواصل فحسب، لها دور أساسي في تكوين نظرة الإنسان وفلسفته للكون، إنها وعاء الفكر والوجدان، مخزن تجارب الأمة بأسرها. كل لغة عبارة عن وسيلة فريدة في تحليل العالم وتركيبه، طريقة في بناء الواقع.
معرفة اللغة، أية لغة بشرية حيّة معناها الحديث بها في المقام الأول كابن اللغة تقريبا.

مراجع مختارة
ابن رشد، رسائل ابن رشد الفلسفية. رسالة ما بعد الطبيعة. تقديم وضبط وتعليق د. رفيق العجم، د. جيرار جهامي. بيروت ط. ?، 1994.

Abley, Mark, Spoken here: Travels among Threatened languages. London 2003.
Brenzinger, M. (ed.), Language Death: Factual and Theoretical Explorations with Special Reference to East Africa. Berlin: Mouton de Gruyter 1992.
Census, Bureau, The Indian population of the United States and Alaska. Washington, DC: 1937.
———, 1989 Census of Population: Characteristics of American Indians by Tribes and Selected Areas. Washington DC: 1989.
———, 1990 Census of population: Social and Economic Characteristics for American Indian and Alaska Native Areas. Washington DC: 1994.
Campbell, Lyle & Mithun Marianne (eds.), The Languages of Native America: Historical and Comparative Assessment. Austin 1979.
Crawford, J. (ed.), Language Loyalties: A Source Book on the official English Controversy. Chicago 1992.
———, Hold Your Tongue: Bilingualism and the Politics of "English only". Addison-Wesley 1992.
———, Bilingual Education: History, Politics, Theory and Practice. 3rd ed. Los Angeles 1995.
Crystal, David, Language Death. Cambridge 2000.
Denison, N, Language Death or language Suicide? in: International Journal of the Sociology of language 12 (1977) pp. 13-22.
Edwards, J., language, Society and Identity. Oxford 1985.
Evans, Nicholas, "The Last Speaker is Dead-Long Live the last Speaker". In: Paul Newman & Martha Ratliff (eds.), Linguistic Field Work. Cambridge 2001, pp. 250-281.
Fishman, J. A., Reversing Language Shift: Theoretical and Empirical Foundations of Assistance to Threatened Languages. Clevedon 1991.
Hakuta, K. & D’Andrea, D., Some Properties of Bilingual Maintenance and Loss in Mexican Background High-School Students. Applied Linguistics 13 (1992) pp. 72-99.
Hale, Kenneth et alia, "Endangered Languages". Language 68/1 (1992), pp. 1-42.
Harrison, K. David, When languages Die: The Extinction of the World’s Languages and the Erosion of Human Knowledge. New York & London 2007.
Kaaro, Jani, "kun kieli katoa". Tiede 2 (2005) pp. 34-36.
Kraus, M., "The World’s Languages in Crisis". Language 68 (1992) pp. 6-10.
———, Endangered Languages: Current Issues and Future Prospects. Hanover 1995.
Ladefoged, P., "Another View of Endangered Languages". Language 68 (1992) pp. 809-811.
MaConvell, Patrick & Nicholas Thieberger, Keeping Track of Language Rndangerment in Australia. In: Denis Cunningham et alia (eds.), Language Diversity in the Pacific: Endangerment and Survival. Clevedon 2006, pp. 54-84.
———, State of Indigenous Languages in Australia. Canberra 2001.
Mithun, Marianne, The Languages of Native North America. Cambridge 1999.
Pinker, S., The Language Instinct: How the Mind Creates Language. New York 1994.
Renfrew, C., Archaeology and Language: The Puzzle of indo-European Origins. Chicago 1987.
Robins, R. H., & Uhlenbeck, E. 8eds.), Endangered Languages. Oxford 1991.
Sapir, E., Conceptual Categories in Primitive Languages. Science 74 (1931).
Sasse, H.-J., Theory of Language Death In: Brenzinger, M. (ed.), Language Death: Factual and Theoretical Explorations with Special Reference to East africa. Berlin 1992, pp. 7-30.
Schmidt, A., The Loss of Australia’s Aboriginal Language Heritage. Canberra 1990.
Schwartz, J., Speaking out and Saving Sounds to Keep Native Tongues Alive. Washington Post March 14th, 1994, p. A3.
Sebeok, Thomas (ed.), Linguistics in North America. Mouton 1976.
Skutnabb-Kangas, Tove, Linguistic Genocide in Education or Worldwide Diversity and Human Rights?. Mahwah, New Jersey 2000.
Wurm, S. A., Language Death and disappearance: Causes and Circumstances. In: Robins, R. H., & Uhlenbeck (eds.), Endangered Languages. oxford 1991, pp. 1-18.

أبو صالح
27-09-2011, 02:06 PM
مدخل إلى ظاهرة انقراض اللغات
ا. د. حسيب شحادة
جامعة هلسنكي

إن أوضح ميزة فارقة بين الإنسان وسائر الكائنات الحيّة هي اللغة، شجرة نسب الأمم، وقد عُرِّف الإنسانُ في حقبة تاريخية معينة بـ “الإنسان المفكّر، الحيوان الناطق” (ينظر مثلا: رسائل ابن رشد...، ص. 92). ومن قَبيل المستحيلات تصوّر إمكانية التعبير عن فكر معيّن بدقّة وشمولية وعمق دون اللجوء إلى الكلمات. تُعتبر اللغة أروع أداة اخترعها الإنسان قبل مليون سنة تقريبا. ويعرّف اللغويون عادة "اللغة المنقرضة" بأنها تلك التي يتكلمها أقل من ألف إنسان. تواجه معظم لغات العالم ضغطا شديدا بسبب الهيمنة التي تفرضها العولمة واللغات الأساسية مثل الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والصينية. 97% من سكان العالم يتكلمون 4% فقط من اللغات و96% منها لا يتكلمها سوى 3% من أهل الأرض.
يُقدَّر عدد اللغات في العالم بزهاء السبعة آلاف وهي موزّعة بالنسب التالية، في آسيا 32%, وفي إفريقيا 30%، وفي المحيط الهاديء 19%، وفي الأمريكيتين %15 وفي أوروبا 4%. تأتي لغة المندرين الصينية في المرتبة الأولى من حيث عدد المتكلمين بها، قرابة التسعمائة مليون وتليها الإنجليزية فالإسبانية فالبنغالية فالهندية فالبرتغالية فالروسية فاليابانية. قد يدهش القارىء العربي لغياب اللغة العربية من هذه اللائحة إذا علمنا بأن عدد العرب يصل اليوم إلى حوالي ثلاثمائة مليون، وعليه فمكان العربية يجب أن يتبوأ المرتبة الثالثة بعد الإنجليزية بواقع 322 مليون متحدّث وقبل الإسبانية بواقع 266 مليون ناطق بها. لا غرابةَ في الأمر إذا ما فكّر المرء قليلا بشأن المقصود من "العربية"، أهي العربية الحديثة الأدبية أم الكم الهائل من اللهجات العربية المحلية التي هي في الواقع لغة الأم بالنسبة للعرب. العربية الفصحى، كما هو معروف للجميع، ليست لغة أمّ طبيعية بالمعنى العادي لأي إنسان عربي. والإنسان العربي هو السوري والفلسطيني والمصري واليمني والعُماني إلخ. ولا ذكر للفظة ؛عربي" في جوازات السفر أو الهويات الشخصية العربية، اللهم باستثناء هويات أبناء الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل، قراية مليون وربع الملبون نسمة. هناك ألفاظ فضفاضة لا طائل تحتها مثل "اللغة هي ديوان العرب" في حين أن العرب مفرَّقون حتى في اللغة وما قد يوحّد بعضَهم لغويا هو ما يسمّى بلغة بين بين، اللغة الوسطى/المشتركة، لغة المثقفين ولا توجد إحصائيات دقيقة بالنسبة للمسيطرين على هذا النمط اللغوي العربي الذي هو بدوره لا يمكن تسميته بلغة أمّ.
ومما يجدر ذكرُه أن لنسبة ضئيلة جدا من اللغات، أقل من 7%، أي حوالي خمسمائة لغة، تمثيلا معينا على الشبكة العنكبوتية. تتصدر الانكليزية اللائحةَ بنسبة عالية جدا 68.4% فاليابانية فالألمانية فالصينية فالفرنسية فالإسبانية فالروسية فالبرتغالية فالإيطالية فالكورية الجنوبية. أما العربية فمرتبتها أقل من صفر فاصلة بعض الكسور وهذا بالرغم من أن نسبة عدد العرب تصل حوالي 4.5% من سكان العالم.
هناك أزمة ثقافية عالمية شبه خفية تتمثّل في أن نصف لغات العالم ستنقرض قبل انسلاخ هذا القرن. زد إلى ذلك أن 40% منها في تهديد حقيقي للاندثار لأن عدد الأولاد المتكلمين لتلك اللغات في تناقص كبير، مثال على ذلك، خمسون لغة في كاليفورنيا وبعض اللغات في إندونيسيا. يشار إلى أن المصطلح الأجنبي الذي يصف احتضار اللغة هو moribund المأخوذ من اللاتينية moribundus.
نعم تطوّر اللغات المستمر هو أمر حتمي وطبيعي وغالباً ما نجهل كنهه اجتماعيا ونفسيا، بل وبعضها ينقرض أحيانا، فهي، بمعنى ما، تشبّه بالكائنات الحية كحيوانات وطيور قد انقرضت كالديناصورات والضفادع أو النباتات إلا أنها في واقع الأمر هي عبارة عن منظومة أنماط في عقل المتكلم وسلوكه ولا وجود لجينات في اللغة. ففي البرازيل وحدها انقرضت قرابة 170 لغة بعد الاحتلال البرتغالي لها في القرن السادس عشر والذي استمر حتى العام 1822, أما في المكسيك فقد بلغ عدد "الوفيات" إلى 113 لغة وبقيت 12 لغةً. من هذه الكائنات الحية طائر الدودو، وهو بحجم الإوزّة، ينتمي إلى فصيلة الحَمام، إلا أنه لا يقوى على الطيران. وهذا الطائر ذو المنقار الكبير والقائمتين المتينتين وفي كل منهما أربع أصابع، كان قد انقرض عام 1681. كان موطنه في جزيرة ماوريتيوس على المحيط الهندي إلى الشرق من جزيرة مدغشقر. وتُستعمل لفظة الدودو، dodo في الإنجليزية بمعنى “الأحمق، المتخلّف عن العصر الحاضر، دقّة قديمة”.
المصير ذاته كان من نصيب لغات كثيرة في الماضي البعيد، مثل معظم اللغات السامية التي تعدّ بالعشرات، مثل الأكّادية بفرعيها الأشوري والبابلي والأوغريتية ، وجيعز، لغة الحبشة الكلاسيكية، والفينيقية والأمورية. وذاك المصير ينسحب أيضا على لغات في عصرنا هذا مثل بعض اللغات في شمال أوروبا المنتمية إلى الفصيلة الفنّو-أُچرية، Saame, Liivi, Vatja والإيدش الغربية. يصل عدد اللغات التي في رمقها الأخير إلى أكثرَ من أربعمائة وتتواجد في معظمها في منطقة المحيط الهادىء فأمريكا فإفريقيا فآسيا فأوروبا.
هناك من يعتقد أن اللغة اللاتينية قد ماتت لأنها غير محكية حاليا إلا أنها في الواقع لم تندثر بل تبدّلت بمرور الزمن وتغير اسمُها إلى لغات عدّة مثل الفرنسية والإسبانية والإيطالية والسردينية، كلها متحدرة من اللاتينية الأمّ. ويحلو لبعض الناس تشبيه العربية الفصحى ولهجاتها الحديثة باللاتينية وبناتها. ومن اللغات التي في طور الاحتضار يمكن الإشارة إلى لغة Gaeli في جزيرة Cape Breton الواقعة إلى الشمال الشرقي من Nova Scotia التي كانت تكوّن إحدى الولايات الأربع في دومنيون كندا. يقدّر عدد الناطقين بهذه اللغة اليوم كلغة أم بحوالي خمسمائة من المسنّين في حين أن عددهم في مستهل القرن العشرين تراوح ما بين خمسين ألفا وخمسة وسبعين ألفا. يُشار إلى أنه في عام 1890 قدّم في البرلمان الكندي اقتراح يجعل لغة چايلي لغة رسمية ثالثة في البلاد. في ذلك الوقت تحدّث أكثرُ من ثلاثة أرباع سكّان جزيرة كيپ بريتون لغات اسكتلندية قديمة. هناك بعض الجامعات التي ما زالت تدرّس لغة الچايلي ضمن اللغات السلتية (Celtic) وهي مجموعة من اللغات الهندية-الأوروبية؛ أما في جزيرة كيپ بريتون فهناك أربع مدارس فقط تعلّم اللغة المذكورة فيها كمادّة اختيارية وهناك إمكانية لتعلمها على الشبكة العنكبوتية.
كيف من الممكن للغة ما أن تموت فالبشر لا ينقطعون عن الكلام، إلا أن السؤال الجوهري: الكلام بأية لغة؟ من عوامل اندثار اللغات حروب إبادة وكوارث طبيعية مثلما جرى لشعوب الكاريبي خلال عقد من السنين بعد كولومبس، إلا أن مثل هذه الحالات نادرة. وهكذا إثر اندحار العرب في الأندلس بعد قرابة ثمانية قرون انقرضت عربيتهم هناك؛ وفي جنوب السودان مثلا ظهرت عربية جوبا وفي جزيرة مالطا تحوّلت عربيتها إلى لغة أوروبية. وفي عصرنا الحاضر حلّت الإنجليزية محل الإيرلندية في شمال إيرلندا وتهدد الآن الولشية والجالية في أسكتلندا. عادة ما يكون سبب الموت ناتجا عن عوامل داخلية أو خارجية، احتلال لغة ما تدريجيا مكان لغة أخرى لأسباب اجتماعية أو سياسية. مثال على ذلك لغة كشوا في أمريكا الجنوبية التي يتحدثها نحو ثمانية ملايين نسمة وبالرغم من ذلك فهي مرشحة للانقراض بعد بضعة عقود لأن الأطفال يتكلمون الإسبانية عوضا عنها. عندما نتحدث عن موت لغة ما فذلك لا يعني أنها هرمت وذبلت وهوت أرضا جرّاء عمرها المديد، إذ أن الموت يحلّ بلغة حديثة العهد أيضا. إن اندثار اللغات في كل الحالات يحدث عندما تحتلّ لغة ما ذات هيبة ونفوذ سياسيا واجتماعيا واقتصاديا مكان لغة ثانية. ذلك الموت قد يكون، كما يذكر في مراجع معينة، إما انتحارا وإما قتلا، ويكون الأول عند تشابه اللغتين والثاني حين اختلافهما. في الحقيقة لا خط واضح المعالم دائما بين نمطي “الموت” هذين وأمامنا على المحكّ ظاهرة اجتماعية في الأساس.
في عام 1992 توفى آخرُ ناطق باللغة Ubykhin في تركيا وهو السيد Tefvik Esenc وقبل ذلك بثلاثة أعوام رحلت عن هذه الفانية آخر متكلمة باللغة Kamassin وهي Klavdia Potnikova وفي العام 1974 توفى Ned Maddrell آخر متحدث بلغة Manksin في الجزر البريطانية، وكذلك الأسترالي Arthur Bennett الذي كان يعرف إلى حدّ ما اللغة Mbabaram وكذلك الأمر بالنسبة للسيدة من ألاسكا، Marie Smith، ولغتها Eyakintiaani، ويذكر أن الناس في ألاسكا قد تحدثوا بعشرات اللغات واليوم يتعلم الأطفال اثنتين فقط. وهناك لغة باسم نوشو، لغة النساء الوحيدة في العالم، وكانت قد انقرضت مؤخرا إثر وفاة آخر ناطقة مسنّة بها في الصين، والطريف أن كل ما دُوّن بهذه اللغة كان مصيره الحرق تمشيا مع عقيدة تلك الجماعة. والملاحظ من هذا كله انعدام أي قاسم مشترك بين هؤلاء الأشخاص وما مثّلوا من لغات وثقافات، كل واحد منهم انتمى إلى بقعة جغرافية بعيدة عن بلاد الآخر. بالرغم من كل هذا يمكن القول إن القاسم المشترك الوحيد الذي يجمعهم هو اندثار لغاتهم وثقافتهم بعد موتهم، انفراط الحلقة الأخيرة من السلسلة، ذهب الأصل ولم يخلّف فرعا. إن العبرة المستفادة من مثل هذه الاندثارات اللغوية المحزنة تتمثل في أن مصير اللغات الصغيرة على وجه هذه الكرة الأرضية في طريقه إلى الزوال في عصر العولمة هذا. لا بد من التنويه بميزة معينة بالنسبة للسيد توفيق إسنس وهي كثرة الأصوات الصامتة مقارنة بالصائتة، يصل عدد الأولى إلى 81 أما الثانية فإلى ثلاثة فقط. وقد وجدت في إفريقيا لغات ذات عدد أكبر من هذه الأصوات الصائتة. ومما يجدر ذكره أن نحو 80% من لغات هذه القارة هي شفوية فقط. وفي بعض الأقطار الإفريقية لغات كثيرة تتصارع، في ساحل العاج مثلا سبعون لغة وطنية تعيش حالة صراع كهذه. وفي المقابل هناك لغات تضمّ عددا ضئيلا جدا من الأصوات كما هي الحال في غينيا الجديدة حيث نجد لغة فيها خمس حركات وستّة أصوات صامتة، ومثل هذه اللغات معرضة للاندثار.
ويتوقع اندثار قرابة 50% من لغات العالم في غضون هذا القرن، الحادي والعشرين وعليه فباحثو اللغات في سباق مع عجلة الزمن المتسارعة لرصد صفات تلك اللغات وتوثيقها. إن أستراليا مثلا كانت قد شهدت في فترة زمنية معينة حوالي 250 لغة أصلية ومن المحتمل القريب اندثار 90% منها خلال هذا القرن والحبل على الجرّار إذ لم تتم إجراءات عاجلة وفعالة للحفاظ على بعضها على الأقلّ. ففي هذه القارة بعض اللغات التي لا يتكلمها أكثر من مائة شخص. وتحتل القارة الأمريكية الشمالية المركز الثاني من حيث عددُ اللغات الأصلية المندثرة أو الآيلة إلى الزوال، حيث يقدّر عددها بحوالي 80%. كان لدى الهنود الحمر بأمريكا، على سبيل المثال، أكثر من 175 لغة بقي منها عشرون فقط. ولم يتبق منها في الواقع سوى خمس لغات ويصل عدد ناطقيها إلى عشرة آلاف فقط. أما في كندا فالوضع لا يختلف كثيرا، إذ أنه من ضمن ستين لغة أصلية لم يبق إلا خمس لغات ما زالت حية تُرزق. أما في القارة السوداء فيصل عدد اللغات التي ولّت أربعا وخمسين وعدد التي في إطار خطر الاندثار مائة وستّ عشرة لغة. يلاحظ أن اللغات المهددة بالاندثار تعاني من ضعف في النقل منها وإليها خاصة إذ ما أخذنا بالحسبان أن 40% من المؤلفات المترجمة في العالم هي من اللغة الانجليزية.
غني عن البيان أن هذه الأرقام هي، في واقع الأمر تخمينية، إذ أننا ما زلنا بعيدين عن معرفة حقيقية ودقيقة للغات العالم. في جمهورية پاپوا غينيا الجديدة مثلا، الواقعة شمالي أستراليا والتي استقلت عام 1975 وذات حوالي أربعة ملايين من السكان، يوجد قرابة 800 لغة لا يعرف العالم اللغوي الحديث عنها بصورة تفصيلية أكثر من اثنتي عشرة لغة. أضف إلى ذلك أنه من العُسر بمكان تخمين مدى قابلية لغة معينة على الحياة. ففي العام 1905 كان عدد الناطقين بلغة البريتون في الشمال الغربي من فرنسا حوالي مليون وربع المليون والآن وبعد قرن من الزمان انخفض العدد إلى ربع مليون نتيجة لإحجام الأجيال الجديدة عن ممارسة هذه اللغة. ومن ناحية أخرى نرى أن الوضع اللغوي في آيسلندا أكثر أماناً وغير مرشّح للتغيير الجذري وذلك لأن اللغة تنتقل عبر الأجيال رغم التأثير الأمريكي وهي على ألسنة الجميع حية عفوية.
من الملاحظ أن القسم الأكبر من لغات العالم المعروفة تنهج في بنيتها النحوية هذا النمط: الفاعل فالفعل فالمفعول به مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والعربية الحديثة المكتوبة والمنطوقة: الطالب قرأ كتابا. وفي بعض اللغات الأخرى كاليابانية نظام الجملة العادي هو: الفاعل فالمفعول فالفعل. وفي نسبة ضئيلة من لغات العالم تصل إلى قرابة 10% نجد أن تركيب الجملة العادي هو: الفعل فالمفعول فالفاعل كما هي الحال في بعض اللهجات العربية الحديثة في بعض الأحيان مثل اللهجة الفلسطينية: أكل الأكل موسى. وقد اعتقد في البحث اللغوي المقارن أنه من غير الجائز وجود لغات يكون فيها تركيب الجملة: مفعول به ففاعل ففعل كما هي الحال في لغة الهنود الهكسكَرْبَنا في أدغال الأمازون والقبائل المحيطة بهم فقط. هناك من اللغويين المعاصرين من يعتقد أن موجة الاندثار اللغوي آنف الذكر ستجتاح مجموعة اللغات الأكثر تعقيدا لدى الجنس البشري. أضف إلى ذلك أن هذه اللغات ذات السمات الخاصّة والمعقدة شبيهة باللغة المهنية الدارجة في هندسة الحاسوب وعلم الوراثة. وفي المقابل يمكن القول إن اللغات العالمية كالإنجليزية التي تتحدثها أعداد كبيرة من الناس المنتمين لثقافات مختلفة تتسم بالبساطة واليُسر.
ظاهرة اندثار لغة بشرية ما لا تعني زوال مفردات رائعة وتراكيب وأنماط نحوية فحسب بل وتراث ثقافي معين. إذ أن وراء قبيلة صغيرة هناك تاريخ طويل يمتدّ لآلاف السنين من التكيف للمنطقة التي كانت تعيش فيها من حيث الثروتين الحيوانية والنباتية وكذلك الظواهر الطبيعية. في أستراليا مثلا قبيلة باسم Dyirbal تمكّن أبناؤها في الستينيات من القرن العشرين التعرّف على أسماء ما يزيد عن 600 صنف من النباتات، في حين أن هذه المعرفة قد تبخّرت لدى الجيل الجديد في أواخر القرن المذكور. وإذا قارنّا الوضع في أيامنا لدى أبناء المدن خاصة في الدول العربية فقد لا يعرف الانسان العادي أسماء بعدد أصابع اليدين من النباتات البرية الموجودة في بلاده. والأمر نفسه ينسحب بالنسبة للمواطنين في جزيرة تاهيتي حيث نسوا الكثير الكثير من أسماء الأسماك التي عرفها أجدادُهم.
السؤال الذي يطرح نفسه هو علاقة الثقافة باللغة، هل اندثار اللغة يؤدي في خاتمة المطاف إلى اندثار ثقافتها؟ أهناك ثقافة بدون لغة؟ أليست “الوردة” هي نفسها في أية لغة كانت كما قال شكسبير؟ الجواب الذي يمكن إعطاؤه ليس سهلا، اللغة، أية لغة آدمية، تسعى لتبويب الأشياء وترتيبها وتعريفها وفي كل ثقافة نظام للتصنيف والتبويب للواقع والحياة تعكسها اللغة. في العديد من اللغات البولينيزية في المحيط الهادىء، على سبيل المثال، تصنف الأشياء بناء على أصحابها أو مالكيها إلى مجموعات متغيرة وغير متغيرة أي بين الثابت والمتغير. ففي ولاية هاواي في غرب الولايات المتحدة الأمريكية، الأرض والوالدان وأعضاء الجسم غير متغيرة في حين أن الأزواج والزوجات والأولاد قابلون للتبديل لتوفر إمكانية الاختيار. وهذا التقسيم الثنائي بين الثابت والمتغيّر يتخلل كافة الأنماط والمستويات وصورة العالم في الثقافة في هاواي. وفي الوقت الراهن الذي فيه لا يعرف الجيل الجديد لغته حق المعرفة نرى أن الناس قد نسوا أية أمور تندرج تحت ”المتغير” وأيها تحت ”الثابت”. ما يبقى في الواقع ما هو إلا ظلال باهتة لتلك اللغة والثقافة في غابر الأيام. وفي اللغة العربية، كما هو معروف، ينقسم العالم إلى قسمين من حيث التذكير والتأنيث )وهناك التخنيث، إذا جاز التعبير( ومن حيث العاقل وغير العاقل في حين أن هذه اللغة تقسّم العدد إلى ثلاثة أقسام، مفرد ومثنى وجمع (وفي الجمع أقسام).
في البداية كانت هناك لغات لا حصر لها وهيمنة اللغة الواحدة تاريخيا هي ظاهرة حديثة العهد. وهناك من يرى أن اندثار اللغات ليس أمرا مقلقا إذ أن انتشار اللغة الإنكليزية مثلا على حساب لغات أخرى أمر مرغوب فيه إذ أنه يتمخّض عنه استمرار العالم. وكلما تزايد عدد اللغات المحكية كلما صعب على الإنسان فهم أخيه الإنسان وغدا العالَم أقل تناسقا وتناغما. وعلى ضوء قصة العهد القديم كان العالم قبل برج بابل واحدا وذا لغة واحدة وبعد ذلك حاول بنو آدم بناء مدينة وبرج رأسه إلى السماء وأغضبوا الخالق بذلك وعليه عاقبهم الربّ قائلا “هلمّ نهبِط ونبلبل هناك لغتهم حتى لا يفهم بعضُهم لغةَ بعض (سفر التكوين 7:11) بعبارة ثانية، لغات العالم هي نتيجة عقاب الله هذا. ويرى علم اللغة الحديث في النظرية القائلة بأن العالم القديم كان أحاديَّ اللغة بمثابة أسطورة ثقافية، إذ كان المجتمع البشري متعدد الألسن منذ البدء. وفي مقدور العقل البشري وبيُسر السيطرة على أربع لغات أو خمس إذا تعلمها منذ نعومة أظفار الطفل إذ تكون ذاكرته الأقوى في السنوات الثلاث الأولى لحياته.
يبدو أن المكان الأمثل لبحث التعددية اللغوية هو پاپوا غينيا الجديدة Papua-New-Guinea، مِساحتها أقلّ من مساحة فرنسا بقليل وعدد سكانها زهاء الخمسة ملايين إنسان ويتكلمون وفق آخر إحصاء 860 لغة وهي مقسّمة إلى 26 فصيلة لغوية. الأغلبية الساحقة لهذه اللغات جدّ مغمورة إذ أن لـ 80% منها خمسة آلاف ناطق فقط. وفي مثل هذا المحيط متعدد اللغات يتعلّم السكّان الكثير منها وبصورة طبيعية، يتسنّى للطفل سماع خمس أو ستّ لغات وتعلمها شرط أن يكون مصدر كل واحدة منها ثابتا. كما وتلعب اللغات في پاپوا غينيا الجديدة دورا اجتماعيا هامّا فاللغة تعزّز صلة الفرد بقبيلته ومعرفة لغات أخرى تفتح للشخص إمكانيات اقتصادية وعسكرية وشخصية أيضا مثل الزواج. وهكذا لم تنتشر لغة واحدة معينة وبسرعة على حساب لغة أخرى. ويذكر أنه في منطقة ثنائية اللغة تواجدَ على الدوام أناس فضّلوا لغة ما على الأخرى وهكذا نمت وعظمت هذه اللغة المنتقاة واحتلت مكان اللغة الثانية في آخر المشوار. وفي الوقت نفسه تنشأ لغات جديدة عند اندثار مجتمعات معينة ونشوء مجتمعات جديدة. وعليه يبقى عدد اللغات على حاله تقريبا وهذا ما يدعوه اللغويون بـ”التوازن اللغوي” الذي يسود معظم الكرة الأرضية كما هي الحال بالنسبة للتوازن في الطبيعة أيضا. ويذكر أن الجنس البشري في مراحله التاريخية الأولى كان متعدد اللغات، أما الوضع الثقافي المتشابه في أمريكا وإنجلترا حيث يتكلم الناس لغة واحدة فقط فهو من المنظور التاريخي ظاهرة جديدة وشاذّة.
أخيرا قد يكون مفيدا ذكر الإحصائيات اللغوية الآتية. هناك في العالم 7227 لغة موزّعة على النحو التالي: في اسيا 2197، وفي إفريقيا 2058، وفي منطقة المحيط الهادىء 1311، وفي أمريكا 1013، وفي أوروبا 230، أما عدد اللغات الميتة تقريبا الآن حيث عدد المتكلمين بها جد قليل فهي: 55, 37, 157, 161, 8 وفق الترتيب المذكور، أي أن عدد اللغات التي في طور الاندثار والتلاشي هو 418 لغة.
ما مصير اللغة العربية الأدبية في هذه المعمعمة التي كثُر الحديث فيها عن الانقراض اللغوي في الآونة الأخيرة. كانت منظمة اليونيسكو قد أكّدت أن العربية ستكون ضمن اللغات المرشّحة للانقراض خلال هذا القرن. لا شك أن القول الشائع بأن العربية لا يمكن أن تندثر لأنها لغة القرآن الكريم وقد ورد فيه في سورة الحجر "إنا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون" يحتمل أكثر من معنى لغويا وتفسيريا.
تاريخيا أمامنا مثل جلي لانقراض لغة محكية مدة سبعة عشر قرنا من الزمان تقريبا بالرغم من وجود كتاب ديني سماوي لدى المنتمين لتلك اللغة. وهذه اللغة فريدة في نوعها في التاريخ اللغوي إذ أنها عادت قبل زهاء قرن من الزمن ، منذ بداية الثمانينيات من القرن التاسع عشر في فلسطين، نتيجة لتظافر عدة ظروف مؤاتية، وغدت لغة محكية حية تدرّس فيها كل المواضيع حتى الطبّ في الجامعات الإسرائيلية، إنها العبرية الحديثة التي انبثقت من عبرية العهد القديم التي يرجع تاريخها إلى حوالي ثلاثة آلاف عام. المألوف في علم اللغة هو تطور لهجة محكية في ظروف معينة إلى لغة مكتوبة، أما العكس أي "إحياء" لغة مكتوبة لتصبح محكية فنادر جدا. في هذا السياق من الممكن الإشارة إلى لغة كورنيش بانجلترا التي بعثت من جديد عام 1777 ويقدّر عدد متكلميها اليوم بحوالي ألف شخص وهي بمثابة لغة ثانية عندهم. من هذا المنطلق قد تنقرض اللغة، بمعنى أنها ستغيب عن ألسنة الناس وقد تبقى بأقلامهم أو بالأحرى بحواسيبهم كما هي الحال بالنسبة للعربية الأدبية منذ القدم، وفي الوقت ذاته يبقى الذكرُ كما حصل أيضا في إسبانيا وإيران. ثم يجب التذكير مثلا أن عبرية العهد القديم لا تشمل على أكثر من ثمانية آلاف كلمة وفي غضون المائة عام الماضية دخلت واشتقت في العبرية الحديثة زهاء الخمسة عشر ألف لفظة. وما في القرآن الكريم لا يمثّل إلا أقل من ثلث ما في لغة الضاد من جذور وتراكيب ومعان كما ذكر مؤخرا الشيخ الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية في مؤتمر بالقاهرة. يبدو أن القول الفصل في إمكانية الحفاظ أو عدمه على لغة معينة يرجع إلى أبناء هذه اللغة ودورهم الثقافي والحضاري بين الشعوب الأخرى.
وفي هذا السياق الراهن للغة العربية الأدبية الحديثة هناك عدة عوامل غير مشجعة نذكر منها ما يلي. الحبّ والتقدير للغة العرب لا يتعدى في الغالب الأهم الشفتين؛ العرب، حكومات وشعوبا، مغلوبون على أمرهم، تابعون، والمغلوب شغوف بالاقتداء بالغالب في كل شيء كما قال ابن خلدون "إن الأمّة إذا غُلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء"؛ العربية لغة رسمية في البلاد العربية شكلا فقط إذ لا وجود لأنظمة أو قوانين لتنفيذ المكتوب، رغم أن أغلب الدول المتقدمة تتدخل سياسيا في مجال اللغة والتخطيط لها؛ هوة الازدواج اللغوي بين الفصحى والعاميات عميقة إذا ما قورنت بالوضع المماثل في اللغات الأخرى؛ الأمية ضاربة أطنابها في العالم العربي والقراءة سلعة نادرة فيه، قيل إن العرب تقرأ بالأذن، معدل ما يقرأه الفرد سنويا في الغرب هو خمسة وثلاثون كتابا وفي إسرائيل مثلا أربعون، أما عند العرب فهناك كتاب واحد مقروء لكل ثمانين فردا! الميل للتحدث بالإنجليزية والفرنسية على حساب العربية؛ أبناء النخبة أو الذوات يدرسون في مدارس أجنبية أو مدارس خاصة ونصيب العربية فتات في أحسن الأحوال؛ زعماء العرب لا يقدمون نموذجا لشعوبهم في هذا المجال؛ ممثلو دول العرب في منظمة الأمم المتحدة لا يستخدمون عادة العربية؛ أين المعجم التاريخي للغة العربية؟ متى يعرّب التدريس الجامعي في البلدان العربية أسوة بالجمهورية السورية؛ مناهج التدريس بحاجة ماسّة للتعديل والتطوير الدائمين تمشيا مع التطورات العلمية الحديثة في العملية التربوية التي في تطور مستديم؛ لا بد من مشروع حقيقي شامل لتبسيط تعليم العربية والتركيز على الجانب الوظيفي فيها والابتعاد عن التقعر؛ افتقار لمفردات العصر؛ ظاهرة شيوع الأخطاء اللغوية الفادحة والفاضحة في الصحافة الإلكترونية خاصة والورقية؛ شأن أستاذ اللغة العربية بحاجة ماسة للدعم معنويا وماديا والإشراف الحقيقي والمتواصل على تأهيله؛ إعلاء شأن أدب الأطفال أمانة مقدسة في أعناق وزارات التربية والتعليم.
أحيانا. قد يتساءل المرء بعد مثل هذا التأمل، أهناك أمة لا تحترم فعلا لغتها مثل العرب؟ الصين وكوريا واليابان وغيرها أمثلة يُحتذى بها بهذا الصدد. حافظت اليابان على تراثها اللغوي رغم إنجازاتها التكنولوجية المميزة ولم تهرول لإعلاء شأن اللغات الأجنبية على حساب اليابانية. العربية في وسائل الإعلام المختلفة ستسمع وتقرأ فهناك بالإضافة إلى الصحف والمجلات على أنواعها العشرات من محطات التلفزة في الدول العربية وخارجها. هناك على سبيل المثال أربع وعشرون محطة عربية فضائية ضمن الثمانين على القمر الأوروبي ومؤخرا سمعنا عن صوت روسيا. في تقديرنا السؤال الأساسي هو ماذا سيكون جوهر اللغة العربية الأدبية في الإعلام في أواخر هذا القرن؟ ماذا ستكون مكانة العربية في العالم بعد نضوب آبار الذهب الأسود في أرض العرب؟ قد يضيف المرء أيضا ما طبيعة المكانة ذاتها في حالة انحسار ما يسمى بالإرهاب الأصولي الإسلامي في العالم أو تفاقمه؟ مثقفو العرب الحقيقيون من شعراء وأدباء سيستمرون في حمل مشعل سلامة اللغة والعمل على تطويرها لا تقديسها وتحنيطها في أجواء ليست سهلة على العموم. إنهم سيستمرون في نفخهم على الجمرة كيلا تنطفىء.
نأمل أن يولي الإنسان العربي عامّة والمغترب خاصة، مثل المقيم هنا في بلاد الشمال النائية موضوعَ اللغة أهمية قصوى، لا سيما كلغة محكية وأن يورثها لفلذات أكباده رغم الصعوبات الجمّة التي تعترضه، خاصة عندما تكون الزوجة أجنبية ولا تعرف العربية بصورة مُرضية. اللغة المحكية هي اللغة الحية، عُنوان الهوية ومرآة الثقافة وعليه فإنها تستحقّ منّا كل جهد ووقت للحفاظ عليها بل والعمل من أجل تطويرها فالوسائل التقنية في عصر العولمة هذه متوفرة وينبغي استغلالها خير استغلال. اللغة، أية لغة ليست أداة للتواصل فحسب، لها دور أساسي في تكوين نظرة الإنسان وفلسفته للكون، إنها وعاء الفكر والوجدان، مخزن تجارب الأمة بأسرها. كل لغة عبارة عن وسيلة فريدة في تحليل العالم وتركيبه، طريقة في بناء الواقع.
معرفة اللغة، أية لغة بشرية حيّة معناها الحديث بها في المقام الأول كابن اللغة تقريبا.

مراجع مختارة
ابن رشد، رسائل ابن رشد الفلسفية. رسالة ما بعد الطبيعة. تقديم وضبط وتعليق د. رفيق العجم، د. جيرار جهامي. بيروت ط. ?، 1994.

Abley, Mark, Spoken here: Travels among Threatened languages. London 2003.
Brenzinger, M. (ed.), Language Death: Factual and Theoretical Explorations with Special Reference to East Africa. Berlin: Mouton de Gruyter 1992.
Census, Bureau, The Indian population of the United States and Alaska. Washington, DC: 1937.
———, 1989 Census of Population: Characteristics of American Indians by Tribes and Selected Areas. Washington DC: 1989.
———, 1990 Census of population: Social and Economic Characteristics for American Indian and Alaska Native Areas. Washington DC: 1994.
Campbell, Lyle & Mithun Marianne (eds.), The Languages of Native America: Historical and Comparative Assessment. Austin 1979.
Crawford, J. (ed.), Language Loyalties: A Source Book on the official English Controversy. Chicago 1992.
———, Hold Your Tongue: Bilingualism and the Politics of "English only". Addison-Wesley 1992.
———, Bilingual Education: History, Politics, Theory and Practice. 3rd ed. Los Angeles 1995.
Crystal, David, Language Death. Cambridge 2000.
Denison, N, Language Death or language Suicide? in: International Journal of the Sociology of language 12 (1977) pp. 13-22.
Edwards, J., language, Society and Identity. Oxford 1985.
Evans, Nicholas, "The Last Speaker is Dead-Long Live the last Speaker". In: Paul Newman & Martha Ratliff (eds.), Linguistic Field Work. Cambridge 2001, pp. 250-281.
Fishman, J. A., Reversing Language Shift: Theoretical and Empirical Foundations of Assistance to Threatened Languages. Clevedon 1991.
Hakuta, K. & D’Andrea, D., Some Properties of Bilingual Maintenance and Loss in Mexican Background High-School Students. Applied Linguistics 13 (1992) pp. 72-99.
Hale, Kenneth et alia, "Endangered Languages". Language 68/1 (1992), pp. 1-42.
Harrison, K. David, When languages Die: The Extinction of the World’s Languages and the Erosion of Human Knowledge. New York & London 2007.
Kaaro, Jani, "kun kieli katoa". Tiede 2 (2005) pp. 34-36.
Kraus, M., "The World’s Languages in Crisis". Language 68 (1992) pp. 6-10.
———, Endangered Languages: Current Issues and Future Prospects. Hanover 1995.
Ladefoged, P., "Another View of Endangered Languages". Language 68 (1992) pp. 809-811.
MaConvell, Patrick & Nicholas Thieberger, Keeping Track of Language Rndangerment in Australia. In: Denis Cunningham et alia (eds.), Language Diversity in the Pacific: Endangerment and Survival. Clevedon 2006, pp. 54-84.
———, State of Indigenous Languages in Australia. Canberra 2001.
Mithun, Marianne, The Languages of Native North America. Cambridge 1999.
Pinker, S., The Language Instinct: How the Mind Creates Language. New York 1994.
Renfrew, C., Archaeology and Language: The Puzzle of indo-European Origins. Chicago 1987.
Robins, R. H., & Uhlenbeck, E. 8eds.), Endangered Languages. Oxford 1991.
Sapir, E., Conceptual Categories in Primitive Languages. Science 74 (1931).
Sasse, H.-J., Theory of Language Death In: Brenzinger, M. (ed.), Language Death: Factual and Theoretical Explorations with Special Reference to East africa. Berlin 1992, pp. 7-30.
Schmidt, A., The Loss of Australia’s Aboriginal Language Heritage. Canberra 1990.
Schwartz, J., Speaking out and Saving Sounds to Keep Native Tongues Alive. Washington Post March 14th, 1994, p. A3.
Sebeok, Thomas (ed.), Linguistics in North America. Mouton 1976.
Skutnabb-Kangas, Tove, Linguistic Genocide in Education or Worldwide Diversity and Human Rights?. Mahwah, New Jersey 2000.
Wurm, S. A., Language Death and disappearance: Causes and Circumstances. In: Robins, R. H., & Uhlenbeck (eds.), Endangered Languages. oxford 1991, pp. 1-18.

في البداية أحب أشكر أ.د. حسيب شحادة على مجهوده، خصوصا وأنّه أعطى لي مثال عملي لمُثَّقَّف دولة الفَلسَفَة عندما يستخدم الوقوعيّة بدل الواقعيّة من خلال حصر تفكيره وفق محدّدات حدود سايكس وبيكو لدرجة أنّه ألغى وجود شعب عربي أو وجود لغة عربيّة فهذه الضبابيّة اللغويّة والجهل اللغوي نتيجة طبيعية للنَّقحرة من وجهة نظري على الأقل والتي من أجلها نشرت الموضوع تحت العنوان والرابط التالي
هل هناك فرق بين لغة الإصلاح وبين لغة الإفساد؟
http://arabelites.com/vb/showthread.php?t=13796 (http://arabelites.com/vb/showthread.php?t=13796)
والمصيبة اعتبار التناقض مسألة طبيعية حيث هو استخدم الحروف والكلمات والجمل العربيّة في نشر موضوعه ومع ذلك يخرج لنا بمثل هذه الآراء المتناقضة عن العرب والعربيّة، ولذلك أنا أكرّر أنَّ أول خطوة نحو الإصلاح هي باعتماد لغة العِلم بدل لُغة الثَّقافة أو بمعنى آخر الإصلاح هو اعتماد لغة التَّعريب بدل لغة النَّقحرة، أمّا بالنسبة للُّغة العربيّة واللِّسان العربي فأنقل بعض ما كتبته تحت العنوان والرابط التالي ومن أحب الزيادة فليضغط على الرابط
نحن والتَّقنية والعَولَمَة واللُّغات والعَربيّة
http://arabelites.com/vb/showthread.php?t=13782 (http://arabelites.com/vb/showthread.php?t=13782)
في عصر العَولَمَة مكانة اللُّغة توازي النفط/الزيت/البترول في عصر المادة وفي الحالتين السبب هو الآلة


ولذلك أظن أن مفتاح الإصلاح هو في اعتماد لُغة العَولَمَة بدل لُغَة الدولة القُطريّة (الأمم المتحدة) في التفكير، لماذا؟ لأنّه من وجهة نظري أنَّ اللُّغة هي وسيلة التفكير، ولذلك عملية إصلاح اللُّغة بالضرورة تؤدي إلى إصلاح عملية التفكير، خصوصا في عصر العولَمَة نحتاج إلى ذلك لأنَّ المنافسة أشد وأقوى.
نحن في عصر العَولَمَة، وأهم أداة من أدوات العَولَمَة هي الشَّابِكَة (الإنترنت)، وللإتصال بها يتم بواسطة آلة، ولذلك فيها أصبحت الآلة جزء لا يتجزّأ من عملية التواصل ما بين الإنسان والإنسان، واللُّغة هي وسيلة التفكير والتواصل والتفاهم، واحترام خصوصيّة أن يكون لكلَّ شخص حريّة التفكير باللُّغة التي هو يرغبها توفر مجال للتعايش السلمي بشكل أفضل في وسط العَولَمَة، ولذلك تجد في أي وسط عولمي انتشر مصطلح التوطين (التَّعريب) بدل النَّقل الحرفيّ (النَّقْحرة) لمفهوم الترجمة، ولذلك هناك الكثير من المفاهيم أو البديهيات اللُّغوية تحتاج إلى تعديل وتطوير الآن، منها مفهوم أنَّ اللّغة مسألة سماعيّة، حيث الآن أصبحت الكتابة والنظر بسبب الآلة جزء من لغة التواصل وليس فقط السمع.
اللُّغة وسيلة التفكير، والآلة لكي تستطيع محاكاة الفكر الإنساني، لكي تكون نتيجة الترجمة الآلية منطقية وموضوعية، وليست مضحكة كما هو حال الترجمة التي تراها في غووغل، تحتاج إلى لُغة أكثر كمالا لكي تكون الوسط الذي تنتقل به ومن خلاله بين اللغات.
الآلة تفهم بالمنطق أكثر، خوارزمية أو بريمج أو لوغاريتم يعطي نتيجة إمّا 0 أو 1 وللعلم الصفر والخوارزمية تم اكتشافهما وتعريفهما من قبل الخوارزمي في وادي الرافدين (العراق)، بينما البشر تفهم من خلال الموضوع بشكل أكثر، نفس المسألة في موضوع ما، يمكن أن يكون لها نتيجة مختلفة تماما عندما تكون في سياق موضوع آخر، وعملية التزاوج بينهما من خلال الاستقراء والاستنباط هو الذكاء، واللُّغة الأكثر ذكاءا هي اللّغة التي تجمع ما بين المنطق والموضوع أكثر من بقية اللُّغات.
والتطبيقات الذكيَّة، والتي تحاكي العقل الإنساني في التفكير، هو لبُّ التطبيقات في القرن الواحد والعشرين، بسبب مكانة الآلة فيه، والسبب هو الشَّابِكَة (الإنترنت) أصبحت عصب الحياة المدنية للتواصل ما بين البشر من خلال الآلة.
كثير من المشتغلين باللُّغات بشكل عام وخصوصا الدارسين وفق المناهج الأوربيّة، الألمانيّة والفرنسيّة والإنجليزيّة وغيرها بشكل خاص، لم ينتبه إلى أنَّ لغة القرآن شيء ولغة اللِّسان العربي شيء آخر، وهذا الشيء تكلّم عنه سيبويه وأقصد اللِّسان العربي وما يخرجه من أصوات والتي تستخدمها في العادة اللُّغات غير العربيّة والتي اعتمدت الحرف العربي في كتابتها مثل الكُرديّة والفارسيّة والأورديّة والصينية والمنغوليّة والجاويّة واللاتينية وغيرها الكثير، ولذلك تم تمثيل تلك الأصوات في عصر التدوين وفق نفس النَّهج الذي تمَّ به تمثيل الحرف العربي كتابة، ألا وهو من خلال تمثيل الفم وحركة اللِّسان داخل الفم عند عملية نطق الحرف، فلذلك تجد أن عملية تمثيل الحرف كتابة لا يتعارض منطقيا وموضوعيا مع طريقة لفظه إن لم يُكملها في الحقيقة، ناهيك عن المرونة اللغويّة التي تعطيها لك في أن هناك سهولة لتمثيل أي لفظ جديد لو تطلّب إضافته. فمن المنطقي والموضوعي والواقعي أن نقول هذه ميزة أخرى يتميّز بها الحرف العربي عن بقية لغات العالم كما هو حال الرقم العربي من خلال تمثيله بالزوايا فالعدد 1 بزاوية واحدة و0 دائرة لا تحوِ زاوية والذي ما زال اعتماد استخدامه في الكتابة عالميا عكس الحرف العربي الذي تراجع استخدامه في الوقت الحالي (فمثلا في الويندوز لو لاحظت تجد استخدام مصطلح الأرقام العربية)، أصوات اللِّسان العربيّ تقارب 50 صوتا (ولو أحببت قائمة بها ستجدها في برنامج أوفيس لمايكروسوفت لو استخدمت ميزة إدراج حرف من خلال قائمة محارف العربيّة الموسعة) إلاّ أنَّ الحروف العربيّة المعتمدة في لوحة المفاتيح عددها لا يتجاوز 29 حرف إن تجاوزنا عدّة أشكال للحرف الواحد منها، وهناك عدة مئات من الصيغ البنائية للكلمة ثم بضع أنواع من الجمل وأدوات التنقيط ومنها يتم تكوين اللُّغة.
بالنسبة لي أو أنا أتعامل وفق مبدأ أنَّ اللِّسان العربي شيء ولغة القرآن شيء آخر
وهذا ما لا يعرفه أو لم ينتبه له الكثير من المشتغلين باللُّغة وعلومها خصوصا من تعلّم وفق مناهج اللُّغات الأوربية التي تمَّ نقحرتها (نقلها حرفيّا) إلى اللُّغة العربيّة دون تعريبها أو تلوثت أفكاره بها بشكل كبير بسبب النَّظرة السِّلبيَّة المستحكمة في عموم مُثَّقَّفي دولة الفَلسَفَة والناتجة عن عقدة النقص تجاه أصحاب السلطة والقوة في كل ما يمثلهم خصوصا ونحن في عصر العَولَمَة، ولذلك لم ينتبهوا إلى أنَّ اللِّسان العربي كلَّما كان قريبا إلى لُغة القرآن كان صحيّا أكثر وكلَّما ابتعد عن لُغة القرآن كان مريضا أكثر؟!!
فلذلك تجد أن جهل مُثَّقَّفينا باللُّغة العربية وخصوصا من احتك باللُّغات الأجنبية إن لم يكن نشأ فيها أو تعلّم في مدارسها أو على مناهجها التي تم ترجمتها حرفيا (نقحرتها) دون الأخذ بعين الاعتبار من ضرورة تعريبها أولا،
وخصوصا في موضوع الترجمة، وأصول الترجمة ما بين اللُّغات وأهمية أن تكون بمستوى دقيق ومحترف،
حيث لا يمكن أن يكون تعريب أي مصطلح أو مفهوم من أي لغة أخرى إلاّ من خلال إيجاد جذر للكلمة المراد تعريبها ومن ثمَّ اختيار الصيغة البنائية الملائمة له حسب المعنى،
كما هو الحال مثلا: الحَاسُوب (الكومبيوتر) والشّابِكَة (الإنترنت)
هناك خلط وعدم تمييز بأنَّ هناك فرق ما بين النَّقْحَرة وما بين التَّعْريب
النَّقْحَرة هي كتابة كلمة أجنبية (الكومبيوتر والإنترنت) بحروف عربية وتجد معنى مقابل لها،
أما التَّعريب فهو إيجاد جذر مناسب للكلمة المراد تعريبها ومنه يتم اختيار الصيغة البنائية الملائمة لها حسب المعنى والوظيفة لذلك المصطلح (الحَاسُوب والشّابِكَة)
ومن خلال هذه الطريقة (النَّقْحَرة) تمَّ تمرير غالبية السُّموم التي عملت على زعزعت الأخلاق والمُثل والقيم لأمتنا والتي هي السلاح الأساسي الذي يستخدمه المُثَّقَّف الببغائي في ذلك بسبب جهله اللغويّ من وجهة نظري على الأقل
في اللغات الأجنبية لا يوجد شيء يوازي اكتمال وسعة ودقّة ما في اللُّغة العربية من مفهوم الجذور والصيغ البنائيّة،
المؤسسات التعليمية المعنية بالترجمة والتي اعتمدت نقل المناهج حرفيا باستخدام النَّقْحَرة بدل التَّعْريب كانت هي المدخل لهذه الضبابيّة اللغويّة والتشويش الحاصل الآن.
الجهل اللغويّ والضبابيّة اللُّغوية جعلت كثير من المتعاملين باللُّغة، عدم الانتباه، إلى أنَّ اللَّهجة المحليّة، ما هي إلاّ مختصرات لجمل عربية فصيحة، تمَّ اختصارها للتسهيل والسرعة، مثل ما يحصل بين أي مجموعة من اصحاب المهن في أي مجال، حيث تجد لديهم مصطلحات وتعابير مختصرة، لجمل كاملة، لا يفهم عليها من هو خارج هذه المهنة، ولا يمكن أن يتعلّمها أي شخص، إن لم يتعلّم اللغة العربيّة أصلا، أليس هذا مثال عملي آخر على شرُّ البَلِيِّة ما يُضْحِك؟!!!
عدم الانتباه والتمييز بأن هناك فرق بين لُغة اللِّسان العربي وهي تختلف عن لُغة القرآن تؤدي إلى إنفصام في شخصية المُثَّقَّف ما بين الثقافة القُطريّة تحت مسمى الثقافة القوميّة وهنا أس المشاكل وإشكاليات تناقضات مُثَّقَّف دولة الفَلسَفَة لدينا؟!
فهم من جهة يدّعون أنَّهم مع اللُّغة العربية في حين أن ما يطالبون به هو لنسف اللُّغة العربية تحت عنوان التحديث في حين أظن المطلوب هو التغريب، لماذا؟
هناك فرق بين الثقافة القوميّة وبين الثقافة القُطريّة، الثقافة القُطريّة لا إراديا تعمل على دعم ما يُقال عنه اللُّغَة المحكيّة في أي قرية أو ناحية أو مدينة أو محافظة، بينما الثقافة القوميّة من المفروض تدعم اللُّغَة القوميّة، لأن اللُّغة العربيّة بها من المرونة لاستقبال أي مفهوم جديد لو لم يكن متواجد لغويا ما لا يتواجد في أي لغة أخرى، حيث أن مفهوم الصيغ البنائيّة للكلمة العربية والجذر الثلاثي والرباعي يوفران الأرضية لإستقبال أي مفهوم جديد،
كما في المثال في موضوع استحداث الجذر الرباعي (تلفز) فعلل ومنه يمكنك استخدام فعللة وفعلال وغيرها الكثير من الصيغ البنائية، الإشكاليّة في جهل من يكتب عن العربيّة من أصحاب اللِّسان العربي.
ما نحتاجه الآن لعلاج ذلك هو إعادة بناء مناهج تدريس اللُّغة وفق متطلبات كيان اللُّغة العربيّة المبنية على الاستقراء والاستنباط، أي من خلال الحرف كحرف والكلمة ككلمة والجملة كجملة، وتمييز لتوضيح أو رفع كل ما له علاقة بمناهج تدريس اللُّغات المبنية وفق مفهوم لصق الصورة بالمعنى وإلاَّ ستصل إلى ما وصل إليه محمّد الحمّار مع الأسف تحت العنوان والرابط التالي
عندما يكون التعريب مُشتِّتا للهوية
http://wata1.com/vb/showthread.php?t=5048 (http://wata1.com/vb/showthread.php?t=5048)
أنا من وجهة نظري أنَّ اللُّغة وسيلة التفكير، وإصلاح اللُّغة بالضرورة يعني إصلاح الإنسان وأول خطوة في اتجاه الإصلاح هو في تميّيز أنَّ لُغة اللِّسَان العربي تختلف وهناك فرق كبير عن لُغة القرآن، واللِّسان العربي كلَّما كان قريبا إلى لُغة القرآن كان صحيّا أكثر وكلَّما ابتعد عن لُغة القرآن كان مريضا أكثر؟!!

ولذلك أظن أن مفتاح الإصلاح هو في اعتماد لُغة العَولَمَة بدل لُغَة الدولة القُطريّة (الأمم المتحدة) في التفكير، لماذا؟ لأنّ الصفر أول من استحدثه ورسم له دائرة لا تحو زاوية وبقية الأعداد 1،2،3،4،5،6،7،8،9 من خلال الزوايا في عملية رسمها كان أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي في زمن المأمون في الدولة العباسيّة في بغداد هي واللوغاريتم أو الخوارزمية.
والتي بدونهما لما أمكن أن يوجد شيء اسمه حاسوب (كومبيوتر) وبدون الحاسوب لما أمكن تواجد شيء اسمه الشَّابِكَة (الإنترنت)، كما هو حال من أكمل تصميم شكل الحروف في اللغة العربيّة من قبل أبو الاسود الدؤلي من خلال إعادة تمثيل حركة الفم ووضع اللسان تمثله النقاط على الحروف في الكوفة في جنوب العراق الحالي، والخليل بن احمد الفراهيدي صاحب أول قاموس/معجم للّغة في العالم (كتاب العين) كان هو من أضاف لها الحركات وكلّها الأرقام والحروف والحركات تجد أن طريقة تصميمها لا تتعارض مع المنطق والموضوعيّة بل هي مثال عملي عليها،

كما هو حال موضوع استخدام الاحداثيات س وص وع في عملية تطوير الكتاب الورقي إلى جيل جديد يمكن إضافة الوسائط المتعددة من صوت وصورة وأفلام كما هو حال القلم والمعلم صالح.
http://www.youtube.com/watch?v=jYKLJYC1wAU&feature=player_embedded (http://www.youtube.com/watch?v=jYKLJYC1wAU&feature=player_embedded)

أبو صالح
28-09-2011, 05:01 AM
عزيزي أ.د.حسيب شحادة أنقل ما كتبته تحت العنوان والرابط التالي لأنني أظن يعرض جانب الاختلاف بيني وبين طريقتكم في التفكير في موضوع اللُّغة بشكل عام واللُّغة العربيّة بشكل خاص ولمعرفة التفاصيل يمكنك بالضغط على الروابط
علم الأسلوب
http://arabelites.com/vb/showthread.php?p=90026#post90026 (http://arabelites.com/vb/showthread.php?p=90026#post90026)

علم الأسلوب

يُعد علم الأسلوب فرعا تطبيقيا لعلم اللغة الحديث، وإن صح التعبير نقول: إنه لا يزال صبيا.. لأن دراسة أسلوب ما بطريقة علمية ممنهجة في حاجة إلى خلق مناهج لغوية متكاملة، وإطار نظري شامل كي تستند إليه، وتقنيات محددة يتوخاه في الوصف والتحليل.. وهذه الأمور لم تستوف دراستها بعد.
ونجد الباحث في علم الأسلوب، أو المحلل اللغوي واقفا في باب الحيرة لأنه يجد أمامه تعريفات كثيرة لهذه الكلمة: " أسلوب ".
والملاحظ أن كثيرا من الطلاب عندما يقيّمون أسلوب كاتب ما تكون الإجابة كما يلي: رصين الألفاظ // حلو الديباجة // حسن الجرس... وهذه الكلمات لا تولد في نفوسهم النقد الواعي، لأن التقييم أو الإجابة عن السؤال كانت محض تذكر وحفظ دون فهم ووعي ...

والغاية من علم الأسلوب هي دراسة الأساليب اللغوية المختلفة؛ حتى يتم تصنيف سمة كل أسلوب، و بعبارة أخرى التبويب حسب ميزته اللغوية من حيث النحو والصوت واللفظ، وحسب وظيفة اللغة، أو حسب ميزته اللغوية والوظيفية معا.
وإذا أردنا أن نحدد المقصود بعلم الأسلوب اللغوي نستطيع أن نذكر بشكل وجيز ما يلي:
1- أسلوب الكلام العادي:
- أسلوب الدارجة.
- أسلوب الفصاحة.
- أسلوب بلدي.
- أسلوب اللهجات.

2- أسلوب الكتابة:
- لغة الأدب.
- لغة العلم.
- لغة القانون.
- لغة الصحافة.
- لغة الإعلانات.
- لغة الفقه.

3- الأسلوب الفردي:
- لعل لكل كاتب أسلوبه الخاص في كل الميادين اللغوية من أدب، وشعر، ورواية... وهذا ما يميز كاتبا عن آخر...

يتضح مما سبق أن الباحث في علم الأسلوب يجب أن تكون له القدرة في اختيار التراكيب ذات أهمية من الناحية الأسلوبية، كما يجب أن تكون له القدرة على تحليل العلاقات الوثيقة بين السمات اللغوية، وبين الظواهر الاجتماعية المتعلقة بها.

إن السمات اللفظية والنحوية والفنولوجية تكتسب دلالاتها من السياق الاجتماعي، والبيئة الثقافية.. فمثلا نأخذ لفظة: ( با ! ):
- في الإنجليزية: صيغة تعبر عن الازدراء والاحتقار.
- في الروسية: تعبر عن الدهشة والتعجب.
- في اليابانية: تعني الشك وعدم المعرفة.
- في العربية: تعني الحرف الثاني من حروف الهجاء منصوبا.
من هذه الزاوية نرى أن الباحث، أو المحلل اللغوي يجب أن تكون له دراية بفروع علم اللغويات المستحدثة مثل علم اللغويات الاجتماعية، وعلم اللغويات النفسية، والأنثلوجية...
وكل ما يتعلق بالموضوع النقدي، والجمالي، والفني يخرج عن هذا المفهوم لأنه يوجد في عالم التخصصات، أي: من اختصاص الناقد...
ويبقى السؤال المطروح:
* هل من الممكن أن نتعدى حدود الوصف والتحليل إلى التفسير والتقويم، دون أن نقع تحت طائلة التفسير الذاتي والتقويم الذاتي؛ بل والأهواء الذاتية؟

محمد معمري


أظن أننا نشترك في الكثير من الاهتمامات يا محمد معمري أنقل بعض ما كتبته في هذا المجال مما أجمعه وأنشره تحت العنوان والرابط التالي ومن أحب الإطلاع على بقية التفاصيل عليه بالضغط على الرابط
نحن والتَّقنية والعَولَمَة واللُّغات والعَربيّة
http://arabelites.com/vb/showthread.php?t=13782 (http://arabelites.com/vb/showthread.php?t=13782)
هل هناك علاقة بين اللُّغَة وطريقة الفهم والتفاعل مع ما حولك وما تنتجه من ابداع؟
من وجهة نظري أنَّ اللُّغة وسيلة للتفكير، وكل لُغة بالنسبة لي لها معنى عن المعاني لا يتطابق مع أي لُغة أخرى، لأن معنى المعاني يختلف ما بين لغة ولغة لأنّه يمثل خلاصة خبرتها في هذا المجال، ولذلك بالنسبة لي معنى المعاني بأي لُغة تشمل فهم الإنسان قراءة ما يجده أمامه على السطر من جهة، مما تؤدي إلى أن يتفاعل معه بزاوية ما، وعلى ضوءها يقوم بالتعبير عن نتائج تفاعله.

الفراسة، لُغة الجسد، لُغة الاستقراء والاستنباط، وهنا على الشَّابِكَة (الإنترنت) لُغة الكلمة والتعبير، أو لُغَة الكاتب واسمه، ومن وجهة نظري أنَّ لكل كاتب بصمة، وأضيف الآن توضيح عملي لهذه البصمة، وذلك من خلال مراجعة كل شخص يدخل لكتابة أي تعليق في أي موضوع، للتعرّف على طريقة الفهم والتعامل مع الموضوع أو كما عرّفه المثل القائل (كلٌّ يُغنِّي على ليلاه) فيمكنكم مراجعة ما يقوم بكتابته، لمعرفة تعامل كل منَّا ومن بقي في حدود الـ أنا ومن تجاوزها إلى الـ نحن، ودرجة مصداقيته وأمانته وما هي اهتماماته وحتى مستوى خُبْثِه ودَنَاءَتِه.

نحن في عصر العَولَمَة، وأهم أداة من أدوات العَولَمَة هي الشَّابِكَة (الإنترنت)، وللإتصال بها يتم بواسطة آلة، ولذلك فيها أصبحت الآلة جزء لا يتجزّأ من عملية التواصل ما بين الإنسان والإنسان، واللُّغة هي وسيلة التفكير والتواصل والتفاهم، واحترام خصوصيّة أن يكون لكلَّ شخص حريّة التفكير باللُّغة التي هو يرغبها توفر مجال للتعايش السلمي بشكل أفضل في وسط العَولَمَة، ولذلك تجد في أي وسط عولمي انتشر مصطلح التوطين (التَّعريب) بدل النَّقل الحرفيّ (النَّقْحرة) لمفهوم الترجمة، ولذلك هناك الكثير من المفاهيم أو البديهيات اللُّغوية تحتاج إلى تعديل وتطوير الآن، منها مفهوم أنَّ اللّغة مسألة سماعيّة، حيث الآن أصبحت الكتابة والنظر بسبب الآلة جزء من لغة التواصل وليس فقط السمع.


في علم اللُّغة/اللُّغويات/اللِّسانيات المستورد من الغرب باسلوب النَّقْحَرة (النَّقْل الحَرْفِيّ)، ولأن كل شيء لديهم اساسه المفهوم النسبي، واللُّغات لديهم في العادة لا يوجد لديهم فيها مرجعيِّة لغويّة لمعنى المعاني مثلنا، وفي دراسة وتحليل ومقارنة ما بين النتاج اللغويّ من خلال ما يطلقون عليها الاسلوبيّة، في حين يوجد لدينا شيء لا يوجد لدى اللُّغات الأخرى ونطلق عليه البَلاغَة، والفرق بين البَلاغَة وبين الاسلوبيّة هو أنَّ في الأولى (البَلاغة) هناك مصداقيّة واضحة بدون أي غبش أو ضبابيّة لغويّة من حيث مبنى المباني ومعنى المعاني، في حين في الثانية (الاسلوبيّة) كل شخص حر في طريقته إن كان من حيث مبنى المباني أو معنى المعاني بلا أي قيود تذكر.


في اللغات الأجنبية لا يوجد شيء يوازي اكتمال وسعة ودقّة ما في اللُّغة العربية من مفهوم الجذور والصيغ البنائيّة،
المؤسسات التعليمية المعنية بالترجمة والتي اعتمدت نقل المناهج حرفيا باستخدام النَّقْحَرة بدل التَّعْريب كانت هي المدخل لهذه الضبابيّة اللغويّة والتشويش الحاصل الآن.
الجهل اللغويّ والضبابيّة اللُّغوية جعلت كثير من المتعاملين باللُّغة، عدم الانتباه، إلى أنَّ اللَّهجة المحليّة، ما هي إلاّ مختصرات لجمل عربية فصيحة، تمَّ اختصارها للتسهيل والسرعة، مثل ما يحصل بين أي مجموعة من اصحاب المهن في أي مجال، حيث تجد لديهم مصطلحات وتعابير مختصرة، لجمل كاملة، لا يفهم عليها من هو خارج هذه المهنة، ولا يمكن أن يتعلّمها أي شخص، إن لم يتعلّم اللغة العربيّة أصلا، أليس هذا مثال عملي آخر على شرُّ البَلِيِّة ما يُضْحِك؟!!!

الإسلام يمثله نص ومعنى المعاني الواردة في قواميس ومعاجم لغة القرآن والسنّة النبويّة فقط ولا يمثله تأويلات بلا أسس لغوية أو معجمية أو قاموسيّة لفلان يتبع الدولة الفلانيّة أو السلطان الفلاني أو الحزب العِّلاني والتي لا تتجاوز أن تكون وجهة نظر تتوافق مع مصالح شخصية بحتة في العادة، وأظن التقرير التالي يوضح جانب آخر
http://www.youtube.com/watch?v=Vd3WPzvuEWA&feature=player_embedded (http://www.youtube.com/watch?v=Vd3WPzvuEWA&feature=player_embedded)

أنا من وجهة نظري أنَّ اللُّغة وسيلة التفكير، وإصلاح اللُّغة بالضرورة يعني إصلاح الإنسان وأول خطوة في اتجاه الإصلاح هو في تميّيز أنَّ لُغة اللِّسَان العربي تختلف وهناك فرق كبير عن لُغة القرآن، واللِّسان العربي كلَّما كان قريبا إلى لُغة القرآن كان صحيّا أكثر وكلَّما ابتعد عن لُغة القرآن كان مريضا أكثر؟!!

ما رأيكم دام فضلكم؟