د. فاطمة قاسم
24-04-2008, 10:42 AM
الوطن
حين يتحول إلى سجال
د.فاطمه قاسم
لأنني فلسطينية ولأني أعيش في قطاع غزة
هذا الشريط الضيق من الأرض , الذي ولد قسرا من رحم النكبة , ولكنه تمرد على أقداره فتحول إلى بوابة للبدايات .
لأني أعيش في قطاع غزة
الذي يتحول فيه الموت إلى تفاصيل يومية , موت بقصف الطائرات , ومدافع الدبابات , وموت من شدة وإحكام الحصار , وبؤس الانتظار , وكبت الانفجار , وطوابير تصرخ أغيثونا ولا من مجيب , وزمن يمضي ويحترق بين مجزرة وأخرى , حتى أن الذاكرة لم تعد تسكنها سوى المجازر, والجوع , والاختناق , والشعور بالخذلان , والإحباط من عالم يروض الضمير حتى يقبل بما لا يجب القبول به , فكيف يقبل العالم بالله عليكم , تداول تلك التلفيقات التي يكررها الاحتلال الإسرائيلي برتابة مستهترة , بان الأطفال الذين يقتلون في غزة , إنما تقصف أعمارهم لأنهم في مكان خطر ؟ومنن الذي جعل غزة أضيق من كل السجون, واخطر من كل ميادين القتال ؟ أليس هم المحتلون الإسرائيليون, هم الذين ارتكبوا الجريمة الأولى التي أنتجت كل الجرائم والخطايا, الجريمة التي صنعت بعد ذلك الزمن الأصفر, زمن الاحتلال, زمن كل الجرائم, ثم يتذرعون بالاستهانة بنا ليجعلوا حياتنا ساحة لأفعالهم.
لأني أعيش في قطاع غزة :
فان قلبي حزين , اشعر بالحزن على وضعنا , وكيف أن كل هذا الذي يحدث لنا لم يحقق صحوتنا من غيبوبة الأوهام , بل على العكس من ذلك , تحول لوطن , فلسطين , من تأسيس لا يرقى له الشك , ومن إبداع يتجاوز المألوف , إلى مجرد سجال , سجال قاعدته السطحية , وفقدان المنطق , ونفي الأخر والخوف إلى حد الذعر من الاعتراف بما حقق من انجاز , أو بما أضاء من حقيقة .
إن السجال ألغرائزي, الفئوي, لا عقل له يبرر ه, ولا ضمير له يضبط الانفعال, بل هو الانحدار باتجاه القاع, استثمار للحظة الراهنة العابرة, كيف نفوز بها حتى لو كانت على حساب المستقبل كله.واسمحوا لي هنا كمواطنه فلسطينية :
أن أسال السؤال الذي يدور في ذهن الكثيرين وهو:
منذ أكثر من عشرة شهور ونحن ننقع تحت بند الانقسام, والسجال صارخ ومتوتر بيننا, فما هو المنهج الذي اتبعناه ؟ وما هي القواعد التي أسسنا عليها ؟ وما هي الإبداعات التي قدمناها ؟وما هي الاضاءات التي كشفت لنا ظلمات ما نعيش به ؟لا شيء من ذلك كله , بل على العكس , زدنا انحدارا باتجاه القاع , وحولنا السجال السطحي ألذرائعي المتوتر إلى عداوة حقيقية وأصبحنا أعداء حقيقيين , تقطعت بيننا الجسور حتى أننا أصبحنا نحكم على كل مبادرة بالفشل المسبق حتى قبل قراءتنا للنصوص وتفهم ما تعنيه السطور , أصبحنا نخاف من الاتفاق , لان الاتفاق سيحكم بالنفي القاطع لقاموسنا السياسي والأدبي والأخلاقي الذي صنعناه تحت مبرر الخلاف , وفي آليات السجال , لان السجال اقرب إلى الرغبات الغرائزية منه إلى البحث والتروي وعمق المسئولية , ولان السجال يحول الفاشلين إلى قادة لامعين , ويحول الشامتين إلى حكماء , ويحول مروجي الإشاعات إلى شيوخ الحقيقة , ويتحول الوطن , الثابت , المقدس , بيت الجميع , ووطن الجميع , الحلم المرجو , مسك الختام , وأول الكلام وأخر الكلام , يتحول الوطن إلى نعوت نتراشق بها , والى متحول يتناسب مع رغباتنا الموبوءة , والى تجارة قد تربح وقد تخسر حسب جداول الأسعار .
لأني أعيش في قطاع غزة :
اشعر فعلا بالحزن والقلق والخوف من الأيام القادمة , محاصرون نحن , وفي أجواء السجال نتحول إلى أشياء وأكوام متناثرة مغلقه على نفسها وعلى بعضها فيتضاعف الحصار , ونكون نحنن ضحايا القتل اليومي , ونرسم لأنفسنا صورة مأساوية بشعة كما لو أننا نستهينن بقتلانا .هل عرفتم من أين تبدأ ينابيع حزني , ومن أية كهوف تنطلق مخاوفي ؟الوطن ليس نصل خنجر , الوطن ليس تهمة يلفقها احدنا للأخر , الوطن مثل طفل سليمان الحكيم لا يقسم إلى نصفين لأنه يموت سواء بالنسبة لامه الحقيقية أو أمه المدعية , وليس هناك ما يذبح الوطن أكثر من أن نحوله إلى مشادة عنيفة في حمى السجال .
آه يا فلسطين :
يا من امن بجرحك حتى الظالمين , حين وجدوا فيك العدالة والألم , وبايعك الذين ولدوا في المنافي وسجلوا في هوياتهم انك أصل أنسابهم , يا فلسطين لا تبالي فهؤلاء الغارقون في بحيرات الوحل, وجنون السجال, ليسو سوى حالة عابرة, وليسوا إلا عابرون, أما أنت فسوف تظلين للملاين وطنهم الذي يعشقون, وستظلين لهم عمقا لإيمانهم, وجوهر كفاحهم حتى تتربعي على عرش حضورك من جديد.
حين يتحول إلى سجال
د.فاطمه قاسم
لأنني فلسطينية ولأني أعيش في قطاع غزة
هذا الشريط الضيق من الأرض , الذي ولد قسرا من رحم النكبة , ولكنه تمرد على أقداره فتحول إلى بوابة للبدايات .
لأني أعيش في قطاع غزة
الذي يتحول فيه الموت إلى تفاصيل يومية , موت بقصف الطائرات , ومدافع الدبابات , وموت من شدة وإحكام الحصار , وبؤس الانتظار , وكبت الانفجار , وطوابير تصرخ أغيثونا ولا من مجيب , وزمن يمضي ويحترق بين مجزرة وأخرى , حتى أن الذاكرة لم تعد تسكنها سوى المجازر, والجوع , والاختناق , والشعور بالخذلان , والإحباط من عالم يروض الضمير حتى يقبل بما لا يجب القبول به , فكيف يقبل العالم بالله عليكم , تداول تلك التلفيقات التي يكررها الاحتلال الإسرائيلي برتابة مستهترة , بان الأطفال الذين يقتلون في غزة , إنما تقصف أعمارهم لأنهم في مكان خطر ؟ومنن الذي جعل غزة أضيق من كل السجون, واخطر من كل ميادين القتال ؟ أليس هم المحتلون الإسرائيليون, هم الذين ارتكبوا الجريمة الأولى التي أنتجت كل الجرائم والخطايا, الجريمة التي صنعت بعد ذلك الزمن الأصفر, زمن الاحتلال, زمن كل الجرائم, ثم يتذرعون بالاستهانة بنا ليجعلوا حياتنا ساحة لأفعالهم.
لأني أعيش في قطاع غزة :
فان قلبي حزين , اشعر بالحزن على وضعنا , وكيف أن كل هذا الذي يحدث لنا لم يحقق صحوتنا من غيبوبة الأوهام , بل على العكس من ذلك , تحول لوطن , فلسطين , من تأسيس لا يرقى له الشك , ومن إبداع يتجاوز المألوف , إلى مجرد سجال , سجال قاعدته السطحية , وفقدان المنطق , ونفي الأخر والخوف إلى حد الذعر من الاعتراف بما حقق من انجاز , أو بما أضاء من حقيقة .
إن السجال ألغرائزي, الفئوي, لا عقل له يبرر ه, ولا ضمير له يضبط الانفعال, بل هو الانحدار باتجاه القاع, استثمار للحظة الراهنة العابرة, كيف نفوز بها حتى لو كانت على حساب المستقبل كله.واسمحوا لي هنا كمواطنه فلسطينية :
أن أسال السؤال الذي يدور في ذهن الكثيرين وهو:
منذ أكثر من عشرة شهور ونحن ننقع تحت بند الانقسام, والسجال صارخ ومتوتر بيننا, فما هو المنهج الذي اتبعناه ؟ وما هي القواعد التي أسسنا عليها ؟ وما هي الإبداعات التي قدمناها ؟وما هي الاضاءات التي كشفت لنا ظلمات ما نعيش به ؟لا شيء من ذلك كله , بل على العكس , زدنا انحدارا باتجاه القاع , وحولنا السجال السطحي ألذرائعي المتوتر إلى عداوة حقيقية وأصبحنا أعداء حقيقيين , تقطعت بيننا الجسور حتى أننا أصبحنا نحكم على كل مبادرة بالفشل المسبق حتى قبل قراءتنا للنصوص وتفهم ما تعنيه السطور , أصبحنا نخاف من الاتفاق , لان الاتفاق سيحكم بالنفي القاطع لقاموسنا السياسي والأدبي والأخلاقي الذي صنعناه تحت مبرر الخلاف , وفي آليات السجال , لان السجال اقرب إلى الرغبات الغرائزية منه إلى البحث والتروي وعمق المسئولية , ولان السجال يحول الفاشلين إلى قادة لامعين , ويحول الشامتين إلى حكماء , ويحول مروجي الإشاعات إلى شيوخ الحقيقة , ويتحول الوطن , الثابت , المقدس , بيت الجميع , ووطن الجميع , الحلم المرجو , مسك الختام , وأول الكلام وأخر الكلام , يتحول الوطن إلى نعوت نتراشق بها , والى متحول يتناسب مع رغباتنا الموبوءة , والى تجارة قد تربح وقد تخسر حسب جداول الأسعار .
لأني أعيش في قطاع غزة :
اشعر فعلا بالحزن والقلق والخوف من الأيام القادمة , محاصرون نحن , وفي أجواء السجال نتحول إلى أشياء وأكوام متناثرة مغلقه على نفسها وعلى بعضها فيتضاعف الحصار , ونكون نحنن ضحايا القتل اليومي , ونرسم لأنفسنا صورة مأساوية بشعة كما لو أننا نستهينن بقتلانا .هل عرفتم من أين تبدأ ينابيع حزني , ومن أية كهوف تنطلق مخاوفي ؟الوطن ليس نصل خنجر , الوطن ليس تهمة يلفقها احدنا للأخر , الوطن مثل طفل سليمان الحكيم لا يقسم إلى نصفين لأنه يموت سواء بالنسبة لامه الحقيقية أو أمه المدعية , وليس هناك ما يذبح الوطن أكثر من أن نحوله إلى مشادة عنيفة في حمى السجال .
آه يا فلسطين :
يا من امن بجرحك حتى الظالمين , حين وجدوا فيك العدالة والألم , وبايعك الذين ولدوا في المنافي وسجلوا في هوياتهم انك أصل أنسابهم , يا فلسطين لا تبالي فهؤلاء الغارقون في بحيرات الوحل, وجنون السجال, ليسو سوى حالة عابرة, وليسوا إلا عابرون, أما أنت فسوف تظلين للملاين وطنهم الذي يعشقون, وستظلين لهم عمقا لإيمانهم, وجوهر كفاحهم حتى تتربعي على عرش حضورك من جديد.