سماك برهان الدين العبوشي
21-04-2008, 07:59 PM
بقلم : سماك برهان الدين العبوشي
إحدى المسرحيات الشعرية التي كتبها والدنا الشاعر والمجاهد الراحل برهان الدين العبوشي ( 1911 – 1995 ) هي مسرحية شبح الأندلس التي طبعت في مطابع دار الكشاف ببيروت عام 1949والتي تتحدث عن نكبة فلسطين ومعركة جنين الكبرى عام 1948، ولقد استهل مسرحيته الشعرية بمقدمة نثرية يبين فيها بألم وحسرة أحداث ما قبل النكبة ومسبباتها بشكل موجز ومقتضب ودق فيها ناقوس خطر ضياع فلسطين واندثار اسمها، وشبه ما يجري في فلسطين آنذاك بأنه محاكاة وترسم لخطى ضياع الأندلس جراء الصراعات والتنافس في الممالك ... وما أشبه اليوم بالبارحة، لذا فلقد أحببت أن يطلع السادة قراء منبر دنيا الوطن الكرام على هذه المقدمة النثرية التي من يقرأها سيجدها تحاكي واقعنا هذا اليوم وكل يوم ... والله من وراء القصد.
نص المقدمة النثرية التي كتبها الشاعر الراحل برهان الدين العبوشي (*)
لمسرحيته الشعرية (( شبح الأندلس )) عام 1949 م
بسم الله الرحمن الرحيم
لا حمد إلاّ لله ، أمّـا بعدُ فان هذه النكبة التي ألـمَّت بالبلاد واهلكت العباد، لم تكن مرتجلة ولا بنت ساعتها، وانما مَهّـدَ اليها جهل القادة وجشع السادة وجبن الذادة، فهي من قديم تتمخض عنها القرون وتنذر بها الايام ، فلقد ذر قرنها بقرنين قبل صلاح الدين ومعركة حطين، ولم يكن في العرب بعد ذلك مؤمن تنفعه الذكرى أو تفيده العبرة. بل ظَلَّ الكبراء في طُغيانهم يعمهون، تخدعهم صُفرة الذهبِ ولو بهم ذَهَبَ، وبياض الفِضَةِ ولو إبْـيَضَّتْ أعين الشعب من الحزن، واحتربت بيوتات العرب على الملك، فاتخذوا من عدو العرب ظهيراً على بعضهم والباً على أَنفسهم. واحسنوا الظن في من نهى الله عنه موالاتهم (ومن يتولهم منكم فانه منهم) فاعانوا الظالم على ظلمه فسلطه الله عليهم، وصادقوا على الجور قرصانَ الارض، وما علموا ان (الاخلاَّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلاّ المتقين) وغصت قصور الامراء والمالكين بزخرف الحياة ومتاع الدنيا وقشور النعيم. وارهبوا الكتـَّاب والشعراء والعلماء فأخرسوا السنتهم الا عن مدحهم واظهار زينتهم وتبرير طغيانهم، واسْتـَنَّ المؤرخون سُنَّةً خاطئة في تدوين مفاخر الامة واسباب عَلائها، وفي تسجيل سيئات الحكم واسبابها ونتائجها، كما اخطأوا في توجيه الامة توجيها صالحا مجديا تستفيد منه الاجيال التي تعقبهم.
لقد كان في الاندلس ملوك طوائف اهلكوا انفسهم وطوائفهم باختلافهم، وكان قد جرى مثل هذا الاحتراب في العرب بعد سنين من خلافة عثمان، ولقد سمعت اثناء طفولتي من متحدثين عن معركة الجمل ان القاتل والمقتول فيها للجنة. فاستغربت هذا القول ثم ادركت ان هذه الجملة ان هي الا تحريض على ممارسة مثل هذا الشِقاق واستمراره ولن تكون هذه حديثا شريفا. لقد استمر هذا الاحتراب في سبيل الزعامة القبلية وفي سبيل التاج إلى ان اودى بالاموية والعباسية، وطوح بالعز العربي تحت اقدام الفرس والترك والصليبيين وتحت اقدام المستعمرين في القرن العشرين، وها هو التاريخ يعيد نفسه، فقد تقلص ظل الدولة العربية في الاندلس في دولة بني الاحمر، ويشبهها عندنا اليوم المثلث العربي وما تبقى من جبال منطقة القدس والخليل وغزة، وسيذهب منا هذا القسم إلى العدو ان لم يعتبر رؤوسنا بمصير ملوك الطوائف، وان لم يبادر عرب هذه الدويلات إلى جمع الصفوف وتجنيد الالوف ونبذ الشقاق وهجر النفاق والعبرة بما حاق بعرب الاحمر وباندثارهم، ان الصيحة ستاخذ العرب جميعهم ان لم ننعتق من شبح الخوف في محاسبة رؤوسنا واهل الحكم في العالم العربي، وقديما استبشر عمر بن الخطاب إذ وجد في الامة مؤمنين يحاسبونه، فليبادر المسؤولون إلى اصلاح ما افسدوه، والى السير كتلة عربية خالصة لا اثر فيها لاجنبي مهما كان لونه ومدعاه، فحرام ان ينقرض هذا الجيل من اجل افراد.
ان الشعب هو مصدر كل حكم، فان تاق واحب ان يندثر فليقعد عن محاسبة حاكميه، وان احب النجاة والسعادة والعز والبقاء فلينهج طرق الخير والصواب في المعارضة لاصلاح ذاته واعلاء شأنه وليسرع في ذلك حازما مهما غلا الثمن قبل ان تدور عليه الدوائر. لقد دخل الانجليز فلسطين ولم اتجاوز السابعة سنا، ويوم دخلوا (جنين) بلدي هربت ليلا ردفا لعمي إلى قرية (بيت قاد) وسمعنا في بطن الوادي انين جرحى الترك يصيحون (أمان). ومن القرية نظرت إلى جنين فرأيتها تحترق. فأنبانا القادمون ان الترك والالمان يحرقون الذخائر في محطة سكة الحديد هناك .فكنت وانا الطفل الصغير اشعر بالالم الدفين لوجود الغريب الغازي في البلاد، واشعر بالحسرة لحرق هذه الذخائر وقتل هذه النفوس لاشباع شهوة الاباطرة والمستعمرين . ورجعت وشقيقتي الطفلة إلى جنين ومعنا دليلة الطريق، فسمح لنا الجنود ذوو الريشة (الاستراليين) بالمرور على ان نعطيهم بيضاً ليشربوه. فساءلت نفسي إذ ذلك اجاء هؤلاء من استراليا ليشربوا البيض من بلادنا ام لاستعمارنا. فكان الجواب هو الأمران معاً. والقصد من هذه النبذة هو اننا سمعنا من آبائنا ان الانجليز لا يمسون العربي بسوء آنذاك لان العرب كانوا في الحرب معهم. ودخلت المدرسة واذا بمديرها يلقننا نشيدا باللغة الانكليزية عنوانه " يا رب احفظ الملك " لنردده في كل صباح. وكنا طلابا واساتذة نشعر بألم قاتل من هذا النشيد. وكنا نتهامس متى يكون لنا ملك عربي حر كهارون الرشيد نعتز ونتباهى به. ونتيجة لهذا الالم تجرأنا فاستبدلنا هذا النشيد الانكليزي بنشيد عربي على نغمة مطلعه:
محبة الاوطان حتم على الانسان
ودار الدهر واذا بهؤلاء الحلفاء الد الخصام، فقد خدعوا الوجود والاعيان وطلاب الوظائف بصدق نيتهم، فجردونا من كل ما يهيء لنا بناء دولة عربية مستقلة، وايقظوا في العائلات والمدينة والقرية الفتنة النائمة لعن الله من ايقظها، واقتحموا مضارب الخيام، فأطمعوهم بالذهب، وافسدوا بين العائلات الحاكمة، وأغْرَوا غيرها للتهيؤ للحكم، فكان الرؤوس اطوع من بنانهم، ففسد الحال وزاد سوءا، وكانوا قبل ذا قد ابتدعوا وعد بلفور، فترعرع هذا على اكفهم والعرب مشغولون بالشقاق العائلي والتنافس على العرش الذي يصنعه العدو.
واستفاقت فلسطين اثناء ذلك فتململت تململ السليم. وغضبت فتظاهرت وثارت على غير نظام ولا استعداد، ثم غضبت وثارت على غير نظام ولا استعداد، وكان اليهود اثناء ذلك ينظمون ويستعدون ويبنون القلاع ويخزنون السلاح، ويمهدون لغزو فلسطين وما جاورها، وكان الانجليز طوع بنانهم يهيئون لهم الاسباب ويمهدون لهم الطريق، واذا بالفلسطيني ينفجر بركانه قبل اليوم الخامس عشر من شهر ايار سنة 1948. واذ بجيوش العرب تدخل فلسطين بعد ذلك بنية الحكم لا التحرير حسب قول الناس. واذا بالسهول والجبال والوديان والاحراش تعج بالوف الثاكلات والثاكلين والهاربات والهاربين من عرب فلسطين. واذا بمدن العرب وقراهم تساقط كالرطب في فم اليهود. واذا بساسة العرب يَسْتـَجْدون عطف عالم الغرب ويشكون اليه قسوة اليهود. واذا بدول العرب تختصم فيما بينها، واذا بفلسطين تطير في لمح البصر، واذا بشعب فلسطين يضمحل ويفنى وقاتلوه اهله وعشيره، واذا بعار التقصير ينصب على يأفوخ فلسطين، والمقصرون هم اولئك الساسة، ولكن الجمل اذا وقع كثر ذابحوه.. هذا ما جرى في لمحة عين. فلا عجب ان يشبه حالنا حال اهلنا في الاندلس. وان كان خزينا اكبر من خزيهم ومصابنا اعظم من مصابهم، فهم خرجوا منافحين وخرجنا نحن متخاذلين ومخذولين في كثير من الحالات برغم ما اكتنف لاجئينا من عطف اخواننا في بلاد العرب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــ
(*) للشاعر الراحل أربع مسرحيات شعرية هي على التوالي : وطن الشهيد - شبح الأندلس - عرب القادسية - الفداء كما وله أربعة دواوين شعرية هي كالتالي : جبل النار - النيازك – إلى متى – جنود السماء كما وله مذكرات شخصية بعنوان ( من السفح إلى الوادي ألبي صوت أجدادي ) كان قد أدرج فيها سيرة حياته ونضاله وجهاده على أرض فلسطين.
إحدى المسرحيات الشعرية التي كتبها والدنا الشاعر والمجاهد الراحل برهان الدين العبوشي ( 1911 – 1995 ) هي مسرحية شبح الأندلس التي طبعت في مطابع دار الكشاف ببيروت عام 1949والتي تتحدث عن نكبة فلسطين ومعركة جنين الكبرى عام 1948، ولقد استهل مسرحيته الشعرية بمقدمة نثرية يبين فيها بألم وحسرة أحداث ما قبل النكبة ومسبباتها بشكل موجز ومقتضب ودق فيها ناقوس خطر ضياع فلسطين واندثار اسمها، وشبه ما يجري في فلسطين آنذاك بأنه محاكاة وترسم لخطى ضياع الأندلس جراء الصراعات والتنافس في الممالك ... وما أشبه اليوم بالبارحة، لذا فلقد أحببت أن يطلع السادة قراء منبر دنيا الوطن الكرام على هذه المقدمة النثرية التي من يقرأها سيجدها تحاكي واقعنا هذا اليوم وكل يوم ... والله من وراء القصد.
نص المقدمة النثرية التي كتبها الشاعر الراحل برهان الدين العبوشي (*)
لمسرحيته الشعرية (( شبح الأندلس )) عام 1949 م
بسم الله الرحمن الرحيم
لا حمد إلاّ لله ، أمّـا بعدُ فان هذه النكبة التي ألـمَّت بالبلاد واهلكت العباد، لم تكن مرتجلة ولا بنت ساعتها، وانما مَهّـدَ اليها جهل القادة وجشع السادة وجبن الذادة، فهي من قديم تتمخض عنها القرون وتنذر بها الايام ، فلقد ذر قرنها بقرنين قبل صلاح الدين ومعركة حطين، ولم يكن في العرب بعد ذلك مؤمن تنفعه الذكرى أو تفيده العبرة. بل ظَلَّ الكبراء في طُغيانهم يعمهون، تخدعهم صُفرة الذهبِ ولو بهم ذَهَبَ، وبياض الفِضَةِ ولو إبْـيَضَّتْ أعين الشعب من الحزن، واحتربت بيوتات العرب على الملك، فاتخذوا من عدو العرب ظهيراً على بعضهم والباً على أَنفسهم. واحسنوا الظن في من نهى الله عنه موالاتهم (ومن يتولهم منكم فانه منهم) فاعانوا الظالم على ظلمه فسلطه الله عليهم، وصادقوا على الجور قرصانَ الارض، وما علموا ان (الاخلاَّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلاّ المتقين) وغصت قصور الامراء والمالكين بزخرف الحياة ومتاع الدنيا وقشور النعيم. وارهبوا الكتـَّاب والشعراء والعلماء فأخرسوا السنتهم الا عن مدحهم واظهار زينتهم وتبرير طغيانهم، واسْتـَنَّ المؤرخون سُنَّةً خاطئة في تدوين مفاخر الامة واسباب عَلائها، وفي تسجيل سيئات الحكم واسبابها ونتائجها، كما اخطأوا في توجيه الامة توجيها صالحا مجديا تستفيد منه الاجيال التي تعقبهم.
لقد كان في الاندلس ملوك طوائف اهلكوا انفسهم وطوائفهم باختلافهم، وكان قد جرى مثل هذا الاحتراب في العرب بعد سنين من خلافة عثمان، ولقد سمعت اثناء طفولتي من متحدثين عن معركة الجمل ان القاتل والمقتول فيها للجنة. فاستغربت هذا القول ثم ادركت ان هذه الجملة ان هي الا تحريض على ممارسة مثل هذا الشِقاق واستمراره ولن تكون هذه حديثا شريفا. لقد استمر هذا الاحتراب في سبيل الزعامة القبلية وفي سبيل التاج إلى ان اودى بالاموية والعباسية، وطوح بالعز العربي تحت اقدام الفرس والترك والصليبيين وتحت اقدام المستعمرين في القرن العشرين، وها هو التاريخ يعيد نفسه، فقد تقلص ظل الدولة العربية في الاندلس في دولة بني الاحمر، ويشبهها عندنا اليوم المثلث العربي وما تبقى من جبال منطقة القدس والخليل وغزة، وسيذهب منا هذا القسم إلى العدو ان لم يعتبر رؤوسنا بمصير ملوك الطوائف، وان لم يبادر عرب هذه الدويلات إلى جمع الصفوف وتجنيد الالوف ونبذ الشقاق وهجر النفاق والعبرة بما حاق بعرب الاحمر وباندثارهم، ان الصيحة ستاخذ العرب جميعهم ان لم ننعتق من شبح الخوف في محاسبة رؤوسنا واهل الحكم في العالم العربي، وقديما استبشر عمر بن الخطاب إذ وجد في الامة مؤمنين يحاسبونه، فليبادر المسؤولون إلى اصلاح ما افسدوه، والى السير كتلة عربية خالصة لا اثر فيها لاجنبي مهما كان لونه ومدعاه، فحرام ان ينقرض هذا الجيل من اجل افراد.
ان الشعب هو مصدر كل حكم، فان تاق واحب ان يندثر فليقعد عن محاسبة حاكميه، وان احب النجاة والسعادة والعز والبقاء فلينهج طرق الخير والصواب في المعارضة لاصلاح ذاته واعلاء شأنه وليسرع في ذلك حازما مهما غلا الثمن قبل ان تدور عليه الدوائر. لقد دخل الانجليز فلسطين ولم اتجاوز السابعة سنا، ويوم دخلوا (جنين) بلدي هربت ليلا ردفا لعمي إلى قرية (بيت قاد) وسمعنا في بطن الوادي انين جرحى الترك يصيحون (أمان). ومن القرية نظرت إلى جنين فرأيتها تحترق. فأنبانا القادمون ان الترك والالمان يحرقون الذخائر في محطة سكة الحديد هناك .فكنت وانا الطفل الصغير اشعر بالالم الدفين لوجود الغريب الغازي في البلاد، واشعر بالحسرة لحرق هذه الذخائر وقتل هذه النفوس لاشباع شهوة الاباطرة والمستعمرين . ورجعت وشقيقتي الطفلة إلى جنين ومعنا دليلة الطريق، فسمح لنا الجنود ذوو الريشة (الاستراليين) بالمرور على ان نعطيهم بيضاً ليشربوه. فساءلت نفسي إذ ذلك اجاء هؤلاء من استراليا ليشربوا البيض من بلادنا ام لاستعمارنا. فكان الجواب هو الأمران معاً. والقصد من هذه النبذة هو اننا سمعنا من آبائنا ان الانجليز لا يمسون العربي بسوء آنذاك لان العرب كانوا في الحرب معهم. ودخلت المدرسة واذا بمديرها يلقننا نشيدا باللغة الانكليزية عنوانه " يا رب احفظ الملك " لنردده في كل صباح. وكنا طلابا واساتذة نشعر بألم قاتل من هذا النشيد. وكنا نتهامس متى يكون لنا ملك عربي حر كهارون الرشيد نعتز ونتباهى به. ونتيجة لهذا الالم تجرأنا فاستبدلنا هذا النشيد الانكليزي بنشيد عربي على نغمة مطلعه:
محبة الاوطان حتم على الانسان
ودار الدهر واذا بهؤلاء الحلفاء الد الخصام، فقد خدعوا الوجود والاعيان وطلاب الوظائف بصدق نيتهم، فجردونا من كل ما يهيء لنا بناء دولة عربية مستقلة، وايقظوا في العائلات والمدينة والقرية الفتنة النائمة لعن الله من ايقظها، واقتحموا مضارب الخيام، فأطمعوهم بالذهب، وافسدوا بين العائلات الحاكمة، وأغْرَوا غيرها للتهيؤ للحكم، فكان الرؤوس اطوع من بنانهم، ففسد الحال وزاد سوءا، وكانوا قبل ذا قد ابتدعوا وعد بلفور، فترعرع هذا على اكفهم والعرب مشغولون بالشقاق العائلي والتنافس على العرش الذي يصنعه العدو.
واستفاقت فلسطين اثناء ذلك فتململت تململ السليم. وغضبت فتظاهرت وثارت على غير نظام ولا استعداد، ثم غضبت وثارت على غير نظام ولا استعداد، وكان اليهود اثناء ذلك ينظمون ويستعدون ويبنون القلاع ويخزنون السلاح، ويمهدون لغزو فلسطين وما جاورها، وكان الانجليز طوع بنانهم يهيئون لهم الاسباب ويمهدون لهم الطريق، واذا بالفلسطيني ينفجر بركانه قبل اليوم الخامس عشر من شهر ايار سنة 1948. واذ بجيوش العرب تدخل فلسطين بعد ذلك بنية الحكم لا التحرير حسب قول الناس. واذا بالسهول والجبال والوديان والاحراش تعج بالوف الثاكلات والثاكلين والهاربات والهاربين من عرب فلسطين. واذا بمدن العرب وقراهم تساقط كالرطب في فم اليهود. واذا بساسة العرب يَسْتـَجْدون عطف عالم الغرب ويشكون اليه قسوة اليهود. واذا بدول العرب تختصم فيما بينها، واذا بفلسطين تطير في لمح البصر، واذا بشعب فلسطين يضمحل ويفنى وقاتلوه اهله وعشيره، واذا بعار التقصير ينصب على يأفوخ فلسطين، والمقصرون هم اولئك الساسة، ولكن الجمل اذا وقع كثر ذابحوه.. هذا ما جرى في لمحة عين. فلا عجب ان يشبه حالنا حال اهلنا في الاندلس. وان كان خزينا اكبر من خزيهم ومصابنا اعظم من مصابهم، فهم خرجوا منافحين وخرجنا نحن متخاذلين ومخذولين في كثير من الحالات برغم ما اكتنف لاجئينا من عطف اخواننا في بلاد العرب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــ
(*) للشاعر الراحل أربع مسرحيات شعرية هي على التوالي : وطن الشهيد - شبح الأندلس - عرب القادسية - الفداء كما وله أربعة دواوين شعرية هي كالتالي : جبل النار - النيازك – إلى متى – جنود السماء كما وله مذكرات شخصية بعنوان ( من السفح إلى الوادي ألبي صوت أجدادي ) كان قد أدرج فيها سيرة حياته ونضاله وجهاده على أرض فلسطين.