رندا اسماعيل
06-01-2009, 06:41 PM
.
.
.
العدد 2888 من جريدة الوطن بتاريخ 25 شعبان الثلاثاء 1429 هـ .. قرأت للكاتب الأستاذ تركي الثنيان موضوعا تحت عنوان "التجنيس" .. وشعرت بالحزن من بعض الردود التي لم توافق على معظم ما ذكره الكاتب في مقالته , جاهدة منع هذا القرار"التجنيس" إن تم , مبررة ذلك بـالاستفادة من "الجنسية" على أقارب "المتجنس" , وتذكرت أني قرأت مقالاً لعبده خال في جريدة عكاظ منذ سنتين تقريبا وكان عنوان المقال "حيرة الجنسية" , وحصل بالمثل الكاتب على عدد كاف من الردود الرافضة للـ"تجنيس" .
والحقيقة أن الرجل المقيم لا يعاني هو فقط من تلك "اللخبطة" التي تحدث عنها الأستاذ تركي الثنيان داخل الوطن , فحتى الفتاة المقيمة تعيش حياة مأساوية أكثر ألماً من مأساة الرجل المقيم نفسه , فهي يجب أن تكون مكفولة من شخص آخر يكون بالضرورة رجل وتتقيد حركتها بهذا الأمر .. و بعض مِن مَن تلقين تعليمهن معي في بريطانيا لهن أسر عربية مقيمة بالسعودية و يعمل ذويهن في القطاع الخاص والحكومي , يتحملن الكثير من مشاكل السفر وسط غياب ولي أمرهن أو الكفيل لهن .. لدرجة أنهن يخسرن جهد ومال و وقت في الالتحاق بـ ترم دراسي بجامعة خارجية , ولا يحدث ذلك في الخارج فقط بل حتى في المجتمع المحلي سواء كان في المؤسسات التعليمية أو في المستشفيات , أو في السياحة والتنقل الداخلي . والسبب هو أن بعض الأوراق الخاصة بالكفالة عند الجهات المسئولة لم تكتمل بسبب غياب الكفيل المفاجئ .
وأنه مما يضيرني أن بعضاً من المواطنين يعتبرون وجود المقيم على أرض الوطن "كثير عليه" وكيف أنه يكفي أن الدولة احتضنته بعكس الدول الأخرى , برغم أن أغلب هؤلاء المقيمين يتمتعون بصفات تؤهلهم للحصول على الجنسية السعودية كشخصية عربية صاحبة شهادات مرموقة تزيد الوطن رفعة لا انحطاطا له.. و قد نجد أن اغلبهم لهم أباء يقيمون في الوطن منذ ما يقارب40 سنة أو أكثر.
و إن كنا نسعى في جعل الجنسية حقا مشروعا لزوجة المواطن الأجنبية الأصل والمنشأ و التي لا تعرف شيء يُذكر عن تقاليد أو معتقدات المجتمع المحلي إلا بعد اختلاطها به , فمن الأولى أن يكون هذا الحق في التجنيس لمن تلقوا تعليمهم "نساء أو رجالا كانوا" داخل الوطن ثم أكملوا تعليمهم العالي بالخارج أو الداخل قبل أن يحصلوا على شهادات متخصصة , يظل الوطن في حاجتها الشديدة .
المدينة الاقتصادية في رابغ التي يتولاها أبو متعب حفظه الله من كل سوء , والتي ستصبح اكبر مدينة اقتصادية على مستوى الشرق الأوسط .. تبادر إلى ذهني هويات العاملين فيها , والذين من المؤكد أنهم سيحملون تخصصات ستكون المدينة في حاجتها .. و فطنتُ إلى أن عدد من المقيمين يحملون هذه التخصصات بالفعل من مجموع تخصصات لا نقوم بتعليمها نحن داخل الجامعات المحلية , فـ لماذا يقوم بعض من أبناء الوطن برفض فكرة التجنيس تماما للمقيمين وتفضيل استقدام أجانب آخرين من الخارج ؟! ما هي الأمور المخجلة التي ستنتج عن تجنيس هؤلاء المقيمين ؟! وما هي الويلات التي سينشرونها أبناء هذه الفئة في المجتمع وستكون سببا في زعزعة الثقافة الداخلية ؟!! وكيف سيحدث ذلك وهم ولدوا بالسعودية وشربوا من نفس مياه المواطن التي شربها وأكلوا من نفس طعام المواطن الذي تناوله .. وعاشوا بصفة نظامية وحملوا نفس هموم الشعب الذي تبناها في الصحف المحلية و الإعلام الداخلي ؟!
اية مشاكل "مزعومة" سيتحملها الشعب إثر تجنيس هؤلاء الفئة !؟
الحقيقة وللأسف لا شيء ..
كل ردود الأفعال تلك الرافضة لأمر التجنيس أو حتى لـ منح مجرد " بطاقة دائمة أو إقامة دائمة أو القرين الكارد" ردود أفعال غير موضوعية .. وليس لها صلة بالبحث أو تحديد السبب الرئيسي وراء وجود مشكلة البطالة .. لأن البطالة كمشكلة اقتصادية يعاني منها الفرد المحلي ليست بسبب وجود أشخاص معنيون داخل الوطن .. سواء كانوا سعوديون أم يحملون جنسيات أخرى .. البطالة لها علاقة فقط بالتخصصات التي تؤمن بها بعض الشركات الحكومية من جهة والخاصة من جهة أخرى فالمشكلة لها علاقة بالكفاية الإنتاجية والبيئة المهنية .. فكما يوجد مواطن يحمل شهادة جامعية متخصصة في الهندسة الزراعية .. يجد نفسه في النهاية مخيرا بين أمرين إما أنه يعمل مُدرس في مدرسة ابتدائية , أو يعيل أهله أو عائلته على "تاكسي" أو "ليموزين" شخصي , هو نفسه المواطن أو المقيم الذي يحمل شهادة متخصصة في الإنتاج السينمائي والتلفزيوني حصل عليها من دولة أوربية وعاد للسعودية.. ثم لا يجد مجال عمل يناسب تخصصه , بسبب أن فكرة افتتاح سينما موضوع فيه نظر وهو أمر قابل للتعدي على التيار الديني !
وتذكرت أني قرأت خبرا آخر في تاريخ مسبق منذ شهور في هذه الصحيفة , كان الخبر قد تم نشره في الصفحة الأولى بخصوص وضع خيارات لسكان منطقة مكة المكرمة وكيف أنهم سيخيرون بين الجنسية السعودية " لمن يستحق" أو الإقامة الدائمة أو إقامة عمل عادية " لمن يستحق" .. وسيتم التخلص من العشوائية تماما داخل المنطقة وترحيل البقية إلى أوطانهم .. وكانت بعض ردود الأفعال من المواطنين تعليقا على هذا الخبر اشد عنفاً .. سواءً كانت تلك الردود على نفس الموقع لجريدة الوطن أو في المنتديات الأدبية أو الثقافية التي تهتم بنقل بعض مثل هذه الأخبار .
وساءتني تلك الردود برغم أن هذا الخبر كان جميلا جدا وتمنيت أن يكون حقيقياً فعلا ..لا لأن له مصالح كثيرة كلها تصب في مصلحة المواطن الذي يسكن مكة المكرمة بالدرجة الأولى فقط , بل لأن تاريخ مكة وإرثها الثقافي والديني والاقتصادي يستحق التخلص من النظام العشوائي أيضاُ.
وتساءلت , طيب أنتم يا من ترفضون هذا الخبر وتصديقه جملة وتفصيلا , يسوؤكم أن يفكر المقيم النظامي " بتسفير" أمواله للخارج , وأنتم تعلمون أنه يعاني حصر داخلي من الناحية الاقتصادية داخل البلد وهو في الغالب يقوم بصرف كل "قرش" امتلكه من ممارسته عمله النظامي في حياته داخل الوطن , ويسوؤكم أن يتمتع المقيم النظامي بنفس المميزات التي يتمتع بها المواطن من ناحية التنقل داخل الوطن وزيارة المدن والسياحة الداخلية الحرة فقط لأنه جاء "مكفول" حتى وإن كانت هذه الكفالة منذ ما يقارب الـ20 سنة , و يسوؤكم أن يحضا المقيم النظامي بالتعليم العالي في الجامعات السعودية أسوة بالمواطن بالرغم من أن حق ذلك مكفول لأي مقيم يقيم في دولة من دول العالم الأول أو الثاني أو الثالث , وترفضون ذلك اعتقادا منكم أن المقيم يبحث عن المكافآت الجامعية بدلا من بحثه حقيقة عن مقعد يتلقى منه تعليمه العالي , بالرغم من أن هناك مقيمون يتلقون تعليمهم العالي بالجامعات الأهلية الداخلية بالسعودية والتي لا يستطيع مواطن متوسط المعيشة دفع أقساطها الفصلية .
الحقيقة أن استيعابنا "من ناحية التجنيس" لمقيمين حاصلين على شهادات من جنسيات مختلفة تعتنق الإسلام , تتحدث العربية ومن أصول عربية كانت أم لا .. هو أمر نافع للوطن و لأبنائه وغير ضار بالمرة !!
وأمّا اعتقاد وجود علاقة بين تجنيس المقيم وازدياد البطالة .. هو اعتقاد باطل ولا أساس له من الصحة , كما أن الثقافة التي يعتقد بعض هؤلاء المعارضين انهيارها بسبب وجود مقيمين تم تجنسيهم مؤخرا وأن المشكلة هي مشكلة مواطنة بالدرجة الأولى .. فإن من المعروف أن أبناء المقيم الأجنبي يتلقون من المهد إلى التعليم الثانوي نفس ما يتلقاه المواطن العادي !
يعني يحملون شهادات ميلاد سعودية موثقة بأرشيف الأحوال , يمارسون نفس الثقافة التي تتلقاها الأسرة السعودية والتي يؤثر فيها الإعلام السعودي والمطبوعات السعودية والثقافة الدينية المحلية , يتلقون نفس التعليم الذي يتلقاه المواطن العادي بالمدارس الحكومية والأهلية , يرددون النشيد الوطني بين جماعات الرفاق في المدرسة , و يمارسون التحدث باللهجة السعودية بين جماعات اللعب خارج المنزل , ترتدي الفتاة الطالبة في الأسرة المقيمة ملابس هي نفس ألوان الملابس التي ترتديها المواطنة الطالبة , ويحمل المقيم الطالب"سجادة صلاة" يضم بها بعض كتبه المدرسية أسوة بالمواطن الطالب البسيط !
يمارس المقيم نفس العادات والتقاليد في مناسبات كثيرة سواء كانت مناسبة "تخُرج" لها صلة ما بالتعليم أو مناسبة زواج أو مناسبات دينية كالأعياد السنوية , أو مناسبة عزاء وغيره , يشجع المنتخب الأم للوطن السعودي وهذا الشيء بحد ذاته يعتبر دليل قوي على قدرة تغلغل الثقافة السعودية وسط الثقافات الأخرى القادمة من الخارج و منع بعض الثقافات الأخرى من الاندماج بها أو سحقها , كما أن المقيم يعيش نفس هموم المواطن سواء كانت هموم اقتصادية , تجارية , تعليمية ,اجتماعية , دينية , دولية .
كل ذلك كان بسبب أن المقيم النظامي الأجنبي المسلم سواء كان عربيا أم لا , لا تعيش "أغلب فئاته" داخل السعودية في جماعات منعزلة كما تفعل ذلك في المدن الأوربية أو المدن العربية أو المسلمة الأخرى . يعني لا نجد مثلا أحياء كاملة تحتكرها الجنسية المصرية مثلا ويمنع دخول الجنسيات الأخرى فيها , أو أحياء أخرى تحتكرها الجنسية الأفريقية , أو الجنسية الباكستانية !
وإن عانينا هذا الاحتكار فإننا نستطيع أن نتهم هذا النظام بالتنظيم العشوائي , لكننا نجد أن المقيم النظامي المسلم في الوطن يعيش في أحياء مختلفة , وقد تجد بناية واحدة بها عدد مختلف من الجنسيات المسلمة عربية كانت أم لا , يشاركهم فيها مواطنون سعوديون .
مما يجعل الثقافة واحدة شمولية وغير مقننة بوضع محدد في تلك الأسر .. إلا بشكل بسيط جدا لا يؤثر على تلقي السعودي , أو يساعد في اختفاء ثقافة السعودي داخل وطنه .
فلن يكون هناك صدام حضارات ولا صراع ثقافي ولا صراع آخر مزعوماً سواءً كان ايدولوجيا أو اقتصاديا , و قد تحدّث المفكر والباحث الأمريكي "صامويل هنتنجتون" في مقالته التي كانت بعنوان " صدام الحضارات " وهي التي أثارت جدلا شديدا عام 1993 مـ في الصحافة الغربية إلى الآن .. مبينا فيها أن الصراع الوحيد الذي نستطيع أن نؤمن به الآن و صاعدا هو صراع حضارات بين الغرب والمسلمين يتصل نوعا ما بالثقافة .
فهل تختلف الثقافة الإسلامية عند الأفراد في مجتمع واحد فيما بينهم ؟! محال .
عشت بعضا من طفولتي في ألمانيا , وبرغم أني مواطنة سعودية عانت الغربة في ألمانيا , إلا أني لا زلت إلى الآن اشعر بالحنين لزوايا الطفولة التي عشتها هناك .
إذا فكيف بأشخاص ولدوا وترعرعوا واختلطوا بالمجتمع المحلي وتلقوا تعليمهم وإن كان هذا التعليم قد توقف عند مرحلة معينة , يحفظون النشيد السياسي و يتابعون الأخبار المسائية المحلية , ويتبادلون التعازي مع المواطن البسيط , وقد تجدهم يتحملون مهمة تعليم أبنائهم التعليم العالي بأموالهم الخاصة خارج السعودية أو داخلها , ثم يفرضون عليهم العمل داخل السعودية لبناء وطن يعتبرونه الوطن الأم في نظرهم , وإن كانوا يحملون كومة أوراق أخرى تقول غير ذلك ؟!
فما هي المواطنة والوطنية ؟! و ماذا تعني حقيقة ؟! هذا سؤال يجب أن يجيب عليه اكبر عدد ممكن من المواطنين إجابة موضوعية لا شأن لها بالعنصرية ..!!
أحب وطني .. وأتمنى أن يكون هو الوطن الوحيد الذي تستمد منه الشعوب الأخرى قيمها , و يكتبون عنه المؤرخون في مواثيق كل الحضارات القادمة بأنه الوطن العربي الوحيد الذي لا يبكي ولا يضيع فيه ساكِنُه .
فهل أخطأت !؟
رندا اسماعيل
جريدة الوطن السعودية / نقاشات
.
.
العدد 2888 من جريدة الوطن بتاريخ 25 شعبان الثلاثاء 1429 هـ .. قرأت للكاتب الأستاذ تركي الثنيان موضوعا تحت عنوان "التجنيس" .. وشعرت بالحزن من بعض الردود التي لم توافق على معظم ما ذكره الكاتب في مقالته , جاهدة منع هذا القرار"التجنيس" إن تم , مبررة ذلك بـالاستفادة من "الجنسية" على أقارب "المتجنس" , وتذكرت أني قرأت مقالاً لعبده خال في جريدة عكاظ منذ سنتين تقريبا وكان عنوان المقال "حيرة الجنسية" , وحصل بالمثل الكاتب على عدد كاف من الردود الرافضة للـ"تجنيس" .
والحقيقة أن الرجل المقيم لا يعاني هو فقط من تلك "اللخبطة" التي تحدث عنها الأستاذ تركي الثنيان داخل الوطن , فحتى الفتاة المقيمة تعيش حياة مأساوية أكثر ألماً من مأساة الرجل المقيم نفسه , فهي يجب أن تكون مكفولة من شخص آخر يكون بالضرورة رجل وتتقيد حركتها بهذا الأمر .. و بعض مِن مَن تلقين تعليمهن معي في بريطانيا لهن أسر عربية مقيمة بالسعودية و يعمل ذويهن في القطاع الخاص والحكومي , يتحملن الكثير من مشاكل السفر وسط غياب ولي أمرهن أو الكفيل لهن .. لدرجة أنهن يخسرن جهد ومال و وقت في الالتحاق بـ ترم دراسي بجامعة خارجية , ولا يحدث ذلك في الخارج فقط بل حتى في المجتمع المحلي سواء كان في المؤسسات التعليمية أو في المستشفيات , أو في السياحة والتنقل الداخلي . والسبب هو أن بعض الأوراق الخاصة بالكفالة عند الجهات المسئولة لم تكتمل بسبب غياب الكفيل المفاجئ .
وأنه مما يضيرني أن بعضاً من المواطنين يعتبرون وجود المقيم على أرض الوطن "كثير عليه" وكيف أنه يكفي أن الدولة احتضنته بعكس الدول الأخرى , برغم أن أغلب هؤلاء المقيمين يتمتعون بصفات تؤهلهم للحصول على الجنسية السعودية كشخصية عربية صاحبة شهادات مرموقة تزيد الوطن رفعة لا انحطاطا له.. و قد نجد أن اغلبهم لهم أباء يقيمون في الوطن منذ ما يقارب40 سنة أو أكثر.
و إن كنا نسعى في جعل الجنسية حقا مشروعا لزوجة المواطن الأجنبية الأصل والمنشأ و التي لا تعرف شيء يُذكر عن تقاليد أو معتقدات المجتمع المحلي إلا بعد اختلاطها به , فمن الأولى أن يكون هذا الحق في التجنيس لمن تلقوا تعليمهم "نساء أو رجالا كانوا" داخل الوطن ثم أكملوا تعليمهم العالي بالخارج أو الداخل قبل أن يحصلوا على شهادات متخصصة , يظل الوطن في حاجتها الشديدة .
المدينة الاقتصادية في رابغ التي يتولاها أبو متعب حفظه الله من كل سوء , والتي ستصبح اكبر مدينة اقتصادية على مستوى الشرق الأوسط .. تبادر إلى ذهني هويات العاملين فيها , والذين من المؤكد أنهم سيحملون تخصصات ستكون المدينة في حاجتها .. و فطنتُ إلى أن عدد من المقيمين يحملون هذه التخصصات بالفعل من مجموع تخصصات لا نقوم بتعليمها نحن داخل الجامعات المحلية , فـ لماذا يقوم بعض من أبناء الوطن برفض فكرة التجنيس تماما للمقيمين وتفضيل استقدام أجانب آخرين من الخارج ؟! ما هي الأمور المخجلة التي ستنتج عن تجنيس هؤلاء المقيمين ؟! وما هي الويلات التي سينشرونها أبناء هذه الفئة في المجتمع وستكون سببا في زعزعة الثقافة الداخلية ؟!! وكيف سيحدث ذلك وهم ولدوا بالسعودية وشربوا من نفس مياه المواطن التي شربها وأكلوا من نفس طعام المواطن الذي تناوله .. وعاشوا بصفة نظامية وحملوا نفس هموم الشعب الذي تبناها في الصحف المحلية و الإعلام الداخلي ؟!
اية مشاكل "مزعومة" سيتحملها الشعب إثر تجنيس هؤلاء الفئة !؟
الحقيقة وللأسف لا شيء ..
كل ردود الأفعال تلك الرافضة لأمر التجنيس أو حتى لـ منح مجرد " بطاقة دائمة أو إقامة دائمة أو القرين الكارد" ردود أفعال غير موضوعية .. وليس لها صلة بالبحث أو تحديد السبب الرئيسي وراء وجود مشكلة البطالة .. لأن البطالة كمشكلة اقتصادية يعاني منها الفرد المحلي ليست بسبب وجود أشخاص معنيون داخل الوطن .. سواء كانوا سعوديون أم يحملون جنسيات أخرى .. البطالة لها علاقة فقط بالتخصصات التي تؤمن بها بعض الشركات الحكومية من جهة والخاصة من جهة أخرى فالمشكلة لها علاقة بالكفاية الإنتاجية والبيئة المهنية .. فكما يوجد مواطن يحمل شهادة جامعية متخصصة في الهندسة الزراعية .. يجد نفسه في النهاية مخيرا بين أمرين إما أنه يعمل مُدرس في مدرسة ابتدائية , أو يعيل أهله أو عائلته على "تاكسي" أو "ليموزين" شخصي , هو نفسه المواطن أو المقيم الذي يحمل شهادة متخصصة في الإنتاج السينمائي والتلفزيوني حصل عليها من دولة أوربية وعاد للسعودية.. ثم لا يجد مجال عمل يناسب تخصصه , بسبب أن فكرة افتتاح سينما موضوع فيه نظر وهو أمر قابل للتعدي على التيار الديني !
وتذكرت أني قرأت خبرا آخر في تاريخ مسبق منذ شهور في هذه الصحيفة , كان الخبر قد تم نشره في الصفحة الأولى بخصوص وضع خيارات لسكان منطقة مكة المكرمة وكيف أنهم سيخيرون بين الجنسية السعودية " لمن يستحق" أو الإقامة الدائمة أو إقامة عمل عادية " لمن يستحق" .. وسيتم التخلص من العشوائية تماما داخل المنطقة وترحيل البقية إلى أوطانهم .. وكانت بعض ردود الأفعال من المواطنين تعليقا على هذا الخبر اشد عنفاً .. سواءً كانت تلك الردود على نفس الموقع لجريدة الوطن أو في المنتديات الأدبية أو الثقافية التي تهتم بنقل بعض مثل هذه الأخبار .
وساءتني تلك الردود برغم أن هذا الخبر كان جميلا جدا وتمنيت أن يكون حقيقياً فعلا ..لا لأن له مصالح كثيرة كلها تصب في مصلحة المواطن الذي يسكن مكة المكرمة بالدرجة الأولى فقط , بل لأن تاريخ مكة وإرثها الثقافي والديني والاقتصادي يستحق التخلص من النظام العشوائي أيضاُ.
وتساءلت , طيب أنتم يا من ترفضون هذا الخبر وتصديقه جملة وتفصيلا , يسوؤكم أن يفكر المقيم النظامي " بتسفير" أمواله للخارج , وأنتم تعلمون أنه يعاني حصر داخلي من الناحية الاقتصادية داخل البلد وهو في الغالب يقوم بصرف كل "قرش" امتلكه من ممارسته عمله النظامي في حياته داخل الوطن , ويسوؤكم أن يتمتع المقيم النظامي بنفس المميزات التي يتمتع بها المواطن من ناحية التنقل داخل الوطن وزيارة المدن والسياحة الداخلية الحرة فقط لأنه جاء "مكفول" حتى وإن كانت هذه الكفالة منذ ما يقارب الـ20 سنة , و يسوؤكم أن يحضا المقيم النظامي بالتعليم العالي في الجامعات السعودية أسوة بالمواطن بالرغم من أن حق ذلك مكفول لأي مقيم يقيم في دولة من دول العالم الأول أو الثاني أو الثالث , وترفضون ذلك اعتقادا منكم أن المقيم يبحث عن المكافآت الجامعية بدلا من بحثه حقيقة عن مقعد يتلقى منه تعليمه العالي , بالرغم من أن هناك مقيمون يتلقون تعليمهم العالي بالجامعات الأهلية الداخلية بالسعودية والتي لا يستطيع مواطن متوسط المعيشة دفع أقساطها الفصلية .
الحقيقة أن استيعابنا "من ناحية التجنيس" لمقيمين حاصلين على شهادات من جنسيات مختلفة تعتنق الإسلام , تتحدث العربية ومن أصول عربية كانت أم لا .. هو أمر نافع للوطن و لأبنائه وغير ضار بالمرة !!
وأمّا اعتقاد وجود علاقة بين تجنيس المقيم وازدياد البطالة .. هو اعتقاد باطل ولا أساس له من الصحة , كما أن الثقافة التي يعتقد بعض هؤلاء المعارضين انهيارها بسبب وجود مقيمين تم تجنسيهم مؤخرا وأن المشكلة هي مشكلة مواطنة بالدرجة الأولى .. فإن من المعروف أن أبناء المقيم الأجنبي يتلقون من المهد إلى التعليم الثانوي نفس ما يتلقاه المواطن العادي !
يعني يحملون شهادات ميلاد سعودية موثقة بأرشيف الأحوال , يمارسون نفس الثقافة التي تتلقاها الأسرة السعودية والتي يؤثر فيها الإعلام السعودي والمطبوعات السعودية والثقافة الدينية المحلية , يتلقون نفس التعليم الذي يتلقاه المواطن العادي بالمدارس الحكومية والأهلية , يرددون النشيد الوطني بين جماعات الرفاق في المدرسة , و يمارسون التحدث باللهجة السعودية بين جماعات اللعب خارج المنزل , ترتدي الفتاة الطالبة في الأسرة المقيمة ملابس هي نفس ألوان الملابس التي ترتديها المواطنة الطالبة , ويحمل المقيم الطالب"سجادة صلاة" يضم بها بعض كتبه المدرسية أسوة بالمواطن الطالب البسيط !
يمارس المقيم نفس العادات والتقاليد في مناسبات كثيرة سواء كانت مناسبة "تخُرج" لها صلة ما بالتعليم أو مناسبة زواج أو مناسبات دينية كالأعياد السنوية , أو مناسبة عزاء وغيره , يشجع المنتخب الأم للوطن السعودي وهذا الشيء بحد ذاته يعتبر دليل قوي على قدرة تغلغل الثقافة السعودية وسط الثقافات الأخرى القادمة من الخارج و منع بعض الثقافات الأخرى من الاندماج بها أو سحقها , كما أن المقيم يعيش نفس هموم المواطن سواء كانت هموم اقتصادية , تجارية , تعليمية ,اجتماعية , دينية , دولية .
كل ذلك كان بسبب أن المقيم النظامي الأجنبي المسلم سواء كان عربيا أم لا , لا تعيش "أغلب فئاته" داخل السعودية في جماعات منعزلة كما تفعل ذلك في المدن الأوربية أو المدن العربية أو المسلمة الأخرى . يعني لا نجد مثلا أحياء كاملة تحتكرها الجنسية المصرية مثلا ويمنع دخول الجنسيات الأخرى فيها , أو أحياء أخرى تحتكرها الجنسية الأفريقية , أو الجنسية الباكستانية !
وإن عانينا هذا الاحتكار فإننا نستطيع أن نتهم هذا النظام بالتنظيم العشوائي , لكننا نجد أن المقيم النظامي المسلم في الوطن يعيش في أحياء مختلفة , وقد تجد بناية واحدة بها عدد مختلف من الجنسيات المسلمة عربية كانت أم لا , يشاركهم فيها مواطنون سعوديون .
مما يجعل الثقافة واحدة شمولية وغير مقننة بوضع محدد في تلك الأسر .. إلا بشكل بسيط جدا لا يؤثر على تلقي السعودي , أو يساعد في اختفاء ثقافة السعودي داخل وطنه .
فلن يكون هناك صدام حضارات ولا صراع ثقافي ولا صراع آخر مزعوماً سواءً كان ايدولوجيا أو اقتصاديا , و قد تحدّث المفكر والباحث الأمريكي "صامويل هنتنجتون" في مقالته التي كانت بعنوان " صدام الحضارات " وهي التي أثارت جدلا شديدا عام 1993 مـ في الصحافة الغربية إلى الآن .. مبينا فيها أن الصراع الوحيد الذي نستطيع أن نؤمن به الآن و صاعدا هو صراع حضارات بين الغرب والمسلمين يتصل نوعا ما بالثقافة .
فهل تختلف الثقافة الإسلامية عند الأفراد في مجتمع واحد فيما بينهم ؟! محال .
عشت بعضا من طفولتي في ألمانيا , وبرغم أني مواطنة سعودية عانت الغربة في ألمانيا , إلا أني لا زلت إلى الآن اشعر بالحنين لزوايا الطفولة التي عشتها هناك .
إذا فكيف بأشخاص ولدوا وترعرعوا واختلطوا بالمجتمع المحلي وتلقوا تعليمهم وإن كان هذا التعليم قد توقف عند مرحلة معينة , يحفظون النشيد السياسي و يتابعون الأخبار المسائية المحلية , ويتبادلون التعازي مع المواطن البسيط , وقد تجدهم يتحملون مهمة تعليم أبنائهم التعليم العالي بأموالهم الخاصة خارج السعودية أو داخلها , ثم يفرضون عليهم العمل داخل السعودية لبناء وطن يعتبرونه الوطن الأم في نظرهم , وإن كانوا يحملون كومة أوراق أخرى تقول غير ذلك ؟!
فما هي المواطنة والوطنية ؟! و ماذا تعني حقيقة ؟! هذا سؤال يجب أن يجيب عليه اكبر عدد ممكن من المواطنين إجابة موضوعية لا شأن لها بالعنصرية ..!!
أحب وطني .. وأتمنى أن يكون هو الوطن الوحيد الذي تستمد منه الشعوب الأخرى قيمها , و يكتبون عنه المؤرخون في مواثيق كل الحضارات القادمة بأنه الوطن العربي الوحيد الذي لا يبكي ولا يضيع فيه ساكِنُه .
فهل أخطأت !؟
رندا اسماعيل
جريدة الوطن السعودية / نقاشات