نورة عبيد
17-02-2009, 04:30 PM
المثّقف و ذبابة
لودفيغ فتجنشتين !
كان الفيلسوف الألماني لودفيغ فتجنشتين يشبّه المثقّف الواقع في معضلة محيّرة بذبابة وقعت فجأة في قعر قنينة ،و تضرب في كلّ الاتجاهات محاولة الخروج ،ولكنّها كانت تصطدم في كلّ مرّة بجدران صمّاء، أخذت تدور على ذاتها آلاف المرّات و لكن عبثا .و فجأة و كأنّ على غير وعي منها ، نفذت الذّبابة بضربة واحدة من فوهة القنينة عن طريق انطلاقة ناجحة جاءت بعد آلاف الانطلاقات الفاشلة.
إذا كان المثقّف هو الذبابة ،فالقنينة هي الثّقافة الغربيّة ،و الانطلاقة النّاجحة هي ما تعيشه الآن من ثراء، وتمارسه من إغراء على الثّقافات الأخرى إلى درجة إلقاء الأحكام لها أو عليها ،و استدعاء المثّقفين المتوالدين و المريدين عليها و إليها أو دونها .
لها أن تعيش الإحتفال الكوني .
كانت سبّاقة إلى معرفة الذات معرفة أركيولوجيّة ،ابستمولوجيّة تيولوجيّة (كلاميّة لاهوتيّة) ،بشكل صريح و مرير على مدى خمسة قرون تهدم فيها الأوهام و تستدعي الحقائق و تقيم لها دعامات التّواصل و التّطوّر و هو ما نشعر به الآن .
و عندي ؛انطلاقتها الحقيقيّة ،جسّدتها لحظتين تاريخيتين يفصل بينهما مائتا عام من الزّمن ، وهما :
٭ التّجديد اللاّهوتي أو لحظة مارتن لوثر و حركة الإصلاح الدّيني :
هذه اللّحظة حرّرت المسيحي الأوروبي من هيمنة اللاّهوت السكولاستيكي
ومن الصّورة القروسطيّة المرعبة والمظلمة للدّين .لقد دعا إلى صيغة من صيغ التّحرّر الديني الّذي يسمح للمسيحيّ بقراءة الإنجيل دون سلطة بابويّة أو سلطة المجمع الكنيسي بأسره ،المؤسّسة و الكهنة و الكرادلة و الموظفين و مصالحهم الدّنيويّة .
الكنيسة عنده ؛ينطوي عليها قلب كل مسيحيّ في إيمانه العميق .
لقد خاض صراعا مريرا كاد يقضي عليه أكثر من مرّة . و حين حشر في المجمع الرّهيب بحضرة البابا و الإمبراطور ليقول كلمة التّراجع عن هرطقته و ينجو بروحه قال :بما أنّ ضميري مقيّد بكلام اللّه ،فإنّي لا أستطيع و لا أريد التّراجع عن آرائي .ذلك أنّه من الخطر على المرء أن يسير عكس ضميره فيفقد حظّه في النّجاة .ليكن اللّه في عوني
لقد كشف و جسّد أهميّة الفرد الخلاّق الحرّ ،لقد مهّد للّحظة الثّانيّة .
٭لحظة التّنوير و حقوق الإنسان
لئن حرّر مارتن لوثر المسيحيّ من العبوديّة اللاّهوتيّة ،إلاّ أنّه لم يتخلّص من المشروطيّة الدينيّة ولم تتهيّأ له الظروف في القرن السّادس و السّابع عشر ،وإنّما حملت البذور ،و مائتي عام من الزّمن غيّرت المنظور و استدعت المستحيل ،كان المسيحيّون لا يرون حياة خارج المسيحيّة ،إلى أن أشرقت كوكبة التّنوير و أضفت على الإنسان حقوق المدنيّةسواء أكان مسيحيّا أو يهوديّا أو مسلما أو بوذيّا …
تدريجيّا تقدّم عصر الموسوعة لفلاسفة التّنويرعلى حدّ عبارة الباحث هاشم صالح وتقدّم معه طرح ينبئ بالقطيعة الابستمولوجيّة، انزياح الأنساق العموديّة و حلول الأنساق الأفقيّة ،سقوط الانتماءات الطّائفيّة و المذهبيّة ،و حلول المواطنة والقوميّة .
لم تحقّق الثّورة الفرنسيّة أهدافها بيسر كما يبدو للبعض ،و إنّما كلّفها ذلك صراعات ما بعد الثّورة و كانت كذلك داميّة في الأرواح و الأقلام .
بعد مائتي عام تغيّرت المشروعيّة : بعد أن كانت ترتكز على القاعدة اللاّهوتيّة و المذهبيّة ،أصبحت ترتكز على قاعدة الاقتراع العام و التّصويت و إرادة أغلبيّة الشّعب ،من أغلبيّة دينيّة إلى أغلبيّة حزبيّة و سياسيّة ،من أيدي حفنة من الأشخاص معلومة ،إلى أيادي الشّعب المكنيّ عنه ،مختوما بالصّدق و السّريّة .
هذا هو الوضع الرّاهن للثّقافة الغربيّة في جوهره ،وتلكم مثقّفوه وجدوا انطلاقتهم بعد التّهويم في أعناق الزّجاجات المكسورة .
و الآن ماذا عن واقع الثّقافة العربيّة قياسا إلى هذه التّطورات الجذريّة المشهودة للثّقافة الأوروبيّة ؟
ماذا عن المثقّف العربي في تلاقحه مع المثقّف الأجنبيّ؟
ماذا عن علاقة خمسة قرون بخمسة عقود؟
أستعيد مشهد ذبابة لودفيغ فتجنشتينن،أفترض أنّني تلك و أدعوكم للحوار.
لودفيغ فتجنشتين !
كان الفيلسوف الألماني لودفيغ فتجنشتين يشبّه المثقّف الواقع في معضلة محيّرة بذبابة وقعت فجأة في قعر قنينة ،و تضرب في كلّ الاتجاهات محاولة الخروج ،ولكنّها كانت تصطدم في كلّ مرّة بجدران صمّاء، أخذت تدور على ذاتها آلاف المرّات و لكن عبثا .و فجأة و كأنّ على غير وعي منها ، نفذت الذّبابة بضربة واحدة من فوهة القنينة عن طريق انطلاقة ناجحة جاءت بعد آلاف الانطلاقات الفاشلة.
إذا كان المثقّف هو الذبابة ،فالقنينة هي الثّقافة الغربيّة ،و الانطلاقة النّاجحة هي ما تعيشه الآن من ثراء، وتمارسه من إغراء على الثّقافات الأخرى إلى درجة إلقاء الأحكام لها أو عليها ،و استدعاء المثّقفين المتوالدين و المريدين عليها و إليها أو دونها .
لها أن تعيش الإحتفال الكوني .
كانت سبّاقة إلى معرفة الذات معرفة أركيولوجيّة ،ابستمولوجيّة تيولوجيّة (كلاميّة لاهوتيّة) ،بشكل صريح و مرير على مدى خمسة قرون تهدم فيها الأوهام و تستدعي الحقائق و تقيم لها دعامات التّواصل و التّطوّر و هو ما نشعر به الآن .
و عندي ؛انطلاقتها الحقيقيّة ،جسّدتها لحظتين تاريخيتين يفصل بينهما مائتا عام من الزّمن ، وهما :
٭ التّجديد اللاّهوتي أو لحظة مارتن لوثر و حركة الإصلاح الدّيني :
هذه اللّحظة حرّرت المسيحي الأوروبي من هيمنة اللاّهوت السكولاستيكي
ومن الصّورة القروسطيّة المرعبة والمظلمة للدّين .لقد دعا إلى صيغة من صيغ التّحرّر الديني الّذي يسمح للمسيحيّ بقراءة الإنجيل دون سلطة بابويّة أو سلطة المجمع الكنيسي بأسره ،المؤسّسة و الكهنة و الكرادلة و الموظفين و مصالحهم الدّنيويّة .
الكنيسة عنده ؛ينطوي عليها قلب كل مسيحيّ في إيمانه العميق .
لقد خاض صراعا مريرا كاد يقضي عليه أكثر من مرّة . و حين حشر في المجمع الرّهيب بحضرة البابا و الإمبراطور ليقول كلمة التّراجع عن هرطقته و ينجو بروحه قال :بما أنّ ضميري مقيّد بكلام اللّه ،فإنّي لا أستطيع و لا أريد التّراجع عن آرائي .ذلك أنّه من الخطر على المرء أن يسير عكس ضميره فيفقد حظّه في النّجاة .ليكن اللّه في عوني
لقد كشف و جسّد أهميّة الفرد الخلاّق الحرّ ،لقد مهّد للّحظة الثّانيّة .
٭لحظة التّنوير و حقوق الإنسان
لئن حرّر مارتن لوثر المسيحيّ من العبوديّة اللاّهوتيّة ،إلاّ أنّه لم يتخلّص من المشروطيّة الدينيّة ولم تتهيّأ له الظروف في القرن السّادس و السّابع عشر ،وإنّما حملت البذور ،و مائتي عام من الزّمن غيّرت المنظور و استدعت المستحيل ،كان المسيحيّون لا يرون حياة خارج المسيحيّة ،إلى أن أشرقت كوكبة التّنوير و أضفت على الإنسان حقوق المدنيّةسواء أكان مسيحيّا أو يهوديّا أو مسلما أو بوذيّا …
تدريجيّا تقدّم عصر الموسوعة لفلاسفة التّنويرعلى حدّ عبارة الباحث هاشم صالح وتقدّم معه طرح ينبئ بالقطيعة الابستمولوجيّة، انزياح الأنساق العموديّة و حلول الأنساق الأفقيّة ،سقوط الانتماءات الطّائفيّة و المذهبيّة ،و حلول المواطنة والقوميّة .
لم تحقّق الثّورة الفرنسيّة أهدافها بيسر كما يبدو للبعض ،و إنّما كلّفها ذلك صراعات ما بعد الثّورة و كانت كذلك داميّة في الأرواح و الأقلام .
بعد مائتي عام تغيّرت المشروعيّة : بعد أن كانت ترتكز على القاعدة اللاّهوتيّة و المذهبيّة ،أصبحت ترتكز على قاعدة الاقتراع العام و التّصويت و إرادة أغلبيّة الشّعب ،من أغلبيّة دينيّة إلى أغلبيّة حزبيّة و سياسيّة ،من أيدي حفنة من الأشخاص معلومة ،إلى أيادي الشّعب المكنيّ عنه ،مختوما بالصّدق و السّريّة .
هذا هو الوضع الرّاهن للثّقافة الغربيّة في جوهره ،وتلكم مثقّفوه وجدوا انطلاقتهم بعد التّهويم في أعناق الزّجاجات المكسورة .
و الآن ماذا عن واقع الثّقافة العربيّة قياسا إلى هذه التّطورات الجذريّة المشهودة للثّقافة الأوروبيّة ؟
ماذا عن المثقّف العربي في تلاقحه مع المثقّف الأجنبيّ؟
ماذا عن علاقة خمسة قرون بخمسة عقود؟
أستعيد مشهد ذبابة لودفيغ فتجنشتينن،أفترض أنّني تلك و أدعوكم للحوار.