د. فاطمة قاسم
28-04-2008, 05:30 PM
مقلى الفلافل محطة وقود
د.فاطمه قاسم
ابتسم أنت في غزة:
وفي قطاع غزة بين بيت حانون في أقصى الشمال إلى رفح في أقصى الجنوب , ليس في وسع الإنسان مواجهة الواقع العبثي , واللامعقول , والقاسي , سوى بابتسامة حتى و إن كانت الابتسامة حزينة .
قبل أيام , استقليت سيارة أجرة للذهاب إلى مكتبي , سيارتي متوقفة منذ فترة طويلة بسبب انقطاع البنزين , وعندما صعدت إلى سيارة الأجرة , وجلست في المقعد الخلفي , صعدت إلى انفي رائحة الفلافل ! و قلت للسائق
لماذا لا تنظفون سياراتكم ؟
سال مبتسما
ننظفها من ماذا ؟
فقلت له
يبدو أن الركاب قبلي كانوا يأكلون ساندويتشات الفلافل داخل السيارة , ألا تشم الرائحة ؟
و انفجر السائق ضاحكا
معذرة , هذه ليست رائحة الفلافل , و إنما هي رائحة زيت القلي الذي تقلي به الفلافل , أصبحنا نستخدمه وقودا لسياراتنا!
في غزة كل شيء ممكن :
أن يتحول مقلى الفلافل إلى محطة وقود ! وان تتحول العربة الكارو يجرها حمار إلى هودج للعروس ! , أنت في غزة , بمعنى أنت في قلب الحصار , و الحصار تحول منذ شهور من عناوين سياسية إلى تفاصيل يومية تدخل في مسامات الحياة نفسها , في غزة المواعيد ليست مؤكدة , لأنك لا تعرف إن كنت ستتمكن من الوصول إلى الموعد بسبب ندرة المواصلات , و لا تستطيع أن تصنع سقف لمصروف العائلة بسبب قفزات الأسعار بشكل مجنون ! وتنظر في عيني المريض الذي لا يملك في مرضه سوى الانتظار لان المعابر مغلقة والعلاج أصبح مستحيلا .
كثيرين من المفكرين و الكتاب اعتنوا بدرجة كبيرة بالحصار الذي يفرض ضد شعب من الشعوب , بهدف تدمير الحياة الإنسانية , و تدمير الحصانة النفسية ! و لكن الحصار قي قطاع غزة أكثر قسوة , لماذا , لان قطاع غزة في الأساس هو مكان غير عادي , شريط ضيق من الأرض محصور بين الماء والصحراء , ولد ولادة قيصرية من رحم النكبة الفلسطينية التي وقعت عام 1948 , قبل النكبة كان هناك لواء واسع مترامي الأطراف , هو اللواء الجنوبي , لواء غزة , و لكن الاحتلال الإسرائيلي قضم آلاف الكيلومترات , ومئات من القرى التي طرد أهلها , و لم يبقى سوى شريط ضيق من الأرض مساحته 362 كيلومترا مربعا فقط , يحتشد فيه ألان أكثر من مليون ونصف المليون إنسان يعيشون فيه داخل مدنهم وقراهم و مخيمات اللاجئين , أعلى نسبة كثافة سكانية في العالم ! تصوروا مليون ونصف المليون بمساكنهم وطرقاتهم و شركاتهم ومصانعهم و مدارسهم وجامعاتهم وكل مستلزمات حياتهم يختنقون في هذه المساحة المخنوقة من الأرض! وهكذا يتحول قطاع غزة إلى اصغر السجون مساحة وأكثرها اكتظاظا , فكيف حين يقع فريسة للحصار , وتغلق بواباته ومعابره , وتدور فيه الحياة على طريقة لا "يموت ولا يحيا " , كل شيء في قطاع غزة يمر من خرم إبرة , كل شيء يستمر على طريقة لحظة بلحظة , ونقطة بنقطة , كل شيء تحت نقطة الصفر , وتحت خط الفقر , وتحت مستوى الحياة !
في قطاع غزة :
نصرخ ليل نهار ,بان الحصار , لم يعد مجرد عنوان سياسي فقط , إسرائيل تحاصر قطاع غزة , لقد نزل الموضوع إلى الأسفل , إلى تفاصيل التفاصيل , إلى النخاع الشوكي , والعصب الحي , تصوروا أن طول قطاع غزة لا يتجاوز 45 كيلومترا , من بيت حانون إلى رفح , ولكن هذه المسافة في ظل الحصار هي مسافة مستحيلة , وبناء على ذلك فان نسيج العلاقات العائلية الاجتماعية يتأثر بالحصار ! وهذه الأيام , كثير من الناس يقضون في انتظار سيارة ساعة و ساعتين وحين ييأسون يعودون أدراجهم ولا يتمكنون من الذهاب إلى حيث كانوا يريدون ! وكثيرا ما يقرع جرس الهاتف , ويكون المتصل هو إدارة إحدى دور الحانة ,أو مدرسة من المدارس , تقول للأهل , دبروا أمر وصول أولادكم بأنفسكم , لان الحافلة الخاصة بالحضانة أو المدرسة ليس عندها وقود !
وبرغم كل ما ذكرته لكم من تفاصيل مفجعة, إلا أنني عندما فاجئني السائق بقضية استخدام السائقين الزيت , "زيت قلي الفلافل" بدل البنزين , وكيف أن مقلى الفلافل تحول إلى محطة وقود , انفجرت بالضحك , واختلاطه رنات ضحكاتي مع نزف دموعي , الخوف أن نسمع بعد أيام قيام طائرات لأباتشي أو أل F.16بقصف بائعي الفلافل بصفتهم الجزء المعطل للسلام , وتذكرت المثل القائل "شر البلية ما يضحك" و بدوري أقول لكم ابتسموا إن استطعتم ,
لمشاهد منقولة من غزة .
د.فاطمه قاسم
ابتسم أنت في غزة:
وفي قطاع غزة بين بيت حانون في أقصى الشمال إلى رفح في أقصى الجنوب , ليس في وسع الإنسان مواجهة الواقع العبثي , واللامعقول , والقاسي , سوى بابتسامة حتى و إن كانت الابتسامة حزينة .
قبل أيام , استقليت سيارة أجرة للذهاب إلى مكتبي , سيارتي متوقفة منذ فترة طويلة بسبب انقطاع البنزين , وعندما صعدت إلى سيارة الأجرة , وجلست في المقعد الخلفي , صعدت إلى انفي رائحة الفلافل ! و قلت للسائق
لماذا لا تنظفون سياراتكم ؟
سال مبتسما
ننظفها من ماذا ؟
فقلت له
يبدو أن الركاب قبلي كانوا يأكلون ساندويتشات الفلافل داخل السيارة , ألا تشم الرائحة ؟
و انفجر السائق ضاحكا
معذرة , هذه ليست رائحة الفلافل , و إنما هي رائحة زيت القلي الذي تقلي به الفلافل , أصبحنا نستخدمه وقودا لسياراتنا!
في غزة كل شيء ممكن :
أن يتحول مقلى الفلافل إلى محطة وقود ! وان تتحول العربة الكارو يجرها حمار إلى هودج للعروس ! , أنت في غزة , بمعنى أنت في قلب الحصار , و الحصار تحول منذ شهور من عناوين سياسية إلى تفاصيل يومية تدخل في مسامات الحياة نفسها , في غزة المواعيد ليست مؤكدة , لأنك لا تعرف إن كنت ستتمكن من الوصول إلى الموعد بسبب ندرة المواصلات , و لا تستطيع أن تصنع سقف لمصروف العائلة بسبب قفزات الأسعار بشكل مجنون ! وتنظر في عيني المريض الذي لا يملك في مرضه سوى الانتظار لان المعابر مغلقة والعلاج أصبح مستحيلا .
كثيرين من المفكرين و الكتاب اعتنوا بدرجة كبيرة بالحصار الذي يفرض ضد شعب من الشعوب , بهدف تدمير الحياة الإنسانية , و تدمير الحصانة النفسية ! و لكن الحصار قي قطاع غزة أكثر قسوة , لماذا , لان قطاع غزة في الأساس هو مكان غير عادي , شريط ضيق من الأرض محصور بين الماء والصحراء , ولد ولادة قيصرية من رحم النكبة الفلسطينية التي وقعت عام 1948 , قبل النكبة كان هناك لواء واسع مترامي الأطراف , هو اللواء الجنوبي , لواء غزة , و لكن الاحتلال الإسرائيلي قضم آلاف الكيلومترات , ومئات من القرى التي طرد أهلها , و لم يبقى سوى شريط ضيق من الأرض مساحته 362 كيلومترا مربعا فقط , يحتشد فيه ألان أكثر من مليون ونصف المليون إنسان يعيشون فيه داخل مدنهم وقراهم و مخيمات اللاجئين , أعلى نسبة كثافة سكانية في العالم ! تصوروا مليون ونصف المليون بمساكنهم وطرقاتهم و شركاتهم ومصانعهم و مدارسهم وجامعاتهم وكل مستلزمات حياتهم يختنقون في هذه المساحة المخنوقة من الأرض! وهكذا يتحول قطاع غزة إلى اصغر السجون مساحة وأكثرها اكتظاظا , فكيف حين يقع فريسة للحصار , وتغلق بواباته ومعابره , وتدور فيه الحياة على طريقة لا "يموت ولا يحيا " , كل شيء في قطاع غزة يمر من خرم إبرة , كل شيء يستمر على طريقة لحظة بلحظة , ونقطة بنقطة , كل شيء تحت نقطة الصفر , وتحت خط الفقر , وتحت مستوى الحياة !
في قطاع غزة :
نصرخ ليل نهار ,بان الحصار , لم يعد مجرد عنوان سياسي فقط , إسرائيل تحاصر قطاع غزة , لقد نزل الموضوع إلى الأسفل , إلى تفاصيل التفاصيل , إلى النخاع الشوكي , والعصب الحي , تصوروا أن طول قطاع غزة لا يتجاوز 45 كيلومترا , من بيت حانون إلى رفح , ولكن هذه المسافة في ظل الحصار هي مسافة مستحيلة , وبناء على ذلك فان نسيج العلاقات العائلية الاجتماعية يتأثر بالحصار ! وهذه الأيام , كثير من الناس يقضون في انتظار سيارة ساعة و ساعتين وحين ييأسون يعودون أدراجهم ولا يتمكنون من الذهاب إلى حيث كانوا يريدون ! وكثيرا ما يقرع جرس الهاتف , ويكون المتصل هو إدارة إحدى دور الحانة ,أو مدرسة من المدارس , تقول للأهل , دبروا أمر وصول أولادكم بأنفسكم , لان الحافلة الخاصة بالحضانة أو المدرسة ليس عندها وقود !
وبرغم كل ما ذكرته لكم من تفاصيل مفجعة, إلا أنني عندما فاجئني السائق بقضية استخدام السائقين الزيت , "زيت قلي الفلافل" بدل البنزين , وكيف أن مقلى الفلافل تحول إلى محطة وقود , انفجرت بالضحك , واختلاطه رنات ضحكاتي مع نزف دموعي , الخوف أن نسمع بعد أيام قيام طائرات لأباتشي أو أل F.16بقصف بائعي الفلافل بصفتهم الجزء المعطل للسلام , وتذكرت المثل القائل "شر البلية ما يضحك" و بدوري أقول لكم ابتسموا إن استطعتم ,
لمشاهد منقولة من غزة .