إيمان أحمد ونوس
01-05-2008, 11:39 AM
نحن.... والآخر
برأي ابن خلدون، أن التقليد هو خضوع الضعيف للقوي.
إن هذه الفكرة أو المقولة صحيحة، مع أنها مفيدة وإيجابية في حال أخذنا ممن نقلدهم الأشياء الجميلة والجيدة، لنصقل بها شخصيتنا ونضيف لمعارفنا أشياء نجهلها تغذي الروح والفكر، وتجعل الحياة زمناً رائعاً غنياً بالعلوم والآداب والمعرفة.
لكن هذا التقليد ذاته مُضر، وربما قاتل، إذا استحوذنا على سلبيات من نقلده، لأنه والحالة هكذا، يمون تعبيراً عن نقص في التفكير والشخصية، خصوصاً إذا اتخذ منحىً سلبياً. أيَ السعي وراء الاحتياجات الخالية من كل معنى روحي أو فكري. حيث يكون التابع أو المقلِد هنا لا يرى في الآخر إلاَ الكمال الذي يفتقده، دون محاولة منه في أن يكون هو الفاعل لا المنفعل، أو أن يكون المعطي لا المتلقي دائماً ولكل شيء، مغفلاً أو متناسياً دور العقل والتفكير والإبداع لديه، مستسلماً وبخمول لأية حالة تأتيه.
وللأسف، هذا هو حالنا في المجتمعات النامية والعربية، متناسين ومغفلين الدور الذي لعبه أجدادنا على مدى عصور، وفي كافة العلوم. ألم يكن أجدادنا يوماً هم شعلة الحضارة الإنسانية بكافة جوانبها وعلومها...؟ ألم يكن الشرق يوماً منارة العالم حيث ظلمة العصور الوسطى....؟
فكيف أُنير الغرب، وبدأت نجومنا تأفل رويداً رويداً، حتى انطفأت وخبا وهجها...؟؟؟
أعتقد، أننا وبحكم ظروف كثيرة موضوعية وذاتية، استسلمنا للركود والخنوع الفكري وحتى الروحي. حيث جثمت تركيا على أرضنا وفكرنا أربعة قرون، حملت لنا تخلفها الفكري والإنساني، وطبعتنا بطابعها بحجة الدين وحمايته، معتمدة على مسؤولين أكثر تخلفاً وطمعاً بالمناصب والثروة. حيث طغى العامل الذاتي على الموضوعي، وانشغل الشرق بالسلطة، وأصبح اللهاث وراءها قمة الطموح، حتى محت كل ما يمكن أن يدفع بشرقنا للسيادة العلمية والفكرية والإنسانية بدل كرسي الحكم ومؤامراته.
وهكذا جيلاً وراء جيل، حتى أصبحت السلطة سمة عامة لهذا الشرق الذي يجب أن يكون كاسمه مشرقاً دائماً كما كان.
هل ننسى كيف باع خديوي مصر- محمد سعيد- قناة السويس لفرنسا عام/1854م/ ولمدة/99/ سنة..؟؟! أليس هذا تنازلاً عن الوطن مقابل كرسي الحكم وإغراءاته...؟
وهان، فإن الشيء بالشيء يُذكر، فقناة السويس إلى يومنا هذا ما زالت تُنسب فكرتها للغرب، في الوقت الذي فكَر فيها العرب ونفذوها قبل الغرب بكثير. فقد حُفرت أول مرة في عهد الفرعون/ سيزوستريس الثالث/ في الألف الثاني قبل الميلاد، ثمَ رُدِمت حتى جاء/عمرو بن العاص/ وفتحها باسم خليج أمير المؤمنين في عهد الخليفة/ عمر بن الخطاب/ وبقيت مستعملة حتى عام/770م/ عندما قام أبو جعفر المنصور بردمها ليعرقل هروب الثائرين في الحجاز.
وهناك العديد والعديد من الأمثلة على تفوق الشرق والعرب، والآن يُنسَب قسم كبير من هذا التفوق والاكتشافات للغرب.
فمثلاً، اختراع القلم الذي أحدث ثورة في عالم الكتابة والفكر، فقد فكر فيه الخليفة الفاطمي/ المعز لدين الله/ إذ فكر بأن يكون هناك قلماً يحوي مستودعاً للحبر يريح مستعمليه عناء وضع الريشة بالمحبرة، وهذا طبعاً قبل أن يخترعه الغربي
/ ريترنغ/ . وكثيرة هي العلوم والاختراعات التي خُلِقَت أصلاً في الشرق، ونُسبت فيما بعد للغرب. يكفينا أن /حمورابي/ هو أبو التشريع والقانون في العالم، ونحن الآن نستمد قوانيننا وتشريعاتنا المدنية من الغرب.
وفي مجال الرياضيات، ألم يأخذ الغرب بعلوم الخوارزمي في وضع اللغاريتمات..؟ وألم يكن العرب هم من أوجد الصفر الذي يحمل قيمة عظيمة في عالم الرياضيات والحساب...؟؟؟
الدورة الدموية الكبرى، ألم يكتشفها العالم/هارفي/ بعد أن وضع/ ابن النفيس/ أسس الدورة الدموية الصغرى...؟ وألم يكتشف/ الزهراوي/ الخيط الخاص بالعمليات الجراحية...؟ وأيضاً / ابن الهيثم/ في عالم البصريات..؟
وحتى يومنا هذا، عندما ينبغ عالم عربي يدرس في الغرب، تُبذل كل الجهود وتُقدم جميع المغريات لأجل بقائه هناك حتى لا يفيد بعلمه ودراسته( وطنه) ويبقى حكراً لهم... وحتى وطنه للأسف لا يقدم له الإمكانيات اللازمة ليعمل بما نبغ فيه!!!!
وبعد كل هذا، ركن الشرق واسترخى في أحضان الغرب... فأصبح متلقياً لأيَ شيء يردنا منه، حتى لو كان تافهاً وفيه دمارنا وخراب عقول ناشئتنا. متلقون لكل ما تبثه الفضائيات، ناسين أو متناسين أن لهذه الفضائيات أهدافاً بعيدة المدى في إخماد الحس الإنساني والأخلاقي والانتماء لدينا، وإبعادنا عن كل ماله علاقة بالفكر والمعرفة والقضية الأساسية في صراعنا مع الغرب على أنه صراع وجود إنساني وحضاري يوَد الغرب إزالته من الوجود. لأن هذا الشرق إن استفاق يوماً ونهض، سيجعل الغرب يعرف ماهيته وأسسه وأنه تشكل في جزء من مراحله على أكتاف شرقنا العتيد.
لذلك تعمل هذه الفضائيات جاهدة في أن تبث لنا كل ما يُغري وما هو تافه( كالصرعات الموسيقية، الأزياء، المسابقات، السباقات، والصرعات الخلاعية)والتي لا تحمل في طياتها إلاَ الفساد والاستهتار، حتى أصبح ناشئتنا يعرفون كل شيء عن مايكل جاكسون وسواه من تلك الصرعات أكثر مما يعرفون أنفسهم، منغمسون في تقليد المغني الفلاني، وقصة الشعر والملبس، و.........الخ
أتمنى لو أن هذا الجيل يعرف شيئاً عن العلوم والآداب الإنسانية الغربية... حكماً هو لا يعرف عنها شيئاً ، إنه يعرف فقط ما يجعله راقصاً حتى في أشد لحظات الحزن والمصيبة كما هو الآن في العراق وفلسطين وأفغانستان وغيرها الكثير من المصائب والمحن التي قد تجتاح المجتمعات. حتى ليُصاب المرء بخيبة الأمل واليأس عندما يرى شاباً عربياً وفلسطينياً تحديداً لا يعرف أعلام أدبه ورموز ثوراته ومقاومته، ولا يعرف أحداثاً هامة معاصرة تتعلق بقضيته، بينما نراه وهو مشارك في أحد برامج المسابقات في ذروة الموضة والتطور خارجيَ المظهر.
أفلا يخطط الغرب من خلال فضائياته للوصول بأجيالنا لهذا الوضع الذي يفيض أسىً وضياعاً...؟؟؟
في ذات الوقت أتساءل، ماذا يأخذ الشباب الغربي منَا، إلاَ زيَنَا ليرمز به إلى الغباء والتخلف( العقال والكوفية والجلابية) ؟؟هل درجت أزياؤنا في الغرب وارتداها شبابهم...؟؟!! هل تعلموا رقصاتنا ودبكاتنا...؟ هل عرفوا أعلام أدبنا...؟ بالطبع لا إلاَ فيما ندر، ومن الدارسين حصراً، لأنهم لا يعرفون عنَا إلاَ أننا بدو نسكن الخيام ونركب الجمل، لذا لا تهمهم مشاكلنا وقضايانا... فمن المسؤول عن كل هذا....؟ وهل صدقت مقولة ابن خلدون بأن التقليد هو شعور الضعيف تجاه القوي..؟
المسؤول هو ذاتنا الخانعة والمستكينة المتلقية والمنفعلة بكل ما هو آتٍ... المسؤول هو إعلامنا بوسائله المتعددة، والذي هو أيضاً متلقي.. إعلامنا منفعل لا فاعل. فعلى الصعيد الإخباري، نجد أن هذا الإعلام ودائماً يأتي بأخباره نقلاً عن وكالات الأنباء العالمية المتعددة الأغراض والأهداف، والتي بمعظمها مخصصة لخدمة الغرب، وبالأخص خدمة الصهيونية والماسونية. نرى إعلامنا يأتينا بالخبر مُصاغاً كما تريده تلك الوكالات، ويُبَث دون التفكير بصياغة مصطلحاته أحياناً، وما تحويه هذه المصطلحات من معانٍ قد تُضِر بقضايانا، وتؤثر على فكرنا ومفهوم بعضنا لهذا الحدث أو ذاك، وكأننا لسنا معنيين بأخبارنا وكيف يجب أن نتوجه بها للعالم كي يعي ويُدرك ماهية قضايانا ومشاكلنا، مُغفلين أن الإعلام سلاح خطير في فعَليته أكثر من أي سلاح نووي، فنتركه في أكثر خصوصياتنا بأيدي الغرب ووكالات أنبائه، يتلاعب بصياغتها كيفما يشاء، بل ونزيد على ذلك أننا نتلقف وبشغف كل ما يورده لنا من برامج وأخبار وأفلام، فنخصص من وقت محطاتنا الإذاعية والتلفزيونية لهذه البرامج والصرعات ما يفوق على ما نخصصه لثقافتنا وتراثنا وأدبنا، لنكون بذلك في قمة التطور والرقي والمتابعة لكل ما هو جديد إن كان في عالم السينما أو الأخبار أو غيرها...!!! وتتسابق محطاتنا وقنواتنا في عرض برامج عن السينما الغربية وآخر أفلامها وتاريخها ومهرجاناتها، حتى بتنا نعرف مخرجي وممثلي ومغني الغرب أكثر مما نعرف عن سينمانا ونجومنا في كافة المجالات...!!!!!!!!
وهنا لدي تساؤل.. هل يهتم الغرب وإعلامه بتراثنا وحضارتنا وثقافتنا وفنوننا كما نحتفي نحن بهم...؟؟؟
هل تُعرض أفلامنا في صالاتهم ويتهافت عليها جمهورهم كما عندنا...؟؟
هل تدخل أفلامنا في إطار مهرجاناتهم العالمية الضخمة...؟ وإن دخلت، هل تحصل على إحدى الجوائز..؟
ماذا يعرفون عن أبي خليل القباني، جورج أبيض وغيرهما من الرواد في عالم المسرح العربي..؟ هل يعترفون بسعد الله ونوس، والذي كان مرشحاً لجائزة نوبل..؟
هل يعرفون سينمانا الجادة وأعلامها ورائديها كيوسف شاهين وعبد اللطيف عبد الحميد ونبيل المالح كما نعرف نحن شارلي شابلن ومارلين مونرو..؟
ماذا يعرفون عن أعلام أدبنا..؟ هل يُدرس توفيق الحكيم وطه حسين ومحمود درويش في مناهجهم..؟ هل يعرفون زرياب وابراهيم الموصللي وسيد درويش كما نعرف نحن موزارت وباخ وتشايكوفسكي..؟؟ ولماذا لماذا..؟
لماذا لا نفكر نحن كشرق وكعرب كيف يمكن أن نفرض هويتنا وثقافتنا وتاريخنا على الغرب كما يفرض هو وجوده علينا وباختيارنا...؟؟؟ ألم نفكر بالكيفية التي تجعل لنا تواجداً فعًلاً على الخارطة السياسية والثقافية والإنسانية العالمية...؟؟
أنا لا أومن بصراع الحضارات، هذا المشروع المطروح منذ اعوام. بل أومن بتفاعل الحضارات وامتزاجها وتفاعلها كما كان سائداً على مدى عصور البشرية. لأنه وبهذا التفاعل تكون الإنسانية أكثر جمالاً ورقة وتفاؤلاً..
فلا وجود لصراع الحضارات، وإنما الصراع هو صراع وجود وهوية، والأقوى هو المنتصر.
أنا لست ضد التطور والرقي، بل على العكس، علينا معرفة الآخر معرفة عميقة وواضحة كي نعرف كيف نتعامل معه، شريطة أن يكون هناك تكافؤاً في هذه المعرفة، بحيث يعرفني بمقدار ما أعرفه، وكما أريده أن يعرفني، لا كما يريد أن هو أن يعرفني ويُعرِف بي.
لا أستطيع أن أنفي كم أفادتنا الاكتشافات العلمية الفضائية ومعرفة النظام الكوني، ولا غيرهما من الاكتشافات العلمية الرائعة والمفيدة للإنسانية عامة. وأنا لا أنادي بأن ننغلق على ذاتنا دون تفاعل مع العلم وجديده.. لكن علينا أن نفكر بالتبادل والتفاعل، فكما هم – نحن-
وعندما يفكرون بغزونا وبكافة المجالات، علينا أيضاً أن نفكر كيف نواجه هذا الغزو على الأقل لتوضيح هويتنا وهمومنا، ولنشرح قضايانا الحساسة، وهي قضية وجودنا كأمة وشعب فعَال لا منفعل فقط. وعندنا قضايانا المصيرية والتي خلقوها هم لنا، وابتُلينا فيها( إسرائيل) والتي تستنزف كل طاقاتنا المادية والمعنوية والبشرية، وحتى الفكرية، لتجعلنا مقيدين في إطارها.
فلماذا نعطيهم الريادة والتفوق لفرض حضارتهم وثقافتهم علينا وبأموالنا نحن. أموالنا التي نضعها في بنوكهم ومصارفهم لاستثمارها بدل أن نستثمرها نحن لأجل تحسين معيشتنا ورفع مستوى دخلنا، بحيث نستطيع شراء كتاب واحد في العام، لا أن نمتنع عن ذلك لقاء لقمة العيش.
لذا، أين نحن من الآخر والذي نعرف عنه كل شيء، وهو لا يعرف ولا يريد أن يعرف عنَا إلاَ ما يهم مصلحته، ولا يعرف إلاَ أين تتركز ثرواتنا الباطنية وكيفية استغلالها، وكيفية السيطرة عليها وعلى حكوماتها. ولا يعرف إلاَ كيف يهمشنا ويجعلنا كماً تائهاً لا يستطيع التفكير بذاته ومشاكله.
لا يعرف هذا الآخر إلاَ كيف يخلق لنا الحجج والذرائع لاحتلالنا ومن جديد بأشكال متعددة غير تقليدية وحتى تقليدية كما في العراق، كي يغتصب خيراتنا البشرية والطبيعية والفكرية، وبذريعة العولمة. ليعود الظرف الموضوعي الأكثر تأثيراً على تقدمنا وتطورنا واللحاق بركب التطور العلمي والثقافي والسياسي بحرية وديموقراطية حقيقية.
برأي ابن خلدون، أن التقليد هو خضوع الضعيف للقوي.
إن هذه الفكرة أو المقولة صحيحة، مع أنها مفيدة وإيجابية في حال أخذنا ممن نقلدهم الأشياء الجميلة والجيدة، لنصقل بها شخصيتنا ونضيف لمعارفنا أشياء نجهلها تغذي الروح والفكر، وتجعل الحياة زمناً رائعاً غنياً بالعلوم والآداب والمعرفة.
لكن هذا التقليد ذاته مُضر، وربما قاتل، إذا استحوذنا على سلبيات من نقلده، لأنه والحالة هكذا، يمون تعبيراً عن نقص في التفكير والشخصية، خصوصاً إذا اتخذ منحىً سلبياً. أيَ السعي وراء الاحتياجات الخالية من كل معنى روحي أو فكري. حيث يكون التابع أو المقلِد هنا لا يرى في الآخر إلاَ الكمال الذي يفتقده، دون محاولة منه في أن يكون هو الفاعل لا المنفعل، أو أن يكون المعطي لا المتلقي دائماً ولكل شيء، مغفلاً أو متناسياً دور العقل والتفكير والإبداع لديه، مستسلماً وبخمول لأية حالة تأتيه.
وللأسف، هذا هو حالنا في المجتمعات النامية والعربية، متناسين ومغفلين الدور الذي لعبه أجدادنا على مدى عصور، وفي كافة العلوم. ألم يكن أجدادنا يوماً هم شعلة الحضارة الإنسانية بكافة جوانبها وعلومها...؟ ألم يكن الشرق يوماً منارة العالم حيث ظلمة العصور الوسطى....؟
فكيف أُنير الغرب، وبدأت نجومنا تأفل رويداً رويداً، حتى انطفأت وخبا وهجها...؟؟؟
أعتقد، أننا وبحكم ظروف كثيرة موضوعية وذاتية، استسلمنا للركود والخنوع الفكري وحتى الروحي. حيث جثمت تركيا على أرضنا وفكرنا أربعة قرون، حملت لنا تخلفها الفكري والإنساني، وطبعتنا بطابعها بحجة الدين وحمايته، معتمدة على مسؤولين أكثر تخلفاً وطمعاً بالمناصب والثروة. حيث طغى العامل الذاتي على الموضوعي، وانشغل الشرق بالسلطة، وأصبح اللهاث وراءها قمة الطموح، حتى محت كل ما يمكن أن يدفع بشرقنا للسيادة العلمية والفكرية والإنسانية بدل كرسي الحكم ومؤامراته.
وهكذا جيلاً وراء جيل، حتى أصبحت السلطة سمة عامة لهذا الشرق الذي يجب أن يكون كاسمه مشرقاً دائماً كما كان.
هل ننسى كيف باع خديوي مصر- محمد سعيد- قناة السويس لفرنسا عام/1854م/ ولمدة/99/ سنة..؟؟! أليس هذا تنازلاً عن الوطن مقابل كرسي الحكم وإغراءاته...؟
وهان، فإن الشيء بالشيء يُذكر، فقناة السويس إلى يومنا هذا ما زالت تُنسب فكرتها للغرب، في الوقت الذي فكَر فيها العرب ونفذوها قبل الغرب بكثير. فقد حُفرت أول مرة في عهد الفرعون/ سيزوستريس الثالث/ في الألف الثاني قبل الميلاد، ثمَ رُدِمت حتى جاء/عمرو بن العاص/ وفتحها باسم خليج أمير المؤمنين في عهد الخليفة/ عمر بن الخطاب/ وبقيت مستعملة حتى عام/770م/ عندما قام أبو جعفر المنصور بردمها ليعرقل هروب الثائرين في الحجاز.
وهناك العديد والعديد من الأمثلة على تفوق الشرق والعرب، والآن يُنسَب قسم كبير من هذا التفوق والاكتشافات للغرب.
فمثلاً، اختراع القلم الذي أحدث ثورة في عالم الكتابة والفكر، فقد فكر فيه الخليفة الفاطمي/ المعز لدين الله/ إذ فكر بأن يكون هناك قلماً يحوي مستودعاً للحبر يريح مستعمليه عناء وضع الريشة بالمحبرة، وهذا طبعاً قبل أن يخترعه الغربي
/ ريترنغ/ . وكثيرة هي العلوم والاختراعات التي خُلِقَت أصلاً في الشرق، ونُسبت فيما بعد للغرب. يكفينا أن /حمورابي/ هو أبو التشريع والقانون في العالم، ونحن الآن نستمد قوانيننا وتشريعاتنا المدنية من الغرب.
وفي مجال الرياضيات، ألم يأخذ الغرب بعلوم الخوارزمي في وضع اللغاريتمات..؟ وألم يكن العرب هم من أوجد الصفر الذي يحمل قيمة عظيمة في عالم الرياضيات والحساب...؟؟؟
الدورة الدموية الكبرى، ألم يكتشفها العالم/هارفي/ بعد أن وضع/ ابن النفيس/ أسس الدورة الدموية الصغرى...؟ وألم يكتشف/ الزهراوي/ الخيط الخاص بالعمليات الجراحية...؟ وأيضاً / ابن الهيثم/ في عالم البصريات..؟
وحتى يومنا هذا، عندما ينبغ عالم عربي يدرس في الغرب، تُبذل كل الجهود وتُقدم جميع المغريات لأجل بقائه هناك حتى لا يفيد بعلمه ودراسته( وطنه) ويبقى حكراً لهم... وحتى وطنه للأسف لا يقدم له الإمكانيات اللازمة ليعمل بما نبغ فيه!!!!
وبعد كل هذا، ركن الشرق واسترخى في أحضان الغرب... فأصبح متلقياً لأيَ شيء يردنا منه، حتى لو كان تافهاً وفيه دمارنا وخراب عقول ناشئتنا. متلقون لكل ما تبثه الفضائيات، ناسين أو متناسين أن لهذه الفضائيات أهدافاً بعيدة المدى في إخماد الحس الإنساني والأخلاقي والانتماء لدينا، وإبعادنا عن كل ماله علاقة بالفكر والمعرفة والقضية الأساسية في صراعنا مع الغرب على أنه صراع وجود إنساني وحضاري يوَد الغرب إزالته من الوجود. لأن هذا الشرق إن استفاق يوماً ونهض، سيجعل الغرب يعرف ماهيته وأسسه وأنه تشكل في جزء من مراحله على أكتاف شرقنا العتيد.
لذلك تعمل هذه الفضائيات جاهدة في أن تبث لنا كل ما يُغري وما هو تافه( كالصرعات الموسيقية، الأزياء، المسابقات، السباقات، والصرعات الخلاعية)والتي لا تحمل في طياتها إلاَ الفساد والاستهتار، حتى أصبح ناشئتنا يعرفون كل شيء عن مايكل جاكسون وسواه من تلك الصرعات أكثر مما يعرفون أنفسهم، منغمسون في تقليد المغني الفلاني، وقصة الشعر والملبس، و.........الخ
أتمنى لو أن هذا الجيل يعرف شيئاً عن العلوم والآداب الإنسانية الغربية... حكماً هو لا يعرف عنها شيئاً ، إنه يعرف فقط ما يجعله راقصاً حتى في أشد لحظات الحزن والمصيبة كما هو الآن في العراق وفلسطين وأفغانستان وغيرها الكثير من المصائب والمحن التي قد تجتاح المجتمعات. حتى ليُصاب المرء بخيبة الأمل واليأس عندما يرى شاباً عربياً وفلسطينياً تحديداً لا يعرف أعلام أدبه ورموز ثوراته ومقاومته، ولا يعرف أحداثاً هامة معاصرة تتعلق بقضيته، بينما نراه وهو مشارك في أحد برامج المسابقات في ذروة الموضة والتطور خارجيَ المظهر.
أفلا يخطط الغرب من خلال فضائياته للوصول بأجيالنا لهذا الوضع الذي يفيض أسىً وضياعاً...؟؟؟
في ذات الوقت أتساءل، ماذا يأخذ الشباب الغربي منَا، إلاَ زيَنَا ليرمز به إلى الغباء والتخلف( العقال والكوفية والجلابية) ؟؟هل درجت أزياؤنا في الغرب وارتداها شبابهم...؟؟!! هل تعلموا رقصاتنا ودبكاتنا...؟ هل عرفوا أعلام أدبنا...؟ بالطبع لا إلاَ فيما ندر، ومن الدارسين حصراً، لأنهم لا يعرفون عنَا إلاَ أننا بدو نسكن الخيام ونركب الجمل، لذا لا تهمهم مشاكلنا وقضايانا... فمن المسؤول عن كل هذا....؟ وهل صدقت مقولة ابن خلدون بأن التقليد هو شعور الضعيف تجاه القوي..؟
المسؤول هو ذاتنا الخانعة والمستكينة المتلقية والمنفعلة بكل ما هو آتٍ... المسؤول هو إعلامنا بوسائله المتعددة، والذي هو أيضاً متلقي.. إعلامنا منفعل لا فاعل. فعلى الصعيد الإخباري، نجد أن هذا الإعلام ودائماً يأتي بأخباره نقلاً عن وكالات الأنباء العالمية المتعددة الأغراض والأهداف، والتي بمعظمها مخصصة لخدمة الغرب، وبالأخص خدمة الصهيونية والماسونية. نرى إعلامنا يأتينا بالخبر مُصاغاً كما تريده تلك الوكالات، ويُبَث دون التفكير بصياغة مصطلحاته أحياناً، وما تحويه هذه المصطلحات من معانٍ قد تُضِر بقضايانا، وتؤثر على فكرنا ومفهوم بعضنا لهذا الحدث أو ذاك، وكأننا لسنا معنيين بأخبارنا وكيف يجب أن نتوجه بها للعالم كي يعي ويُدرك ماهية قضايانا ومشاكلنا، مُغفلين أن الإعلام سلاح خطير في فعَليته أكثر من أي سلاح نووي، فنتركه في أكثر خصوصياتنا بأيدي الغرب ووكالات أنبائه، يتلاعب بصياغتها كيفما يشاء، بل ونزيد على ذلك أننا نتلقف وبشغف كل ما يورده لنا من برامج وأخبار وأفلام، فنخصص من وقت محطاتنا الإذاعية والتلفزيونية لهذه البرامج والصرعات ما يفوق على ما نخصصه لثقافتنا وتراثنا وأدبنا، لنكون بذلك في قمة التطور والرقي والمتابعة لكل ما هو جديد إن كان في عالم السينما أو الأخبار أو غيرها...!!! وتتسابق محطاتنا وقنواتنا في عرض برامج عن السينما الغربية وآخر أفلامها وتاريخها ومهرجاناتها، حتى بتنا نعرف مخرجي وممثلي ومغني الغرب أكثر مما نعرف عن سينمانا ونجومنا في كافة المجالات...!!!!!!!!
وهنا لدي تساؤل.. هل يهتم الغرب وإعلامه بتراثنا وحضارتنا وثقافتنا وفنوننا كما نحتفي نحن بهم...؟؟؟
هل تُعرض أفلامنا في صالاتهم ويتهافت عليها جمهورهم كما عندنا...؟؟
هل تدخل أفلامنا في إطار مهرجاناتهم العالمية الضخمة...؟ وإن دخلت، هل تحصل على إحدى الجوائز..؟
ماذا يعرفون عن أبي خليل القباني، جورج أبيض وغيرهما من الرواد في عالم المسرح العربي..؟ هل يعترفون بسعد الله ونوس، والذي كان مرشحاً لجائزة نوبل..؟
هل يعرفون سينمانا الجادة وأعلامها ورائديها كيوسف شاهين وعبد اللطيف عبد الحميد ونبيل المالح كما نعرف نحن شارلي شابلن ومارلين مونرو..؟
ماذا يعرفون عن أعلام أدبنا..؟ هل يُدرس توفيق الحكيم وطه حسين ومحمود درويش في مناهجهم..؟ هل يعرفون زرياب وابراهيم الموصللي وسيد درويش كما نعرف نحن موزارت وباخ وتشايكوفسكي..؟؟ ولماذا لماذا..؟
لماذا لا نفكر نحن كشرق وكعرب كيف يمكن أن نفرض هويتنا وثقافتنا وتاريخنا على الغرب كما يفرض هو وجوده علينا وباختيارنا...؟؟؟ ألم نفكر بالكيفية التي تجعل لنا تواجداً فعًلاً على الخارطة السياسية والثقافية والإنسانية العالمية...؟؟
أنا لا أومن بصراع الحضارات، هذا المشروع المطروح منذ اعوام. بل أومن بتفاعل الحضارات وامتزاجها وتفاعلها كما كان سائداً على مدى عصور البشرية. لأنه وبهذا التفاعل تكون الإنسانية أكثر جمالاً ورقة وتفاؤلاً..
فلا وجود لصراع الحضارات، وإنما الصراع هو صراع وجود وهوية، والأقوى هو المنتصر.
أنا لست ضد التطور والرقي، بل على العكس، علينا معرفة الآخر معرفة عميقة وواضحة كي نعرف كيف نتعامل معه، شريطة أن يكون هناك تكافؤاً في هذه المعرفة، بحيث يعرفني بمقدار ما أعرفه، وكما أريده أن يعرفني، لا كما يريد أن هو أن يعرفني ويُعرِف بي.
لا أستطيع أن أنفي كم أفادتنا الاكتشافات العلمية الفضائية ومعرفة النظام الكوني، ولا غيرهما من الاكتشافات العلمية الرائعة والمفيدة للإنسانية عامة. وأنا لا أنادي بأن ننغلق على ذاتنا دون تفاعل مع العلم وجديده.. لكن علينا أن نفكر بالتبادل والتفاعل، فكما هم – نحن-
وعندما يفكرون بغزونا وبكافة المجالات، علينا أيضاً أن نفكر كيف نواجه هذا الغزو على الأقل لتوضيح هويتنا وهمومنا، ولنشرح قضايانا الحساسة، وهي قضية وجودنا كأمة وشعب فعَال لا منفعل فقط. وعندنا قضايانا المصيرية والتي خلقوها هم لنا، وابتُلينا فيها( إسرائيل) والتي تستنزف كل طاقاتنا المادية والمعنوية والبشرية، وحتى الفكرية، لتجعلنا مقيدين في إطارها.
فلماذا نعطيهم الريادة والتفوق لفرض حضارتهم وثقافتهم علينا وبأموالنا نحن. أموالنا التي نضعها في بنوكهم ومصارفهم لاستثمارها بدل أن نستثمرها نحن لأجل تحسين معيشتنا ورفع مستوى دخلنا، بحيث نستطيع شراء كتاب واحد في العام، لا أن نمتنع عن ذلك لقاء لقمة العيش.
لذا، أين نحن من الآخر والذي نعرف عنه كل شيء، وهو لا يعرف ولا يريد أن يعرف عنَا إلاَ ما يهم مصلحته، ولا يعرف إلاَ أين تتركز ثرواتنا الباطنية وكيفية استغلالها، وكيفية السيطرة عليها وعلى حكوماتها. ولا يعرف إلاَ كيف يهمشنا ويجعلنا كماً تائهاً لا يستطيع التفكير بذاته ومشاكله.
لا يعرف هذا الآخر إلاَ كيف يخلق لنا الحجج والذرائع لاحتلالنا ومن جديد بأشكال متعددة غير تقليدية وحتى تقليدية كما في العراق، كي يغتصب خيراتنا البشرية والطبيعية والفكرية، وبذريعة العولمة. ليعود الظرف الموضوعي الأكثر تأثيراً على تقدمنا وتطورنا واللحاق بركب التطور العلمي والثقافي والسياسي بحرية وديموقراطية حقيقية.