ابراهيم الطهراوي
04-05-2008, 01:14 PM
من المتوقع خلال الساعات القادمة وصول الوزير عمر سليمان مدير المخابرات المصرية لإسرائيل , لنقل عرض التهدئة الذي وافقت عليه فصائل المقاومة في غزة , وأكاد أجزم بأن المستقبل يحمل في ثناياه الكثير من المفاجآت التي قد تعصف بموضوع التهدئة , هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار بأن هناك حرب إعلامية مكشوفة بين النقيضين , تعزز أفكاراً متباينة أن التهدئة ما هي إلا استراحة مقاتل , ومشروع لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني , وجعله قادر على التقاط أنفاسه تمهيداً لمعركة قادمة , تكون فصائل المقاومة أكثر صلابة وأكثر قوة وعتاداً وتسليحاً , إضافة لرفع الحصار وفتح المعابر ... من وجهة نظر " فصائل المقاومة " .
وبالمقابل فالإسرائيليين لهم أهداف ينتوون تحقيقها ممثلة في إنهاء قضية الجندي شاليط ووقف قصف البلدات الإسرائيلية ومنع تهريب السلاح ووقف عمليات تطوير السلاح , وكسب الوقت لصالح فك الارتباط بشكل تام مع قطاع غزة باعتباره كياناً معادياً .
وفي كلا الاتجاهين الطرفان يعتقدان أن فرض الشروط لا يتأتى إلا من خلال القوة فكل طرف يعتبر أنه الأقوى في المعادلة ولذا عليه أن يملي شروطه على الطرف الأخر .
وبقراءة متأنية في هذا الموضوع وبعيداً عن العواطف , واستحضاراً لحالة التفكك والانسلاخ بين شطري الوطن , وفي ظل انعدام مقومات الصمود الذاتي فلسطينياً , وإذا ما أضافنا بأننا لسنا الطرف الوحيد في المعادلة فهناك أطراف أخرى دولية تغض الطرف عما تمارسه إسرائيل من عمليات عدوانية ضد شعبنا , بل وتبارك وتدعم عدوان إسرائيل , تحت حجج ومبررات واهية .
بالإضافة لطرف إسرائيلي عدو بكل مكوناته السياسية والعسكرية يراقب عن كثب كل ما يدور على الأرض , ويدير معركته بهدوء وعلى كل المستويات , وبدعم أمريكي منقطع النظير , مستفيداً من حالة الانقسام الداخلي الفلسطيني , نجد أن الرياح تسير بعكس ما تشتهي السفن .
لذا يرسخ اعتقاد في الأذهان من خلال مؤشرات سنتكلم عنها لاحقاً بأن فرص نجاح التهدئة تكاد تكون معدومة , وهذا يقودنا إلى قول بأن التهدئة ربما تكون قد ولدت ميتة , اللهم إلا إذا حدثت مفاجآت فوق مستوى التوقعات السياسية , كأن تتنازل فصائل المقاومة أكثر في موضوع التهدئة , والقبول بشروطها الإسرائيلية , وأخص موضع الجندي جلعاد شاليط .
وأدعم اعتقادي السابق باحتمالية فشل التهدئة من عدة وجوه يمكن إجمالها بالأتي :
أولاً : على الصعيد الداخلي الفلسطيني.
الطرف الفلسطيني لا يمتلك المؤهلات التي تمكنه من فرض شروطه , وهذا ما لاحظناه بانخفاض سقف المطالبة بأن تشمل التهدئة الضفة الغربية وغزة , على أن تكون شاملة ومتزامنة وقبول الطرف الفلسطيني بتهدئة في غزة أولاً , ومن ثم تتبعها الضفة الغربية في غضون ستة أشهر , وما تلاه من موقف بعض الفصائل باحتفاظها بحق الرد على أية خروقات إسرائيلية هنا أو هناك , فهذا يعزز المبدأ القائل " أن الباب مشرع على مصراعيه للفعل ورد الفعل " وإمكانية القدرة على ضبط النفس في مواجهة الخروقات الإسرائيلية .
وكنت قد طرحت سؤالاً في معرض نقاش مع بعض الإخوة المتابعين يتمثل في ... ماذا لو أن إسرائيل قامت باغتيال أحد القادة ؟؟ هل سيكون رد فعل ؟؟ وأين ؟؟ في غزة أم الضفة ؟؟ وما إن خلصنا إلى إجابة على هذا السؤال , حتى كنا أمام حالة واقعية عملية على الأرض , اغتيال اثنين من قادة المقاومة , وقبلها مجزرة إسرائيلية ضحيتها أسرة فلسطينية في بيت حانون , وبدأت ردود الأفعال تتوالى بدفعات جديدة من الصواريخ على البلدات الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة , وهنا قد يقول قائل بأن التهدئة لم تدخل بعد حيز التنفيذ , وبين هذا وذاك من حق المقاومة أن تمارس حقها في الدفاع عن شعبها , أقول نعم أنا مع القول , ولكن التجارب السابقة علمتنا أن إسرائيل لا تلتزم بعهود أو مواثيق , وفي كل مرة تضرب بعرض الحائط كل الاتفاقات الموقعة , متى شعرت بأن الأمر ليس في صالحها , معتمدة على منطق القوة , فهل يا ترى هذه المرة ستكون إسرائيل أكثر التزاماً ؟؟؟ هذا سؤال مفتوح ستجيب عليه الأيام القادمة.
هذا على المستوى الحزبي السياسي فماذا لو تعمقنا أكثر في دراسة الوضع الداخلي الفلسطيني , هل هناك ما يوحي بأننا قادرون على إملاء شروطنا ؟؟؟ وهل هناك إمكانية لضبط جميع فصائل العمل الوطني في إطار رد فعل موحد , مبني على فهم وطني صحيح حتى في أصعب الظروف في مواجهة الخروقات الإسرائيلية ؟؟ وماذا عن كيفية التعامل معها بعيداً عن ردات الفعل الحزبية ؟؟ . أنا لا أعتقد بأننا قادرون ... برغم أنه يبدو لنا أن هناك إجماع وطني مع بعض التحفظات على موضوع التهدئة .
فواقع الحال يقول بأن ردود الأفعال ستتوالى بموافقة أو دون موافقة المجموع الوطني , وهذا ما تدركه إسرائيل جيداً وما لمسناه في السابق في زمن الرئيس الراحل أبو عمار , فجميع فصائل العمل الوطني تعتقد أن من حقها أن تقرر كيفية الرد بمعزل عن المجموع الوطني , وأنا هنا لا أتحدث عن شيء مبهم , والجميع بمن فيهم إسرائيل يدرك ذلك.
ناهيك عن أن شعبنا يعيش أسوأ حالاته في ظل الانقسام والحصار , وانعدام مقومات الصمود مما يجعلنا أقل قدرة وقوة على فرض شروطنا , وبالكيفية التي تتوافق مع المصلحة الوطنية العليا لشعبنا , (( وأنا هنا لا أنكر بأن التهدئة مصلحة وطنية وأضم صوتي مع ينادون بذلك ))
ولكن على قاعدة خدمة المشروع الوطني , وعدم ضياع الثوابت , وأضيف أنه من باب أولى الوحدة الوطنية فيها مصلحة أعم وأعظم وأشمل أليس كذلك ؟؟ , من الممكن أن تجعلنا في مقام أصلب لتحقيق شروط أفضل , تتعداها إلى فرض ثوابتنا الوطنية التي ناضلنا من أجلها , فبدل المطالبة بتهدئة نزلت بسقف مطالبنا الوطنية نحو الحضيض , يجب أن تكون نظرتنا أكثر شمولية خدمة للمشروع الوطني الفلسطيني .
فإنهاء حالة الفرقة والانقسام أهم وأولى من المطالبة بهدنة مع العدو , وإن كانت التهدئة كما أسلفت مطلوبة في زمن نعاني فيه من ويلات الحصار والحرب الأهلية والانقسام الداخلي . ومخطئ من يعتقد بأن العدو غير مستفيد من هذه الحالة المتردية التي عصفت بنا وبقضيتنا , لذلك أجزم ويجزم معي كل العقلاء بأن العدو لن يهرول نحو التهدئة , ولن يستجدي بأن نمنحه الفرصة لكي يلتقط أنفاسه لكي يعد العدة للهجوم على غزة .
اللهم إلا إذا تناسينا قوة العدو على الهجوم والردع , وقدرته على فرض زمان ومكان المعركة في أن واحد .
لذا نحن في موقع لا نحسد عليه , وفي لحظات عصيبة , ينبغي لنا أن نتجاوزها بفهم وطني وحدوي يجمع لا يفرق , ويؤسس لبنيان وطني متين قادر على الصمود في وجه آلة الحرب والبطش الإسرائيلية .
وأنا هنا لا أقلل من قدرة المقاومة المتواضعة " التي ويعترف الجميع أنها متواضعة , لا تضاهي في قدرتها قدرة العدو.
هذا العدو الذي يراهن على زيادة الفرقة , وينتظرنا أن نرفع رايات الاستسلام , وهذا ما نلمسه في تصريحات قادته اليومية بأن التهدئة يجب أن تفرض وبشروط إسرائيلية , وأنه لا ينبغي لأحد غيره تحديد قانون اللعبة .
وهنا استذكر بعضاً من تصريحات قادة الفصائل الذين بمجملهم يؤكدون بأنهم جاهزون لكافة الخيارات وهذا دليل آخر على عدم تفاؤلهم بالرد الإيجابي من قبل إسرائيل على موضوع التهدئة .
ثانياً : على صعيد دولة الكيان " إسرائيل "
إن صنع الحرب والسلام في دولة الكيان إسرائيل تحتاج إلى إرادة سياسية , إلى قيادة شجاعة " من وجهة نظر المحللين الإسرائيليين " وهذا لا يتأتى إلا من خلال توافق المؤسستين السياسية والعسكرية في إسرائيل , وتوافق الأحزاب السياسية في إسرائيل , ولو نظرنا لما هو كائن الآن نجد أن هذه الإرادة السياسية معدومة في كلتا المؤسستين , وبازار المزايدات الحزبية مفتوح على مصراعيه , ولا أنسى التباين الواضح في موقف الشارع الإسرائيلي , وأن السمة الغالبة انقسام المواقف وتباين الآراء , في داخل كل من المستويين السياسي والعسكري, ناهيك عن موقف الأحزاب ما بين الاعتدال والتطرف من موضوع التهدئة , وبدا هذا واضحاً في امتناع المجلس الأمني والسياسي الإسرائيلي عن اتخاذ قرار بخصوص المبادرة المصرية للتهدئة في غزة , حيث المعارضة الشديدة لغالبية وزراء المجلس لوقف إطلاق النار" الذي اعتبروه سيخدم فصائل المقاومة , ولن يساهم في إيجاد حل نهائي ودائم لقضية الصواريخ" وقد ذهب وزير الأمن الداخلي أفي ديختر إلى أبعد من ذلك حيث دعا الحكومة الإسرائيلية للامتناع عن التعامل مع الوسطاء المصريين , حتى توقف مصر عمليات تهريب الأسلحة من سيناء لقطاع غزة .
هذا كله تناغم مع رأي " قيادة الجيش " الذي يميل إلى حسم المعركة عسكرياً من خلال حملة برية على غزة , تسبقها ضربات جوية مكثفة لإضعاف قوة المقاومة تمهيداً للقضاء عليها , لوضع حد نهائي لظاهرة إطلاق الصواريخ ومنع تهريب السلاح ووقف تعاظم قوة الفصائل .
وفي المستوى العسكري نجد أيضاً بأن الأمر بدا أكثر وضوحاً برفضه للتهدئة , وهذا ما يفسر تهرب وزير حرب العدو أيهود باراك من حضور جلسة المجلس الوزاري المصغر " الكبنيت " لمناقشة التهدئة , وحضور نائبة فلنائي " للجلسة الأخيرة " وهذا ما اعتبرناه تهرب من مسؤوليات الحسم , الواقعة على كاهله , وهذا كله نابع من خوف فشل ما يمكن اتخاذه من قرارات إما بالتهدئة أو بالهجوم على غزة , فقرار الحرب أو السلم قد يعصف بمستقبل باراك السياسي , فباراك لا يريد أن يقامر بمستقبله السياسي , وهذا ما يخشاه أيضاً رئيس الحكومة أولمرت , فالمخاطر المحدقة كبيرة وتحتاج إلى قائد يضع مستقبل إسرائيل ومصالحها في الميزان الوطني لا الحزبي " بحسب محللين سياسيين إسرائيليين " , وهذا ما لا يتوفر في كلاً من أولمرت وباراك , الذي يسعى كل منهما إلى اعتلاء عرش رئاسة الوزراء في انتخابات قادمة .
وفي كلتا الحالتين حالة الحرب أو السلم يبدو واضحاً أن هناك من يلعب على وتر التناقضات الداخلية على مستوى الأحزاب الإسرائيلية , في محاولة لكسب تأييد شعبي أكبر , وهذا ما نفسره بوجود حالة من التردد بين هذا وذاك , بين السلم والحرب , التهدئة والهجوم , ولذا أعتقد أنه سيكون من الصعوبة بمكان اتخاذ قرار حازم بخصوص التهدئة , أو الهجوم الموسع على غزة , ومن هنا يأتي ما يعرف برفع وتيرة الاغتيالات في غزة , والتلويح باغتيال قادة كبار , لكسب معركة عض الأصابع إن جاز التعبير , والاجتياحات المتكررة , في شمال غزة ووسطها وجنوبها , ناهيك عن عمليات الاغتيال والمطاردة في الضفة الغربية , إلا أن تأتي اللحظة المناسبة للحسم والسير في إحدى الاتجاهين .
مع العلم اليقيني بأن إسرائيل أعطت دلالات واضحة في وسائل الأعلام على رفضها للتهدئة , بشروط المقاومة , ودعمت هذا الرفض باغتيال قادة ميدانيين لحماس والجهاد وسبقها مجزرة بشعة في بيت حانون , كل هذا جاء عشية موافقة الفصائل الفلسطينية على التهدئة و وقبل أن يبدأ ممثلي فصائل المقاومة بحزم أمتعتهم في طريق العودة إلى غزة .
لقد أرادت إسرائيل أن توصل رسالة مفادها بأن قرار الحرب والسلم بيدها لا بأيدي فصائل المقاومة , وأن القادم أسوأ , فإما أن تقبلوا بشروطنا أو سندمر غزة على رؤوس ساكنيها.
وحري بنا القول أنه بالرغم من عدم وجود قرار صريح حتى اللحظة سواء بالتهدئة أو بالهجوم على غزة , إلا أن جميع القادة في إسرائيل بمن فيهم باراك وأولمرت متفقان على ضرورة وضع حد لظاهرة إطلاق الصواريخ , وتهريب السلاح ومنع تطوير المواد القتالية , فهل سيكون ذلك بواسطة هدنة طويلة مع الفصائل في غزة بشروط إسرائيلية , بضمانات مصرية.
أم بهجوم واسع على غزة ؟؟؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام القليلة القادمة .
وبالمقابل فالإسرائيليين لهم أهداف ينتوون تحقيقها ممثلة في إنهاء قضية الجندي شاليط ووقف قصف البلدات الإسرائيلية ومنع تهريب السلاح ووقف عمليات تطوير السلاح , وكسب الوقت لصالح فك الارتباط بشكل تام مع قطاع غزة باعتباره كياناً معادياً .
وفي كلا الاتجاهين الطرفان يعتقدان أن فرض الشروط لا يتأتى إلا من خلال القوة فكل طرف يعتبر أنه الأقوى في المعادلة ولذا عليه أن يملي شروطه على الطرف الأخر .
وبقراءة متأنية في هذا الموضوع وبعيداً عن العواطف , واستحضاراً لحالة التفكك والانسلاخ بين شطري الوطن , وفي ظل انعدام مقومات الصمود الذاتي فلسطينياً , وإذا ما أضافنا بأننا لسنا الطرف الوحيد في المعادلة فهناك أطراف أخرى دولية تغض الطرف عما تمارسه إسرائيل من عمليات عدوانية ضد شعبنا , بل وتبارك وتدعم عدوان إسرائيل , تحت حجج ومبررات واهية .
بالإضافة لطرف إسرائيلي عدو بكل مكوناته السياسية والعسكرية يراقب عن كثب كل ما يدور على الأرض , ويدير معركته بهدوء وعلى كل المستويات , وبدعم أمريكي منقطع النظير , مستفيداً من حالة الانقسام الداخلي الفلسطيني , نجد أن الرياح تسير بعكس ما تشتهي السفن .
لذا يرسخ اعتقاد في الأذهان من خلال مؤشرات سنتكلم عنها لاحقاً بأن فرص نجاح التهدئة تكاد تكون معدومة , وهذا يقودنا إلى قول بأن التهدئة ربما تكون قد ولدت ميتة , اللهم إلا إذا حدثت مفاجآت فوق مستوى التوقعات السياسية , كأن تتنازل فصائل المقاومة أكثر في موضوع التهدئة , والقبول بشروطها الإسرائيلية , وأخص موضع الجندي جلعاد شاليط .
وأدعم اعتقادي السابق باحتمالية فشل التهدئة من عدة وجوه يمكن إجمالها بالأتي :
أولاً : على الصعيد الداخلي الفلسطيني.
الطرف الفلسطيني لا يمتلك المؤهلات التي تمكنه من فرض شروطه , وهذا ما لاحظناه بانخفاض سقف المطالبة بأن تشمل التهدئة الضفة الغربية وغزة , على أن تكون شاملة ومتزامنة وقبول الطرف الفلسطيني بتهدئة في غزة أولاً , ومن ثم تتبعها الضفة الغربية في غضون ستة أشهر , وما تلاه من موقف بعض الفصائل باحتفاظها بحق الرد على أية خروقات إسرائيلية هنا أو هناك , فهذا يعزز المبدأ القائل " أن الباب مشرع على مصراعيه للفعل ورد الفعل " وإمكانية القدرة على ضبط النفس في مواجهة الخروقات الإسرائيلية .
وكنت قد طرحت سؤالاً في معرض نقاش مع بعض الإخوة المتابعين يتمثل في ... ماذا لو أن إسرائيل قامت باغتيال أحد القادة ؟؟ هل سيكون رد فعل ؟؟ وأين ؟؟ في غزة أم الضفة ؟؟ وما إن خلصنا إلى إجابة على هذا السؤال , حتى كنا أمام حالة واقعية عملية على الأرض , اغتيال اثنين من قادة المقاومة , وقبلها مجزرة إسرائيلية ضحيتها أسرة فلسطينية في بيت حانون , وبدأت ردود الأفعال تتوالى بدفعات جديدة من الصواريخ على البلدات الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة , وهنا قد يقول قائل بأن التهدئة لم تدخل بعد حيز التنفيذ , وبين هذا وذاك من حق المقاومة أن تمارس حقها في الدفاع عن شعبها , أقول نعم أنا مع القول , ولكن التجارب السابقة علمتنا أن إسرائيل لا تلتزم بعهود أو مواثيق , وفي كل مرة تضرب بعرض الحائط كل الاتفاقات الموقعة , متى شعرت بأن الأمر ليس في صالحها , معتمدة على منطق القوة , فهل يا ترى هذه المرة ستكون إسرائيل أكثر التزاماً ؟؟؟ هذا سؤال مفتوح ستجيب عليه الأيام القادمة.
هذا على المستوى الحزبي السياسي فماذا لو تعمقنا أكثر في دراسة الوضع الداخلي الفلسطيني , هل هناك ما يوحي بأننا قادرون على إملاء شروطنا ؟؟؟ وهل هناك إمكانية لضبط جميع فصائل العمل الوطني في إطار رد فعل موحد , مبني على فهم وطني صحيح حتى في أصعب الظروف في مواجهة الخروقات الإسرائيلية ؟؟ وماذا عن كيفية التعامل معها بعيداً عن ردات الفعل الحزبية ؟؟ . أنا لا أعتقد بأننا قادرون ... برغم أنه يبدو لنا أن هناك إجماع وطني مع بعض التحفظات على موضوع التهدئة .
فواقع الحال يقول بأن ردود الأفعال ستتوالى بموافقة أو دون موافقة المجموع الوطني , وهذا ما تدركه إسرائيل جيداً وما لمسناه في السابق في زمن الرئيس الراحل أبو عمار , فجميع فصائل العمل الوطني تعتقد أن من حقها أن تقرر كيفية الرد بمعزل عن المجموع الوطني , وأنا هنا لا أتحدث عن شيء مبهم , والجميع بمن فيهم إسرائيل يدرك ذلك.
ناهيك عن أن شعبنا يعيش أسوأ حالاته في ظل الانقسام والحصار , وانعدام مقومات الصمود مما يجعلنا أقل قدرة وقوة على فرض شروطنا , وبالكيفية التي تتوافق مع المصلحة الوطنية العليا لشعبنا , (( وأنا هنا لا أنكر بأن التهدئة مصلحة وطنية وأضم صوتي مع ينادون بذلك ))
ولكن على قاعدة خدمة المشروع الوطني , وعدم ضياع الثوابت , وأضيف أنه من باب أولى الوحدة الوطنية فيها مصلحة أعم وأعظم وأشمل أليس كذلك ؟؟ , من الممكن أن تجعلنا في مقام أصلب لتحقيق شروط أفضل , تتعداها إلى فرض ثوابتنا الوطنية التي ناضلنا من أجلها , فبدل المطالبة بتهدئة نزلت بسقف مطالبنا الوطنية نحو الحضيض , يجب أن تكون نظرتنا أكثر شمولية خدمة للمشروع الوطني الفلسطيني .
فإنهاء حالة الفرقة والانقسام أهم وأولى من المطالبة بهدنة مع العدو , وإن كانت التهدئة كما أسلفت مطلوبة في زمن نعاني فيه من ويلات الحصار والحرب الأهلية والانقسام الداخلي . ومخطئ من يعتقد بأن العدو غير مستفيد من هذه الحالة المتردية التي عصفت بنا وبقضيتنا , لذلك أجزم ويجزم معي كل العقلاء بأن العدو لن يهرول نحو التهدئة , ولن يستجدي بأن نمنحه الفرصة لكي يلتقط أنفاسه لكي يعد العدة للهجوم على غزة .
اللهم إلا إذا تناسينا قوة العدو على الهجوم والردع , وقدرته على فرض زمان ومكان المعركة في أن واحد .
لذا نحن في موقع لا نحسد عليه , وفي لحظات عصيبة , ينبغي لنا أن نتجاوزها بفهم وطني وحدوي يجمع لا يفرق , ويؤسس لبنيان وطني متين قادر على الصمود في وجه آلة الحرب والبطش الإسرائيلية .
وأنا هنا لا أقلل من قدرة المقاومة المتواضعة " التي ويعترف الجميع أنها متواضعة , لا تضاهي في قدرتها قدرة العدو.
هذا العدو الذي يراهن على زيادة الفرقة , وينتظرنا أن نرفع رايات الاستسلام , وهذا ما نلمسه في تصريحات قادته اليومية بأن التهدئة يجب أن تفرض وبشروط إسرائيلية , وأنه لا ينبغي لأحد غيره تحديد قانون اللعبة .
وهنا استذكر بعضاً من تصريحات قادة الفصائل الذين بمجملهم يؤكدون بأنهم جاهزون لكافة الخيارات وهذا دليل آخر على عدم تفاؤلهم بالرد الإيجابي من قبل إسرائيل على موضوع التهدئة .
ثانياً : على صعيد دولة الكيان " إسرائيل "
إن صنع الحرب والسلام في دولة الكيان إسرائيل تحتاج إلى إرادة سياسية , إلى قيادة شجاعة " من وجهة نظر المحللين الإسرائيليين " وهذا لا يتأتى إلا من خلال توافق المؤسستين السياسية والعسكرية في إسرائيل , وتوافق الأحزاب السياسية في إسرائيل , ولو نظرنا لما هو كائن الآن نجد أن هذه الإرادة السياسية معدومة في كلتا المؤسستين , وبازار المزايدات الحزبية مفتوح على مصراعيه , ولا أنسى التباين الواضح في موقف الشارع الإسرائيلي , وأن السمة الغالبة انقسام المواقف وتباين الآراء , في داخل كل من المستويين السياسي والعسكري, ناهيك عن موقف الأحزاب ما بين الاعتدال والتطرف من موضوع التهدئة , وبدا هذا واضحاً في امتناع المجلس الأمني والسياسي الإسرائيلي عن اتخاذ قرار بخصوص المبادرة المصرية للتهدئة في غزة , حيث المعارضة الشديدة لغالبية وزراء المجلس لوقف إطلاق النار" الذي اعتبروه سيخدم فصائل المقاومة , ولن يساهم في إيجاد حل نهائي ودائم لقضية الصواريخ" وقد ذهب وزير الأمن الداخلي أفي ديختر إلى أبعد من ذلك حيث دعا الحكومة الإسرائيلية للامتناع عن التعامل مع الوسطاء المصريين , حتى توقف مصر عمليات تهريب الأسلحة من سيناء لقطاع غزة .
هذا كله تناغم مع رأي " قيادة الجيش " الذي يميل إلى حسم المعركة عسكرياً من خلال حملة برية على غزة , تسبقها ضربات جوية مكثفة لإضعاف قوة المقاومة تمهيداً للقضاء عليها , لوضع حد نهائي لظاهرة إطلاق الصواريخ ومنع تهريب السلاح ووقف تعاظم قوة الفصائل .
وفي المستوى العسكري نجد أيضاً بأن الأمر بدا أكثر وضوحاً برفضه للتهدئة , وهذا ما يفسر تهرب وزير حرب العدو أيهود باراك من حضور جلسة المجلس الوزاري المصغر " الكبنيت " لمناقشة التهدئة , وحضور نائبة فلنائي " للجلسة الأخيرة " وهذا ما اعتبرناه تهرب من مسؤوليات الحسم , الواقعة على كاهله , وهذا كله نابع من خوف فشل ما يمكن اتخاذه من قرارات إما بالتهدئة أو بالهجوم على غزة , فقرار الحرب أو السلم قد يعصف بمستقبل باراك السياسي , فباراك لا يريد أن يقامر بمستقبله السياسي , وهذا ما يخشاه أيضاً رئيس الحكومة أولمرت , فالمخاطر المحدقة كبيرة وتحتاج إلى قائد يضع مستقبل إسرائيل ومصالحها في الميزان الوطني لا الحزبي " بحسب محللين سياسيين إسرائيليين " , وهذا ما لا يتوفر في كلاً من أولمرت وباراك , الذي يسعى كل منهما إلى اعتلاء عرش رئاسة الوزراء في انتخابات قادمة .
وفي كلتا الحالتين حالة الحرب أو السلم يبدو واضحاً أن هناك من يلعب على وتر التناقضات الداخلية على مستوى الأحزاب الإسرائيلية , في محاولة لكسب تأييد شعبي أكبر , وهذا ما نفسره بوجود حالة من التردد بين هذا وذاك , بين السلم والحرب , التهدئة والهجوم , ولذا أعتقد أنه سيكون من الصعوبة بمكان اتخاذ قرار حازم بخصوص التهدئة , أو الهجوم الموسع على غزة , ومن هنا يأتي ما يعرف برفع وتيرة الاغتيالات في غزة , والتلويح باغتيال قادة كبار , لكسب معركة عض الأصابع إن جاز التعبير , والاجتياحات المتكررة , في شمال غزة ووسطها وجنوبها , ناهيك عن عمليات الاغتيال والمطاردة في الضفة الغربية , إلا أن تأتي اللحظة المناسبة للحسم والسير في إحدى الاتجاهين .
مع العلم اليقيني بأن إسرائيل أعطت دلالات واضحة في وسائل الأعلام على رفضها للتهدئة , بشروط المقاومة , ودعمت هذا الرفض باغتيال قادة ميدانيين لحماس والجهاد وسبقها مجزرة بشعة في بيت حانون , كل هذا جاء عشية موافقة الفصائل الفلسطينية على التهدئة و وقبل أن يبدأ ممثلي فصائل المقاومة بحزم أمتعتهم في طريق العودة إلى غزة .
لقد أرادت إسرائيل أن توصل رسالة مفادها بأن قرار الحرب والسلم بيدها لا بأيدي فصائل المقاومة , وأن القادم أسوأ , فإما أن تقبلوا بشروطنا أو سندمر غزة على رؤوس ساكنيها.
وحري بنا القول أنه بالرغم من عدم وجود قرار صريح حتى اللحظة سواء بالتهدئة أو بالهجوم على غزة , إلا أن جميع القادة في إسرائيل بمن فيهم باراك وأولمرت متفقان على ضرورة وضع حد لظاهرة إطلاق الصواريخ , وتهريب السلاح ومنع تطوير المواد القتالية , فهل سيكون ذلك بواسطة هدنة طويلة مع الفصائل في غزة بشروط إسرائيلية , بضمانات مصرية.
أم بهجوم واسع على غزة ؟؟؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام القليلة القادمة .