المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شاعر الماركة المسجلة


هدلاالقصار
07-12-2008, 11:11 AM
شاعر الماركة المسجلة
الشاعر المهاجر "شربل بعيني"

بقلم/ هدلا القصار
يقال في القانون أن لا تقبل شهادة من أهل البيت :
لكن لو كان القارئ مكاني حين اقترب قلبه من ذاك البستان اللبناني الذي اخترقته سهام عيني المسافة واخترقت حصاده الشعري كقذحة القوس ؟
ألا يحق لأصابعي أن تكتب عن شجرة أرز خلعت من أرضها لتعاود زرع جيناتها في المنفى البعيد بين موجات أرواح الشعر ليظل الصوت اخضر كشذرات تبحث عن بعضها البعض وليكتمل الضوء في عتمة الاغتراب عاشقين يكللهما سراً يعانق المحسوس ويعبر الشاعر عن ذاته ويكتشف غربته الساخنة فوق أجنحته المحلقة على أوراقه المجروحة كما فعل الشاعر والأديب اللبناني المهاجر" شربل بعيني" حيث فتح أبواب خزانات ثروته الشعرية ورفع صوته في قصائده لينسج بين حبه للوطن وذاته بصراخ اعتقد الشاعر انه وصل السماء وانزل عليه الرب الإله خاصاً به يحاوره / يحاكيه/ يبكيه كالطفل/ ويحتضنه كأزهار بستانه الشعري المهاجر . أن قصائده تفوح بعطر الزمان الماضي الأقرب إلى الأجواء الريفية اللبنانية التي ما زالت تنثر روائحها على نصوصه الحنينية طوال الوقت يعكس رثاء الماضي ويتكلم عنه كنوع من الأسى على فقدانه والمقارن بالحاضر . لذلك هو ينتقد جميع ممثلي الحاضر الذي يرى أنهم مسؤولين عن هدم هذا الماضي الجميل، لذلك نرى قصائده ونصوصه تحمل الرثاء الطويل للبنان الماضي . ويسأل القصيدة حين تفتقد نفسه لنفسه كما قال في كتاب " الهي جديد عليكم"

غَريبٌ أَنا
في دِيارِ الأَحِبَّةِ
أَمْشي
وَأَرْكُضُ خَلْفَ الضَّياعِ
وَأَغْزُلُ نَجماً كَنَجْمِ الْمَجوسِ
مُضيئاً
لِيُرْشِدَني إِلى مِذودِ حُبِّي
أَنا مَنْ أَنا؟
مَنْ أَكونُ؟
فَصَمْتي رَهيبٌ
وَعَيْشي كَئيبٌ
وَأَتْرِبَةُ الْحُزْنِ تَأكُلُ نَعْلي
وَجَورَبِيَ الْعالِقَ خَوفاً
بِأَطرافِ ثَوبي
أَنا مَنْ أَنا؟



هنا نرى الشاعر شريل يزرع غابات مهجره بحنطة سنوات غربته الرهينة بقداسة المنطلق من إيمانه الإنساني الذي خلقه الله على لسان أقلامه التي تترآى على لغته ويتقاسمها البحث عن سلم لبلسم جراح الوطن لتكبر عائلة مجموعاته الديوانية الأدبية في أيقونة غربته التي لا يتوقف نزفها ولا تخفف الآم الذي يقطع حبل الصرة بين الوطن وغربته ليظل كالنسيج على قصائده المهاجرة في متاهات سفر القصيدة الممددة أمامه باكتمال المعنى كتألم وجع الجبال حين تعصفها الرياح .
كما سالت نفسي مرات عدة ؟! كيف يمكن لشاعر أن يستجمع جميع هذه الأصوات التي تتدفق من داخله حين يغرد قصائده كالطائر السجال/ ويغنيها كالعاشق / ويحاكي النص كالراوي / وبمفهومه الأدبي يصنع لغته ويدونها لنا دون يدخل فذلكة شعرية كالذي يحمله اليوم .
أن قصائده ونصوصه غيض من فيض، وهي المسافة الفاصلة بين الذات والموضوع كما وتساهم صوره الشعرية المحاكاة تخلق عالم من الدهشة والغرابة التي يفتن بها القارئ ويأخذه بمفردات كلماته إلى حيث يريد وهو يشير دائما إلى الغربة حين يقع تحت وطأ العزلة لتولد صور قصائده لغة مباشرة تبقيه كهمزة الوصل بينه وبين الزمان والمكان الذي يكحل به سطور شاعريته الملموسة من واقع الحياة والسياسة كما في بعض قصائده الموجه والمباشرة لمن يعنيه الأمر !! بطريقة ساخرة دامية ينتقد فيها الساسة والسياسيين والأحزاب والحكام القائمين على الطوائف والتي كانت تؤثر على الشعب . لنرى ما قاله في هذه القطع من مجموعة " قصائد مبعثرة عن لبنان والثورة " .
ـ3ـ
مَرْكَبُنا الأَخْضَرْ
شَقَّ الرِّياحَ الْعاتِيَة
مُذْ كانَتْ فِينِيقِيَا
وَالْيَوْمَ يَتَكَسَّرْ
عَلَى صَخْرِ انْقِسَاماتِنَا يَتَكَسَّرْ
وَالْحَقُّ لَيْسَ عَلَيْنا بَلْ عَلَى الرُّبَّانْ..
مَرْكَبُنا الأَخْضَرْ هُوَ لُبْنانْ.
**
الطائفيّة
ـ1ـ
تَسْأَلُونِي يا أَعِزَّائِي الْكِرَامْ
ماذَا تَعْنِي الطَّائِفِيَّة؟
هَلْ هِيَ رُوحُ التَّعَصُّبِ وَالْخِصَامْ؟
أَمْ هِيَ حِقْدٌ وَكُرْهٌ وَانْقِسَامْ؟
تَسْأَلُوني وَالدُّمُوعُ تَنْسَكِبْ:
هَلْ هِيَ مَوْجُودَةٌ؟
عَجِّلْ.. أَجِبْ.
ـ2ـ
فَأُجِيبْ:
إِنَّ فِي لُبْنانِنا الْحَبيبْ
حَيْثُ الْهِلالُ والصَّليب
مُتَّحِدانِ لِلأَبَدْ
يَسْتَحِيلُ.. يَسْتَحِيلْ..
أَنْ تَحُلَّ الطَّائِفِيَّة
أَنْ تَغُوصَ الأَنْفُسُ الطَّاهِرَةُ الأَبِيَّة
في آبارٍ شَيْطَانِيَّه
حَفَرَتْها الانْقِساماتُ السِّياسِيَّة.
**
ستحرقون
ـ1ـ
يا مَعْشَرَ الْيَمينِ وَالْيَسَارْ
بِالرَّغْمِ مِنْ أُنُوفِكُمْ
سَيَحْدُثُ ائْتِلافْ
سَتَلْتَقِي الْقُلُوبُ في حَدائِقِ الْوَطَنْ
سَيَرْجِعُ الزَّمَنْ
سَتُشْبَكُ الأَيادي وَالْحَناجِرُ تَصِيحْ:
لا يُوجَدُ اخْتِلافْ..
ـ2ـ
وُجُودُكُمْ مَبْني عَلَى الْكَرَاهِيَة
عَلَى الْخِصَامِ الْمُفْتَعَلْ
والطائفية..
وُجُودُكُمْ كَراهِي
كما أن الشاعر شربل لا يعرف الغموض ولا تستهويه الإيحاءات لكنه ياستمر يبحث في الأزمنة عن من تسبب بجراح الأوطان وانتهاك الطبيعة والتراث الوطني ولم يفكر في لبنان وحده فقط بل كتب عن الجرح الفلسطيني وأحلامه المتكسرة وعن العراق التي يمثل رمز البطولة والأسى على الواقع العربي المعاش وعن حرقة الأوطان، ومرارة الخذلان، وجحيم الآلام. كما خاطب الشعب الفلسطيني ، في كتاب "حوار مع القمر " يقول :
نَعُودُ؟
إِلى أَرْضِنا سَنَعُودْ
وَنَقْذِفُ جَنْباًً شَريطَ الْحُدُودْ
فَلَسْطِينُ أَنْتِ بِلادي.. وَهَلْ
سَأَتْرُكُ لِلْغَيْرِ أَرْضَ الْجُدُودْ
هَلُّمُوا إِلى قُدْسِنا
رَاجِعين
لِنَطْرُدَ مِنْها الْعَدُوَّ اللَّدُودْ
ومن مجموعة "كيف ايعنت السنابل "اخترت بعض ألابيات من قصيدة
" أَرْض العراق .. أتيتك"
ـ1ـ
أَرضَ الْعِراقِ.. أَتَيْتُكِ
وَالْهَجْرُ يَغْتالُ البَنينْ
عُمْري انْتَهى
وَصَبابَتي
تَحْكي حَكايا غُرْبَتي
كَيْفَ احْتَبَسْتُ القَهْرَ أَعْواماً
وَعارَكْتُ الحَنينْ
كَيْفَ احْتَرَفْتُ الْقَفْزَ مِنْ شَكٍّ إلى شَكٍّ
لأَحْظَى بِالْيَقينْ
ـ2ـ
أَرْضَ الْعِراقِ.. أَتَيْتُكِ
مُدِّي الْيَدَيْنِ إلى الْحَبيبْ
إنّي سَكَبْتُكِ مِنْ عُيونِيَ دِجْلَةً
أوّاهُ.. كَمْ يَبْكِي الْغَريبْ
وَرَسَمْتُ وَجْهَكِ ساطِعاً
كالشَّمسِ.. لا يَخْشَى الْمَغيبْ
جَدَّلْتُ شَعْرَكِ بالْوُرودِ، كَأَنَّما
تَنْسابُ عِنْدَ سُفوحِهِ أَنْهارُ طيبْ
زَيَّنْتُ ثَغْرَكِ بِالْكَواكِبِ
وانْتَشى الْخَدَّانِ حينَ تَسامَرَتْ
بِالْقُرْبِ مِنْ أُذُنَيْكِ
أَقْلامُ أَديبْ
ـ8ـ
لُبنانُ، يا بَغْدادُ، كَمْ سَنَةٍ
يَقْتاتُ مِنْ أَكْبادِهِ الأَلَمُ
هَلْ يَنْتَهي الإنسانُ في وَطَنٍ
كانَتْ تُناغي أَرْضَهُ الْقِيَمُ
أَعْداؤهُ الأَوغادُ هَمُّهُمُ
أَن يُسكِرَ المُسْتَنقعاتِ دَمُ
أَوصافُهُمْ، إن شِئْتِ، أَكْتُبُها
كَيْ تَعْلَمي كَمْ يَخْجَلُ الْقَلَمُ
ـ9ـ
لُبنانُ، يا بَغْدادُ، مَعْبَدُنا
فيه ارْتَدَتْ أَرْواحَنا الْكِلَمُ
وَالْيَومَ.. تَدعو اللّهَ أَلْسِنَةٌ
يَغْفو عَلَى أَحْناكِها الصَّنَمُ
قَدْ قَسَّمَتْ أَوْطانَنا ضِيَعاً
وَالشَّعْبُ يَدْري كَيْفَ يَنْتَقِمُ
ـ10ـ
لُبنانُ، يا بَغدادُ، أُغْنِيَةٌ
تاهَتْ، فَتاهَ اللَّحْنُ والنَّغَمُ
كُلُّ الْجِبالِ الْعالِياتِ هَوَتْ
حينَ احْتَوانا بِكَفِّهِ الْعَدَمُ
حَتَّى اخْضِرارُ الأَرْضِ لَيْسَ سِوى
صَحْراءَ تَخْبو تَحْتَها الْحِمَمُ
ـ13ـ
أَرضَ العِراقِ.. أَتَيْتُكِ
مُتَعَطِّراً بِالْياسَمينْ
كَي تَعرِفي الْمَحْبوبَ
مِن بَينِ أُلوفِ الزّائِرينْ
الوافِدينَ إِلَيْكِ يا بَيْتَ الرَّسولِ
وَدَيْرَ عيسى
وَكُلِّ.. كُلِّ الْمُرْسَلينْ
يا نَجْمَةَ الشَّرْقِ الْبَهِيَّةَ في سَماءِ الغائبينْ
إِنِّي أَتَيْتُكِ.. فَافْتَحي الشُّباكَ
لا أَخْشى عُيونَ الْحاسِدينْ
كأنما لغة الشاعر المهجرية تستعيد ذكرى شعراء المهجر العظام الذين مثلوا وعي الوطنية القومية العروبية من منافيهم في مستهل القرن العشرين كـجبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي، وميخائيل نعيمة، هم شعراء الرومانسية الوطنية الكبار .
إذا هو شاعر يهاجم بسخرية الواقع /يدافع عن الإنسانية /يقتحم الاجبة /يدخل جميع الأمكنة / يفتح كل الأبواب / لا يهاب قول الحقيقة /ولا ترهبة العقبات / تميل طفيلياته الشعرية إلى ثلاث منحنيات الوطن/ والسياسة/ والحب العذري حتى حين تسيطر في تجليات مخيلته الشعرية ليتغنى بالمرأة الأنثى بغزله القروي البسيط النابض بالحب العذري . ومن إحدى مجموعاته القديمة لفت نظري هذا النوع من الأسلوب المحاكاة المغنى الجميل :

ارتعاشات الهوى

تَلْمَذْتُها عَلَى يَدِي، يَا حَبَّذَا
لَوْ عَلَّمَتْنِي الْحُبَّ رَغْمَ الأَسْتَذَه
أَحْلَى الْعُلُومِ، إِنْ أَنَا أَنْهَيْتُها
تَبْغِي بَقائي فِي صفوفِ التَّلْمَذَه
أَلْحُبُّ أَسْمَى نِعْمَةٍ حَلَّتْ بِنا
فِيهِ هَناءُ الْقَلْبِ، أَوْ فِيهِ الْغِذَا
قَدْ عِشْتُ عُمْراً فِي متاهاتِ الْعَنا
إِنْ قُلْتُ شِعْراً مُغْرَماً، قَالُوا: هَذَى
خِفْتُ ارْتِعاشاتِ الْهَوَى مُنْذُ الصِّبَا
قَدْ أَسْمَعُ التَّأنِيبَ مِنْ هَذَا وَذَا
إِنْ قُلْتُ: مارَسْتُ الْهَوَى عَنْ رَغْبَةٍ
صَاحُوا: كَفَى كَفَى كَفَى، الْعَرْضَ وَذَى
كُنْتُ إِذَا أَشْعَلْتُ حَرْفِي قُبْلَةً
أَخافُ أَنْ أُلْغَى وَأَنْ أُنْتَبَذَا
قَالُوا: بِعَيْنَيْهِ غَرامٌ كافِرٌ
فَلْنَسْرُقِ الْحُبَّ وَنُمْطِرْهُ قَذَى
شَرْقٌ تَعِيسٌ لا يُجارِي عَصْرَه
يَخْشَى الْهَوَى بِالنُّورِِ، وَالتَّلَذُّذَا
أَلْجِنْسُ، أَفْتَى، مُرْعِبٌ مُسْتَهْجَنٌ
لا الدِّينُ يَرْضَاهُ ولا ربُّ الشَّذَا
لكِنَّه بِالسِّرِّ يَسْتَقْوِي عَلَى
أُنْثَى اشْتَراها كَيْ يُدَمِّيها الأَذَى
عَنْ فُحْشِهِ، تَحْكِي الْمَرايا قِصَّةً
قَدْ تُخْجِلُ الأَبْوابَ والنَّوافِذَا
حَدِّقْ بِهِ.. شَكْلٌ غَرِيبٌ مُضْحِكٌ
إِنْ شَاهَدَ الْفُسْتانَ حالاً وَذْوَذَا
أَسْنانُهُ الْجَوْفاءُ أَضْحَتْ فَحْمَةً
وَالسَّعْدُ إِنْ لَمْ يُظْهِرِ النَّوَاجِذَا
أَهْلُ الْوَرَى كُلٌّ يُلاقِي خِلَّهُ
وَشَرْقُنا لَمَّا يَزَلْ مُشَعْوِذَا
**
أرجو أن تعجبك هذه
والسلام
شربل بعيني


وبهذا النفس المتواصل يبقى شاعرنا شربل بعيني شاعراً مؤثراً أمينا نزيهاً صادقاً في مواقفه لذلك استطاع في مسيرته الأدبية والشعرية الطويلة أن يقود فكره الإنساني بعواطفه التي تعقب عصره الحديث الذي أفرزتها المتغيرات والتقلبات التي تؤرق شاعريته لتكلم بصوته الذي يتمنى أن يكون صوت الجميع .
وهو شاعر لا ينطبق عليه شاعر الموضات التي تنتهي وتتغير بعد زمن قصير ، فهو شاعر الماركة المسجلة يحمل فاكهة الوطن إلى ما لا نهاية .