طارق الأحمدي
08-11-2008, 01:54 PM
- اليوم أودّع البطالة والمقاهي وكلّ شيء يمنعني عن العمل. اليوم أودّع الأهل والأحباب وكلّ من يحبّني. اليوم أترك حبيبتي سلمى تذرف الدمع غزيرا عليّ بعد أن أطبع قلبها قبلة حارة تتذكّرني بها حتى أعود من غربتي محمّلا بأثاث البيت الذي سيجمعنا بقيّة العمر. اليوم ستحلّق بي الطائرة بعيدا عبر البحار والمحيطات, إلى حيث ينتظرني العمل الكثير والمال الوفير. اليوم أخلّف ورائي كل ما يشدني إلى الحاجة, وأقتلع شجرة الصبّار النابتة فيّ من زمن بعيد, وأغرس ليمونة تزهر كامل السنة.
حدّث منير نفسه بصوت عال بهذا الحديث, وقلبه يكاد يقفز فرحا وهو يستحمّ ويفرك جسمه بكلّ ما أوتي من جهد ليتخلّص من أوساخ القلق وقذارات الملل, وبقايا ذلّ ذاقه أيام بطالته. ولما أنهى حلق ذقنه حتى ينزع الشعر الذي يختزن فيه حزنه وشقاء الأيام في حضائر البناء, وكلّه حذر أن تجرحه شفرة الحلاقة فيختلط دمه ببعض من حظّه العاثر الذي رافقه سنين شبابه, ويتربّص به في كل جزء منه.
ولما أنهى تجمّله, ارتدى بدلته الزرقاء الفاتحة تيمّنا بصفاء اللّون وقدرته على الإمتداد. وعطّر نفسه كي تطيب أيامه الآتية وتنفتح أمامه أبواب العطاء. ثم نظر في ساعته الجديدة التي أنفق عليها تعب يومين من العمل لتكون رفيقته في الرحلة وفي بلاد المهجر, فهناك لا مجال للوقت الضائع. فلكلّ دقيقة حساب, وكل ساعة تضيع أموال تهدر. أمعن النظر في عقاربها الذهبية وأرقامها الواضحة.
- ياه..كم تسرع يا وقت ولا ترحم حين نكون في حاجة إليك.
ردّد هذه الكلمات بعد أن أنزل حقيبته من على الخزانة, وربّت عليها, يمحو بعض غبار الأيام الذي التصق على ظهرها, ثم وضعها على سريره وخاطبها بعد أن هتك سترتها وفتحها.
- لا تجزعي كثيرا, فقد حانت لحظة انطلاقتك إلى حيث تلذعك النسمات الباردة وتحضنك المدن الواسعة والشوارع الفسيحة. لا تخافي, مازالت ثلاث ساعات على الرحيل, ولن أثقل كاهلك بكلّ هذه الفوضى العارمة في الغرفة, ولن أحمل إلاّ العزيز على قلبي, وما يسترني لأيام, فهناك كل شيء متوفّرو وكلّ شيء مباح.
لم تردّ عليه الحقيبة. لم تكن عندها القوّة كي تطبق فمها لتجيبه. فقط صعقتها المفاجأة لمّا أُخِذَت على حين غِرّة من هذا الظالم الذي اقتحم خلوتها واستباح شرفها.
ولم ينتظر منها منير إجابة, بل فتح خزانته وبدأ يقلّب ثيابه ويبحث عمّا يمكن أن يأخذه معه. فرمى سرواله الأسود جانبا الذي يتشاءم من لونه الذي يذكره بكلّ ما هو حزين وكئيب. ثم امتدّت يده إلى بدلته الزرقاء الشّاحبة التي زال أكثر لونها. قرّبها منه, تشمّمها, قبّلها, وحدّثها.
- أنت أعزّ شيء يمكن أن أخلّيه وأرحل. فلولاك لما استطعت تأمين ثمن تذكرة السّفر. كم احبك الآن, وكم أنا مدين لك لأنك رفيقة العمل. قد ضمّختك بحبات عرقي, ومسحت فيك الدم النازل من يدي اللتين شقّقتهما حضيرة البناء. واستجرت بك من برد الصباح وحرّ النهار وصقيع الليل لمّا أعود منهكا من عمل يوم مضن. وها إني اليوم أقبّلك قبلة الوداع وأدعك لتهنئي بالراحة والإطمئنان.
ودفع بالبدلة في غياهب الخزانة لتغرق في صمتها الأبدي. والتفّت أصابعه على قميصه الجديد وأخرجه في حذر ووضعه داخل الحقيبة وهو يقول.
- لا بدّ أن تكون بادرة خير. وكيف لا وأنت هديّة سلمى؟
ثم وضع فوقه صداره الصوفي بعد أن مرّره على وجهه في حنان.
- ستقيني حتما من برد الشتاء هناك. وتأكّد أنّي لن أتخلّى عنك مهما اقتنيت هناك من ملابس لأنك الذكرى الوحيدة من المرحومة أمي.
وبدأ يملأ الحقيبة بالثياب, وأدوات الحلاقة وحذاء اشتراه لهذه المناسبة. ثم أغلقها وضربها ضربات خفيفة, وهمس فيها.
- ألم أقل لك أني لن أثقل كاهلك؟
وحملها ووضعها قرب الباب. ورجع إلى الخزانة وأخرج منها" صرّة " صغيرة بحم حبّة الجوز. نظر غليها مليّا ثم خبّأها في جيبه وشدّ عليها بيده ليطمئنّ أنّها أخذت مكانها, وحدّث نفسه.
- هذه " صرّة " البركة, تحوي كل ما يحمي من العين والحسد. ويفتح أبواب الرزق. إنها مجرّبة وقد نفعت الكثير قبلي حسبما قالته أختي الكبيرة وهي تهديني إيّاها, وقد صدّقتها لأني مؤمن. وسأحتفظ بها لتنير سبيلي هناك وتحبّب خلق الله فيّ حتى أعمل وأوفّر ما يسترني عند عودتي للوطن, فأنا لست ممّن يُفنون عمرهم في بلاد الغير وينسون أرضهم. فأنا كالنّسر أحلّق, وأحلّق, وفي النهاية أعود إلى وكري.
ابتسم لمّا تيقّن أنّه صار جاهزا للرحيل, فشمّر عن ساعده ونظر إلى الساعة.
- جميل جدّا. ما بقي من الوقت يكفيني للوصول إلى المطار وزيادة.
حمل حقيبته. ثم وضعها وضحك مستهزئا بنفسه.
- يالي من أحمق. أرحل دون جواز سفر ودون تذكرة.
تقدّم من سريره ورفعه المخدّة وهو يردّد بلهجة الواثق.
- هيا يا مخدّتي العزيزة, يا حافظة أسراري ومالي ورسالة سلمى الوحيدة, ناوليني جواز سفري وما فيه. ولتبقي في أمان.
رفع المخدّة فلم يظفر بما طلبه منها. زمّ شفتيه والتفت إلى المعطف المعلّق وراء الباب وخاطبه.
- أليس من العيب أن تختبىء من رفيق عمرك, وتلتفّ على ممتلكاته؟ أخائف أنت من البقاء وحيدا؟ ناولني حاجتي وأعدك أني سأهديك لجارنا الهادي حتى لا تأكلك الظلمة.
ولم يناوله حاجته. فتّش في جميع جيوبه فلم يظفر بشيء, فبدت الحيرة ترتسم على وجهه.
- أين يمكن أن يكون قد وضعه؟
فتح الخزانة على مصراعيها, أنزل كل ما فيها. نفض كلّ ما وقعت عليه يده. رفع الحقيبة في عصبيّة, فظّ بكّارتها من جديد وأخرج ما وضعه فيها. فتّش كلّ الحوائج ثم رماها بعصبيّة في جميع أركان الغرفة فلم يعد القميص عزيزا ولا الصّدار يحمل رائحة أمّه.
قلب السرير, مزّق الحشيّة والمخدّة. نزع ثيابه وأعاد تفتيشها من جديد. صار كالمجنون, ككلب مسعور.
الوقت يمرّ.
منير في سباق مع الزمن الآن, وجواز السفر والتذكرة لم يظفر بهما.
- أيكون أحدهم قد دخل وسرقهما؟ ومن سيجرؤ على دخول غرفته؟
نظر في عصبيّة إلى ساعته فوجد أن الوقت قد داهمه, فنزعها من معصمه ورماها من النافذة غير آسف عليها. فهي الآن صارت كرباجا يجلده في أعصابه.
بحث في كل مكان يمكن أن تصله يده أو نظره. قلب كلّ شيء وحطّم بعض الأشياء ليبرّد بعضا ممّا يعتمل في فيه.
ومرّ الوقت كلمح البصر. وحلّقت الطائرة بعيدا. وعمّت الفوضى غرفته, وجلس منير على حافّة السرير شبه غائب عن الوعي يهذي.
- يا خسارة مالي, وسهر الليالي, شقاء أيامي.
ثم تمدّد على السرير.
ولم ينم.
حدّث منير نفسه بصوت عال بهذا الحديث, وقلبه يكاد يقفز فرحا وهو يستحمّ ويفرك جسمه بكلّ ما أوتي من جهد ليتخلّص من أوساخ القلق وقذارات الملل, وبقايا ذلّ ذاقه أيام بطالته. ولما أنهى حلق ذقنه حتى ينزع الشعر الذي يختزن فيه حزنه وشقاء الأيام في حضائر البناء, وكلّه حذر أن تجرحه شفرة الحلاقة فيختلط دمه ببعض من حظّه العاثر الذي رافقه سنين شبابه, ويتربّص به في كل جزء منه.
ولما أنهى تجمّله, ارتدى بدلته الزرقاء الفاتحة تيمّنا بصفاء اللّون وقدرته على الإمتداد. وعطّر نفسه كي تطيب أيامه الآتية وتنفتح أمامه أبواب العطاء. ثم نظر في ساعته الجديدة التي أنفق عليها تعب يومين من العمل لتكون رفيقته في الرحلة وفي بلاد المهجر, فهناك لا مجال للوقت الضائع. فلكلّ دقيقة حساب, وكل ساعة تضيع أموال تهدر. أمعن النظر في عقاربها الذهبية وأرقامها الواضحة.
- ياه..كم تسرع يا وقت ولا ترحم حين نكون في حاجة إليك.
ردّد هذه الكلمات بعد أن أنزل حقيبته من على الخزانة, وربّت عليها, يمحو بعض غبار الأيام الذي التصق على ظهرها, ثم وضعها على سريره وخاطبها بعد أن هتك سترتها وفتحها.
- لا تجزعي كثيرا, فقد حانت لحظة انطلاقتك إلى حيث تلذعك النسمات الباردة وتحضنك المدن الواسعة والشوارع الفسيحة. لا تخافي, مازالت ثلاث ساعات على الرحيل, ولن أثقل كاهلك بكلّ هذه الفوضى العارمة في الغرفة, ولن أحمل إلاّ العزيز على قلبي, وما يسترني لأيام, فهناك كل شيء متوفّرو وكلّ شيء مباح.
لم تردّ عليه الحقيبة. لم تكن عندها القوّة كي تطبق فمها لتجيبه. فقط صعقتها المفاجأة لمّا أُخِذَت على حين غِرّة من هذا الظالم الذي اقتحم خلوتها واستباح شرفها.
ولم ينتظر منها منير إجابة, بل فتح خزانته وبدأ يقلّب ثيابه ويبحث عمّا يمكن أن يأخذه معه. فرمى سرواله الأسود جانبا الذي يتشاءم من لونه الذي يذكره بكلّ ما هو حزين وكئيب. ثم امتدّت يده إلى بدلته الزرقاء الشّاحبة التي زال أكثر لونها. قرّبها منه, تشمّمها, قبّلها, وحدّثها.
- أنت أعزّ شيء يمكن أن أخلّيه وأرحل. فلولاك لما استطعت تأمين ثمن تذكرة السّفر. كم احبك الآن, وكم أنا مدين لك لأنك رفيقة العمل. قد ضمّختك بحبات عرقي, ومسحت فيك الدم النازل من يدي اللتين شقّقتهما حضيرة البناء. واستجرت بك من برد الصباح وحرّ النهار وصقيع الليل لمّا أعود منهكا من عمل يوم مضن. وها إني اليوم أقبّلك قبلة الوداع وأدعك لتهنئي بالراحة والإطمئنان.
ودفع بالبدلة في غياهب الخزانة لتغرق في صمتها الأبدي. والتفّت أصابعه على قميصه الجديد وأخرجه في حذر ووضعه داخل الحقيبة وهو يقول.
- لا بدّ أن تكون بادرة خير. وكيف لا وأنت هديّة سلمى؟
ثم وضع فوقه صداره الصوفي بعد أن مرّره على وجهه في حنان.
- ستقيني حتما من برد الشتاء هناك. وتأكّد أنّي لن أتخلّى عنك مهما اقتنيت هناك من ملابس لأنك الذكرى الوحيدة من المرحومة أمي.
وبدأ يملأ الحقيبة بالثياب, وأدوات الحلاقة وحذاء اشتراه لهذه المناسبة. ثم أغلقها وضربها ضربات خفيفة, وهمس فيها.
- ألم أقل لك أني لن أثقل كاهلك؟
وحملها ووضعها قرب الباب. ورجع إلى الخزانة وأخرج منها" صرّة " صغيرة بحم حبّة الجوز. نظر غليها مليّا ثم خبّأها في جيبه وشدّ عليها بيده ليطمئنّ أنّها أخذت مكانها, وحدّث نفسه.
- هذه " صرّة " البركة, تحوي كل ما يحمي من العين والحسد. ويفتح أبواب الرزق. إنها مجرّبة وقد نفعت الكثير قبلي حسبما قالته أختي الكبيرة وهي تهديني إيّاها, وقد صدّقتها لأني مؤمن. وسأحتفظ بها لتنير سبيلي هناك وتحبّب خلق الله فيّ حتى أعمل وأوفّر ما يسترني عند عودتي للوطن, فأنا لست ممّن يُفنون عمرهم في بلاد الغير وينسون أرضهم. فأنا كالنّسر أحلّق, وأحلّق, وفي النهاية أعود إلى وكري.
ابتسم لمّا تيقّن أنّه صار جاهزا للرحيل, فشمّر عن ساعده ونظر إلى الساعة.
- جميل جدّا. ما بقي من الوقت يكفيني للوصول إلى المطار وزيادة.
حمل حقيبته. ثم وضعها وضحك مستهزئا بنفسه.
- يالي من أحمق. أرحل دون جواز سفر ودون تذكرة.
تقدّم من سريره ورفعه المخدّة وهو يردّد بلهجة الواثق.
- هيا يا مخدّتي العزيزة, يا حافظة أسراري ومالي ورسالة سلمى الوحيدة, ناوليني جواز سفري وما فيه. ولتبقي في أمان.
رفع المخدّة فلم يظفر بما طلبه منها. زمّ شفتيه والتفت إلى المعطف المعلّق وراء الباب وخاطبه.
- أليس من العيب أن تختبىء من رفيق عمرك, وتلتفّ على ممتلكاته؟ أخائف أنت من البقاء وحيدا؟ ناولني حاجتي وأعدك أني سأهديك لجارنا الهادي حتى لا تأكلك الظلمة.
ولم يناوله حاجته. فتّش في جميع جيوبه فلم يظفر بشيء, فبدت الحيرة ترتسم على وجهه.
- أين يمكن أن يكون قد وضعه؟
فتح الخزانة على مصراعيها, أنزل كل ما فيها. نفض كلّ ما وقعت عليه يده. رفع الحقيبة في عصبيّة, فظّ بكّارتها من جديد وأخرج ما وضعه فيها. فتّش كلّ الحوائج ثم رماها بعصبيّة في جميع أركان الغرفة فلم يعد القميص عزيزا ولا الصّدار يحمل رائحة أمّه.
قلب السرير, مزّق الحشيّة والمخدّة. نزع ثيابه وأعاد تفتيشها من جديد. صار كالمجنون, ككلب مسعور.
الوقت يمرّ.
منير في سباق مع الزمن الآن, وجواز السفر والتذكرة لم يظفر بهما.
- أيكون أحدهم قد دخل وسرقهما؟ ومن سيجرؤ على دخول غرفته؟
نظر في عصبيّة إلى ساعته فوجد أن الوقت قد داهمه, فنزعها من معصمه ورماها من النافذة غير آسف عليها. فهي الآن صارت كرباجا يجلده في أعصابه.
بحث في كل مكان يمكن أن تصله يده أو نظره. قلب كلّ شيء وحطّم بعض الأشياء ليبرّد بعضا ممّا يعتمل في فيه.
ومرّ الوقت كلمح البصر. وحلّقت الطائرة بعيدا. وعمّت الفوضى غرفته, وجلس منير على حافّة السرير شبه غائب عن الوعي يهذي.
- يا خسارة مالي, وسهر الليالي, شقاء أيامي.
ثم تمدّد على السرير.
ولم ينم.