منذر رشيد
29-04-2008, 11:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
لماذا لا تكون(( أ ُمي )) مسؤول ملف المفاوضات ..! ؟
بقلم : منذر ارشيد
أضعنا فرصتين الأولى في عهد العجوز الصهيونية (( جولدمائير)) التي لم تجد امرأة عربية حديدية تفاوضها فخًسرَنا المفاوضون الرجال الوطن ، ويا ليتهم استعانوا بجدتي لأمي (الحاجة أنيسة ) فهي أوعى وأكثر حنكة
من كثيرٍ من الرجال لمواجهة سيدة مثلها لأنها على الأقل " لو قبلتها لكانت قُبلتها بريئة وبلا ثمن يُذكر.!
فقد كانت سيدة أهل حارة (الخمرة) في هادار الكرمل وكانت تحل مشاكل الناس عربا ويهوداً وخاصة النساء منهن لقدرتها وقوة شخصيتها وحنكتها
والفرصة الثانية في أيامنا الحالية و السيدة الحسناء(( ليفني)) يحاورها اعتى الرجال في المجال السياسي دون فائدة رغم وجود امراة شبيهة بجدتي الحاجة أنيسة والتي هي أمي الحبيبة " ورغم انها لا تمتلك قدرات جدتي أنيسة " ولكنها تمتلك رؤيا ثاقبة وخاصة في كيفية التعامل مع العقلية اليهودية .
.............
ربما يعتقد البعض انني أطلق نكته أو أهروجة سخيفة لأعبيء بها صفحة تحت هذا العنوان السخيف "ولكني أوأكد انها ليست كذلك وكل من سيتابع حتى النهاية سيعرف قيمة هذا الموضوع الطويل وأقول للأخ الراوي
صبراً ....فأنك لن تستطيع معي صبرا الا اذا انتظرت نهاية القصة.........
.................
الحديث هذا جاء نتيجة لقرائتي لموضوع كتبه الأخ سعيد موسى تحت عنوان ....
( وهم التهدئة السلمية في ظل الثوابت الصهيونية ) وهو موضوع كبير وعميق لمحلل سياسي بارع تحدث به عن الوهم الذي يعيشه اكثرنا حول امكانية قبولنا من قبل اسرائيل كشركاء وجيران في سلام دائم ..... ) وقد لفت انتباهي هذه الفقرة التي ذكرتها لي والدتي مرتين مرة بعد نكسة حزيران ومرة ثانية بعد(( وكسة أوسلو) حيث قالت بالحرف الواحد في المرة الثانة نفس النص وبالحرف الذي ذكرته في مقالته
وأقتبس منه .....
((وبلغة خاطفة بادر بيريز بالقول:هم العرب يطلبون منا الاعتراف بالفلسطينيين ككيان فلماذا لا نعترف بهم وندعوهم للعيش معنا ففي هذه الحالة سيكون أعداءنا أمام أعيننا ويمكن التخلص منهم يوم أن نقرر ذلك بطائرة اسرائلية واحدة لتنتهي في لحظة آلامنا))...انتهى الأقتباس
هذه العبارة التي ملخصها يعني لنا الكثير والذي لا يريد البعض أن يقتنع به" وهم أكثر الناس وعيا وثقافة ً وحنكة سياسية
وهو ذلك الأمر الذي أدركته أمي ومنذ زمن بعيد " ولا ادري ما هي أسباب أمي التي بلغت الثمانين عاما أو ما يزيد والتي ما زالت تصرُ بأن لا أمل مع بني صهيون في ان يعيدوا لنا شبراًً من حقوقنا .
..................
أمي يا سعيد ولدت في حيفا ونمت وترعرعت فيها الى أن تزوجت بوالدي وتركت حيفا ولم تتجاوز العشرون عاما
لا أدري كيف درست عقلية بني اسرائيل رغم صغر سنها .!
ولكن وحسب الرواية الحقيقية والتي سمعتها من جدتي رحمها الله فان أُمي كانت تتمتع بقوة الأرادة وسرعة الملاحظة وحفظ أي شيء تراه ولو لمرة واحدة .! ولا ادري أهوَ بسبب القطار الذي عاشت فيه طفولتها حيث كان جدي ساق قطار على الخط الحديدي الحجازي الذي كان ينطلق من دمشق مسقط رأسه مروراً بحيفا للوصل الى أراضي الحجاز وقد استقر جدي في حيفا بعد أن تزوج من جدتي الحيفاوية الآنسة ((أنيسة)) طيبة الذكر
وبما أن جدي كان يمضي معظم وقته في القطار الذي كانت تستغرق رحلته أحياناً الشهر أو ما يزيد فقد كان لزاما ً عليه وحسب الظروف تلك الأيام أن يصطحب زوجته معه حيث خُصص له فرجون (( غرفة في القطار))
تتذكر امي القطار وكأنه جزء من حياتها وروت لنا حكايات كثيرة منها جميلة ومنها مؤلمة لما كان يتعرض له القطار من مصاعب أثناء رحلته الشاقة من خلال عصابات النهب وقطاع الطرق
طبعاً لم يمضوا حياتهم في القطار لأن والد جدتي لم يقبل لأبنته هذه الحياة القاسية فأهداها قطعة ارض
وحسب الرواية فهي التي اشرفت على بناء البيت على سفح الهادار في الكرمل من الأساس حتى آخر سقف" وقد بدأته بغرفتين مع شح الأمكانيات بدايةً حتى ازداد وارتفع وتعاظم الى أن وصل الى اربعة طبقات " تقول والدتي وهو حديث كنت قد سمعته من جدي وجدتي بعد أن وعيت على الدنيا بأن عائلات يهودية جائت وسكنت في احدى شقق البيت وهو امر عادي في تلك الفترة فكلهم كانوا مواطنين حيث لم يكونوا يشعرون بالفرق الا بفرق واحد بان اليهود شعب مسكين خائف مقهور ومنهم من جاء الى فلسطين طلباً للحماية من أضطهاد النازي
فوجدوا ا في شعب فلسطين الأمان والأطمئنان لما يمتلكون من طيبة وكرم وأنسانية
بيت جدي المكون من اربعة طبقات سكنت فيه عائلتان يهوديتان من أصل عراقي وحسب ما حدثتني انها كانت في المدرسة ولها زميلات من بني صهيون وهي دائما تذكر صديقتها ((زهافا)) التي كانت الأبنة المدللة لهذه العائلة والتي توثقت علاقتها بها حيث كانتا لا تفتراقان لا في المدرسة ولا في البيت
لقد تعرفت والدتي على طباع اليهود واتقنت لغتهم من خلال زهافا وغيرها من الأطفال الذين كانت تلهو وتلعب معهم في فناء البيت
ولكن الغريب في الأمر أن امي كيف عرفت عقلية اليهود وسياساتهم .! ولا أقتنع أنها عرفت كل هذا من خلال زهافا وغيرها من اليهوديات الصغيرات ....!
فكيف تكون عندها هذا التحليل السياسي لكل ما جرى بعد ذلك...!! وكيف قالت ما قالته وأنت يا سعيد تذكر في مقالتك تحت عنوان .( وهم التهدئة السلمية في ظل الثوابت الصهيونية ) وقد لفت انتباهي هذه الفقرة التي ذكرتها لي والدتي مرتين مرة بعد نكسة حزيران ومرة ثانية بعد(( وكسة أوسلو) حيث قالت بالحرف الواحد في المرة الثانة نفس النص وبالحرف الذي ذكرته في مقالتك وأقتبس
منه .....
وبلغة خاطفة بادر بيريز بالقول:هم العرب يطلبون منا الاعتراف بالفلسطينيين ككيان فلماذا لا نعترف بهم وندعوهم للعيش معنا ففي هذه الحالة سيكون أعداءنا أمام أعيننا ويمكن التخلص منهم يوم أن نقرر ذلك بطائرة اسرائلية واحدة لتنتهي في لحظة آلامنا...انتهى الأقتباس
أسمع يا سعيد ماذا قالت أمي في المرة الأولى واشهد الله على ذلك " وعندما أقول أشهد الله لأن الكلام أبلغ وأقوى من أن يصدقه أحد في هذه الأيام لأمراة ما كانت تعرف سوى الطبخ وحياكة الملابس وتربية الأطفال
وسأروي لك الرواية ...
كان والدي يحب عبد الناصر وأم كلثوم وأحمد سعيد " فكان عندما يكون هناك خطاب لعبد الناصر يعلن حالة الطواري في البيت فممنوع الكلام وينتهي حتى الخصام " كما يحدث عادة بين الأزواج" فاليوم يوم عيد وستتبعه أم كلثوم بالنشيد...وسيليهم بالصراخ أحمد سعيد " وكنا نحن الأولاد نلتف حول الوالد لحبنا له ولما يحب ، وأكثر ما كان يشدنا فرحه وكأنه كالطفل يصبح حينها رغم صرامته كعادته وناهيك عن الحلوى التي كان يجلبها للأحتفال بالمناسبة الناصرية
كنت الاحظ امتعاض أمي من هذا الكرنفال الذي يحصل في البيت وكلما كان والدي يصرخ ويقول ((الله أكبر)) أمام جملة يقولها عبد الناصر وخاصة عن فلسطين وتحريرها نهتف معه ويأخذ كل واحد منا في حضنه من شده الفرح " فتنظر أمي اليه وتقول ... يا حسرتي عليك انت مصدقه .! والله الي بدو يحارب ويحرر فلسطين ما بيحكي وأنا شايفا انه كله حكي وتخدير " فيقولها والدي... اسكتي انت شو بيفهمك...!! انت مش شايفة شو بيحضر سلاح وصواريخ وطائرات ..!! خلاص اسكتي اسكتي " ويا ويل أمي أن قالت...!!! وقد قالتها مرة ولم تعيدها قالت ...والله انه يكذب" قالتها عندما صرخ ناصر بأعلى صوته
قائلاً........
(بنقول لأسرائيل أننا مش حنرميهم البحر،بسِ يجَهزواالبواخراللي حَتِحمِلهمُ وترَجَعهم من البلاد الي جُم منها )
فقالت والدتي والله انك كذاب "ولو كان بدو يحارب ما بيقول هالكلام وبشتغل على السكت مثل اليهود ما بيعملوا"! اتعرف يا سعيد ماذا فعل معها والدي ...!!!! خليها مستورة
مرت السنوات يا سعيد وكان يوم الخامس من حزيران وكنت حينها فتىً يافعا والحماسة أخذت مني مأخذها فاندفعت مع أقراني وأصدقائي من الشباب والفتيان الى المقاطعة لنطلب السلاح ونحن نهلل ونكبر مع سماع أخبار الحرب وأحمد سعيد يقول (تجوع يا سمك ويعلن عن سقوط عشرة طائرات عشرون ثلاثون من طائرات العدو .....
كانت والدتي تركض ورائي من شارع الى شارع وهي تقول لي ( ولك يا مجنون ارجع الى البيت يا يما وين رايح .! أنت مصدق هالحكي ..!! وحتى أنها صرخت وفي جمعة من الشباب وقالت: أنتم مصدقين أحمد سعيد ولكم اليهود محضرين حالهم على السكت وأحنا بنطبل للحرب واللي بيصير اليوم مصيبة كبيرة علينا
ولكم الطائرات الي راحت طائرات العرب " ولكم يا ناس هاي احنا صرنا بعد الظهر والأذاعة بتقول اسقطنا وتقدمت قواتنا .... طيب يا ريت" والله اني الا أزغرد "بس قولو لي أنتم شايفين طائرة عربية مرت من سمائنا " ولكم انظروا هاي طائرات فوقنا رايحة للشرق وهاجمة كلها عليها نجمة داود "
وما هزني أكثر وأشعرني بالحرج امام الناس أنها صرخت وقالت وهي تمسك خصلة من شعرها (بقص شعري أن انتصروا العرب )
لا أدري ما أصابني وأنا اهجم عليها ولأول مرة في حياتي أتجرأ على أمي ولو كان معي سلاح حينها لأطلقت عليها النار " قلت لها أنت طابور خامس " انت مش عربية " بكت امي وهي تحاول أن تمسكني وأنا اتفلت عليها وأصدقائي يمسكوني حتى أغشي علي من شدة القهر
ولم يمضي من الوقت بعدها سوى ساعة حتى بدأت الصورة تضح وأصبحت جنين تحت خط النار والقصف الأسرائيلي يلاحق فلولالجيش الأردني
وكان ما كان وما عاد والدي يستمع لعبد الناصر ولا لأحمد سعيد ولا حتى لأم كلثوم ولم أعد أعرف شيئاً عن حياة والدي حيث غادرت الوطن مع ركب الثورة والثوار وكانت رحلة الشتات الى ان عدنا مع قوات الأمن الوطني بعد 27 عاما ً
أتدري ما قالت أمي بعد دخولنا الى الوطن بعد اتفاق أوسلو....!
قالت ... يا حسرتي عليكم أدخلوكم الى المسلخ "
واليك القصة...
وصلت الى بلدتي جنين بعد 27 عاما من الأغتراب وقد اقيمت حفلة استقبال لي كبقية خلق الله مع العائدين
أمتلأت الدار بالمهنئين والمهنئآت وكان الرقص والغناء والزغاريد وأمي في حالة من الذهول والسرحان
انتبهت لها أحدى القريبات ممن غمرتهن الفرحة بعودتي فصرخت بوالدتي قائلة ...
مالك يا مرة شو جرى لك لماذا لا ترقصين الست فرحة بعودة ابنك .!
قالت امي : وعلى ماذا أرقص وعلى ماذا أفرح .! والله ما انتم عارفين شيء
اندهشت المرأة وانتبهت النسوة وساد صمت وأمي بدأت بالبكاء
قالوا لها : مالك يا حجة شو جرى لك هل جُنتِ ..!
قالت : جنت .! والله اني أعقل منكن وأنا بقدر فرحتي لعودته أني خائفة عليه وعلى كل هالشباب
يا خسارة راح تعبهم حيانه الله ...أنا بعرف اليهود أكثر منكن " والله ما وافقواعلى عودتهم الا حتى يخلصوا عليهم كيف لعاد .! ما هم ما قدروا يخلصوا عليهم وهم بعاد فجابوهم الى البلد حتى يبقوا تحت نظرهم ويصفوهم واحد واحد
وقفت مذهولاً أمام والدتي وقلت لها شو هالكلام اللي بتحيه يا امي ..!!!
فنظرت الي نظرة أشفاق وخوف وحنان وعانقتني ودموعها قد بللت وجهي وقالت....
أنت كنت راح تقتلني يوم ما قلت لك ان اليهود راح ينتصروا على جيوش العرب عام 67 واليوم انت مش مصدقني ويا ليت تقتلني الان حتى لا اشوف اليوم اللي راح يخلصوا عليكم فيه ...!!
انا اللي بعرفهم هؤلاء لا مبدأ لهم ولا عهد" انت ما بتعرف شو صار معي .! انا رحت لحيفا اتفقد البيت بيتنا يما بيتنا الي ولدت فيه " رحت بعد حرب ال67
بتعرف ان زهافا صديقتي استقبلتني بعناق وقبُل فظننت اني سادخل لأشم رائحة البيت اللي ولدت فيه
هل تعلم ما قالت لي ...قالت ممنوع تدخلي البيت وسمعت انك عندك بيت حلو وكبير في جنين
ديري بالك عليه وادهنيه كويس "لأننا راح نيجي ونوخذه لأن البلد بطلت توسعنا حبيبتي شوفي انا صار عندي اولاد كتييير
شايف يا يما هاي زهافا البنت اللي كنت اعطيها مصروفي وأهلها كانوا عايشين على خيرنا مش مكفيهم اللي اخذوه ما بيشبعوا وما بيخشعوا
يريدوا اخذ بيت ابوك هذا """يا يما ما الهم أمان ضحكوا عليكم، والله ضحكوا عليكم وجابوكم حتى يخلصوا عليكم .........وأنهت حديثها قبل أن يصيبها الأغماء بقولها......... وأقسم على ذلك
(( جابوكم على المسلخ وضعوكم في القفص مثل العصافير ))
واخيراً .... الا يحق لأمي ان تكون كبيرة المفاوضين ...!!!
منذر ارشيد 29-4-2008
لماذا لا تكون(( أ ُمي )) مسؤول ملف المفاوضات ..! ؟
بقلم : منذر ارشيد
أضعنا فرصتين الأولى في عهد العجوز الصهيونية (( جولدمائير)) التي لم تجد امرأة عربية حديدية تفاوضها فخًسرَنا المفاوضون الرجال الوطن ، ويا ليتهم استعانوا بجدتي لأمي (الحاجة أنيسة ) فهي أوعى وأكثر حنكة
من كثيرٍ من الرجال لمواجهة سيدة مثلها لأنها على الأقل " لو قبلتها لكانت قُبلتها بريئة وبلا ثمن يُذكر.!
فقد كانت سيدة أهل حارة (الخمرة) في هادار الكرمل وكانت تحل مشاكل الناس عربا ويهوداً وخاصة النساء منهن لقدرتها وقوة شخصيتها وحنكتها
والفرصة الثانية في أيامنا الحالية و السيدة الحسناء(( ليفني)) يحاورها اعتى الرجال في المجال السياسي دون فائدة رغم وجود امراة شبيهة بجدتي الحاجة أنيسة والتي هي أمي الحبيبة " ورغم انها لا تمتلك قدرات جدتي أنيسة " ولكنها تمتلك رؤيا ثاقبة وخاصة في كيفية التعامل مع العقلية اليهودية .
.............
ربما يعتقد البعض انني أطلق نكته أو أهروجة سخيفة لأعبيء بها صفحة تحت هذا العنوان السخيف "ولكني أوأكد انها ليست كذلك وكل من سيتابع حتى النهاية سيعرف قيمة هذا الموضوع الطويل وأقول للأخ الراوي
صبراً ....فأنك لن تستطيع معي صبرا الا اذا انتظرت نهاية القصة.........
.................
الحديث هذا جاء نتيجة لقرائتي لموضوع كتبه الأخ سعيد موسى تحت عنوان ....
( وهم التهدئة السلمية في ظل الثوابت الصهيونية ) وهو موضوع كبير وعميق لمحلل سياسي بارع تحدث به عن الوهم الذي يعيشه اكثرنا حول امكانية قبولنا من قبل اسرائيل كشركاء وجيران في سلام دائم ..... ) وقد لفت انتباهي هذه الفقرة التي ذكرتها لي والدتي مرتين مرة بعد نكسة حزيران ومرة ثانية بعد(( وكسة أوسلو) حيث قالت بالحرف الواحد في المرة الثانة نفس النص وبالحرف الذي ذكرته في مقالته
وأقتبس منه .....
((وبلغة خاطفة بادر بيريز بالقول:هم العرب يطلبون منا الاعتراف بالفلسطينيين ككيان فلماذا لا نعترف بهم وندعوهم للعيش معنا ففي هذه الحالة سيكون أعداءنا أمام أعيننا ويمكن التخلص منهم يوم أن نقرر ذلك بطائرة اسرائلية واحدة لتنتهي في لحظة آلامنا))...انتهى الأقتباس
هذه العبارة التي ملخصها يعني لنا الكثير والذي لا يريد البعض أن يقتنع به" وهم أكثر الناس وعيا وثقافة ً وحنكة سياسية
وهو ذلك الأمر الذي أدركته أمي ومنذ زمن بعيد " ولا ادري ما هي أسباب أمي التي بلغت الثمانين عاما أو ما يزيد والتي ما زالت تصرُ بأن لا أمل مع بني صهيون في ان يعيدوا لنا شبراًً من حقوقنا .
..................
أمي يا سعيد ولدت في حيفا ونمت وترعرعت فيها الى أن تزوجت بوالدي وتركت حيفا ولم تتجاوز العشرون عاما
لا أدري كيف درست عقلية بني اسرائيل رغم صغر سنها .!
ولكن وحسب الرواية الحقيقية والتي سمعتها من جدتي رحمها الله فان أُمي كانت تتمتع بقوة الأرادة وسرعة الملاحظة وحفظ أي شيء تراه ولو لمرة واحدة .! ولا ادري أهوَ بسبب القطار الذي عاشت فيه طفولتها حيث كان جدي ساق قطار على الخط الحديدي الحجازي الذي كان ينطلق من دمشق مسقط رأسه مروراً بحيفا للوصل الى أراضي الحجاز وقد استقر جدي في حيفا بعد أن تزوج من جدتي الحيفاوية الآنسة ((أنيسة)) طيبة الذكر
وبما أن جدي كان يمضي معظم وقته في القطار الذي كانت تستغرق رحلته أحياناً الشهر أو ما يزيد فقد كان لزاما ً عليه وحسب الظروف تلك الأيام أن يصطحب زوجته معه حيث خُصص له فرجون (( غرفة في القطار))
تتذكر امي القطار وكأنه جزء من حياتها وروت لنا حكايات كثيرة منها جميلة ومنها مؤلمة لما كان يتعرض له القطار من مصاعب أثناء رحلته الشاقة من خلال عصابات النهب وقطاع الطرق
طبعاً لم يمضوا حياتهم في القطار لأن والد جدتي لم يقبل لأبنته هذه الحياة القاسية فأهداها قطعة ارض
وحسب الرواية فهي التي اشرفت على بناء البيت على سفح الهادار في الكرمل من الأساس حتى آخر سقف" وقد بدأته بغرفتين مع شح الأمكانيات بدايةً حتى ازداد وارتفع وتعاظم الى أن وصل الى اربعة طبقات " تقول والدتي وهو حديث كنت قد سمعته من جدي وجدتي بعد أن وعيت على الدنيا بأن عائلات يهودية جائت وسكنت في احدى شقق البيت وهو امر عادي في تلك الفترة فكلهم كانوا مواطنين حيث لم يكونوا يشعرون بالفرق الا بفرق واحد بان اليهود شعب مسكين خائف مقهور ومنهم من جاء الى فلسطين طلباً للحماية من أضطهاد النازي
فوجدوا ا في شعب فلسطين الأمان والأطمئنان لما يمتلكون من طيبة وكرم وأنسانية
بيت جدي المكون من اربعة طبقات سكنت فيه عائلتان يهوديتان من أصل عراقي وحسب ما حدثتني انها كانت في المدرسة ولها زميلات من بني صهيون وهي دائما تذكر صديقتها ((زهافا)) التي كانت الأبنة المدللة لهذه العائلة والتي توثقت علاقتها بها حيث كانتا لا تفتراقان لا في المدرسة ولا في البيت
لقد تعرفت والدتي على طباع اليهود واتقنت لغتهم من خلال زهافا وغيرها من الأطفال الذين كانت تلهو وتلعب معهم في فناء البيت
ولكن الغريب في الأمر أن امي كيف عرفت عقلية اليهود وسياساتهم .! ولا أقتنع أنها عرفت كل هذا من خلال زهافا وغيرها من اليهوديات الصغيرات ....!
فكيف تكون عندها هذا التحليل السياسي لكل ما جرى بعد ذلك...!! وكيف قالت ما قالته وأنت يا سعيد تذكر في مقالتك تحت عنوان .( وهم التهدئة السلمية في ظل الثوابت الصهيونية ) وقد لفت انتباهي هذه الفقرة التي ذكرتها لي والدتي مرتين مرة بعد نكسة حزيران ومرة ثانية بعد(( وكسة أوسلو) حيث قالت بالحرف الواحد في المرة الثانة نفس النص وبالحرف الذي ذكرته في مقالتك وأقتبس
منه .....
وبلغة خاطفة بادر بيريز بالقول:هم العرب يطلبون منا الاعتراف بالفلسطينيين ككيان فلماذا لا نعترف بهم وندعوهم للعيش معنا ففي هذه الحالة سيكون أعداءنا أمام أعيننا ويمكن التخلص منهم يوم أن نقرر ذلك بطائرة اسرائلية واحدة لتنتهي في لحظة آلامنا...انتهى الأقتباس
أسمع يا سعيد ماذا قالت أمي في المرة الأولى واشهد الله على ذلك " وعندما أقول أشهد الله لأن الكلام أبلغ وأقوى من أن يصدقه أحد في هذه الأيام لأمراة ما كانت تعرف سوى الطبخ وحياكة الملابس وتربية الأطفال
وسأروي لك الرواية ...
كان والدي يحب عبد الناصر وأم كلثوم وأحمد سعيد " فكان عندما يكون هناك خطاب لعبد الناصر يعلن حالة الطواري في البيت فممنوع الكلام وينتهي حتى الخصام " كما يحدث عادة بين الأزواج" فاليوم يوم عيد وستتبعه أم كلثوم بالنشيد...وسيليهم بالصراخ أحمد سعيد " وكنا نحن الأولاد نلتف حول الوالد لحبنا له ولما يحب ، وأكثر ما كان يشدنا فرحه وكأنه كالطفل يصبح حينها رغم صرامته كعادته وناهيك عن الحلوى التي كان يجلبها للأحتفال بالمناسبة الناصرية
كنت الاحظ امتعاض أمي من هذا الكرنفال الذي يحصل في البيت وكلما كان والدي يصرخ ويقول ((الله أكبر)) أمام جملة يقولها عبد الناصر وخاصة عن فلسطين وتحريرها نهتف معه ويأخذ كل واحد منا في حضنه من شده الفرح " فتنظر أمي اليه وتقول ... يا حسرتي عليك انت مصدقه .! والله الي بدو يحارب ويحرر فلسطين ما بيحكي وأنا شايفا انه كله حكي وتخدير " فيقولها والدي... اسكتي انت شو بيفهمك...!! انت مش شايفة شو بيحضر سلاح وصواريخ وطائرات ..!! خلاص اسكتي اسكتي " ويا ويل أمي أن قالت...!!! وقد قالتها مرة ولم تعيدها قالت ...والله انه يكذب" قالتها عندما صرخ ناصر بأعلى صوته
قائلاً........
(بنقول لأسرائيل أننا مش حنرميهم البحر،بسِ يجَهزواالبواخراللي حَتِحمِلهمُ وترَجَعهم من البلاد الي جُم منها )
فقالت والدتي والله انك كذاب "ولو كان بدو يحارب ما بيقول هالكلام وبشتغل على السكت مثل اليهود ما بيعملوا"! اتعرف يا سعيد ماذا فعل معها والدي ...!!!! خليها مستورة
مرت السنوات يا سعيد وكان يوم الخامس من حزيران وكنت حينها فتىً يافعا والحماسة أخذت مني مأخذها فاندفعت مع أقراني وأصدقائي من الشباب والفتيان الى المقاطعة لنطلب السلاح ونحن نهلل ونكبر مع سماع أخبار الحرب وأحمد سعيد يقول (تجوع يا سمك ويعلن عن سقوط عشرة طائرات عشرون ثلاثون من طائرات العدو .....
كانت والدتي تركض ورائي من شارع الى شارع وهي تقول لي ( ولك يا مجنون ارجع الى البيت يا يما وين رايح .! أنت مصدق هالحكي ..!! وحتى أنها صرخت وفي جمعة من الشباب وقالت: أنتم مصدقين أحمد سعيد ولكم اليهود محضرين حالهم على السكت وأحنا بنطبل للحرب واللي بيصير اليوم مصيبة كبيرة علينا
ولكم الطائرات الي راحت طائرات العرب " ولكم يا ناس هاي احنا صرنا بعد الظهر والأذاعة بتقول اسقطنا وتقدمت قواتنا .... طيب يا ريت" والله اني الا أزغرد "بس قولو لي أنتم شايفين طائرة عربية مرت من سمائنا " ولكم انظروا هاي طائرات فوقنا رايحة للشرق وهاجمة كلها عليها نجمة داود "
وما هزني أكثر وأشعرني بالحرج امام الناس أنها صرخت وقالت وهي تمسك خصلة من شعرها (بقص شعري أن انتصروا العرب )
لا أدري ما أصابني وأنا اهجم عليها ولأول مرة في حياتي أتجرأ على أمي ولو كان معي سلاح حينها لأطلقت عليها النار " قلت لها أنت طابور خامس " انت مش عربية " بكت امي وهي تحاول أن تمسكني وأنا اتفلت عليها وأصدقائي يمسكوني حتى أغشي علي من شدة القهر
ولم يمضي من الوقت بعدها سوى ساعة حتى بدأت الصورة تضح وأصبحت جنين تحت خط النار والقصف الأسرائيلي يلاحق فلولالجيش الأردني
وكان ما كان وما عاد والدي يستمع لعبد الناصر ولا لأحمد سعيد ولا حتى لأم كلثوم ولم أعد أعرف شيئاً عن حياة والدي حيث غادرت الوطن مع ركب الثورة والثوار وكانت رحلة الشتات الى ان عدنا مع قوات الأمن الوطني بعد 27 عاما ً
أتدري ما قالت أمي بعد دخولنا الى الوطن بعد اتفاق أوسلو....!
قالت ... يا حسرتي عليكم أدخلوكم الى المسلخ "
واليك القصة...
وصلت الى بلدتي جنين بعد 27 عاما من الأغتراب وقد اقيمت حفلة استقبال لي كبقية خلق الله مع العائدين
أمتلأت الدار بالمهنئين والمهنئآت وكان الرقص والغناء والزغاريد وأمي في حالة من الذهول والسرحان
انتبهت لها أحدى القريبات ممن غمرتهن الفرحة بعودتي فصرخت بوالدتي قائلة ...
مالك يا مرة شو جرى لك لماذا لا ترقصين الست فرحة بعودة ابنك .!
قالت امي : وعلى ماذا أرقص وعلى ماذا أفرح .! والله ما انتم عارفين شيء
اندهشت المرأة وانتبهت النسوة وساد صمت وأمي بدأت بالبكاء
قالوا لها : مالك يا حجة شو جرى لك هل جُنتِ ..!
قالت : جنت .! والله اني أعقل منكن وأنا بقدر فرحتي لعودته أني خائفة عليه وعلى كل هالشباب
يا خسارة راح تعبهم حيانه الله ...أنا بعرف اليهود أكثر منكن " والله ما وافقواعلى عودتهم الا حتى يخلصوا عليهم كيف لعاد .! ما هم ما قدروا يخلصوا عليهم وهم بعاد فجابوهم الى البلد حتى يبقوا تحت نظرهم ويصفوهم واحد واحد
وقفت مذهولاً أمام والدتي وقلت لها شو هالكلام اللي بتحيه يا امي ..!!!
فنظرت الي نظرة أشفاق وخوف وحنان وعانقتني ودموعها قد بللت وجهي وقالت....
أنت كنت راح تقتلني يوم ما قلت لك ان اليهود راح ينتصروا على جيوش العرب عام 67 واليوم انت مش مصدقني ويا ليت تقتلني الان حتى لا اشوف اليوم اللي راح يخلصوا عليكم فيه ...!!
انا اللي بعرفهم هؤلاء لا مبدأ لهم ولا عهد" انت ما بتعرف شو صار معي .! انا رحت لحيفا اتفقد البيت بيتنا يما بيتنا الي ولدت فيه " رحت بعد حرب ال67
بتعرف ان زهافا صديقتي استقبلتني بعناق وقبُل فظننت اني سادخل لأشم رائحة البيت اللي ولدت فيه
هل تعلم ما قالت لي ...قالت ممنوع تدخلي البيت وسمعت انك عندك بيت حلو وكبير في جنين
ديري بالك عليه وادهنيه كويس "لأننا راح نيجي ونوخذه لأن البلد بطلت توسعنا حبيبتي شوفي انا صار عندي اولاد كتييير
شايف يا يما هاي زهافا البنت اللي كنت اعطيها مصروفي وأهلها كانوا عايشين على خيرنا مش مكفيهم اللي اخذوه ما بيشبعوا وما بيخشعوا
يريدوا اخذ بيت ابوك هذا """يا يما ما الهم أمان ضحكوا عليكم، والله ضحكوا عليكم وجابوكم حتى يخلصوا عليكم .........وأنهت حديثها قبل أن يصيبها الأغماء بقولها......... وأقسم على ذلك
(( جابوكم على المسلخ وضعوكم في القفص مثل العصافير ))
واخيراً .... الا يحق لأمي ان تكون كبيرة المفاوضين ...!!!
منذر ارشيد 29-4-2008