المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ذكريات ادبية


محمد علي محيي الدين
15-01-2009, 07:35 PM
<!-- /* Font Definitions */ @font-face {font-family:&quot;Cambria Math&quot;; panose-1:2 4 5 3 5 4 6 3 2 4; mso-font-charset:0; mso-generic-font-family:roman; mso-font-pitch:variable; mso-font-signature:-1610611985 1107304683 0 0 159 0;} @font-face {font-family:Calibri; panose-1:2 15 5 2 2 2 4 3 2 4; mso-font-charset:0; mso-generic-font-family:swiss; mso-font-pitch:variable; mso-font-signature:-1610611985 1073750139 0 0 159 0;} @font-face {font-family:&quot;Arabic Transparent&quot;; panose-1:2 1 0 0 0 0 0 0 0 0; mso-font-charset:178; mso-generic-font-family:auto; mso-font-pitch:variable; mso-font-signature:8193 0 0 0 64 0;} /* Style Definitions */ p.MsoNormal, li.MsoNormal, div.MsoNormal {mso-style-unhide:no; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:&quot;&quot;; margin-top:0cm; margin-right:0cm; margin-bottom:10.0pt; margin-left:0cm; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:&quot;Calibri&quot;,&quot;sans-serif&quot;; mso-fareast-font-family:Calibri; mso-bidi-font-family:Arial;} .MsoChpDefault {mso-style-type:export-only; mso-default-props:yes; font-size:10.0pt; mso-ansi-font-size:10.0pt; mso-bidi-font-size:10.0pt; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-fareast-font-family:Calibri; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-bidi-font-family:Arial;} @page Section1 {size:612.0pt 792.0pt; margin:72.0pt 90.0pt 72.0pt 90.0pt; mso-header-margin:36.0pt; mso-footer-margin:36.0pt; mso-paper-source:0;} div.Section1 {page:Section1;} --> نشر الأستاذ شاكر خصباك ذكرياته الأدبية ولأهميتها أنقلها اليكم من موقع الحوار المتمدن للأطلاع عليها لما فيها من تجربة متميزة لأديب عملاق تتلمذ على يديه الكثيرون في البلاد العربية فقد عمل في الجامعات العراقية والسعودية واليمنية وغيرها وأعطى الكثير من علمه وأدبه.

ذكريات ادبية

شاكر خصباك (skhesbak@yahoo.ca?subject=%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8 8%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%85%D8% AF%D9%86%20-%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D8%A F%D8%A8%D9%8A%D8%A9&body=Comments%20about%20your%20article%20%20http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=159217)


سيرة حياة
الطبعة الأولى 1996
الحوار
قال الباحث الشاب وهو يدير آلة التسجيل في مكتب الأديب الشيخ: والآن حدثني يا سيدي عن كل شخص أو حدث أو كاتب أو كتاب أثّر في حياتك الأدبية. فأيّ ومضة من هذه الومضات قد تعينني في بحثي عنك.
قال الأديب الشيخ وهو باسم الوجه: سيكون حديثي إذن متصلاً بالمراحل المبكرة من حياتي. فأنت تعلم أن الحياة الأكاديمية شغلتني قبل أن أنهي العقد الثالث من عمري.
قال الباحث: ليكن. فأين البداية إذن يا سيدي؟

مجلة "سمير التلميذ" وكامل كيلاني
قال الأديب الشيخ وهو يطلق نظرات حالمة: البداية هي مجلة "سمير التلميذ" المصرية يا صديقي. فقد عرفتها وأنا في السنة الثالثة من الدراسة الابتدائية ففتنتني، آي يوم كنت في الثامنة من عمري. فأنت تعلم بالطبع أنني من مواليد 1930. وكانت أول حلقة من حلقات اتصالي بدنيا الأدب والقصة. ومن المؤسف أنني لا أتذكر المسؤول عن تحريرها لكنه أسدى بلا شك خدمة جلّى إلى أدب الأطفال. وكانت تشتمل في معظمها على حكايات معربة عن الأدب العالمي.

وقد شغفت بتلك المجلة شغفاً عظيما. فكنت أفضّل قراءتها على أداء واجباتي المدرسية. وأستطيع القول أنها كانت معلمي الأول في القصة. وأنا مدين بمعرفتي لهذه المجلة وبالتالي بتوجيهي نحو القصة إلى أخي المرحوم الدكتور جعفر أستاذ التاريخ السابق الذي كان يحرص على إحضارها لي في مطلع كل أسبوع. ولم يصرفه عن ذلك ولعي الشديد بها وتفضيلها على دروسي. لكنني كنت في الحقيقة تلميذاً متميزاً في جميع مراحل دراستي في الابتدائية والثانوية ولم يكن ولعي بالأدب يصرفني عن دروسي.
سأل الباحث الأديب الشيخ: ولكن ألم يكن هناك من مجلات أو كتب أخرى يومذاك للأطفال يا سيدي؟
أجاب الأديب الشيخ: لم تكن البلاد العربية قد عرفت يومذاك المطبوعات أو الكتب الخاصة بالأطفال، وخصوصاً المؤلفة من قبل كتّاب عرب. والحقيقة أن أدب الأطفال لا يزال مهملاً حتى اليوم من قبل كتّابنا ولم يكرّس أيّ كاتب جهده في هذا الميدان. ولعل أول الكتّاب العرب الذين عنوا عناية خاصة بالكتابة للأطفال هو المرحوم كامل كيلاني الذي كتب قصصاً جميلة للأطفال وأصدر مجموعة طيّبة منها. ولست مبالغاً إن قلت إنه الأب الشرعي لأدب الأطفال في لغتنا العربية.
وكانت قصصه جملية ومشّوقة وتتضمن العبر الراقية التي تؤثر في خلق الطفل وأفكاره وهو أمر ذو أهمية بالغة. وكان بعضها مقتبساً من القصص المشهورة في الأدب الغربي. وكان كامل كيلاني مّطلعاً ولاشك على أدب الأطفال في اللغات الغربية. وكما قلت فإن هذا النوع من الأدب قد لقي في وقت مبكر في الغرب اهتماماً كبيراً وبرز فيه أدباء مشهورون. ولعل من أجمل ما كتب في هذا الميدان هي قصص الكاتب الدانماركي كريستيان هانس أندرسون التي نشرها في القرن التاسع عشر. ولقد اشتملت على حكايات وأساطير مشوقة تناسب ذوق الأطفال وتتضمن العبر الخلقية الراقية. وبرز في فرنسا في القرن السابع عشر كاتب مشهور في أدب الأطفال هو لافونتين ونالت قصصه صيتاً بعيداً. وظل أدب الأطفال حتى اليوم يلقى عناية كبيرة في الغرب. ولكن يؤسفني أن أقول أن هذا النوع من الأدب أخذ يشذ عن مساره الأصلي ويفقد أهدافه التربوية. وقد غلب على الكثير منه الطابع التجاري وخصوصاً في أمريكا. وقد أثّر عليه تأثيراً سيّئاً "التلفزيون" وعلى نحو الخصوص الاختراع الذي ابتدعه والت ديزني (أفلام الكارتون). وقد بدأت أفلام الكارتون بأقاصيص جميلة تنطوي على الأهداف النبيلة ثم انتهت في أواخر القرن العشرين إلى أقاصيص رديئة يهدف أغلبها إلى تمجيد القوة والدعوة إلى العنف. ولقد أخذ هذا النوع من أدي الأطفال الغث يتسرب إلينا عن طريق ترجمته إلى اللغة العربية وفاضت أسواقنا به. وبقي كتّابنا القصصيون الناجحون بمنأى عن هذا الميدان مع أن لدينا منبعا ثراً يمكن الاقتباس منه مثل "كليلة ودمنة" و "ألف ليلة وليلة" والسير البطولية والإسلامية المعروفة ولم يلتفت أدباؤنا إلى هذا النوع من الأدب ويأخذونه مأخذ الجد إلاّ في حالات قليلة.
وصمت الأديب الشيخ فقال الباحث: أنا أتفق معك يا سيدي كل الاتفاق في رأَيك هذا. ويؤسفني فعلاً أن يحجم أدباؤنا عن اقتحام هذا الميدان الهام. وإذا كانوا معذورين في أوائل هذا القرن أو منتصفه بسبب ضيق نطاق التعليم وقلة عدد القراء من الأطفال العرب فليسوا معذورين اليوم. وهم بإحجامهم عن الكتابة للأطفال يتيحون المجال لانتشار أدب الأطفال الغث المترجم عن اللغات الأجنبية والذي يوجّه الأطفال توجيهاً سيئاً. وعلى كل حال فقد بدأ بعض كتّابنا مؤخرا يقبلون على كتابة أدب الأطفال.




حكايتي مع الشعر
وسكت الباحث الشاب لحظة ثم أضاف مبتسماً: ولكن إسمح لي يا سيدي أن أسألك إن كانت اهتماماتك بالقصة منذ طفولتك المبكرة هي المسؤولة عن صرفك عن فروع الأدب الأخرى... أعني الشعر على نحو الخصوص؟!
ضحك الأديب الشيخ ضحكة خفيفة وقال: أنت محق في ذلك فأنا بالفعل لست شغوفاً بالشعر.
قاطع الباحث الشاب الأديب الشيخ مستنكراً: أتعني أنك لست من قرّاء الشعر يا سيدي؟
فسارع الأديب الشيخ يقول: معاذ الله.. وهل يستغني أديب عن قراءة الشعر؟ بل هل يستغني مثقف عن قراءته؟! إنه ملح الحياة. ويسرني أن أخبرك أن معظم شعرائنا الكبار من الشيوخ والشباب كانوا من أصدقائي من أمثال السياب والبياتي وبلند الحيدري وسعدي يوسف.
وصمت الأديب الشيخ وسرحت عيناه ثم قال: أتدري يا صديقي؟ أعتقد أن واحدة من غرائز الإنسان هي تذوق الفنون على اختلافها، فلا وجود لإنسان مهما كان بدائياً لا يتذوق الفن في شكل من أشكاله أكان غناء، والغناء ليس سوى شعر، أم رسماً ونحن نعلم أن جدران كهوف الإنسان البدائي حافلة بالرسوم، أو حكايات ونحن نحب الحكايات منذ طفولتنا. فكيف تتوقع مني ألا أقرأ الشعر؟ لكنني لست شغوفاً به شغفي بالقصة، ولا أملك إمكانات نقده شأني مع القصة، على الرغم من قراءاتي الواسعة فيه.
تساءل الباحث مبتسماً: هل لي أن أسأل عن السبب يا سيدي؟
أجاب الأديب الشيخ بلهجة مزيجة من الجّد والدعابة: ربما لأنني أشكو من عقدة نفسية تجاه الشعر. أو هكذا يفسر الأمر علماء النفس. فحينما كنت تلميذاً صغيراً حاولت اقتحام ميدان الشعر..
قاطع الباحث الأديب الشيخ في دهشة: فأنت كتبت الشعر أيضاً يا سيدي؟ لكن ذلك أمر غير معروف عنك.
قال الأديب الشيخ مبتسماً: لأن صلتي بالشعر كانت قصيرة ولم تتجاوز مرحلة الرابع الابتدائي. ولا أتذكر كيف خطر لي يومذاك أن أكون شاعراً مرموقاً.
وصمت الأديب الشيخ متأملاً ثم قال: أصدقك القول يا صديقي أنني لا أكاد أتذكر من تلك المرحلة إلا حكاية واحدة على العكس مما يتصل بالقصة.
تساءل الباحث مبتسماً: وما هي تلك الحكاية يا سيدي؟
قال الأديب الشيخ وهو يضحك ضحكة قصيرة: هذه الحكاية هي أساس القطيعة بيني وبين الشعر يا صديقي. وقبل أن أرويها لك لابد أن تعلم أنني معّم مخول في ميدان الشعر. فقد كان أحد أجداد أبي في نهاية القرن التاسع عشر شاعراً مرموقاً هو صالح الكواز. وكان لديّ أكثر من عّم يقول الشعر. وبرز في عائلة أمي منذ مطلع هذا القرن شاعر مشهور هو خالي الدكتور (الشيخ يومذاك) محمد مهدي البصير الذي لقّب بشاعر ثورة العشرين. فليس من المستغرب إذن أن أحلم وأنا طفل صغير في الرابع الابتدائي أن أكون شاعراً مشهوراً. وكانت أولى محاولاتي الشعرية التي ما أزال أتذكرها كتابة قصيدة عن الغروب. وكان يخيل إليّ أنه ما أن تستثار القريحة حتى تجود بشعر عبقري. فصعدت إلى سطح البيت أتأمل غروب الشمس لأشحذ قريحتي، وكان غروباً رائعاً حقا. وكانت أشعة الشمس الحمراء تصبغ أديم السماء الأزرق حتى لتبدو صفحتها ميدان معركة حربية دامية. وسللت قلمي وشرعت بتسطير قصيدتي العصماء مستوحيا المنظر، لكن قلمي أبى أن يخط على الورق إلا عبارات شوهاء وكلمات مبعثرة ليست من الشعر في شيء.
وسكت الأديب الشيخ لحظة واكتسى وجهه الباسم بطابع الجد وقال للباحث: ينبغي أن أعترف لك بأن الطبيعة لم تكن تثيرني كثيراً يا صديقي. لذلك لم يحتل وصف الطبيعة وما اتصل بها من أدبي حيزاً مرموقاً. لكنني كنت على نقيض ذلك أُستثار استثارة بالغة منذ كنت طفلاً بما يتعرض له الإنسان من ظلم أو أذى أو حاجة. ولا أدري لماذا فأنا لم أنشأ في عائلة تعاني من الفقر أو الاضطهاد أو المشاكل الأسرية. فأبي تاجر ألبسة متوسط ذو تفكير متحرر. وكانت الروابط الأسرية بين الوالدين والأخوة والأخوات قوية. وبالمناسبة كان لديّ ثلاث إخوة أنا أصغرهم وأربع أخوات أصغر مني. ولقد لازمني هذا الشعور حتى اليوم. فهموم الإنسان المسحوق هي همومي الأساسية والظلم الاجتماعي والطغيان السياسي وما أشدهما في بلداننا -هما الهدفان الأوليان اللذان أحاربهما بلا هوادة في أدبي. ولذلك فإن معظم رواياتي وقصصي ومسرحياتي تتحدث عن الطغاة من حكّامنا على اختلاف عهودهم وتدعو للعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان ونصرة المرأة. وأنا في الحقيقة أعد أدبي شاهد على عصري. ولعل ذلك ساقني منذ البداية إلى تبنّي المنهج الواقعي. وكثيراً ما عابني بعض النقّاد بكوني انقل الواقع نقلاً مباشراً وهو نقد مبالغ فيه. وقال نقاد آخرون بأن أدبي مسيّس مع أنني لم أنتم في يوم من الأيام إلى حزب سياسي معيّن، وإن كنت محسوباً على تيار اليسار. ذلك أن معرفتي دلتني على أنه لابد أن تنشأ ضمن الحزب ديكتاتورية متسلطة، وأنا طول عمري ضد الدكتاتورية. كما أنني لم أفكر باتخاذ السياسة مطية لكسب شخصي ولم أطمح بمركز سياسي يوماً.
قال الباحث: أنا لا أتفق أيضاً مع أمثال أولئك النقاد يا سيدي، فلم يكن أدبك نقلاً مباشراً عن الواقع، وإذا كان هناك من يقول ذلك فلاشك أنه يسيء فهمه.

وسكت الباحث لحظة ثم أضاف وهو يبتسم: ولكن ماذا عن الحكاية التي وعدتني بها يا سيدي؟
قال الأديب الشيخ وهو يضحك ضحكة قصيرة: معك حق. لابد أن أعود إلى الحكاية. ولقد ذكرت لك في البداية بأنني معمّ مخول في الشعر. وكانت عائلة أبي حافلة بالشعراء. وكان من بينهم شاعر مطبوع هو عمي المرحوم حسن خصباك. فكان من الطبيعي أن أفكر بعرض شعري عليه. وكنت أطمع أن أسمع منه الإعجاب والإطراء وأنا ألقي على سمعه شعري البديع. لكنه كان يستقبله بفتور. وذات يوم حملت إليه قصيدة بدت لي أنها من غرر الشعر وأيقنت أنها ستكسب إعجابه البالغ.
وسكت الأديب الشيخ لحظة ثم قال وهو يبتسم: وسأنشدك هذه القصيدة التي كان عنوانها "السائلة" وهي كل ما تبقى في ذاكرتي من شعري.
جلست وقد أضنى المسير فؤادها

تستعطي من ناس وهم مستهتروا

قالت وقد هضم الكلام لسانها

يا أيها الناس ارحموني واكثروا

لكنهم مــّروا بـها وكأنهم

مّـروا بحيوان فلم يتأثروا



صفق الباحث الشاب وهتف بإعجاب: أحسنت يا سيدي. أحسنت.
فنظر إليه الأديب الشيخ نظرة حزينة وقال: كم كنت أتمنى أن يتلقاها عمّي بمثل هذا الحماس فلربما تغير مساري الأدبي.
ثم أضاف وهو ينظر إلى الباحث نظرة معاتبة: ولكنك تعلم أنها قصيدة رديئة.
فقال الباحث محتجاً: وهل يتوجب عليّ أن أقيسها بشعر المتنبي يا سيدي؟ أليست هي من شعر طفل في التاسعة من عمره؟
فهز الأديب الشيخ رأسه وقال بجد: معك حق وليت عمي فكر مثلك. لكنه التفت إليّ بعد أن فرغت من إلقائها وقال لي معنفا: لماذا لا تترك هذا الهراء يا بنيّ؟ أفلا ترى أن قصيدتك مليئة بالزحاف والأخطاء النحوية؟ يابنّي. أنت ما تزال تلميذا في المدرسة الابتدائية وأمامك شوط طويل حتى يمكنك كتابة الشعر فهو ليس لعباً ولهواً. ومن الخير لك أن تنصرف إلى دروسك.
وكان ذلك آخر عهدي بكتابة الشعر وربما بتذوّقه أيضاً.
وأطرق الأديب الشيخ وقد بانت مخايل الحزن على وجهه, فقال الباحث برفق: لم يكن آباؤنا وأجدادنا يحسنون قواعد التربية الحديثة يا سيدي فلا تلم عمك.
هز الأديب الشيخ رأسه وقال: معك حق. ولكن ربما كان لهذه الحكاية دلالة عميقة يا صديقي. فلا ينبغي الاستهانة بما ينجزه الأطفال من أعمال فنية أو علمية فقد يلحق بهم ذلك ضرراً بالغاً. في حين أن تشجيعهم والأخذ بأيديهم قد يخلق منهم شخصيات أدبية أو فنية أو علمية خطيرة.
فقال الباحث وهو يهز رأسه مؤمنا: هذا أمر لا ريب فيه يا سيدي وقد أصبح إحدى الحقائق التي يدين بها علم النفس الحديث.
قال الأديب الشيخ باسما: ها أنت ذا عرفت يا صديقي لماذا انصرفت عن الشعر.
قال الباحث بأسف: وهو أمر مؤسف حقا فلربما كنت أثريت الشعر العربي بنتاج رائع.
وسكت الباحث لحظة ثم تساءل: وماذا عن المرحلة التالية لمرحلة "سمير التلميذ" يا سيدي؟


مجلة "الرواية"
قال الأديب الشيخ مفكراً: أستطيع القول إن معرفتي بمجلة " الرواية" المصرية كانت هي المرحلة الانتقالية التالية في حياتي الأدبية. وقد تم ذلك وأنا في بداية السنة الخامسة الابتدائية. والحقيقة أنني أعدّ معرفة هذه المجلة مرحلة مهمة في حياتي. ويمكنني القول إن هذه المعرفة قد قادتني إلى القراءة الأدبية الجادة. وكانت مجلة "الرواية" شقيقة لمجلة "الرسالة" وكان يصدرهما الأستاذ احمد حسن الزّيات. ثم توقفت "الرواية" في أوائل الأربعينات بينما توقفت " الرسالة" في أواخر الخمسينات. ولقد أسدت هذه المجلة خدمة جلىّ لأدب القصة والرواية في العالم العربي. فلقد قدمت إلى الكتاب والقراء العرب الذين لم يكونوا يحسنون لغة أجنبية عيون الأدب الغربي، فضلاً عن أنها فتحت صدرها لإنتاج الروائيين العرب الكبار من أمثال توفيق الحكيم وإبراهيم عبد القادر المازني ومحمد فريد أبو حديد ونجيب محفوظ وغيرهم.
ولقد تعرفت على مجلة "الرواية" في مكتبة أخي الدكتور جعفر. وكان يومذاك معلماً في المدارس الابتدائية، وكان مولعاً بالقراءة والثقافة. فأقبلت على قراءتها إقبال الظامئ على الماء القراح. ولم يكن يمر أسبوع دون أن ألتهم عدداً كاملاً منها. وقد تغّير نوع قراءتي بعد التعرف عليها تغّيراً تامّا ولم أعد أعني بأدب الأطفال. وانسحب ذلك على نمط حياتي وتفكيري وقام نوع من القطيعة الفكرية بيني وبين مرحلة الطفولة. فلقد كانت مجلة "الرواية" تحفل بخيرة نماذج الأدب العالمي بما تتضمنه من نظرة جادة إلى الحياة. وكان لذلك جانب إيجابي وآخر سلبي على حياتي. فقد وسّعت قراءتي في الأدب العالمي من أفق تفكيري وأمدّتني بنظرة ناضجة للحياة. لكنها في الوقت نفسه حرمتني من متع الطفولة البريئة. ومنذ وقت مبكر حدث انشطار بيني وبين أقراني فلم أعد أجد متعة في مشاركتهم بلهوهم البريء. أصبح همي كله منحصراً في القراءة.. والقراءة وحدها. فلم تتح لي مثلا فرص المشاركة في الألعاب الرياضية لا في المدرسة الابتدائية ولا في مراحل التعليم الأخرى، وكنت أعدّها هدراً للوقت. وحينما أستعرض طفولتي اليوم أشعر بحسرة على ضياع سني الطفولة منّي. والحقيقة أن لهوي كان يقتصر على أيام العيدين فقط، فقد كنت أخرج إلى منطقة "باب النجف" حيث تقام مراسيم العيد وينتشر باعة الحلويات والمراجيح ودولاب الهواء. وكانت متعتي تقتصر على شراء الحلويات وركوب الحمير. وقد أذهب مع أصحابي على الحمير إلى خرائب بابل حيث نلهو هناك.
وهناك متعة أخرى كنت أمارسها في طفولتي وأعتبرها متعة ثقافية. فقد كنت أراقب مواكب العزاء لأحياء الحلّة التي تنطلق كل ليلة من مواقع معينة في العشرة الأولى من شهر عاشوراء ميمّمة إلى "بيت القزويني". وكانت تهزج بقصائد شعبية حول مأساة الحسين. فكنت أسجّل جميع القصائد في دفتر خاص. ولقد اختزل نمط حياة الطفولة الجادة هذا من عدد أصحابي لأنني فقدت الرغبة في مشاركتهم ألعابهم، وقد عزفوا هم أيضاً عن مشاركتي في ألعابي.
سكت الأديب الشيخ متأملاً وقد كست وجهه ابتسامة عريضة ثم التفت إلى الباحث وسأله: أسألك بالله يا صديقي.. كيف تتوقع من أقراني أن يشاركوني ألعابي وهي أبعد ما تكون عن ذوقهم وفهمهم؟ ففي الخامس الابتدائي قرأت كتاباً عن حياة نابليون فشغفت به ولم يعد لي من حديث مع أقراني إلاّ عن نابليون. ولم يكونوا قد سمعوا بنابليون أصلا. واقترحت عليهم يوماً أن يشاركوني في لعبة اخترعتها عن نابليون. وتدور اللعبة حول نفيه إلى جزيرة ألبا ثم فراره منها. وعيّنت نفسي نابليون واخترت من بينهم الأنصار والخصوم. ثم اختططت في ركن من أركان ساحة المدرسة دائرة ووقفت في وسطها وأعلنت لهم أنها تمثل جزيرة (ألبا)، وأن على أنصاري أن ينقذوني من الأسر في هذه الجزيرة. واستجابوا لبعض الوقت لاقتراحي وشاركوا في اللعبة ثم ما لبثوا أن انصرفوا عنها سئمين. فأين المتعة فيها بالنسبة لهم؟
وضحك الأديب الشيخ ضحكاً عالياً وشاركه الباحث الضحك، ثم استدرك بقول: ولكن لابد لي أن أؤكد لك يا صديقي أنني لم أكن أشعر بالتعالي على أقراني.. وإنني لأحمد في نفسي هذه الصفة التي تكونت لديّ مينذ طفولتي المبكرة. وقد حمتني هذه الصفة عند الكبر من الغرور والكبرياء، وكان يمكن أن يتسربا إلى نفسي. وإني لأمقت هاتين الصفتين أشد المقت.
قال الباحث وهو يرمق الأديب الشيخ في إجلال: هذا أمر معروف عنك يا سيدي.
واستغرق الأديب الشيخ في الصمت دقائق ثم قال وهو يهز رأسه: على كل حال لا أستطيع القول أنني نادم على ضياع مرحلة الطفولة بلهوها البريء فقد استمتعت بقراءاتي استمتاعاً عظيماً.
وعاد الأديب الشيخ إلى صمته المتأمل وسرحت عيناه. فاحترم الباحث صمته وظل معلق العينين بوجهه الوقور. ثم تساءل أخيراً: وماذا بعد مرحلة مجلة "الرواية" يا سيدي؟

محمد علي محيي الدين
15-01-2009, 07:53 PM
<!-- /* Font Definitions */ @font-face {font-family:&quot;Cambria Math&quot;; panose-1:2 4 5 3 5 4 6 3 2 4; mso-font-charset:0; mso-generic-font-family:roman; mso-font-pitch:variable; mso-font-signature:-1610611985 1107304683 0 0 159 0;} @font-face {font-family:Calibri; panose-1:2 15 5 2 2 2 4 3 2 4; mso-font-charset:0; mso-generic-font-family:swiss; mso-font-pitch:variable; mso-font-signature:-1610611985 1073750139 0 0 159 0;} /* Style Definitions */ p.MsoNormal, li.MsoNormal, div.MsoNormal {mso-style-unhide:no; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:&quot;&quot;; margin-top:0cm; margin-right:0cm; margin-bottom:10.0pt; margin-left:0cm; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:&quot;Calibri&quot;,&quot;sans-serif&quot;; mso-fareast-font-family:Calibri; mso-bidi-font-family:Arial;} .MsoChpDefault {mso-style-type:export-only; mso-default-props:yes; font-size:10.0pt; mso-ansi-font-size:10.0pt; mso-bidi-font-size:10.0pt; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-fareast-font-family:Calibri; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-bidi-font-family:Arial;} @page Section1 {size:612.0pt 792.0pt; margin:72.0pt 90.0pt 72.0pt 90.0pt; mso-header-margin:36.0pt; mso-footer-margin:36.0pt; mso-paper-source:0;} div.Section1 {page:Section1;} --> مكتبة الحلة العامة
التفت إليه الأديب الشيخ وقال ببطء: إن مجلة "الرواية" قادتني إلى عالم الأدب الرحب يا صديقي، أو على الأصح إلى عالم الثقافة الواسع. ومن ثم قادتني إلى التعرف على المكتبة العامة في مدينتي. وصارت القراءة شغلي الشاغل. وخرجت من نطاق القصة والرواية إلى ميادين التاريخ والاجتماع والثقافة العامة. وفي هذه المرحلة الجديدة من حياتي التي يمكن أن أسميها مرحلة المكتبة العامة لعبت مكتبة الحلة العامة دوراً هاماً في حياتي0 فقد هيّأت لي ينبوعا ًلا ينضب من الكتب، وكنت ما أزال تلميذاً في الابتدائية. ولقد شغفت بالمكتبة العامة شغفاً بالغا وأحببتها حباً عظيماً.. حباً يفوق حب العاشق لمعشوقته. تصور أنني كنت أترقب بصبر نافذ انتهاء اليوم الدراسي، وكان ينتهي عصراً، لأطير إلى المكتبة العامة.. تصور ذلك! طفل صغير قد ربط بمقعد المدرسة لساعات طويلة يربط نفسه من جديد بكرسي المكتبة! كان أقراني الصغار يتلهفون على انتهاء دوام المدرسة ليهرعوا إلى ألعابهم في الطريق بينما كنت أنا أهرع إلى المكتبة! فأيّ عشق يمكن أن يتفوق على هذا العشق؟ وكم كلفني هذا العشق من عناء!
سأل الباحث متعجباً: ولكن لماذا هذا العناء يا سيدي؟
أجاب الأديب الشيخ: لأنني كنت ملزماً بابتكار الحيل التي تيسر لي دخول المكتبة العامة. فقد كان بيني وبينها سدود وقيود. وكثيراً ما غافلت حارس المكتبة وتسللت إلى الداخل كاللص.
تساءل الباحث في استغراب: ولماذا تغافل حارس المكتبة يا سيدي؟
فقال الأديب الشيخ: لأنه كان يرتئي أن طفلاً مثلي لا يحق له الدخول إلى المكتبة العامة فهي مخصصة للكبار. وكثيراً ما ردّني على أعقابي خائبا والمرارة تملأ قلبي. وقد يرق قلبه لي أحياناً فيتفضل عليّ بنعمة الدخول. ولم تنته معاناتي هذه إلاّ حينما شهد مدير المكتبة يوماً الجدل بيني وبينه فأمره ألاّ يعترض طريقي. وفي ذلك اليوم عدت إلى منزلي وأنا أكاد أطير فرحاً وكأنني كسبت جائزة رفيعة.
قال الباحث: كانت المكتبات العامة مقتصرة على الكبار فعلاً ولم يكن يحسب حساباً للصغار لكن الأمر اختلف الآن بالطبع.
فقال الأديب الشيخ: مازالت العناية بالمكتبات العامة قاصرة بالنسبة للصغار والكبار مع أن دورها عظيم في الثقافة الجماهيرية. ويجب أن تعمم المكتبات العامة لا على المدن فقط بل على البلدات الصغيرة أيضاّ.
وصمت الأديب الشيخ متأملاً ثم قال وهو يهز رأسه: إنني أدين بالشيء الكثير للمكتبة العامة في مدينتي.. إنها هي معلّمي الحقيقي. لقد تربيت في أحضانها. ولقد ظلت أواصر المحبة بيني وبينها منعقدة طيلة بقائي في مدينتي، بل اشتدت مع الأيام. لم يكن يمر يوم من دون أن أزورها. وحينما كبرت وانتقلت إلى المدرسة المتوسطة ثم الثانوية ظللت أتبّع نفس النهج. فبينما كان زملائي وأصدقائي وسائر الناس يمضون ساعات العصر وأوائل المساء في التمشي في الشارع المحاذي للنهر وفي الشارع الجميل المؤدي إلى محطة القطار كنت أنا حبيس جدران المكتبة. وبالمناسبة كانت الحلّة يومذاك مدينة جذابة. وكانت متعددة النزهات بنهرها المتميز الجميل وبساتينها الممتدة في كل جهاتها على مدّ البصر. وكنت ألتهم كتب المكتبة وكأنني في سباق مع الزمن. وقد عرفت بين جدرانها كبار الكتّاب عرباً وأجانب. عرفت طه حسين وقرأت كتبه المتنوعة وخصوصاً القصصية منها وعلى رأسها كتابه العظيم "الأيام" وفتنت بالجزء الأول منه.. وعرفت العقاد والمازني وجبران ومخائيل نعيمة وتوفيق الحكيم وغيرهم. كما عرفت لامرتين وفكتور هوغو وغوته.. تصور أنني قرأت كتابه العظيم "فاوست" وأنا في الابتدائية. ولا أزعم أنني كنت أدرك عظمة ما أقرأ من كتب لكنني انتفعت منها. وكان وجودي الدائم في المكتبة يستلفت نظر بعض زوارها ويستدر إعجابهم. وتطوع أكثر من واحد منهم لإرشادي إلى الكتب النافعة لي. وكان من جملتهم (الدكتور) علي جواد الطاهر و(الدكتور) صالح الشماع.

وصمت الأديب الشيخ وهز رأسه وقال: نعم يا صديقي.. كانت المكتبة العامة معّلمي الأول حقاً!
تساءل الباحث: ولكن أين موضع القصة في مرحلة المكتبة العامة يا سيدي؟
أجاب الأديب الشيخ: موضع القصة محفوظ فاطمئن يا صديقي. صحيح أن قراءاتي تنوعت بعد معرفتي بالمكتبة العامة لكن القصة ظلت تتربع على عرش قلبي.. بل إنها اكتسبت أهمية أعظم. وقد قادتني قراءاتي المكثفة في القصة إلى مرحلة جديدة في حياتي الأدبية. فجربت كتابة القصة وأنا ما أزال في نهاية السنة الخامسة الابتدائية أو ربما في بداية السنة السادسة الابتدائية. وأتذكر جيداً أنني كنت أمتلك مجموعة قصصية وأنا في السادس الابتدائي. ومن المؤسف أنني لم أحتفظ بتلك المجموعة ولا أستطيع أن أتذكر أية قصة من قصصها. ولذلك فلا يمكنني التحدث عن أساليبها أو مضامينها.
قال الباحث: كان ينبغي أن تحتفظ بها يا سيدي.
قال الأديب الشيخ: معك حق وكم من أشياء كان ينبغي عليّ الاحتفاظ بها فأضعتها! ويخيل إليّ أنني لم أعن بالاحتفاظ بها لأنني وجدتها غير جديرة بالنشر. وبما أنني بدأت أنشر في المجلات مبكراً، وبما أنني رأيتها غير صالحة للنشر فقد أهملتها. ولقد عرضتها في حينها على أحد رواد المكتبة الذي كان يتطوع إلى إرشادي إلى الكتب النافعة فلقيت منه ترحيباً حاراً وكتب نقداً مسهباً لها. وشجعني نقده على عرض "المجموعة" على معلم العربية، وكان من المشجعين لي، فكتب عنها نقداً مشجعاً جداً أيضاً. وأتذكر أن نقد هذين الشخصين كان لهما أطيب الأثر في نفسي. وأستطيع أن أزعم أن التشجيع الذي لقيته تلك "المجموعة" من قبل هذين الشخصين قد وضعني على عتبة الكتابة القصصية. وأنا الآن على قناعة كاملة بأن تشجيع المواهب المبكرة لدى الأطفال أمر في غاية الأهمية0 وقد يخلق منهم هذا التشجيع فنانين عظاماً، كتّاباً كانوا أم رسامين أم موسيقيين. وهذا واجب يقع على عاتق معلمي المدارس الابتدائية على نحو الخصوص، لاسيما وان لمعلم الابتدائية مكانة خاصة في نفس الطفل وانه أول من يتعهده بالرعاية المعرفية.



بدايتي في النشر
تساءل الباحث الشاب: ومتى بدأت تفكر في النشر يا سيدي؟
قال الأديب الشيخ محاولاً استعادة أحداث حياته البعيدة: أعتقد أنني بدأت أفكر بالنشر حينما انتقلت إلى السنة الأولى من الدراسة المتوسطة. وقد خطرت على بالي فكرة النشر يوم وقعت بين يدي مجلة ثقافية عراقية كانت تخصص باباً لنشر إنتاج القراء. وأرسلت إليها بإحدى قصصي وظللت أترقب صدور العدد اللاحق منها وأنا في أشد اللهفة. وصدر العدد المأمول أخيراً ورحت أقلبّ صفحاته بأصابع مرتجفة فلم أجد لقصتي أثراً. ففاضت نفسي خيبة ومرارة. ثم استرعى نظري اسمي مطبوعاً ضمن نتاج القراء فقفز قلبي بين ضلوعي طرباً. وقرأت تحت اسمي سطرين صغيرين يقولان: "قصتك تبشر بمستقبل أدبي جيد لكنك لا تزال في حاجة إلى المران وإلى الاهتمام بسلامة لغتك". وأعدت قراءة اسمي وما كتب تحته من ملاحظة والعواطف تموج في قلبي. وحّل الفخر والاعتزاز في نفسي محل الخيبة والمرارة.. إذن فقصتي تبشر بمستقبل أدبي جيد وكل ما هنالك أنني بحاجة إلى المران والعناية باللغة. وبهذه المناسبة أذكر لك أن مسألة المعاينة باللغة ظلت إحدى نقاط ضعفي، ويبدو أنني لم أكن مقتنعاً بها، وستكون فيما بعد مثار تأكيد صديقي وراعي نشاطي الأدبي في بداية حياتي الأدبية الدكتور علي جواد الطاهر.
إذن كانت ملاحظة المجلة مثار تشجيع لي لا مصدر إحباط لهمتي. وما دامت مجلة محترمة قد ارتأت أن كل ما أحتاجه هو المران فسأبعث بإنتاجي الجديد إلى المجلات الكبرى.. ولم لا؟! وهكذا قفزت مباشرة نحو التعامل مع المجلات الكبرى، ليس في العراق فحسب بل في العالم العربي أيضاَ. وأخذت أمطر مجلات كبرى بإنتاجي من أمثال "الرسالة" و "الثقافة" المصريتين و"الأديب" اللبنانية. وطبعاً لم ينشر من هذا النتاج شيء. ولم أكلّ أو أملّ من انتظار أعداد تلك المجلات بنفس اللهفة كل أسبوع أو شهر حسب مواعيد صدورها، وكان حصادي الدائم هو الخيبة. ومن الغريب أن تلك الخيبة لم تثبّط همّتي في الكتابة أو في إرسال المزيد من إنتاجي إلى تلك المجلات. وكان يمكن أن تكون عاملاً حاسماً في انصرافي عن الكتابة والأدب نهائياً. ويجب أن أسّجل هنا أن أول من فتح لي أبواب مجلته هو الشاعر اللبناني ألبير أديب صاحب مجلة "الأديب" البيروتية. وحينما زرت بيروت في صيف عام 1951 عند عودتي من القاهرة دعاني إلى وليمة في بيته وكان في غاية اللطف والدماثة معي.
قال الباحث وهو يبتسم: يبدو انك كنت متأكداً يا سيدي من نجاحك في النهاية وأنك كنت تملك ثقة راسخة في نفسك.

قال الأديب الشيخ وهو يهز رأسه متأملاً: ربما كان هذا هو السبب فعلاً.. لا أدري. المهم أن الرغبة في الكتابة ظلت تؤرقني. لكنني اقتنعت فيما يبدو بان من المناسب لي أن أراسل مجلات أقل شهرة من "الرسالة" أو "الثقافة" أو "الأديب". وكنت قد بلغت السنة الثانية من الدراسة المتوسطة. وسرعان ما أتت خطتي الجديدة بثمارها. فما أن أرسلت بأحد مقالاتي إلى مجلة عراقية مغمورة حتى ظهر في عددها اللاحق في مكان بارز. ولا تسلني عن فرحتي برؤية اسمي مطبوعاً بحروف بارزة في صدر المقال، فهي أعظم من أن توصف. وأتذكر أنني أخذت لأسابيع غير قليلة أنظر برثاء إلى أساتذتي لأنهم لم يحظوا بمثل هذا الشرف! وقد تغيّرت نظرة زملائي التلاميذ وأساتذتي إليّ فصارت أكثر احتراماً، وأخذ أحد إخواني في البيت يلقبني بـ "الأستاذ".
قال الباحث وهو يرنو بإعجاب إلى الأديب الشيخ: إذن يمكن القول أنك بدأت تنشر مقالاتك وأنت في سنتك الثانية من الدراسة المتوسطة.
قال الأديب الشيخ: نعم يمكنك أن تقول ذلك. فقد كان نشر ذلك المقال بداية لسيل من المقالات أخذت تظهر على صدر الصحف والمجلات العراقية المختلفة على نحو مستمر ومتصل. وكان هذا النشاط الأدبيّ محدوداً خلال سنتي الثانية من الدراسة المتوسطة، لكنه صار كالسيل حينما انتقلت إلى السنة الثالثة. فكنت أنشر حياناً أكثر من مقال في الأسبوع. ولم يقتصر نشاطي الأدبي على كتابة القصص والمقالات الأدبية والنقد الأدبي بل امتد إلى الميادين الاجتماعية والسياسية أيضاً. وكانت الحلّة في أواسط الأربعينات، شأنها شأن المدن الأخرى، تشهد مدّاً يساريا ووطنيا قوّيا0 فكنت مساهماً نشطاً في هذا المدّ ككاتب وكتلميذ بارز. وكنت أشترك دائماً في المظاهرات الشعبية التي كانت تندلع بين حين وآخر ضد السياسة الداخلية والخارجية للحكومة أيام العهد الملكي. وفي وسعك أن تقرأ نماذج من تلك المقالات في كتابي المعنون "كتابات مبكرة".وأريد أن أشيد هنا بفضل مجلة "الهاتف" النجفية عليّ لصَاحبها القصاص جعفر الخليلي، والذي أسرتني شخصيته بظرفها حينما عرفته فيما بعد، فقد احتضنتني في بداية حياتي الأدبية.
قال الباحث بإعجاب: هذا شيء عظيم حقاً.
وصمت الأديب الشيخ متأملاً ثم قال وهو يرمي الباحث بنظرات حزينة: يؤسفني أن أقول لك يا صديقي أن العراق كان يشهد في تلك المرحلة الزمنية من الربع الثاني من القرن العشرين نشاطا ثقافياً ملحوظاً لا يعرفه اليوم. فكانت المجلات الثقافية، فضلاً عن الصحف، تصدر ليس في العاصمة فحسب بل في المدن الإقليمية أيضاً كالموصل والبصرة والنجف والحلة والناصرية. وإنه لأمر محزن حقاً أن يستعرض المرء في ذهنه اليوم المجلات الثقافية التي تصدر في البلاد فيرى هذا النشاط قد انحسر انحساراً بالغاً في المدن الإقليمية.. أفلا ترى ذلك أمراً غريباً يا صديقي؟
قال الباحث: إنه لأمر غريب ومحزن حقاً.
قال الأديب الشيخ وقد طافت على وجهه بسمة مرة: كان من المتوقع بالطبع أن يرتفع عدد المجلات والصحف في بلادنا خلال نصف القرن هذا لكن العكس هو الذي حدث. لاحظ أن نسبة الأمية قد انخفضت انخفاضاً ملموساً وأن الجامعات قد ارتفع عددها من واحدة، أو من مجرد كليات متفرقة، إلى ما يربو على عشر جامعات. أفليس من المفترض أن يواكب ذلك نشاط ثقافي متصاعد؟!
قال الباحث: طبعاً هذا هو المفترض.
قال الأديب الشيخ بلهجته المرة: إن غياب الصحف والمجلات هذا لمؤشر معاكس.. أي دليلا على قلة عدد القراء. فما هو السبب يا ترى؟!
قال الباحث: ربما كان المسؤول عن ذلك التلفزيون يا سيدي. وهناك من يقول إنه العشق الجنوني لكرة القدم. وفريق ثالث يقول إن مرجعه إلى مصاعب ومشاغل الحياة المادية بحيث لا تترك مجالاً للقراءة.
قال الأديب الشيخ وهو يهز رأسه أسفاً: مهما تكن الأسباب الحقيقية فهي ظاهرة موجعة للقلب.
قال الباحث وهو يبتسم: ولكن دعنا في موضوعنا يا سيدي فهذه قضية شائكة. وأنا أريد أن أعرف ماذا أعقب هذه المرحلة الهامة من حياتك الأدبية بعد أن صار اسمك معروفاً لدى قراء المجلات في العراق.
قال الأديب الشيخ: وماذا تريد أن تعرف بالضبط؟
قال الباحث: أريد أن أعرف الأشخاص أو الكتّاب الذين تأثرت بهم في هذه المرحلة من حياتك الأدبية.
قال الأديب الشيخ: لقد تأثرت بكتّاب كثيرين يا صديقي منهم من احتككت بهم على صفحات كتبهم ومنهم من خالطتهم على مسرح الحياة.
قال الباحث وهو يرنو إلى الأديب الشيخ بنظرة باسمة: تذكر يا سيدي أننا نتحدث عن المرحلة المبكرة من حياتك.
قال الأديب الشيخ: ما دام الأمر كذلك فليكن حديثنا أولاً عن علي جواد الطاهر.

علي جواد الطاهر
اعتدل الشيخ في مقعده المريح وتاهت نظراته وقال متمهلاً: لقد عرفت الدكتور علي جواد الطاهر في مرحلة مبكرة من حياتي الأدبية، ربما وأنا في السنة الثالثة المتوسطة. وكان قد تخرج من دار المعلمين العالية من قسم اللغة العربية في عام 1945، ولم تكن كلية الآداب قد أنشأت بعد. وعيّن مدرساً للغة العربية في متوسطة الحلة للبنات.. لاحظ أن دار المعلمين العالية قد خرّجت العديد من أدبائنا ونقّادنا وشعرائنا الكبار. فلقد خرجّت قادة الشعر الحديث في العالم العربي ورّواده وهم بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي ولميعة عباس عمارة وسعدي يوسف وغيرهم. وهذا الأمر إن دل على شيء فإنما يدل على ارتفاع مستوى الأداء العلمي فيها يوم ذاك.
قال الباحث وهو يهز رأسه: هذا أمر لا ريب فيه.
واستطرد الأديب الشيخ يقول: إذن فقد عيّن الشاب الأحمر الشعر.. الأحمر الوجه.. الغريب السحنة نوعما مدرساً للغة العربية في مدارس الحلة. وكان كما أثبتت الأيام شعلة وقّادة من النشاط. ولعل أبرز ميزة في علي جواد الطاهر أنه كان يحب عمله في تدريس الأدب حباً جما. وكان يعده في الوقت نفسه هوايته في الحياة. وأزعم أن حماسه للأدب قراءة وكتابة وتدريساً لم يفتر حتى بعد أن تجاوز السبعين أمدّ الله في عمره. وكأنه قد تخرج أمس من دار المعلمين العالية.. وكأنه قد بدأ أمس نشاطه التعليمي. فلا عجب أن يشار إليه اليوم باعتباره شيخ النقاد في العراق، فهو شيخ بحق وحقيق.. شيخ في عمره وفي صناعته. وبالمناسبة لا بد لي أن أقول أن محبة علي جواد الطاهر للشعر ظلت تتفوق على محبته للقصة ولفنون الأدب الأخرى. ولا عجب فالشعر ميدان دراسته للدكتوراه وهو ولعه. ولذلك ظل تقييمه للشعر والشعراء أفضل في رأيي من تقييمه للقصة والقصاصين. وهذا أمر لا يعيبه فهو يبقى ناقداً ممتازاً في القصة والشعر لما يتصف به قلمه من حرارة وصدق ومعرفة وذوق رهيف.
قال الباحث وهو يهز رأسه مؤمنا: هذا صحيح فاسم علي جواد الطاهر من الأسماء الجليلة في ميدان النقد لدنيا. ولكن أسمح لي أن أسألك يا سيدي بأي شكل من الأشكال كان تأثيره فيك؟
قال الأديب الشيخ باعتزاز: برعايته لي وأنا في تلك السن المبكرة.. باحتضانه لأدبي وتشجيعه الدائم لي وأنا في أول خطواتي على درب الأدب.. بمحاولاته الدؤوبة للفت انتباهي إلى ما يعتور قلمي من عيوب. أفليس ذلك كافياً في رأيك؟
قال الباحث: بالطبع يا سيدي.
واصل الأديب الشيخ الكلام بلهجته الحارة: كان علي جوادالطاهر يرى ذلك واجباً من واجباته.. لم يكن يرى نفسه متفضلاً في رعايته لي والاهتمام بأدبي. فلقد بدا له أنني أمثلّ موهبة أدبية مبكرة، فأصبح لزاماً عليه أن يرعاها. كان شغوفاً بالأدب شغفاً حقيقياً ولذلك كان مستعداً لأن يأخذ بيد كل من يعتقد أنه يمكن أن يصبح أديباً ناجحاً. وقد حاول ذلك مع تلاميذته وتلميذاته. وكان قد انتدب لتدريس اللغة العربية في متوسطة الحلة للبنات كما ذكرت. فأحدث ثورة ثقافية في المدرسة، إذ عمل على تشجيع الطالبات على إصدار مجلة كان عنوانها "استفيقي". فكانت حدثاً ثقافياً مرموقاً في مدينة الحلة وربما في البلاد بأجمعها.. لاحظ أن التعليم النسوي كان يومذاك في بدايته ولم يكن يفكر أحد آنئذ في أن يخرّج من طالبات المتوسطة الصغيرات كاتبات!
صمت الأديب الشيخ وقد أشرق وجهه ثم عاد يقول بلهجته الحارة: ولقد استمرت صلتي بعلي جواد الطاهر منذ ذلك الزمن المبكر واشتدت متانة على مر السنين وما زالت حميمة حتى اليوم. وأتذكر باعتزاز كيف كان يمطرني برسائله المستفيضة حينما سافر للدراسة العليا في باريس في أوائل الخمسينيات. فلقد كان يحدثني في تلك الرسائل عن كل أوجه الثقافة والفنّ التي كان يكرّس لها وقت فراغه وكأنه كان يريدني أن أكون في صحبته.. حدثني عن المتاحف على اختلاف أنواعها.. وعن المسارح التي كان مولعاً بارتيادها.. وعن النقاشات الفكرية والفنية التي كانت تدور على صفحات الصحف الكبرى.. وعن أحدث الكتب القصصية التي كانت تصدر يومذاك وما يدور حولها من نقد وخصوصاً الكتب الفائزة بالجوائز الأدبية. كانت رسائله إليّ سجلاً فنيّاً رائعاً لحياته الفكرية في باريس والتي حاول أن يشركني فيها. ومن المؤسف أنني فقدت تلك الرسائل فيما فقدت من آثار ثمينة حينما احترق منزلي أو أحرق من قبل الباغين على النحو أدق. ولو لم تحترق تلك الرسائل لكوّنت كتاباً أدبياً رائعاً، ربما أشبه بكتاب "زهرة العمر" لتوفيق الحكيم. ولقد أشتمل هذا الكتاب على الرسائل التي كان يتبادلها الحكيم أثناء وجوده في باريس مع صديقه أحمد الصاوي محمد. وأصارحك يا صديقي بأنني لم أحزن لاحتراق المنزل بقدر ما حزنت لفقدان أمثال تلك الرسائل، وكان لديّ الكثير منها والتي كتبها إليّ أدباء عرب مرموقين.
وأطرق الأديب الشيخ مغموماً فقال الباحث مترفقا: آسف يا سيدي إذ أثرت أشجانك وذكّرتك بهذه الخسارة الفادحة، ولكن لا فائدة من الحزن. وأرجوك أن تسمح لي بمواصلة حوارنا.
رفع الأديب الشيخ رأسه وقد استعاد هدوءه وقال: معك حق.. لنعد إلى حوارنا.
قال الباحث: فهلاّ حدثتني يا سيدي عمّن أثرّ فيك أيضاً من الأشخاص في حياتك المبكرة؟

مهدي المخزومي
قال الأديب الشيخ وهو طلق الوجه: لابد لي في هذه الحالة إذن أن أحدثك عن العلامّة اللغوي الكبير المرحوم مهدي المخزومي. فصداقتي معه تعادل في متانتها ودوامها وفائدتها صداقتي مع علي جواد الطاهر. وكان له الفضل في تقويم لغتي في وقت مبكر.
ولقد عرفت مهدي المخزومي في وقت مبكر من حياتي كما عرفت علي جواد الطاهر، وبالتحديد في الشهور الأخيرة من عام 1948 حينما حللت في القاهرة طالبا موفدا للدراسة في جامعة القاهرة "جامعة فؤاد الأول" يومذاك. وكان في طريقة تعرفي به شيء من الغرابة. فلم أتعرف به في رحاب كلية الآداب مثلا وكلانا كان طالبا فيها، ولا في مقر السفارة العراقية التي كنا نزورها كل شهر لتلقي رواتبنا، بل عرفته في المطعم الذي كنت أتناول غدائي فيه وهو "مطعم المنظر الجميل". وكنت كلما زرت المطعم استلفت نظري شاب وديع يتخذ دائما مائدة معينة بجوار دكة صاحب المطعم. وكان يجتذبني بخصلتين: الأولى شبهه الشديد بجبران خليل جبران "وأعني صورة جبران التي كانت تنشر على غلاف كتبه"، والثانية صوته الخفيض الذي لم يكن يرتفع أبدا، رغم النقاشات المحتدمة الدائمة بين أفراد المائدة. وكان يشاركه في المائدة صاحب المطعم وشخص مبسوط الجسم داكن البشرة، عرفت فيما بعد أنه الدكتور محمد خلف الله صاحب كتاب "القصص الفني في القرآن". وبما أنه كان عراقي اللهجة خلاف زميليه، فقد وجدت نفسي ذات يوم أتقدم من مائدتهم وأستأذن في مشاركتهم الجلسة. وقدمت نفسي إليهم وإذا بالمخزومي يرحب بي ترحيبا حارا مؤكدا لي أنه قرأ لي كثيرا وأنه معجب بقصصي. وهكذا صرت الرفيق الرابع في المائدة. وكنت يومذاك طالبا في السنة الأولى من قسم الجغرافية وكان هو يحضر الماجستير في النحو العربي.
ولقد توثقت صلاتنا بدرجة عظيمة وربطت بيننا صداقة حميمة. فلقد شدني إليه بدماثة خلقه ولطفه وحرارة عواطفه، فضلا عن اتفاقنا في آرائنا السياسية. وجعلنا نلتقي بصورة دائمة خارج المطعم. وكثيرا ما كنا نمضي أمسياتنا في مقهى تقع في "ميدان الأزهار" القريبة من سكننا. وكان يشاركنا جلساتنا المرحوم عبد الرضا صادق شقيق الشاعر اللبناني حبيب صادق الذي كان يحضّر للماجستير في اللغة العربية أيضا. وعن طريق المخزومي تعرفت يومذاك بالجواهري الذي وفد في أواخر الأربعينات على القاهرة بعد أن ضاق ذرعا بالجو السياسي في العراق، وكان ذا صلة وثيقة بالمخزومي. كما تعرفت أيضاً على المرحوم الشيخ محمد رضا الشبيبي الذي كان يحضر إلى القاهرة للمشاركة في اجتماعات المجمع اللغوي. وكنت أرافقه دائما في زياراته للشيخ الشبيبي الذي كان يعبر دائما أثناء حوارنا عن سخطه على الأوضاع السياسية في العراق. وكان يكن للمخزومي احتراما خاصا.
ولقد استمرت صلتنا القوية طوال فترة بقائي في القاهرة فيما بين عام 1948-1951 وكنت أثناء ذلك أعرض عليه ما أكتب من قصص فيقوّمها لغويّا. ولكن هذه الصلة انقطعت بعد حصولي على الليسانس وعودتي إلى بغداد عام 1951 فلم يتسن لي اللقاء به. وكان المخزومي قد بقي في القاهرة للحصول على الدكتوراه ولم يعد إلى العراق إلا عام 1954. وكنت قد غادرت بغداد إلى لندن في صيف عام 1954 حينما لاحت في الجو نذر الهجمة الشرسة على العاملين في مجلة "الثقافة الجديدة"، و كنت محررها الأدبي، وبذلك نجوت من القبض عليّ0 ولقد ألقي القبض على صلاح خالص وصفاء الحافظ وإبراهيم كبة وفيصل السامر وعبدالوهاب البياتي وغيرهم وسيقوا إلى الخدمة العسكرية في معسكر خان بني سعد. ولما عدت إلى العراق في أعقاب ثورة تموز 1958 بعد نيلي الدكتوراه تزاملت مرة أخرى مع المخزومي في كلية الآداب0 وعادت صداقتنا إلى سابق عهدها ولم نفترق بعد ذلك أبدا.
وانغمرنا معا في النشاط السياسي الذي أعقب ثورة تموز واشتركنا معا في لجان الدفاع عن الجمهورية مما كان يحيق بها من مخاطر يومذاك. وكنا محسوبين على التيار اليساري وإن لم نكن ننتمي إلى حزب معين. ولما اختير المخزومي عميدا لكلية الآداب في مقتبل عام 1959 اخترت بعد أشهر قليلة مساعدا له. وأثناء شغلي لهذا المنصب منحني صلاحيات مطلقة في إدارة الكلية.فاختص هو بشؤون الأساتذة وترك لي أمر إدارة الكلية والطلاب. وكانت تلك الفترة من أصعب الفترات التي مرت بها البلاد. وكانت تلك الصعوبات تنعكس على كليات الجامعة عموما وهي من أخطر مؤسسات البلاد (بعد الجيش) وأشدها احتداما في نشاطها السياسي. وكان مما عقّد الأمر في كلية الآداب استهدافها من قبل ما سمي بالتيار القومي، وكان أعنف من يمثله في الصحف يومذاك الدكتور المرحوم شاكر مصطفى سليم. فقد شن حملة شعواء على إدارة الكلية، وخصوصا على الدكتور المخزومي، مدعيا أننا نميز في المعاملة بين الطلاب، وأننا نضطهد الطلاب القوميين، مع أن الطلاب المنصفين كانوا يشهدون لنا بأننا في غاية العدالة في التعامل معهم. وكنا نحاول حمايتهم على اختلاف اتجاهاتهم مما يحدث بينهم من صراعات ومن تدخلات أجهزة الأمن. وقد تعرضت أنا بالذات بسبب ذلك إلى مضايقات أجهزة الأمن والشرطة0 وقد أقيمت ضدي من قبلهم ثلاث دعاوي. والمهم أن افتراءات شاكر مصطفى سليم على المخزومي حوّلته غولا في أذهان الناس. وأذكر بهذه المناسبة أنه حينما التحق المخزومي بجامعة الملك سعود في الرياض في عام 1964 كان الطلاب السعوديون الذين اطلعوا على كتابات شاكر مصطفى سليم يأتون للتفرج على هذا الغول. ولكن حين صار معروفا للطلبة دهشوا لتناقض الصورتين. فقد أسرهم المخزومي برقته ووداعته ودماثته وهي صفات متأصلة فيه وليست متكلفة. وقد أحبه طلبته وزملاؤه الأساتذة السعوديون محبة جمة0 وقد أدهشهم بغزارة علمه ودماثة خلقه.
وكما أشرت في البداية فقد وطّدت صلتنا أحداث الحياة اليومية بصورة عميقة. فإضافة إلى عملي مساعدا له في إدارة كلية الآداب فقد تزاملنا في اللجنة المركزية لاتحاد الأدباء العراقيين في أوائل الستينات. كما تزاملنا في السكنى أيضا. فقد حصلنا من جمعية مساكن أساتذة الجامعة على قطعتي أرض لا يفصل بينهما سوى مسيرة دقيقة واحدة (في منطقة الداوودي). وقد وفر لنا ذلك اللقاء بصورة دائمة مما وثق صلاتنا الأسرية. ولقد كان هذا التجاور عاملا في إنقاذ حياته من أزمة قلبية تعرض لها ذات يوم. ففي ذات ليلة من ليالي عام 1975 (في أيام "أبو طبر" المخيفة) انهالت الطرقات على باب منزلنا في حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، ولما فتحت الباب رأيت أمامي زوجة المخزومي وهي في غاية الاضطراب. وبادرتني بالقول إن المخزومي في حالة سيئة جدا. وهرعت إليه فوجدته بالكاد يستطيع الكلام. وكان لابد من إحضار الطبيب له. ولكن الأمر بدا مستحيلا في تلك الساعة وفي ذلك الظرف المرعب0 فلم يكن هناك من هو مستعد لمغادرة بيته بعد منتصف الليل. وتذكرت طبيبا يسكن المنصور كانت تربطني به صداقة قديمة فأسرعت إليه0 واستجاب لرجائي وصحبني إلى بيت المخزومي. ولما فحصه قال لي إنه يعاني من أزمة قلبية حادة وإن لم يسعف في الحال فسيفقد حياته. ومنعني من نقله بسيارتي إلى المستشفى0 واستدعينا الإسعاف ولحسن حظنا لم يتأخر في الحضور، ورافقته إلى مدينة الطب. وما كاد يتمدد على طاولة الفحص ويسأله الطبيب عما يشكو حتى أغمض عينيه وتوقف قلبه عن الخفقان. وساد غرفة الفحص اضطراب شديد وبذلت محاولات محمومة لإعادة قلبه إلى العمل. واستغرقت تلك المحاولات دقيقة واحدة كنت أنتظر أثناءها خارج غرفة الفحص، ولعلها كانت أطول دقيقة في حياتي. وكنت قد يئست من عودة الحياة إليه. ولكن ما كان أعظم سروري حين فتحت الباب وأطل الطبيب منها قائلا: "إن قلبه قد عاد إلى العمل". وقد مكث إثر تلك الليلة في مدينة الطب ما يقرب من ثلاثة أشهر كنت أزوره أثناءها كل يوم تقريبا. وحينما عاد إلى العمل ولم يعد بوسعه السياقة كان يرافقني في سيارتي كلما قصد الكلية.
وشاءت أحداث الحياة أيضا أن نتشارك في مأساة مروعة كان لتجاور دارينا أيضا عامل في ذلك- وهو أن يتم اعتقالنا في وقت واحد في أحداث 1963. فقد اعتقلنا في اليوم الأول في مساء يوم الجمعة في حوالي العاشرة مساء، وحملونا في نفس السيارة (البيكب) وبرفقتنا صديقي الرسام الكبير المرحوم خالد الجادر (الذي كان منزله ملاصقا لمنزلي). والتحق بنا في نفس السيارة الصديق شاطي عودة وعدد آخر تجاوز العشرين. ونقلنا أولا إلى مركز شرطة المنصور حيث مكثنا ما يقرب من ساعة. ثم نقلونا إلى مركز شرطة الكرخ ومكثنا فيه حوالي الساعة أيضا0 ثم حملونا إلى مديرية الأمن العامة التي مكثنا فيها ما يقرب من ساعتين نقلونا بعدها إلى المعتقل رقم 1 (المعتقل العسكري). وفي طريقنا إلى مديرية الأمن العامة كدنا نفقد حياتنا. فما أن اجتازت سيارتنا جسر الشهداء حتى أوقفتها ثلة من الضباط، وتساءلوا من نكون؟ فأجابهم المسئول عن السيارة إنهم شيوعيون، (وكان يصحبنا في السيارة عدد من الحرس القومي). فطلبوا من رئيس حرسنا أن ينزلنا من السيارة لينفذوا فينا حكم الإعدام طبقا للبيان رقم 13. لكنه أجابهم بحزم إن لديه أمر بتسليمنا إلى مديرية الأمن العامة وأننا أمانة بين يديه. واشتد الجدل بينه وبين الضابط وشهر كل منهم سلاحه في وجه الآخر0 وكنا نتفرج على الجدل الدائر بينهم وكأن الأمر لا يعنينا! وأخيرا تراجع الضباط وسمحوا لسيارتنا بمواصلة طريقنا. وهكذا أنقذنا من الموت بأعجوبة بفضل إصرار المسئول عن سيارتنا. وقد أمضيت مع المخزومي قرابة شهر في نفس الغرفة في معتقل رقم 1. وقد ضمت الغرفة ما يقرب من عشرين شخصا وهي لا تتسّع إلاّ لمعيشة ثلاثة أشخاص. وكان من جملة رفاقنا خالد الجادر وشاطي عودة والدكتور عبد الجبار عبد الله رئيس الجامعة وإبراهيم كبة. وكانت ظروف المعتقل في غاية السوء (وقد صورتها في مسرحيتي "الشيء"). وكان المخزومي من بين القلائل الذين تحلوا بصبر عظيم في احتمال ظروف الحياة القاسية في السجن.ثم فارقته بعد أن نقلت إلى سجن الحلة، وكان من جملة رفاقي المرحوم الدكتور عبدالحميد البستاني طبيب الأطفال المشهور0
وشاءت ظروف الحياة أيضا أن نظل أنا والمخزومي متلازمين. فحينما عزلت من كلية الآداب في أعقاب أحداث رمضان 1963 (وعزل معي خمسة آخرون من كلية الآداب كان من بينهم المخزومي وعلي جواد الطاهر وخزعل البيرماني وعبد الجليل الطاهر) تناهى نبأ عزلي إلى الدكتور عبد العزيز الخويطر الذي كان يومذاك مديرا لجامعة الملك سعود. وكان زميلا لي وصديقا أثناء دراستي في لندن. فأرسل إليّ برقية يستدعيني للالتحاق بجامعة الملك سعود. ولما التحقت بالجامعة- بعد صعوبات جمة- طلب مني أن أقدم له أسماء بعض الأساتذة المعزولين ممن أثق بمكانتهم العلمية. فقدمت إليه من بين الأسماء المخزومي وعلي جواد الطاهر وعبد الجليل الطاهر وعدد آخر من الأساتذة. وهكذا تزاملنا من جديد أنا والمخزومي في جامعة الملك سعود. وأذكر بهذه المناسبة أن السلطات العراقية يومذاك ظلت تلاحقنا- أنا والمخزومي بالذات- طوال بقائنا في السعودية لقرابة خمس سنوات وتحث السلطات السعودية على طردنا. لكن السلطات السعودية رفضت الاستجابة لتحريضاتهم. وكان أكبر المدافعين عنا الدكتور عبد العزيز الخويطر والمرحوم المحامي عبد الرزاق الحمود عضو الجبهة القومية لعام ،1954 والذي كان يقيم في الرياض يومذاك، وكان مقربا للسلطات. وخلال بقائنا في الرياض ازدادت علاقتنا الأسرية متانة، حتى أننا كنا نمضي إجازتنا الصيفية معا في لبنان في مصيف ظهور الشوير. واستمرت علاقتنا بنفس المتانة حينما عدنا إلى العراق في عام 1968 عندما ألغت جامعة بغداد قرارها بعزلنا وذلك قبل مجيء حكومة البعث للمرة الثانية في عام 1968. وأخيرا قامت جامعة بغداد في مقتبل عام 1981 بإحالتنا على التقاعد مرة أخرى (في قائمة واحدة مع أثنين آخرين هما علي جواد طاهر ومعروف خزندار). ولم نفترق عن بعضنا إلا في عام 1986 حينما سافرت إلى الجمهورية اليمنية للعمل في جامعة صنعاء. ولم أره ثانية لأنني لم أعد إلى الوطن منذ غادرته للأسباب المعروفة . وبعد كل شيء فهل يكون ثمة صلة بين صديقين أقوى من هذه الصلة؟!
قال الباحث الشاب في حماسة: إنها لصداقة رائعة حقا.
قال الأديب الشيخ بحرارة: ولكن الأمر المهم في هذه الصداقة أنني انتفعت من علم المخزومي كثيرا في تقويم لغتي، كما أنني انتفعت من ملاحظاته القيمّة التي كان يبديها حول قصصي التي كنت أعرضها عليه، وهو ذوّاق ممتاز للأدب.
قال الباحث الشاب: هذا أمر لاشك فيه.
وأطرق الأديب الشيخ وقد بدا الحزن على وجهه0 ثم قال في مرارة وقد التوت شفتاه: ولعل من سخرية الزمن أن عالماً ضليعاً في اللغة مثله يشهد له القاصي والداني لم يختر عضواً في المجمع العلمي العراقي، كما لم يختر أيضاً علي جواد الطاهر، فيا له من عقوق.
قال الباحث الشاب: ما أشد ما يحزنني حديثك هذا عن العلاّمة المخزومي يا سيدي.. وكم يحزّ في نفسي أن تتعرض أنت والمخزومي وأمثالكما من علماء البلد وأدبائه إلى مثل ذلك الأذى والجحود على أيدي حكّام مارقين.. إنه لأمر مؤسف حقا.
وخيّم صمت حزين وأطرق الأديب الشيخ والباحث الشاب وقد تعكّر وجهاهما. وأخيراً رفع الباحث الشاب رأسه وقال بلهجة مترفقة: هل تسمح لي يا سيدي أن أسألك عن الآخرين الذين أثرّوا في حياتك الأدبية المبكرة؟

محمد علي محيي الدين
15-01-2009, 08:00 PM
<!-- /* Font Definitions */ @font-face {font-family:&quot;Cambria Math&quot;; panose-1:2 4 5 3 5 4 6 3 2 4; mso-font-charset:0; mso-generic-font-family:roman; mso-font-pitch:variable; mso-font-signature:-1610611985 1107304683 0 0 159 0;} @font-face {font-family:Calibri; panose-1:2 15 5 2 2 2 4 3 2 4; mso-font-charset:0; mso-generic-font-family:swiss; mso-font-pitch:variable; mso-font-signature:-1610611985 1073750139 0 0 159 0;} /* Style Definitions */ p.MsoNormal, li.MsoNormal, div.MsoNormal {mso-style-unhide:no; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:&quot;&quot;; margin-top:0cm; margin-right:0cm; margin-bottom:10.0pt; margin-left:0cm; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:&quot;Calibri&quot;,&quot;sans-serif&quot;; mso-fareast-font-family:Calibri; mso-bidi-font-family:Arial;} .MsoChpDefault {mso-style-type:export-only; mso-default-props:yes; font-size:10.0pt; mso-ansi-font-size:10.0pt; mso-bidi-font-size:10.0pt; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-fareast-font-family:Calibri; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-bidi-font-family:Arial;} @page Section1 {size:612.0pt 792.0pt; margin:72.0pt 90.0pt 72.0pt 90.0pt; mso-header-margin:36.0pt; mso-footer-margin:36.0pt; mso-paper-source:0;} div.Section1 {page:Section1;} --> محمود تيمور
قال الأديب الشيخ بنبرة وشت بحرارة عواطفه: سأحدثك عن شخص من أحب الأشخاص إلى قلبي وممن ترك بصمة واضحة في أدبي في تلك المرحلة المبكرة وهو القصصي الكبير المرحوم محمود تيمور. وبهذه المناسبة أقول لك أنني أعدّ محمود تيمور أستاذي الأول في القصة القصيرة. أما أستاذي اللاحق فكان أنطون تشيخوف. صحيح أنني كنت متأثراً نوعما في بداية كتابتي للقصة بالكاتب الفرنسي جي دي موبسان الذي عرفته على صفحات مجلة "الرواية". ولاشك أن محمود تيمور نفسه تأثر في بداية عهده بكتابة القصة بموبسان أيضاً ، وربما حتى لغاية أواخر عهده. وما أكثر القصصيين الأوربيين الذين تأثروا بموبسان في بداية عهدهم بكتابة القصة القصيرة. فموبسان في الواقع هو خالق النمط الفني الجديد للقصة القصيرة في أوائل القرن التاسع عشر. وكان عملاق القصة القصيرة في مطلع عهد الواقعية.. عهد فكتور هوغو وأنوريه دي بلزاك وغوستاف فلوبير إميل زولا . وكان إحدى القمم الشامخة في الأدب الفرنسي. حتى شيخوف نفسه أستاذ القصة الفنية الحديثة قد تأثّر به في بداية كتابته للقصة القصيرة. وقد قرأت له مرة كلاماً يشيد بموبسان ودوره الرائد في خلق القصة القصيرة. لكن لقصص موبسان عيوبها المعروفة والتي تؤكد على الجوانب الكلاسيكية كالعقده والحل والمفاجأة وتنأى عن الغوص في أعماق النفس البشرية وتنطوي على الشيء الكثير من خصائص الحكاية. وربما وقع محمود تيمور في بداية حياته الأدبية تحت سلطان موبسان في هذه الخصائص. لكنه عرف فيما بعد تشيخوف فتأثر بفنّه. ولقد انسحب تأثّر تيمور بموبسان وتأثّري بتيمور على مجموعتي القصصية الأولى "صراع" التي صدرت عام 1948 وقد أهديتها إليه0 ففي تلك المرحلة من حياتي عرفت تيمور، وبالذات في سنتي الثالثة المتوسطة، ففتنت به. لاحظ أن تيمور كان يومذاك الشخصية الطاغية في القصة العربية، ولم يكن يضاهيه أي كاتب آخر. وأنا أعتقد أن القصة العربية تدين لتيمور بدين عظيم. ولعله كان الكاتب الوحيد الذي ظل مخلصاً لها إلى آخر حياته. وهو يذكّرني في اخلاصه هذا بموقف تشيخوف من القصة القصيرة والتي كانت دائماً وأبداً السّلم الذي يرتقيه الكتّاب ليصلوا إلى الرواية. وإذا ما بلغوها نبذوا القصة القصيرة وتنكروا لها ولم يعودوا إليها إلا نادرا. وهذه القاعدة كانت-ولعلها لا تزال- نافذة في آداب العالم المختلفة. وبوسعي أن اعددّ لك العشرات من الكتاب الغربيين الكبار الذين بدؤا حياتهم الأدبية كتّاب قصة قصيرة ثم تحولوا فيما بعد إلى الرواية. ولا أدري ما هو السبب.. ربما يعود إلى شعورهم بأن الرواية تستوعب إمكاناتهم وطاقاتهم الضخمة. ولعل الوحيد الذي لم يفعل ذلك هو أنطون تشيخوف سيد القصة القصيرة في زمانه. ومع أنه عاش ضمن مرحلة العمالقة في الأدب الروسي الكلاسيكي من أمثال دوستويفسكي وتولستوي وتورغنيف وغوغول والذين كانت روايات البعض منهم تتجاوز الآلف صفحة لكنه ظل مصراً على التشبت بالقصة القصيرة. ولم يكتب طوال حياته سوى رواية واحدة عنوانها "ذلك الشخص التافه ديموف"، وكانت رواية ضعيفة. فاتعض بتلك التجربة الفاشلة ولم يكررها. ويندر أن يرد ذكر تلك الرواية. وقد صمد تشيخوف في وجه إغراء كتابة الرواية وهو يشهد المجد الذي يحققه في عهده كتّاب الرواية العظام، وخصوصا تولستوى ودوستويفسكي، حتى استطاع قبل وفاته أن يحرز للقصة القصيرة مكانة عالية لدى القارئ الروسي تضاهي مكانة الرواية.
وترتبط سيرة تيمور في ذهني بسيرة تشيخوف في جوانب كثيرة، بل إنني لأزعم أنه شبيه له في خلقه أيضاً. فهو لم يكتب في حياته سوى روايتين هما "كليوباترة في خان الخليلي" و "سلوى في مهب الريح" ولا يمكن اعتبار "نداء المجهول " رواية فهي ليست سوى قصة طويلة. ولم يصب في هاتين الروايتين ما أصابه من نجاح في قصصه القصيرة. كذلك سار محمود تيمور على منوال تشيخوف فألفّ للمسرح لكنه لم يحلّق فيه كما حلّق تشيخوف، وإن كانت مسرحياته التاريخية على مستوى طيب. أما تشيخوف فيعد من عمالقة المسرح الحديث الخارج على الأصول التقليدية لمسرح القرن التاسع عشر، على الرغم من أنه لم يكتب سوى أربع أو خمس مسرحيات طويلة وبعض المسرحيات القصار.
وصمت الأديب الشيخ لحظة ليلتقط أنفاسه ثم واصل الحديث قائلاً: ولأعد إلى الكلام عن بداية معرفتي بتيمور. فقد ذكرت لك أنني عرفته وأنا في السنة الثالثة المتوسطة. وكنت قد أضحيت كاتباً تنشر لي مجلات العراقية والعربية باستمرار. فقد قرأت له يوماً إحدى مجموعاته القصصية ولا أتذكر أيها بالضبط ففتنتني. وبادرت بكتابة مقال ضاف عنها في إحدى المجلات الأدبية. وأرسلت إليه نسخة من المجلة المذكورة مشفوعة برسالة أعّبر فيها عن إعجابي الشديد بالمجموعة القصصية. ولدهشتي وفرحي الشديدين تلقيت بعد مضي أقل من أسبوعين رزمة ضخمة تضم عدداً من كتب تيمور مرفقة برسالة قصيرة تعبر عن شكره وتثمينه للمقال المذكور. وكانت تلك الرسالة فاتحة لمراسلات متصلة بيننا لم تنقطع حتى تمّ لقاؤنا في القاهرة عام 1948 حينما سافرت للدراسة في جامعتها.
حكاية..
وشغفت في هذه المرحلة من حياتي بتيمور ولم يكن لساني يكّل من الحديث عنه. وكان لأحد إخواني الكبار صديق من أهل السوق محباً للثقافة فقرر أن يطلق اسم تيمور على ابنه المقبل، وكانت زوجه حاملاً يومذاك ورزقه الله بولد فسماه تيمور.
وانعكس شغفي بتيمور في المقالات التي كنت أكتبها عن مؤلفاته. وكانت تلك المؤلفات تصلني بالبريد حال صدورها. وكنت أبادر بكتابة مقالات مسهبة عنها. وفي وسعك أن تراجع بعض تلك الكتابات في كتابي المعنون "كتابات مبكرة". ولم يقتصر اهتمامي بتيمور على الكتابة عن مؤلفاته بل عينّت نفسي محامياً عنه ضد كل من يتجرأ على الإساءة إلى أدبه. وفي كتابي "كتابات مبكرة" نماذج من تلك المقالات.
وسكت الأديب الشيخ فقال الباحث متسائلاً: ولكن لماذا فتنك أدب تيمور إلى هذا الحد يا سيدي مع أنك كنت تطّلع على ثمار الأدب العالمي وفيها ما فيها من قمم وشوامخ؟!
قال الأديب الشيخ وهو يرنو إلى الباحث بنظرات متأملة: إسمع يا صديقي. أنت تعيش الآن في عهد آخر غير العهد الذي عشته. وصحيح أنني كنت أقرأ ثمار الأدب العالمي مترجمة إلى اللغة العربية، لكن تلك الكتابات المترجمة كانت محدودة يومذاك. ثم أنني كنت أنظر إليها على أنها أدباً أجنبياً. أما أدبنا العربي فكان له في عرفي شأن آخر. وكنت أرى تيمور قمة من قممه بل وأعلى قمة قصصية فيه. أنا لا أنكر أنه كان هناك قصاصون آخرون يدانونه براعة كيحيى حقي مثلاً لكنه كان الأبرز والأكثر تواجداً في السوق. ثم أن عدد كتّاب القصة كان محدودا يومذاك، ليس في سائر أنحاء الوطن العربي فحسب، بل في مصر أيضاً. وكان تيمور علماً في أدب القصة، فمن الطبيعي أن يستحوذ على كل اهتمامي، لاسيما وأن ميلي كان متركزاً في القصة القصيرة. وأنا في الحقيقة لا أستغرب سؤالك هذا واستهانتك بأهمية تيمور في ميدان القصة القصيرة..
قاطع الباحث الأديب الشيخ قائلاً: أستغفر الله يا سيدي فأنا لم أقصد إلى هذا المعنى، ومكانة تيمور في أدب القصة العربي لا يختلف فيها اثنان.
قال الكاتب الشيخ وقد بدت على وجهه علائم الارتياح: على كل حال أنا لا أستغرب سؤالك هذا يا صديقي فلم يعد اسم تيمور يتردد اليوم على أقلام الكتّاب وفي صدر الصحف والمجلات كما يتردد اسم طه حسين والعقاد والحكيم والمازني، مع أن هؤلاء ليسوا أعظم أهمية منه فيما لعبوه من دور في الأدب العربي الحديث. وإن ذلك ليدهشني ويؤلمني حقاً. فلماذا يعمّى على قيمة تيمور الأدبية ويبخس دوره الرائد في القصة العربية؟! ولماذا لا يذكر مع العمالقة الذين ذكرتهم وهو لا يقل عنهم أهمية ؟ إن محمود تيمور هو رائد القصة القصيرة في الأدب العربي الحديث. وإن مجموعاته القصصية من أمثال "الشيخ عفا الله" و "أبو علي عامل آرتيست" و "قلب غانية" و "قال الراوي" و "مكتوب على الجبين" و "كل عام وانتم بخير" و "شباب وغانيات" و"دنيا جديدة" إلى آخره، لمن أنفس ما كتب من قصص قصيرة في أدبنا العربي الحديث بما تنطوي عليه من رسم دقيق للشخوص والغوص في أعماق النفس البشرية والحوار الطلي. وهي سجل لحياة الشعب المصري وخصوصاً أبناء الريف البسطاء الذين أولع تيمور ولعاً خاصاً بتصوير حياتهم. ويمكنك أن تقول بان هناك نوعا من التماثل بينه وبين نجيب محفوظ. فروايات نجيب محفوظ هي سجل للمجتمع المصري المدني في حين أن قصص محمود تيمور هي سجل للمجتمع المصري الريفي. وكان تعاطف تيمور مع الفلاح المسحوق أمراً مثيراً للاستغراب. فهو كما تعلم ابن باشا ومن أسرة أرستقراطية عريقة. ولكن نفسه الرهيفة ومشاعره الإنسانية العالية لم تكن لتحجب عنه ما يكابده الفلاح المصري من بؤس. وأوكد لك مرة أخرى يا صديقي أن أسلوبه في كتابة القصة الواقعية كان أسلوباً متفرداً، ولم يكن أدبه مجرد نقل وصفي من الواقع. وكان من بين الأوائل الذين كتبوا حوار الشخصيات بلغتهم العامية تأكيدا على الجانب الفني في القصة. ومن المؤسف أنه غيّر رأيه في أواخر حياته وأعاد كتابة قصصه الأولى بلغة معجمية وإن كانت لغة مشرقة وصافية. وقد أخلّت هذه اللغة في بعض المواضع بالجوانب الفنّية من القصص. فقد أفقد ذلك قصصه حيويتها وتدفقها خصوصاً وإن معظمها يدور حول حياة أناس بسطاء من أبناء الشعب. ويخيل إليّ أن هذا الانقلاب في أفكاره عن مقومات القصة، وأقصد ما يتعلق بلغتها وحوارها، يعود إلى اختياره عضواً في مجمع اللغة العربية، فحاول أن يثبت انه ليس أقل معرفة باللغة من جهايذة اللغويين الأكاديميين.. لاحظ أن تيمور لم يدرس دراسة عالية شأنه ِشأن العقاد. وأذكّرك بأن نجيب محفوظ بجلالة قدره لم يختر عضواً في مجمع اللغة العربية. فمن المعروف أن لغته ليست عالية. وعضوية "المجمع اللغوي" قاصرة على المتميزين باللغة. فحال المجمع ليس كحال "الأكاديمية الفرنسية" التي تضم إليها كل كاتب يعلو شأنه. والحقيقة أن تيمور واصل طريق التنطع اللغوي وأصدر كتباً أو كتّيبات حاول فيها أن يقرّب اللغة العامية من الفصحى، كما حاول أن يلقي بعض الأضواء على مشاكل لغوية. ولحسن الحظ أن هذا الخطأ الذي وقع فيه تيمور لم يقع فيه الحكيم ولا نجيب محفوظ.
قال الباحث الشاب بلهجة مترفقة: ولكن أفلا ترى يا سيدي أن حماسك الشديد لتيمور يومذاك ربما كان متأثراً بصلتك الشخصية به إضافة إلى إعجابك بأدبه؟
فكّر الأديب الشيخ لحظة ثم قال: أعتقد أن هذه نقطة مهمة فعلاً. فالصلة التي انعقدت بيننا كان لها أثراً في إعجابي بأدبه. فلم يفتّني أدب تيمور فحسب، بل فتنتني أخلاقه كما انعكست في رسائله، ورسمت صورة جميلة في مخّيلتي. تصورته شخصاً دمث الخلق، رقيقاً، مهذباً، يمتلئ قلبه بالحب. وهكذا وجدته بالفعل حينما التقيت به. وكان على رأس رغائبي حينما شددت الرحال للدراسة في مصر هي اللقاء بتيمور. وكان ذلك سبباً قوياً من أسباب تفضيلي الدراسة في جامعة القاهرة على غيرها من الجامعات في البلدان الأوربية وأمريكا. وكنت قد اخترت عضوا في البعثة العلمية لعام 1947 للحصول على الليسانس في الجغرافية. وكان أمامي خيارات عديدة في بلدان الدراسة. وبطبيعة الحال كان من دوافع اختياري للقاهرة الالتقاء بالأدباء الآخرين الذين كنت أراسلهم، كنجيب محفوظ، مثلاً والعيش في القاهرة مركز النشاط الأدبي في العالم العربي. ولا تسلني عن سعادتي يوم التقيت لأول مرة بمحمود تيمور.. كان يوماً مشهوداً من أيام حياتي حقاً! وقد قابلني تيمور بنفس المحبة والحرارة والترحاب. وخلال إقامتي في القاهرة التي دامت أربع سنوات كنت ألتقي بتيمور مرة كل أسبوعين عدا شهور الصيف. وكنا نتواعد في "مقهى الجمال" الواقعة في شارع عبد الخالق ثروت على ما أتذكر. وكان لقاؤنا يتم عادة بين الساعة العاشرة والثانية عشرة صباحاً. وسحرني تيمور بتواضعه ودماثته وجمال خلقه، وقد جمع إلى ذلك جمال الخلقة أيضاً. كان شخصاً رقيق الجسم والوجه تنبئ حركاته الوئيدة عن الاتّزان واللطف. وكان صوته دافئاً عميقاً. ويندر أن يرتفع عن المألوف حتى في أشد الأحاديث حرارة. وكان يحضر لقاءاتنا عادة بعض الضيوف، واحد أو اثنان أو ثلاثة على أبعد الحدود. وذات مرة قال لي تيمور معلقاً على قلة أصدقائه: لا تظن أنني ميال إلى العزلة يا شاكر. فأنا بطبعي اجتماعي جداً. وكنت في صدر شبابي جّم الأصدقاء والمعارف. وكان يحضر مجلسي مالا يقل عن العشرة أو الخمسة عشر شخصاً. وكان الكثيرون منهم مجرد معارف ينشدون معونتي في مشاكل تتعلق بالإدارات الحكومية. ولم أكن اقتصد في ذلك جهد استطاعتي. لكن الأيام كشفت لي عن زيف العديد من أولئك المعارف والأصدقاء، بل كثيراً ما آذوني وأساؤا إليّ بشكل أو بآخر. فتقلص عدد معارفي وأصدقائي على مّر الأيام حتى اقتصر على القليلين كما ترى. وقد اقتنعت بأن الناس يجرؤن وراء مصالحهم وقليل منهم من يمحض الود الخالص.
سكت الأديب الشيخ لحظة ثم قال وهو ينظر في وجه الباحث: لاحظ أن محمود تيمور كان ابن العلامة أحمد تيمور باشا صاحب الحظوة والجاه وكان شقيق إسماعيل تيمور باشا الذي كان مديراً للديوان الملكي يومذاك. فلا عجب أن يكون في استطاعته التوسط للمحتاجين في الإدارات الحكومية.
قال الباحث مبتسماً: ولا عجب في أن يتجمع هذا العدد الكثير في المقهى حوله.
وصمت الأديب الشيخ لحظات ثم عاد يقول: ولقد بقيت وثيق الصلة بتيمور طوال مدة وجودي في القاهرة. ولم تكن هذه الصلة مقتصرة على اللقاءات الأسبوعية المنظمة فحسب بل كان يحرص على دعوتي كلما أقام حفلة تعارف في مناسبة من المناسبات وخصوصاً حينما يلتقي بمستشرقين معجبين بأدبه. ولعل آخر دعوة حضرتها من هذا النوع هي تلك المأدبة التي أقامها للمستشرق ديفيز في إحدى مطاعم القاهرة ودعا فيها لفيفا من الأدباء كان من ضمنهم نجيب محفوظ وعبد الحميد جودة السحار وعلي أحمد باكثير وعادل كامل ويوسف جوهر وغيرهم.
وصمت الأديب الشيخ متأملاً ثم هز رأسه وقال كمن يخاطب نفسه: كان تيمور يمحضني الحب حقاً. كان يبادلني نفس عاطفتي. وكثيراً ما لمست في تعامله معي وحدبه عليّ عطفاً أبوياً وليس مجرد التعاطف الأدبي. وكان قد قارب الستين يومذاك وكنت قد أشرفت على الثامنة عشرة. ومن يدري؟ لعله كان ينظر إليّ بمثابة ابنه. وكان تيمور قد فقد قبل سنوات ابنه الوحيد وهو في سن الثامنة عشرة في عملية جراحية للمصران الآعور. وكان فقده كارثة عليه. ويقال انه أصيب في حينها بصدمة عاطفيه قوية. فباع مكتبته وهجر الكتابة وانعزل لشهور طويلة عن المجتمع.
وسكت الأديب الشيخ لحظة ثم قال وهو ينظر في وجه الباحث: لاحظ أنني أقول هذا الكلام احتمالا وأنني استوحيته مما كنت ألمسه من حرارة عواطفه تجاهي. وفي آخر لقاء لنا ظهرت على وجهه علائم الأسى للفراق الوشيك وأخرج من حقيبته ساعة صغيرة دقاقة وقال وهو يناولني إياها: أرجو أن تتذكرني يا شاكر كلما سمعت دقات هذه الساعة.
فقلت متأثراً: أنا لست في حاجة إلى ساعة لكي تذكرني بك يا أستاذي.
قال الباحث الشاب: الآن أستطيع أن أفهم لماذا بلغ حبك لتيمور ذلك المدى!
وصمت الأديب الشيخ وتاهت عيناه وكأنه يستعيد ذكرياته عن تيمور، فاحترم الباحث صمته. وبعد دقائق تساءل الباحث برفق: وماذا بعد ذلك يا سيدي؟ ماذا في حياتك من أحداث وشخوص في مرحلة دراستك الثانوية وقبل سفرك إلى القاهرة غير صلتك الحميمة بتيمور؟
قال الأديب الشيخ وبسمة خفيفة تعلو وجهه: كانت هذه المرحلة حافلة بالنشاط الأدبي المحموم يا صديقي. كان لا يكاد يمر شهر دون أن يظهر لي مقال أو قصة في صفحات إحدى المجلات أو الجرائد العراقية. ثم امتد نشاطي إلى خارج العراق فأخذت أنشر في مجلة "الرسالة" المصرية وفي عدد من المجلات اللبنانية مثل "الأديب" و "الطريق" و"شهرزاد" وغيرها. واحسب أنني أصبحت كاتباً معروفا على صعيد القطر العراقي لكثرة ظهور اسمي في الصحف والمجلات. وتطورت صلاتي بالكتّاب العراقيين والعرب وتبادلت الرسائل مع عدد منهم. ولم تعد مراسلاتي قاصرة على تيمور وإن ظل يحتل المقام الأول من اهتمامي. أخذت أتراسل مع نجيب محفوظ وعبد الحميد جودة السحار وسهيل ادريس ورئيف خوري وغيرهم. وتوسعت صلاتي بالكتّاب العراقيين البارزين. وكنت قد أصبحت من كتّاب مجلة "الهاتف" النجفية الأسبوعية. وكانت من المجلات الأدبية البارزة التي أسدت يومذاك للأدب العراقي خدمة كبيرة. وكانت تعنى عناية خاصة بالقصة، وذلك أن محررها وصاحبها كان من كتّاب القصة المخضرمين وهو الأستاذ جعفر الخليلي رحمه الله، وقد انعقدت بيننا صلة طيبة كما ذكرت. وكان من كتّابها الدائميين المرحوم الأستاذ عبد المجيد لطفي. وكانت مقالاته وقصصه تستلفتني بأسلوبها الشعري الجذاب وبمضامينها الاجتماعية السامية. فكان أن تبادلنا رسائل الإعجاب والثناء. وفيما بعد ربطت بيننا صلة قوية.




مجموعة " صراع"
وقبل أن أنتهي من الدراسة الثانوية كان قد توفر لي عدد من القصص يصلح لأن يكوّن مجموعة طيبة. ورأيت أن أعرضها على عبد المجيد لطفي ليبدي فيها رأيه ويخبرني عن مدى صلاحيتها للنشر، فإذا به يعيدها إليّ بعد أسابيع مشفوعة بمقدمة ضافية فيها الكثير من الإطراء. فزاد ذلك من قناعتي بضرورة نشرها. وأخذت أتحيّن الفرص لنشرها لاسيما وأن علي جواد طاهر أيّد نشرها أيضاً.
تساءل الباحث: ومتى نشرت هذه المجموعة القصصية يا سيدي؟
قال الأديب الشيخ: لم يتأخر نشرها كثيراً. فبعد مضي بضعة شهور على تخرجي من الثانوية قبلت عضواً في البعثة العلمية وسافرت للدراسة في جامعة القاهرة كما ذكرت. وفي خلال شهر من وصولي إلى القاهرة دفعت المجموعة للنشر فظهرت في نهاية عام 1948 مشفوعة بمقدمة لعبد المجيد لطفي. وكانت كتابي الأول. وفي حينها كنت متردداً في العنوان الذي اختاره لها. وقد شاركني هذا التردد علي جواد الطاهر وكان يومذاك يدرس في جامعة القاهرة استعداداً لإكمال دراسته في باريس. واقترح عليّ عدة عناوين كان من ضمنها "الباكورة" و "أول الغيث" و "أقاصيص". ولا أتذكر لماذا خطر لي أن اختار لها عنوان "أحزان خالدة". ثم استقر رأينا -علي جواد وأنا- أن نطلق عليها عنوان القصة الأولى وهي "صراع". وكان يقيم يومذاك في القاهرة صحفي عراقي يراسل مجلة "الهاتف" النجفية وهو المرحوم مشكور الأسدي. فلما استقر رأينا على العنوان المذكور كتب في مجلة "الهاتف" في عددها المرقم 512 والمؤرخ 10/12/1948 يقول: (الشاب لا يعرف الاستكانة إلى الأحزان بل من واجبه أن يرمي نفسه على هذه الأحزان التي تنوشه فيصارعها أو هكذا ينبغي أن يكون. فأما أن تصرعه أو أن يصرعها. والنتيجة ليست مهمة بقدر أهمية تلك الروح التي تنبعث في الشاب فيهجم ويصارع. وقد ذكرنا في الرسالة سابقة أن الأستاذ شاكر خصباك أعّد مجموعة قصصية لنشرها في كتاب تحت عنوان "أحزان خالدة". لكنه بين يوم وليلة رجعت إليه حميّة الشباب فأبى من ثمة إلا أن يصارع هذه الأحزان. ومن ثمّ ترك العنوان السابق ووضع لكتابه اسماً لاحقاً هو "صراع". وقد صدر هذا الكتاب مؤخراً في مائتي صفحة).
تساءل الباحث وهو يبتسم: وكيف كان شعورك يا سيدي وأنت ترى أول كتاب لك يظهر إلى الوجود وخصوصاً وأنك كنت لا تزال في سن مبكرة؟
اعتدل الأديب الشيخ في جلسته وقد انطلق وجهه وقال ببهجة: لا أكتمك يا صديقي أنني شعرت بسرور بالغ وأنا أتصفح الكتاب وعلى غلافه صورة جذابة لامرأة جميلة يطل من خلفها الشيطان بلحية مدببة وقرنين منتصبين.
وسكت الأديب الشيخ وتاهت عيناه ثم أطلق ضحكة خفيفة. فتساءل الباحث باسماً: ألا تخبرني يا سيدي ما الذي يضحكك؟
حكاية..
فالتفت إليه الأديب الشيخ وقال والابتسامة تملأ وجهه: ما أضحكني الحادثة التالية التي تذكرتها الآن. فلقد حملت الكتاب عند صدوره إلى الدكتور محمد عوض محمد الذي كان من أكبر روّاد الجغرافية في العالم العربي يومذاك كما كان من كبار الأدباء في مصر. وكان أحد أساتذتي في قسم الجغرافية بكلية الآداب. وكنت في سنتي الأولى. فلما دخلت عليه مكتبه وناولته الكتاب في تهيّب ألقى على الغلاف نظرة سريعة ثم رمى الكتاب على المنضدة وقال: "إنزع هذا الغلاف قبل أن تأتيني به". فاسترجعت الكتاب وأنا أتصبب عرقا. لكنني أعدته إليه ثانية بعد أن جلّدته تجليداً جميلاً. وقد أخبرني فيما بعد أنه قرأ بعض قصصه وأعجب بها. وطلب مني أن أستمر في كتابة القصص وأن أُعنى بلغتي.
قال الباحث الشاب بلهجة مترددة: ولكنها خشونة منه تجاه طالب مستجد وأديب ناشئ.
فقال الكاتب الشيخ وهو يضحك ضحكة صغيرة: هكذا كان المرحوم محمد عوض محمد.. أستاذا جليلاً وأديبا كبيراً لكنه كان معروفاً بخشونته وصراحته.. وعلى كل حال فقد سررت لإعجابه ببعض قصص الكتاب. ولقد زاد من سروري واعتزازي بالكتاب فيما بعد أن الكتاب استقبل باستحسان بالغ لم أكن أتوقعه. وأعترف لك الآن أن الكتاب لم يكن أهلاً لكل ذلك الاستحسان. وحينما راجعت قصصه فيما بعد وجدت أنها تفتقر إلى الكثير من التعديلات، وهذا ما فعلته في الطبعات اللاحقة. ولعله استقبل ذلك الاستقبال لأنه كان خطوة متقدمة في القصة العراقية يومذاك.
وسكت الأديب الشيخ برهة ثم نهض فجأة يفتش في رفوف مكتبته. وعاد إلى مجلسه بعد حين وهو يحمل (ملفاً) ضخماً. قال وهو يقلب (الملف) ويبادل الباحث نظرات سريعة: إذا رغبت قرأت عليك بعض الفقرات مما كتب من مقالات عنه لتحكم بنفسك على حرارة الاستقبال.
قال الباحث في حماس: أكون ممتناً لك ي سيدي وهو أمر يهمني في بحثي.
قال الكاتب الشيخ وهو ينظر في أوراق أمامه: لقد كتبت عنه "بنت الشاطئ" في جريدة الأهرام المصرية بعددها (22825) بتاريخ 7 مارس 1949 قائلة: (تبعث إلينا العراق من حين إلى حين بدواوين حافلة من الشعر تشهد بنهضة شعرية زاهرة. واليوم نقرأ نموذجاً من الفن النثري العراقي في مجموعة من القصص كتبها الأستاذ شاكر خصباك وعرض فيها صوراً من حياة قومه في أسلوب قصصي مبتدع له من جزالة العبارة وأصالة المعاني ودقة التحليل وبراعة الأداء ما يفسح للأديب العراقي الناشئ مكاناً ظاهراً بين أدباء الشرق. وقصص "صراع" عراقية المنشأ والاتجاه والأبطال ولكنها إنسانية الفكرة والهدف وهي تصور الصراع المحتدم في كيان الإنسان).
وكتب عنه الأستاذ ذو النون الشهاب مقالة في مجلة "الجزيرة" الموصلية، بعددها المرقم 33 والمؤرخ في 1/1/1949 الخاص بالقصة ومما قال فيها: (يسرنا وقارئ هذه القصص محاط بجو فني من قصص وآراء قيمة عن فنها أن نقدم هذه المجموعة القيمة التي سطرها يراع الأديب الموهوب السيد شاكر خصباك. فقد جاءت متعة للقارئ وطرفة للأديب وتحفة تغري بالمطالعة والتأمل بما حوت من أفكار نابضة بالقوة والحياة زاخرة بشتى العواطف الجياشة. ولقد آن لنا حقا أن نفخر بأن في العراق قاصين متمكنين من فنهم بارعين في تسطير أفكارهم قادرين على التغلغل في حنايا النفس الإنسانية الرهيفة ليطلعوا أفراد المجتمع على ما اعتور حياتهم في مسراتها وأتراحها. فمؤلف هذه المجموعة نال كل الجدارة لان يقف وكبار كتاب القصة في العراق وبقيّة الأقطار العربية. وعسانا نظفر له بمجموعات أخرى تحقق فيه ظننا).
ونشرت جريدة المقطم المصرية، بعددها المرقم 18585 بتاريخ 1 يناير 1949 مقالة بقلم محررها الأدبي قال فيها: (لا يتاح للمصريين كثيراً الاطلاع على ما تنتجه المطبعة العراقية من كتب ومقالات بسبب عقبات كثيرة تعترض الإصدار والاستيراد فتقف في سبيل تحقيق التعاون الفكري المرجو تحقيقاً تاماً. ولذلك يرحب المصريون بصدور كتاب "صراع" في القاهرة وهو للأديب العراقي الأستاذ شاكر خصباك. وقوامه بضعة عشرة قصة من خيرة ما صيغ من أقاصيص أخيرا. ويستبين للقارئ من مطالعته لهذا الكتاب أن مؤلفه يروم في حذق وكفاءة أن يحلل العلاقات بين المرأة والرجل وأن يصف النوازع التي تنتاب كلاّ منهما في مراحل الحياة، وأن يبسط العوامل التي تنشأ من "العقد النفسية" وأن يبيّن مناحي للحياة في العراق ليست معروفة للمصريين كثيراً).
وعلقت مجلة "الدنيا الجديدة" المصرية بعددها المرقم 10 بتاريخ 14 ديسمبر 1948 على صدور الكتاب قائلة: (وضع الأستاذ شاكر خصباك مجموعة من الأقاصيص العراقية سماها "صراع" وهي صور من الحرمان الذي يعانيه الشاب في الشرق وقصص منتزعة من صميم الحياة كتبت بأسلوب حي يتدفق حماساً وقوة).
وعلّقت مجلة "الصباح" المصرية بعددها رقم 1163 المؤرخ 29/12/1948 على صدور الكتاب بقولها: ( "صراع" عنوان مجموعة قصصية للأديب شاكر خصباك أزاح فيها النقاب عن حقائق حاول كثير من كتّاب القصة التهرب منها، ووضع بين يدي القارئ لقصصه طائفة من الناس تحدث عن مآسيهم وأمالهم وذكائهم وبلادتهم وحلّل نفسياتهم بدقة وبراعة. وجعل الفضيلة والرذيلة والفقر والثراء في صراع دائم بين أبطال هذه القصص).
وعلقت مجلة "الهاتف" في عددها المؤرخ في 7/1/1949 على صدور الكتاب قائلة: (هذا الكتاب هو باكورة عمل أدبي ينتظر للقائم به خير كثير يرجى أن يكون كبيراً إذا واصل أعماله الأدبية. و "صراع" هذا مجموعة قصص للشاب الأديب السيد شاكر خصباك انتهز فرصة وجوده في مصر كعضو في البعثة العلمية العراقية وطبعه طبعاً متقناً يدل على ذوق سليم وسليقة ممتازة. وإننا من الذين يرون أن مثل هذا الإقدام من شبابنا أمر تقتضيه سنّة الطموح ويستدعيه الأدب. وإن أول الغيث قطر والوردة في أول حياتها برعم. وكاتب هذه القصص شاب يفيض بالحيوية ويعد من شباب العراق المجدين الذين ننتظر نجاحهم في حياتهم بامتياز وتوفيق باهرين).
وظهرت تعليقات أخرى عن الكتاب في صحف ومجلات عربية عديدة مثل مجلة "الكتلة المصرية" ومجلة "منبر الشرق" المصرية ومجلة "العالم العربي" المصرية، وجريدة "صوت الأهالي" العراقية وجريدة "النداء" العراقية.
وكتب عنه الأستاذ عدنان الذهبي مقالاً في مجلة "الأديب" اللبنانية في الجزء السابع من السنة الثامنة بتاريخ حزيران 1949 ومما قال فيه: ("صراع" مجموعة من القصص العراقية أخرجها الأستاذ شاكر خصباك. والظاهرة الفنية التي تلفت نظر الناقد عندما يجرب معرفة موضاعات هذه القصص أو معرفة أشخاصها هي الواقعية التي تطبع هذه القصص بطابعها الخاص، أي قربها من الحياة المحيطة بمؤلفها.. الحياة اليومية بجوانبها وأشخاصها.. الحياة العادية التي ينقلها المؤلف عن مجتمعه... المجتمع العراقي. وأنا إذ أقرر هذه الظاهرة الفنية لهذا الكتاب، أي واقعية قصصه، أقول إن الذي يعطي هذه القصص قيمتها إنما هو توفر الجانب السيكولوجي لها، في حرص مؤلفها على استقصاء وتحليل نفسيات أبطاله. وإن هذه الناحية الفنية قد أثّرت في أسلوب هذه القصص.. هذا الأسلوب الذي نراه أسلوباً ليناً هو أسلوب عرض وتحليل أكثر منه أسلوب مفاجآت وعنف).

ليل حسن
10-03-2009, 11:33 PM
شخصية مليئة بالعطاء فعلا
اشكر لك هذا الطرح الجميل
وبإنتظار المزيد