عبدالله احمد
14-02-2009, 09:42 PM
سيادة المفهوم الاجتماعي تتركز في بعديه الجغرافي والانساني، فبينما الحديث السياسي هو حديث البعد الجغرافي وتراتيب ذلك لسياد القانون الدولي، والحقوق الجغرافية ظمن نظام الترسيم الحدودي. إن البعد الإنساني هو حديث المجتمع الأهلي، ومدى سعي المجتمعات المعاصرة الأخذ على عاتقها هم الإنجاز التعبوي لصالح الاجتماع. وحقيقة وجود دور واضح وسط المؤسسات المدنية والجهات الأهلية، في تحمل جوانب الشؤون الحياتية لعدم خلق حالة الإنفرادية السلطوية في أبعاد المقدرات الجماهيرية. إننا نختزل منذ سنين حالة الضعف المدني في مجتمعاتنا العربية، ومارسنا دور تضخيم وقوة تسليم زمام الحياة بكل أطيافها، والمعبرة عن السلطة في ترسيم حدود الشخصية العربية. إن الانتقال إلى مدى واقعية قدراتنا في بناء المجتمع الأهلي، يظل الحديث دائماً عن المشكلة الكامنة في قوام وجود دور للمؤسسات الأهلية في ترسيم جوانب الحياة المدنية، والبدأ في شغل مواقع في تركيبة الشخصية الاجتماعية الإنسانية، حيث يُعد التعليم إحدى الرغبات الفاعلة الأساسية في تربية النشأ، كما هنالك دعوة مستمرة للمؤسسات الأهلية الأخرى، الصحية والخدمية والحرفية والاجتماعية. ولن يكون هذا الدور فاعلاً ممكناً، إلا بإبراز حالة من التوازن بين الإدارات الحكومية والمؤسسات الأهلية.
إن دولة اليابان كمثال يحتذى بها في أهم جوانب الحياة الأهلية في بناء المجتمع، فقد كانت نسب التعليم في تزايد، والواقع أن اكتساب تعليم جيد لم يكن أمراً بالغ الصعوبة، وكان يسمح لعامة الشعب بدخول مدارس المقاطعات، وقد كانت في البدايات (التبراكويا) المتواضعة، وهي مدارس متصلة بالمعابد الصغيرة تملأ الأرياف، وكانت تلقن فيها اصول القراءة والكتابة والأدبيات الكلاسكية. فالتعليم كركيزة أساسية ــ تُعد تحولاً في الثقافة اليابانية في أيام المايجي وكان أوسع نطاقاً. والحديث يستمر لصاحب كتاب ــ(1)، بأن انتشار التعليم الإلزامي ونمو الجامعات العامة ساهما في تذكير جميع اليابانيين، بأنه سيصبح من الممكن اكثر فأكثر الارتقاء بفضل الجدارة، إلى درجة لم يكن من الممكن تصورها من قبل، ...، وأن التجنيد الاجباري والتعليم الشامل وفتح ابواب المدارس على أساس الكفاءة وحدها، كان لابد له أن يؤثر على أكثرية الشعب ــ إنتهى. لذا استطاعت اليابان على خلق مؤسسات مدنية أهلية، وإنشاء أنموذج من المناهج التعليمية خلال فترة من الإعداد والبناء، حتى جاءت مخرجات التعليم ماكان حديث العالم إلى اليوم، عن التقدم في المستوى العلمي والتقاني. ــ واستناداً إلى أساس تطورها الرأسمالي السابق، تحصنت بثقافة حديثة ناضجة كلياً، بالإضافة إلى الأرث من العالم الغربي (الهولندي)، وقد أدى ذلك بالإضافة إلى ارتفاع نسبة المتعلمين بين افراد الشعب الياباني، ونظام قيم شعبية جديدة وتعطش إلى الأعمال الباهرة، ومن قبل المتحمسين من عموم الشعب ــ إنتهى،(2).
إن التعليم بمقدار أهليته في إنجاح المجتمعات، هو بذاته معول هدم عند سوء التعامل مع مفرداتها في تلك المجتمعات ــ اي بمعنى أن تصبح "مؤسسات التربية" هي مؤسسات تنمية، إذ أن التعليم لايمكن أن يخلق التنمية أو يساعد على دفعها، إذا كان هو نفسه لا يؤدي إلى تنمية، ففاقد الشيئ لا يعطيه ومن هذا كان القول أن التعليم نفسه هو التنمية، التنمية البشرية الشاملة ــ إنتهى(3). وبمقدار تنوع أبواب المؤسسات التعليمية، وبوجود المهتمين على وضع الأساليب الحديثة والدراسات والبحوث، في التقييم المستمر سواءً للمناهج ومدى تطورها المترافق مع متطلبات التحديث، أو وجود دراسات بحثية لنتائج ميدانية عن مدى فاعلية مخرجات التعليم الصالحة للمجتمع، والمؤدى الضروري إلى تحسين الفاعلية التنموية. صحيح هي مقولة القارئ للساحة العربية بان الأعداد الهائلة من الخريجين، وصحيحة أيضاً هي نسبة الإنتظار على لائحة العمل الوظيفي لذات الخريجين في إدارات الدولة. إذاً أين نقطة الضعف؟ وأين المشكلة في التعليم؟
في التاريخ الكويتي كان هناك توازن بين الدور الرسمي للتعليم، وبين الدور الأهلي في التعليم الظاهر. ومن المعالم الجلية في التاريخ الكويتي التعليمي، هو مدرسة الوطنية الجعفرية فقد قامت على أكتاف أناس خيرين لديهم الهم بالشأن التربوي، ومع وجود عنوان واضح لهذه المدرسة، إلا إنها حملت بين صفوفها جميع الشرائح الكويتية آن ذاك دون تمييز، فقد كانت الصفة الوطنية غالبة في إدائها. وقد تخرج من هذه المدرسة مستويات علمية ناهضة بالمجتمع الكويتي، ولازالوا في التأثير المتسابق على إمتداد المساحة الكويتية. كما أنها ــ المدرسة الوطنية الجعفرية ــ تفردت بنوعية المناهج التعليمية مغايرة عن التعليم الرسمي، وكان لذلك الأثر البالغ في نوعية المخرجات إلى المستويات العلمية الأعلى، وكذلك نوعية الأداء في المجتمع فيما بعد. وقد استمرت هذه المدرسة إلى التوسع والعطاء للدور البناء، وزيادة الإقبال عليها مما حدى إلى فتح فرع لها في منطقة الشرق، تلبية لدعوات القبول والأعداد المتزايدة، كما جاءت الرغبة في إعطاء حق التعليم لشريحة البنات التعليمي، بإنشاء مدرسة خاصة للبنات بنفس المسمى. بيد أن مع التوسع المجتمعي والانجازات على الصعيد الرسمي للتعليم، تقلص هذا الدور الأهلي وإلى الإنتهاء لهذا الصرح العلمي، الى مدرسة خاصة مثل مثيلاتها الأخرى.
إننا في السابق لم نكن ننطلق من المفهوم الحداثي للمجتمع الأهلي، إنما الإنطلاق كان بالدافع الوطني الخدمي لصالح الاجتماع، والمحرك الديني في إبداء دور من أجل المجتمع، في مختلف المجالات كما كان دوراً آخر للمسجد في المساعدة، ودوراً لمجاميع في مد يد العون للمحتاجين، وكانت هذه الفكرة لصالح الدور التعليمي.
لقد مارسنا في السابق دور المجتمع الأهلي واليوم مع تقدم المجتمعات وتطورها، والزيادة في دور دولة المؤسسات إنتقصنا من أهمية هذه الأدوار، وجاء إلقاء كل الثقل على عاتق الحكومة في التاثير التعليمي، في إتجاه منفرد دون وجود إتجاهات أخرى مؤثرة على الساحة الاجتماعية. إن المجتمع الأهلي يتشكل من مجموعة مراكز ومؤسسات، تعمل بعيدة عن دور الحكومة وتأثيرها، لكنها تعتبر من الضروريات المكملة لحاجة المجتمع. على سبيل التقدير في في رسم العمل المؤسسي، كانت فكرة نشأة الجمعيات التعاونية منطلق لمساعدة الأحياء الفقيرة، الغير قادرة على توفير إحتياجاتها اليومية المعيشية، وكانت هذه المجاميع تعمل في الأحياء عبر مساعدات المقتدرين، بمبالغ تجمع في مكان ويُشترى بها السلع والمواد الضرورية، وبأسعار رمزية تباع لصالح تلك الأحياء. بينما تحولت هذه الفكرة إلى تجارية بحتة، حتى ظل الهامش الربحي أعلى من السوق المحلي التجاري، وقد انتفت فكرتها الأساسية للجمعيات التعاونية.
تمـــويل التعليم :
إن إحياء منهج المجتمع الأهلي دعوة ملحة إلى اصحاب الأمكانات المالية ــ فإن تمويل التعليم يجب ألا يقتصر على الحكومات "التمويل العام"، بل يجب أن نفكر في إحتمالات "تمويل مجتمعي"، يقوم به المجتمع كله وبحث عن اضافة فضلاً عن دور الحكومات، لأن المجتمع الذي يعلم نفسه بنفسه يجب أن يشارك في تمويل التعليم، وهذه دعوة أولى للتحرر من إحتكار الدول لعملية تمويل التعليم. ولكننا لا نعتقها من مسؤولياتها وإنما نعتقد، بأن التمويل الذي ندعوا إليه يحرر مجتمعنا من كثير من عوامل الضغط ويعمق الديمقراطية فيه ــ(4). فإن مثال التوجه في تمويل المال لتأسيس الجانب الصحي، عند وضع أصحاب المال نسبة من هباتهم أو زكواتهم، في سبيل بناء وتشييد المستشفيات التخصصية في المجتمع، بيد أن الملاحظ بان هذه المستشفيات توضع بتصرف الأدارات الحكومية، وكأن الحكومة عاجزة عن القدرة المالية في بناء الطوب والحجر. ويظل التعامل مع أنصاف الحلول عند توقف تمويل مشاريع البناء، دون إستمرار الدعوة الإمتدادية لدى أصحاب المال، بالسعي إلى توفير الطاقم المتكامل من الأطباء وسائر إحتياجات الطبابة.
إن التعليم قد لا يُعد من أساليب الإستثمار الناجح، كما هو السبيل الناشط للسعي الحثيث في بناء المستشفيات الخاصة، حيث أن البنوك لديها القرار الصريح في تمويل مشاريع العيادات، باعتبارها من المشاريع الناجحة إستثمارياً، بيد أن المشاريع التعليمية تعتبر يتيمة ولا تمثل إستثماراً نافعاً. إن المال ضرورة من أصحاب الوفرة المالية في النظر إلى الدعوة التعليمية، ورسم التخطيط السليم في إيجاد مراكز وبؤر مدرسية، والسعي في الدور التعليمي وعلى مستويات عالية، وليس بقصد إستثمار المجتمع ــ مع أن أحداً لا يستطيع أن يقول اليوم بأن التعليم إنفاق إستهلاكي وحق من حقوق الإنسان فقط، ولكنه إنفاق إستثماري من نوع "نبيل" خاص، وهو المكون الأول في التنمية البشرية حيث أصبح " رأس المال البشري" لا يقل أهمية، بل يفوق رأس المال العيني في كثير من الأحيان. واذن فإن تمويل التعليم يجب ألا يقتصر على الحكومات " التمويل العام"، بل يجب أن نفكر في إحتمالات تمويل "مجتمعي" يقوم به المجتمع كله، ونبحث عن "إضافة" فضلاً عن دور الحكومات ــ (5). وكما جاء في تقرير اليونسكو ــ تحت عنوان التعليم في العالم العربي لعام 2002/2003 ــ بأن التمويل التعليمي يتفاوت بشكل كبير من دولة إلى أخرى، وبنسبة 5’9% تمويل التعليم جاءت للمملكة العربية السعودية، كأكبر دولة ذات استثمار في التعليم، وتابعتها دولة تونس بنسبة5’7%. وجاءت دولة الإمارات ولبنان ومورتانيا بنسبة 2 ــ3% فقط، وأما الدول العربية الباقية بنسب أخذت في الاتساع 4’3% في سوريا إلى الدرجة الأقصى بنسبة 5% في المغرب ــ إنتهى. إن هذه النسب تدل بصريح العبرة عن وجود أزمة في التمويل، وهي دلالة عن " الأزمة التربوية" ــ والتي تُعد أزمة عالمية، كما إنطلق تقرير أدجار فور منذ سنة 1972، وعام التربية العالمي 1970 لعلاجها، وقد سبق في ذلك " فيليب كومر" 1980، وهذا تقرير "دي لور" ولجنته عن تعليم القرن الواحد والعشرين والمسمى
" التعليم، ذلك الكنز المكنون"، يصدر بنظرة شاملة ومغايرة وخصوصاً في مفهومه الجديد "للتعليم مدى الحياة" ــ إنتهى(6).
إن حديث الأزمة التربوية في حالة تزايد مطرد في البلاد النامية، فإن نتاج الزيادة في عدد السكان له تأثير في المقابل النقص في موارد التمويل التعليمي. إن زيادة الحاجة إلى تعدد الموارد الجديدة، أصبحت من الضرورة الملحة للقدرة على مواكبة هذا النمو ــ ففي حين هناك نقص في سكان البلاد المتقدمة بمقدار 6% بين سنة 1970 ــ 1990، إزداد عدد سكان البلاد النامية إلى 31% بين هذين العامين، وكانت نسبة الزيادة 89% في أفريقيا جنوب الصحراء وبلادها الاٍسلامية، وبلغت الزيادة 75% في البلاد العربية.. إن توقعات زيادة السكان في بداية القرن القادم ستكون ضخمة، إذ من المتوقع أن يزيد الأطفال تحت سن ال15 في العالم العربي بنسبة 12% بين سنة 1990 وسنة 2000 وزيادة 26% بين 1990و2025. إن هذه الزيادة في أعداد السكان هي زيادة في الطلبة المسجلين بمختلف مراحل التعليم، إذا تريد الدول النامية اللحاق بالدول المتقدمة ــ إنتهى(7). إننا أمام جملة من الأزمات التعليمية التي تستدعي إستنفار المال في التمويل التعليمي، عبر المؤسسات الخيرية في تأمين لجنة لصالح التعليم، وعلى البنوك المحلية تخصيص نسبة من الأرباح لذات الغرض، وكذلك الشركات التجارية. وإلا سوف نستمر في المسمى بالدول النامية، ولسنا قادرين على تنمية التعليم. وهنا جاءت توصيات اللجنة الدولية عن التمويل ــ بأن الدعوة في زيادة الإنفاق العام على التعليم، بالنسبة لما ينفق على المرافق الأخرى حتى لو كانت دفاعية أو أمنية. بالنقاط التالية:
* توصي اللجنة أن يساهم القطاع الخاص في تمويل الإنفاق على التعليم، وأن تساهم الأسر والطلبة بمساهمات مالية ولو ضعيفة، لإشعارها بالمسئولية إيضاً.
* أن يتولى رجال الأعمال والصناعة الإنفاق على التدريب المهني، بل والمشاركة في البحوث في التعليم العالي والجامعات.
* تحديد نسبة نقدية كحد أدنى من مساعدات التنمية (ريع مجموعها)، للإسهام في تمويل التعليم، وهذا الميل في صالح التعليم ينبغي أن يطبق ايضاَ في المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي.
التمدن التربوي الإسلامي:
لقد كان هم الانطلاقة الاسلامية هو التعليم، لإخراج الناس من ظلمة الجهالة إلى التوسع العلمي، ولم يتحدد في مجال العلم الديني والقرآني، إذ استطاع المسلمون بناء حضارتهم عند الاهتمام بالتعليم والاستزادة في العلوم الأخرى ــ وقد سطعت أسماء لامعة في عهد الرسول (ص)، حيث تخصص معاذ بن جبل في الحلال والحرام، وزيد بن ثابت في تقسيم المواريث والأنصبة في الغنائم، وأُبي بن كعب في قراءة القرآن. وقد منحت هذه الحركة التعليمية الواسعة ثمارها فيما بعد، حيث اوجدت القاعدة القوية لنهضة علمية، ازدهرت لعدة قرون حتى أصبح العالم الاسلامي قبلة للعلماء والمفكرين والفلاسفة ــ إنتهى(8) . وكذلك اشتهرت أسماء في عالم العلوم الطبيعية كأبن الحيان والفارابي، وانتشار النظريات الاجتماعية على يد ابن خلدون. إن الاسلام كرس مبدأ التعليم في سورة (إقرأ)، والذي اعتمد التعليم والتربية الرافد الاساسي في بناء المجتمع الاسلامي ــ إن جزيرة العرب كانت ظامئة إلى الحضارة، وكان ظمأ جزيرة العرب إلى الحضارة يشبه ظمأها إلى الماء، فالحضارات كانت تحيط بها من كل جانب، حضارة الفرس والروم واليمن مثلما يحيط بها الماء من جوانبها الثلاثة. وكان المجتمع يومذاك يترقب ظهور الحضارة في جزيرة العرب فجاء الاسلام هذا الترقب إلى الواقع. والاسلام لم يشأ بناء دولة يسعد فيها المسلمون فقط، بل كان يريد أن يبني حضارة للإنسان ولا حضارة بدون العلم وبدون التعليم. من هنا اتجه رسول الله(ص) إلى ايجاد حركة تعليمية ثقافية واسعة في المدينة بعد وضع اللبنات الأولى للدولة الاسلامية. فدفع بصحابته إلى التعلم وطلب من زيد بن حارثة أن يتعلم العبرية، فتعلمها زهاء خمسة عشر يوماً وطلب من أصحابه أن يقوموا بتعليم ذويهم مبادئ الكتابة والعلوم ــ إنتهى(9). وكانت من نتاج الانتصار في أول غزوة في الاسلام (بدر)، هو الاستفادة من الأسرى بأن يعلم كل أسير لا يستطيع دفع فديته، أن يعلم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة.
إن التركيز المجتمعي في الاسلام على التعليم كان واضحاً، وكانت المراكز التي تمثلت في الدور العلمية والمساجد، خلقت تموجات ثقافية في الوسط الاجتماعي. وكان العلماء والجلساء لهم يمثلون البؤر التعليمية قبل وجود أي دور للسلطة ــ فقد كان بيت جعفر الصادق كالجامعة يزدان على الدوام بالعلماء الكبار في الحديث والتفسير والحكمة والكلام، فكان يحضر درسه في أغلب الأوقات الفان، وبعض الأحيان أربعة آلاف من العلماء المشهورين.. وكانت يثرب دار هجرة النبي (ص) المركز الاسلامي العام للثقافة الاسلامية، فمنها امتدت الحركة العلمية والثقافية إلى سائر أنحاء العالم العربي والاسلامي. وقد اتخذ المسلمون جامع النبي (ص) معهداً لهم في كثير من فترات تاريخهم، فكان أئمة أهل البيت (ع) يلقون فيه محاضراتهم القيمة التي تناولت كثيراً من العلوم والمعارف، وقد جعله حفيد الرسول (ص) الإمام جعفر الصادق (ع) والذي سمي المذهب الجعفري مركزاً لجامعته الكبرى التي ضمت أربعة آلاف طالب، وكذلك إبنه الإمام موسى بن جعفر (ع) يلقي في بهوه دروسه العلمية، وإلى جانب المسجد النبوي كان جامع قبا، فقد كان منتدى للوفود ومركزاً للحلقات الدراسية. لقد كانت الجوامع هي المعاهد العامة للتعليم، وقد انتشرت في معظم المدن الاسلامية، وكانت أهمها جامع الكوفة فقد التحق به كبار المتخرجين من مدرسة الامام الصادق(ع)، وكان عددهم تسعمائة عالم كما حدثنا بذلك الحسن بن علي الوشا. وكما أحصى المقدسي في المسجد الجامع بالقاهرة، وقت العشاء مائة وعشرة مجالس من مجالس العلم. وكان جامع المنصور ببغداد أشهر مركز للتعليم في المملكة الإسلامية، وقد جلس فيه ابراهيم بن محمد المعروف بنفطويه خمسين سنة يلقي فيه الدروس ــ إنتهى(10).
إن الدور الذي أخذته الدور الأهلية والمراكز في العصر التقدمي في نهضة الاسلام، هو الامتداد الخالق للأرضية العلمية والثقافية الاسلامية إلى أرجاء العالم، وبناء الحضارة الاسلامية وأن تكون محط إستقطاب للتعليم، ومركز لسائر العلوم العقلية والندوات الأدبية والشعرية بجانب انتشار علم الطب والنبات والهندسة المعمارية، وخلال كل تلك الفترة كانت سلطة الدولة في الشؤون السياسية والعسكرية فقط. ولكنها لم تبخل بذل جانب من الدخول في الانفاق على التعليم، كما هو المرغوب في خلق التوازن الصرفي في الدولة ــ فقد هيأت الأمبراطورية الاسلامية العظمى جميع الفرص المتكافئة للتعليم حتى لم يكن هناك شيئ ابذل من العلم، فقد فتحت المساجد والمعاهد ودور العلم والحكمة أمام الجميع، وقدمت الدولة الاسلامية جميع ما يحتاج اليه الطلاب من النفقات لتمكنهم من التفرغ لطلب العلم ــ انتهى(11).
وعودة إلى تمويل التعليم فقد جاء في الأخبار ــ أن الأخيار والمتحرجين في دينهم (في أكثر العصور الإسلامية) كانوا يتأثمون من الاكتساب بالتعليم، وكانوا يلتمسون بذلك وجه الله والدار الآخرة وقد رؤا أن التعليم هداية إلى الله، وامتنع فريق كبير من المعلمين من أخذ الأجر فقد كان الضحاك بن مزاحم وعبدالله بن الحارث يعلمان الأطفال، ولا يأخذان الأجر. وكانوا ينفقون الأموال الضخمة في تحصيل العلم لذاته لا ليكسبوا منه، فقد قال أبوبكر محدث نيشابور : (أنفقت في الحديث مائة ألف درهم ماكسبت به درهماً). ولما تطورت البلاد الاسلامية في العصور العباسية واتسعت الحركية العلمية اتساعاً هائلاً، صار العلم سبباً للدخول في جهاز الحكم، كما صار سبباً للمعيشة، ومنذ ذلك الوقت اصبح العلم يؤخذ عليه الأجرــ انتهى(12). ويقول ابن خلدون :" وأصبح العلم من جملة الصنائع والحرف واشتغل أهل العصبية بالقيام بالملك والسلطان، فدفع للعلم من قام به سواهم واصبح حرفة للمعاش، وشمخت انوف المترفين وأهل السلطان عن التصدي للعلم".
الخلاصة :
إن الإشكالية المتأزمة في عالمنا العربي هو إتساع دور السلطة، بعد أن كان دورها محدود في عالم التعليم مقابل المراكز الأهلية، ولذا الحاضر غائم غير معلوم المعالم لما آلت إليه الآلة العلمية، والسيطرة السلطوية على رصد التعليم ومخرجات التعليم، وعدم القدرة على رسم المستقبل ــ وهنا تكمن الإشكالية الكارثية، حين يتحول فعل السلطة على مدى السنين إلى حالة تمنع الأمة عن الحركة وتمنع الثقافة من التحول إلى حضارة. أو حين ينجح فعل السلطة، من قهر واستبداد وطغيان وتفرد واستئثار وابتذال للسلطة، ينجح في جعل الأمة تنسى العناصر الأساسية في الديمقراطية والحرية والمؤسسية، والاستثمار في العلم والتكنولوجيا والإنتاج، وتطوير الثقافةالوطنية، وتكتفي بالقليل ــ(13).
إن العالم العربي اليوم لن يقليس التقدم والحضارة الغربية، طالما هو بعيد عن التعليم المبرمج، الدافع بالأمة العربية إلى التقدم التكنولوجي، والدخول ظمن حلقة الحضارة الواقدة المتسارعة. إننا مطالبين اليوم في إبراز الدور التعليمي الأهلي في مجتمعاتنا، إضافة للدور الرسمي عبر إحياء المراكز والمؤسسات الأهلية، الدافعة بالتعليم والاهتمام بالمراكز البحثية العلمية، والدراساتية التكنولوجية. وفتح الآفاق لأفراد المجتمع بالتوسع الدراسي، وإحياء الحضارة الاسلامية المفتقدة.
المصادر :
(1) /(2) نهضة اليابان (ثورة المايجي).
(3) التعليم في الدول الإسلامية ــ أسيسكو.
(4) /(5) تمويل التعليم وإنتاجيته ــ أسيسكو.
(6) /(7) إشكالية تمويل التعليم ــ أسيسكو.
(8) /(9) الدولة الاسلامية.
(10)/(11)/(12) النظام التربوي في الإسلام ــ باقر شريف القرشي.
(13) أفول الثقافة ــ إبراهيم بدران
إن دولة اليابان كمثال يحتذى بها في أهم جوانب الحياة الأهلية في بناء المجتمع، فقد كانت نسب التعليم في تزايد، والواقع أن اكتساب تعليم جيد لم يكن أمراً بالغ الصعوبة، وكان يسمح لعامة الشعب بدخول مدارس المقاطعات، وقد كانت في البدايات (التبراكويا) المتواضعة، وهي مدارس متصلة بالمعابد الصغيرة تملأ الأرياف، وكانت تلقن فيها اصول القراءة والكتابة والأدبيات الكلاسكية. فالتعليم كركيزة أساسية ــ تُعد تحولاً في الثقافة اليابانية في أيام المايجي وكان أوسع نطاقاً. والحديث يستمر لصاحب كتاب ــ(1)، بأن انتشار التعليم الإلزامي ونمو الجامعات العامة ساهما في تذكير جميع اليابانيين، بأنه سيصبح من الممكن اكثر فأكثر الارتقاء بفضل الجدارة، إلى درجة لم يكن من الممكن تصورها من قبل، ...، وأن التجنيد الاجباري والتعليم الشامل وفتح ابواب المدارس على أساس الكفاءة وحدها، كان لابد له أن يؤثر على أكثرية الشعب ــ إنتهى. لذا استطاعت اليابان على خلق مؤسسات مدنية أهلية، وإنشاء أنموذج من المناهج التعليمية خلال فترة من الإعداد والبناء، حتى جاءت مخرجات التعليم ماكان حديث العالم إلى اليوم، عن التقدم في المستوى العلمي والتقاني. ــ واستناداً إلى أساس تطورها الرأسمالي السابق، تحصنت بثقافة حديثة ناضجة كلياً، بالإضافة إلى الأرث من العالم الغربي (الهولندي)، وقد أدى ذلك بالإضافة إلى ارتفاع نسبة المتعلمين بين افراد الشعب الياباني، ونظام قيم شعبية جديدة وتعطش إلى الأعمال الباهرة، ومن قبل المتحمسين من عموم الشعب ــ إنتهى،(2).
إن التعليم بمقدار أهليته في إنجاح المجتمعات، هو بذاته معول هدم عند سوء التعامل مع مفرداتها في تلك المجتمعات ــ اي بمعنى أن تصبح "مؤسسات التربية" هي مؤسسات تنمية، إذ أن التعليم لايمكن أن يخلق التنمية أو يساعد على دفعها، إذا كان هو نفسه لا يؤدي إلى تنمية، ففاقد الشيئ لا يعطيه ومن هذا كان القول أن التعليم نفسه هو التنمية، التنمية البشرية الشاملة ــ إنتهى(3). وبمقدار تنوع أبواب المؤسسات التعليمية، وبوجود المهتمين على وضع الأساليب الحديثة والدراسات والبحوث، في التقييم المستمر سواءً للمناهج ومدى تطورها المترافق مع متطلبات التحديث، أو وجود دراسات بحثية لنتائج ميدانية عن مدى فاعلية مخرجات التعليم الصالحة للمجتمع، والمؤدى الضروري إلى تحسين الفاعلية التنموية. صحيح هي مقولة القارئ للساحة العربية بان الأعداد الهائلة من الخريجين، وصحيحة أيضاً هي نسبة الإنتظار على لائحة العمل الوظيفي لذات الخريجين في إدارات الدولة. إذاً أين نقطة الضعف؟ وأين المشكلة في التعليم؟
في التاريخ الكويتي كان هناك توازن بين الدور الرسمي للتعليم، وبين الدور الأهلي في التعليم الظاهر. ومن المعالم الجلية في التاريخ الكويتي التعليمي، هو مدرسة الوطنية الجعفرية فقد قامت على أكتاف أناس خيرين لديهم الهم بالشأن التربوي، ومع وجود عنوان واضح لهذه المدرسة، إلا إنها حملت بين صفوفها جميع الشرائح الكويتية آن ذاك دون تمييز، فقد كانت الصفة الوطنية غالبة في إدائها. وقد تخرج من هذه المدرسة مستويات علمية ناهضة بالمجتمع الكويتي، ولازالوا في التأثير المتسابق على إمتداد المساحة الكويتية. كما أنها ــ المدرسة الوطنية الجعفرية ــ تفردت بنوعية المناهج التعليمية مغايرة عن التعليم الرسمي، وكان لذلك الأثر البالغ في نوعية المخرجات إلى المستويات العلمية الأعلى، وكذلك نوعية الأداء في المجتمع فيما بعد. وقد استمرت هذه المدرسة إلى التوسع والعطاء للدور البناء، وزيادة الإقبال عليها مما حدى إلى فتح فرع لها في منطقة الشرق، تلبية لدعوات القبول والأعداد المتزايدة، كما جاءت الرغبة في إعطاء حق التعليم لشريحة البنات التعليمي، بإنشاء مدرسة خاصة للبنات بنفس المسمى. بيد أن مع التوسع المجتمعي والانجازات على الصعيد الرسمي للتعليم، تقلص هذا الدور الأهلي وإلى الإنتهاء لهذا الصرح العلمي، الى مدرسة خاصة مثل مثيلاتها الأخرى.
إننا في السابق لم نكن ننطلق من المفهوم الحداثي للمجتمع الأهلي، إنما الإنطلاق كان بالدافع الوطني الخدمي لصالح الاجتماع، والمحرك الديني في إبداء دور من أجل المجتمع، في مختلف المجالات كما كان دوراً آخر للمسجد في المساعدة، ودوراً لمجاميع في مد يد العون للمحتاجين، وكانت هذه الفكرة لصالح الدور التعليمي.
لقد مارسنا في السابق دور المجتمع الأهلي واليوم مع تقدم المجتمعات وتطورها، والزيادة في دور دولة المؤسسات إنتقصنا من أهمية هذه الأدوار، وجاء إلقاء كل الثقل على عاتق الحكومة في التاثير التعليمي، في إتجاه منفرد دون وجود إتجاهات أخرى مؤثرة على الساحة الاجتماعية. إن المجتمع الأهلي يتشكل من مجموعة مراكز ومؤسسات، تعمل بعيدة عن دور الحكومة وتأثيرها، لكنها تعتبر من الضروريات المكملة لحاجة المجتمع. على سبيل التقدير في في رسم العمل المؤسسي، كانت فكرة نشأة الجمعيات التعاونية منطلق لمساعدة الأحياء الفقيرة، الغير قادرة على توفير إحتياجاتها اليومية المعيشية، وكانت هذه المجاميع تعمل في الأحياء عبر مساعدات المقتدرين، بمبالغ تجمع في مكان ويُشترى بها السلع والمواد الضرورية، وبأسعار رمزية تباع لصالح تلك الأحياء. بينما تحولت هذه الفكرة إلى تجارية بحتة، حتى ظل الهامش الربحي أعلى من السوق المحلي التجاري، وقد انتفت فكرتها الأساسية للجمعيات التعاونية.
تمـــويل التعليم :
إن إحياء منهج المجتمع الأهلي دعوة ملحة إلى اصحاب الأمكانات المالية ــ فإن تمويل التعليم يجب ألا يقتصر على الحكومات "التمويل العام"، بل يجب أن نفكر في إحتمالات "تمويل مجتمعي"، يقوم به المجتمع كله وبحث عن اضافة فضلاً عن دور الحكومات، لأن المجتمع الذي يعلم نفسه بنفسه يجب أن يشارك في تمويل التعليم، وهذه دعوة أولى للتحرر من إحتكار الدول لعملية تمويل التعليم. ولكننا لا نعتقها من مسؤولياتها وإنما نعتقد، بأن التمويل الذي ندعوا إليه يحرر مجتمعنا من كثير من عوامل الضغط ويعمق الديمقراطية فيه ــ(4). فإن مثال التوجه في تمويل المال لتأسيس الجانب الصحي، عند وضع أصحاب المال نسبة من هباتهم أو زكواتهم، في سبيل بناء وتشييد المستشفيات التخصصية في المجتمع، بيد أن الملاحظ بان هذه المستشفيات توضع بتصرف الأدارات الحكومية، وكأن الحكومة عاجزة عن القدرة المالية في بناء الطوب والحجر. ويظل التعامل مع أنصاف الحلول عند توقف تمويل مشاريع البناء، دون إستمرار الدعوة الإمتدادية لدى أصحاب المال، بالسعي إلى توفير الطاقم المتكامل من الأطباء وسائر إحتياجات الطبابة.
إن التعليم قد لا يُعد من أساليب الإستثمار الناجح، كما هو السبيل الناشط للسعي الحثيث في بناء المستشفيات الخاصة، حيث أن البنوك لديها القرار الصريح في تمويل مشاريع العيادات، باعتبارها من المشاريع الناجحة إستثمارياً، بيد أن المشاريع التعليمية تعتبر يتيمة ولا تمثل إستثماراً نافعاً. إن المال ضرورة من أصحاب الوفرة المالية في النظر إلى الدعوة التعليمية، ورسم التخطيط السليم في إيجاد مراكز وبؤر مدرسية، والسعي في الدور التعليمي وعلى مستويات عالية، وليس بقصد إستثمار المجتمع ــ مع أن أحداً لا يستطيع أن يقول اليوم بأن التعليم إنفاق إستهلاكي وحق من حقوق الإنسان فقط، ولكنه إنفاق إستثماري من نوع "نبيل" خاص، وهو المكون الأول في التنمية البشرية حيث أصبح " رأس المال البشري" لا يقل أهمية، بل يفوق رأس المال العيني في كثير من الأحيان. واذن فإن تمويل التعليم يجب ألا يقتصر على الحكومات " التمويل العام"، بل يجب أن نفكر في إحتمالات تمويل "مجتمعي" يقوم به المجتمع كله، ونبحث عن "إضافة" فضلاً عن دور الحكومات ــ (5). وكما جاء في تقرير اليونسكو ــ تحت عنوان التعليم في العالم العربي لعام 2002/2003 ــ بأن التمويل التعليمي يتفاوت بشكل كبير من دولة إلى أخرى، وبنسبة 5’9% تمويل التعليم جاءت للمملكة العربية السعودية، كأكبر دولة ذات استثمار في التعليم، وتابعتها دولة تونس بنسبة5’7%. وجاءت دولة الإمارات ولبنان ومورتانيا بنسبة 2 ــ3% فقط، وأما الدول العربية الباقية بنسب أخذت في الاتساع 4’3% في سوريا إلى الدرجة الأقصى بنسبة 5% في المغرب ــ إنتهى. إن هذه النسب تدل بصريح العبرة عن وجود أزمة في التمويل، وهي دلالة عن " الأزمة التربوية" ــ والتي تُعد أزمة عالمية، كما إنطلق تقرير أدجار فور منذ سنة 1972، وعام التربية العالمي 1970 لعلاجها، وقد سبق في ذلك " فيليب كومر" 1980، وهذا تقرير "دي لور" ولجنته عن تعليم القرن الواحد والعشرين والمسمى
" التعليم، ذلك الكنز المكنون"، يصدر بنظرة شاملة ومغايرة وخصوصاً في مفهومه الجديد "للتعليم مدى الحياة" ــ إنتهى(6).
إن حديث الأزمة التربوية في حالة تزايد مطرد في البلاد النامية، فإن نتاج الزيادة في عدد السكان له تأثير في المقابل النقص في موارد التمويل التعليمي. إن زيادة الحاجة إلى تعدد الموارد الجديدة، أصبحت من الضرورة الملحة للقدرة على مواكبة هذا النمو ــ ففي حين هناك نقص في سكان البلاد المتقدمة بمقدار 6% بين سنة 1970 ــ 1990، إزداد عدد سكان البلاد النامية إلى 31% بين هذين العامين، وكانت نسبة الزيادة 89% في أفريقيا جنوب الصحراء وبلادها الاٍسلامية، وبلغت الزيادة 75% في البلاد العربية.. إن توقعات زيادة السكان في بداية القرن القادم ستكون ضخمة، إذ من المتوقع أن يزيد الأطفال تحت سن ال15 في العالم العربي بنسبة 12% بين سنة 1990 وسنة 2000 وزيادة 26% بين 1990و2025. إن هذه الزيادة في أعداد السكان هي زيادة في الطلبة المسجلين بمختلف مراحل التعليم، إذا تريد الدول النامية اللحاق بالدول المتقدمة ــ إنتهى(7). إننا أمام جملة من الأزمات التعليمية التي تستدعي إستنفار المال في التمويل التعليمي، عبر المؤسسات الخيرية في تأمين لجنة لصالح التعليم، وعلى البنوك المحلية تخصيص نسبة من الأرباح لذات الغرض، وكذلك الشركات التجارية. وإلا سوف نستمر في المسمى بالدول النامية، ولسنا قادرين على تنمية التعليم. وهنا جاءت توصيات اللجنة الدولية عن التمويل ــ بأن الدعوة في زيادة الإنفاق العام على التعليم، بالنسبة لما ينفق على المرافق الأخرى حتى لو كانت دفاعية أو أمنية. بالنقاط التالية:
* توصي اللجنة أن يساهم القطاع الخاص في تمويل الإنفاق على التعليم، وأن تساهم الأسر والطلبة بمساهمات مالية ولو ضعيفة، لإشعارها بالمسئولية إيضاً.
* أن يتولى رجال الأعمال والصناعة الإنفاق على التدريب المهني، بل والمشاركة في البحوث في التعليم العالي والجامعات.
* تحديد نسبة نقدية كحد أدنى من مساعدات التنمية (ريع مجموعها)، للإسهام في تمويل التعليم، وهذا الميل في صالح التعليم ينبغي أن يطبق ايضاَ في المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي.
التمدن التربوي الإسلامي:
لقد كان هم الانطلاقة الاسلامية هو التعليم، لإخراج الناس من ظلمة الجهالة إلى التوسع العلمي، ولم يتحدد في مجال العلم الديني والقرآني، إذ استطاع المسلمون بناء حضارتهم عند الاهتمام بالتعليم والاستزادة في العلوم الأخرى ــ وقد سطعت أسماء لامعة في عهد الرسول (ص)، حيث تخصص معاذ بن جبل في الحلال والحرام، وزيد بن ثابت في تقسيم المواريث والأنصبة في الغنائم، وأُبي بن كعب في قراءة القرآن. وقد منحت هذه الحركة التعليمية الواسعة ثمارها فيما بعد، حيث اوجدت القاعدة القوية لنهضة علمية، ازدهرت لعدة قرون حتى أصبح العالم الاسلامي قبلة للعلماء والمفكرين والفلاسفة ــ إنتهى(8) . وكذلك اشتهرت أسماء في عالم العلوم الطبيعية كأبن الحيان والفارابي، وانتشار النظريات الاجتماعية على يد ابن خلدون. إن الاسلام كرس مبدأ التعليم في سورة (إقرأ)، والذي اعتمد التعليم والتربية الرافد الاساسي في بناء المجتمع الاسلامي ــ إن جزيرة العرب كانت ظامئة إلى الحضارة، وكان ظمأ جزيرة العرب إلى الحضارة يشبه ظمأها إلى الماء، فالحضارات كانت تحيط بها من كل جانب، حضارة الفرس والروم واليمن مثلما يحيط بها الماء من جوانبها الثلاثة. وكان المجتمع يومذاك يترقب ظهور الحضارة في جزيرة العرب فجاء الاسلام هذا الترقب إلى الواقع. والاسلام لم يشأ بناء دولة يسعد فيها المسلمون فقط، بل كان يريد أن يبني حضارة للإنسان ولا حضارة بدون العلم وبدون التعليم. من هنا اتجه رسول الله(ص) إلى ايجاد حركة تعليمية ثقافية واسعة في المدينة بعد وضع اللبنات الأولى للدولة الاسلامية. فدفع بصحابته إلى التعلم وطلب من زيد بن حارثة أن يتعلم العبرية، فتعلمها زهاء خمسة عشر يوماً وطلب من أصحابه أن يقوموا بتعليم ذويهم مبادئ الكتابة والعلوم ــ إنتهى(9). وكانت من نتاج الانتصار في أول غزوة في الاسلام (بدر)، هو الاستفادة من الأسرى بأن يعلم كل أسير لا يستطيع دفع فديته، أن يعلم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة.
إن التركيز المجتمعي في الاسلام على التعليم كان واضحاً، وكانت المراكز التي تمثلت في الدور العلمية والمساجد، خلقت تموجات ثقافية في الوسط الاجتماعي. وكان العلماء والجلساء لهم يمثلون البؤر التعليمية قبل وجود أي دور للسلطة ــ فقد كان بيت جعفر الصادق كالجامعة يزدان على الدوام بالعلماء الكبار في الحديث والتفسير والحكمة والكلام، فكان يحضر درسه في أغلب الأوقات الفان، وبعض الأحيان أربعة آلاف من العلماء المشهورين.. وكانت يثرب دار هجرة النبي (ص) المركز الاسلامي العام للثقافة الاسلامية، فمنها امتدت الحركة العلمية والثقافية إلى سائر أنحاء العالم العربي والاسلامي. وقد اتخذ المسلمون جامع النبي (ص) معهداً لهم في كثير من فترات تاريخهم، فكان أئمة أهل البيت (ع) يلقون فيه محاضراتهم القيمة التي تناولت كثيراً من العلوم والمعارف، وقد جعله حفيد الرسول (ص) الإمام جعفر الصادق (ع) والذي سمي المذهب الجعفري مركزاً لجامعته الكبرى التي ضمت أربعة آلاف طالب، وكذلك إبنه الإمام موسى بن جعفر (ع) يلقي في بهوه دروسه العلمية، وإلى جانب المسجد النبوي كان جامع قبا، فقد كان منتدى للوفود ومركزاً للحلقات الدراسية. لقد كانت الجوامع هي المعاهد العامة للتعليم، وقد انتشرت في معظم المدن الاسلامية، وكانت أهمها جامع الكوفة فقد التحق به كبار المتخرجين من مدرسة الامام الصادق(ع)، وكان عددهم تسعمائة عالم كما حدثنا بذلك الحسن بن علي الوشا. وكما أحصى المقدسي في المسجد الجامع بالقاهرة، وقت العشاء مائة وعشرة مجالس من مجالس العلم. وكان جامع المنصور ببغداد أشهر مركز للتعليم في المملكة الإسلامية، وقد جلس فيه ابراهيم بن محمد المعروف بنفطويه خمسين سنة يلقي فيه الدروس ــ إنتهى(10).
إن الدور الذي أخذته الدور الأهلية والمراكز في العصر التقدمي في نهضة الاسلام، هو الامتداد الخالق للأرضية العلمية والثقافية الاسلامية إلى أرجاء العالم، وبناء الحضارة الاسلامية وأن تكون محط إستقطاب للتعليم، ومركز لسائر العلوم العقلية والندوات الأدبية والشعرية بجانب انتشار علم الطب والنبات والهندسة المعمارية، وخلال كل تلك الفترة كانت سلطة الدولة في الشؤون السياسية والعسكرية فقط. ولكنها لم تبخل بذل جانب من الدخول في الانفاق على التعليم، كما هو المرغوب في خلق التوازن الصرفي في الدولة ــ فقد هيأت الأمبراطورية الاسلامية العظمى جميع الفرص المتكافئة للتعليم حتى لم يكن هناك شيئ ابذل من العلم، فقد فتحت المساجد والمعاهد ودور العلم والحكمة أمام الجميع، وقدمت الدولة الاسلامية جميع ما يحتاج اليه الطلاب من النفقات لتمكنهم من التفرغ لطلب العلم ــ انتهى(11).
وعودة إلى تمويل التعليم فقد جاء في الأخبار ــ أن الأخيار والمتحرجين في دينهم (في أكثر العصور الإسلامية) كانوا يتأثمون من الاكتساب بالتعليم، وكانوا يلتمسون بذلك وجه الله والدار الآخرة وقد رؤا أن التعليم هداية إلى الله، وامتنع فريق كبير من المعلمين من أخذ الأجر فقد كان الضحاك بن مزاحم وعبدالله بن الحارث يعلمان الأطفال، ولا يأخذان الأجر. وكانوا ينفقون الأموال الضخمة في تحصيل العلم لذاته لا ليكسبوا منه، فقد قال أبوبكر محدث نيشابور : (أنفقت في الحديث مائة ألف درهم ماكسبت به درهماً). ولما تطورت البلاد الاسلامية في العصور العباسية واتسعت الحركية العلمية اتساعاً هائلاً، صار العلم سبباً للدخول في جهاز الحكم، كما صار سبباً للمعيشة، ومنذ ذلك الوقت اصبح العلم يؤخذ عليه الأجرــ انتهى(12). ويقول ابن خلدون :" وأصبح العلم من جملة الصنائع والحرف واشتغل أهل العصبية بالقيام بالملك والسلطان، فدفع للعلم من قام به سواهم واصبح حرفة للمعاش، وشمخت انوف المترفين وأهل السلطان عن التصدي للعلم".
الخلاصة :
إن الإشكالية المتأزمة في عالمنا العربي هو إتساع دور السلطة، بعد أن كان دورها محدود في عالم التعليم مقابل المراكز الأهلية، ولذا الحاضر غائم غير معلوم المعالم لما آلت إليه الآلة العلمية، والسيطرة السلطوية على رصد التعليم ومخرجات التعليم، وعدم القدرة على رسم المستقبل ــ وهنا تكمن الإشكالية الكارثية، حين يتحول فعل السلطة على مدى السنين إلى حالة تمنع الأمة عن الحركة وتمنع الثقافة من التحول إلى حضارة. أو حين ينجح فعل السلطة، من قهر واستبداد وطغيان وتفرد واستئثار وابتذال للسلطة، ينجح في جعل الأمة تنسى العناصر الأساسية في الديمقراطية والحرية والمؤسسية، والاستثمار في العلم والتكنولوجيا والإنتاج، وتطوير الثقافةالوطنية، وتكتفي بالقليل ــ(13).
إن العالم العربي اليوم لن يقليس التقدم والحضارة الغربية، طالما هو بعيد عن التعليم المبرمج، الدافع بالأمة العربية إلى التقدم التكنولوجي، والدخول ظمن حلقة الحضارة الواقدة المتسارعة. إننا مطالبين اليوم في إبراز الدور التعليمي الأهلي في مجتمعاتنا، إضافة للدور الرسمي عبر إحياء المراكز والمؤسسات الأهلية، الدافعة بالتعليم والاهتمام بالمراكز البحثية العلمية، والدراساتية التكنولوجية. وفتح الآفاق لأفراد المجتمع بالتوسع الدراسي، وإحياء الحضارة الاسلامية المفتقدة.
المصادر :
(1) /(2) نهضة اليابان (ثورة المايجي).
(3) التعليم في الدول الإسلامية ــ أسيسكو.
(4) /(5) تمويل التعليم وإنتاجيته ــ أسيسكو.
(6) /(7) إشكالية تمويل التعليم ــ أسيسكو.
(8) /(9) الدولة الاسلامية.
(10)/(11)/(12) النظام التربوي في الإسلام ــ باقر شريف القرشي.
(13) أفول الثقافة ــ إبراهيم بدران