المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المعارك والخصومات الادبية


محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:05 AM
الزملاء الكريم
في ادناه رسالة دكتوراه مقدمة الى كلية الاداب في النجف تقدم بها اخي الدكتور محمد حسن محيي الدين احببت طرحها في المنتدى لغرض الاستفادة منها

توطئة
( 1 )
المعارك والخصومات ( ) في الأدب العربي قديمة جداً ترافق أوائل المروي منه، نستطيع تلمس بداياتها في المنافرات والمفاخرات( ) التي كانت تقوم في العصر الجاهلي ، ولاسيما تلك التي نمت وانتعشت في ظل ( أيام العرب ) وصارت صحيفتها السائرة حتى ظهر الإسلام ، فصارت النقائض من عوامل النشاط الأدبي الذي استدعته الحياة الجديدة ، وهدأت النقائض في الإسلام لميل الدولة إلى الوحدة ، ودفن الضغائن القديمة وتحقق ذلك . بيد ان الخصومات بين الشعراء لم تخمد بالإسلام ، لان القوم كانوا حديثي عهد بالرسالة فلم تتغلغل بعد – كعقيدة راسخة – في قلوبهم ، لذا لن يعدم دارس الأدب في تلك الحقبة ان يجد خصومات ومعارك هنا وهناك ، منها تلك الأشعار التي نظمها الشعراء المشركون في هجاء الإسلام والنبي صلى الله عليه وآله ، والردود التي نظمها الشعراء المسلمون ولاشك في انها صفحة من صفحات النقائض تجمع بين المنافرة والخصومة ، ومن المؤسف ان معظم تلك المعارك ونصوصها – ولاسيما التي نظمها الشعراء المشركون – لم يحظ باهتمام دارسي الأدب وجامعيه في تلك الحقبة لأسباب عقائدية ، غير ان ما وصل إلينا منها يكفي لإعطاء أمثلة على ما دار بين أولئك الشعراء ، يمكن عدّه بدايات لظهور فن شعري محدد السمات سمي بالنقائض ، ولا يمكن ان تظهر هذه النماذج المتقدمة للنقائض من دون ان تسبقها محاولات وخطوات في هذا الاتجاه الشعري . ( )
( 2 )
وما لبث هذا الفن ان ذر قرنه من جديد في العصر الأموي ، إذ سرعان ما وجد ريحاً مواتية سعّرته ، فتهيأت " عوامل سياسية واجتماعية ودينية بعثت النقائض وقوتها وأكسبتها سيرورة ... فظهر جيل من الشعراء نهض بهذا الفن في أرقى أطواره ، وبلغ به مستوً شغل به الناس جميعاً ، من رواة ونقاد وعلماء وخلفاء وأمراء وقبائل واسر رجالاً ونساءً" ( ) .
" واستمرت النقائض الأموية حامية الوطيس بين جرير وزميليه خاصة حتى إذا مات الأخطل سنة خمس وتسعين هجرية ... بقيت حادّة بين شاعري تميم ، إلى ان ماتا أوائل القرن الثاني ... فسكتت نأمة هذا الفن وانتهت حياته القوية "( )
والذي أراه ان النقائض صورة من صور الصراع والمعارك الأدبية ، وهي لم تنقرض ، بل اتخذت صوراً وأساليب جديدة أخرى في القرون التي تلت ، نجدها في ملاحاة الشعراء فيما بينهم ، فلم يخل العصر العباسي من أمثلة لخصوماتهم منها ما حصل بين بشّار بن برد وحّماد عجرد ، وبين علي بن الجهم وآخرين وبين حبيب بن أوس وشعراء معاصرين له( ) ، وقد نجد روح المعركة والخصومة في دعوة أبي نواس التجديدية ، وفي صراع الطبع والصنعة الذي تمثل في الخلاف حول أبي تمام والبحتري ، وتجلى في ثمرته اليانعة : كتاب الموازنة للآمدي . ( )
وجاء بعده ما نشب من صراع بين المتنبي وخصومه ، ذلك الصراع الذي خلف تراثاً أدبياً قلّ نظيره في العصور العربية كافة ، تمثل في المؤلفات التي وضعت حول المتنبي الذي صح إلى حد بعيد ، وصفه بمالئ الدنيا وشاغل الناس . ( )
وبما تقدم يمكن القول ان المعارك الأدبية التي وقعت في العراق ، قبل غيره من الأقطار العربية ، في أوائل القرن الثامن عشر الميلادي أواخر القرن الثاني عشر الهجري ، كانت الامتداد الطبيعي لذلك التراث الأدبي الكبير الذي يتصل بعصور الأدب العربي الأولى .
( 3 )
ان دراسة المعارك والخصومات في الحقبة التي ندرسها يبرز طبيعة تفكير القوم ومعالجاتهم وهي طبيعة لاشك في خصوصيتها يحتاج الجيل الحاضر إلى تمثلها بوعي ، ومن الضروري النظر إلى الصراع في نطاق عصره وبيئته الاجتماعية ، إذ ان النظر إلى أدب تلك القرون بعين الحاضر وظروفه لا يفضي إلى تقويم صحيح ولا إلى نظرة صائبة ، فلكل حقبة رجالها بطبيعة تفكيرهم ومشكلاتهم ، وطريقة معالجاتهم لتلك المشكلات ، وموقف الأدباء والمفكرين مما بإزائهم من مشكل ، ثم ان من غير المعقول ان نطلب من شعراء العصر ان يأتوا بما أتى به الشعر العربي من آثار باقية ، فان من أراد من شعراء هذه الحقبة ، وهم كثر وشعرهم كثير ، أن يأتوا بمثل ما أتى به المتنبي أو أبو تمام " فليذهب بهم وبمواهبهم إلى زمان المتنبي وأضرابه ، لكي يصح له ان يطالبهم بأن يرتفعوا إلى مقام هؤلاء"( )
ولكن شعر العصر على ما فيه من جفاف وجمود كان سجلاً لعصره ، فالاستبداد التركي أودى بمعالمه ، وهد ظلم الولاة الجهلة معالمه الحية التي ربما كانت معقد الأمل في حياة أدبية تلائم روح النهضة الحديثة ونقطة انطلاق إلى عالم أدبي جديد .
لقد ظهرت خلال هذه الحقبة كتب باللغة العربية ودواوين كثيرة وكان القليل من هذه الدواوين والكتب ما يستطيع ان يرتفع تماماً إلى ما حول القمة بين الكتب والدواوين التي ظهرت في أواخر العصر العباسي ، كما ظهر بعض اللغويين والشرّاح والمعلقين ونقاد الشعر ، ولكن على طريقة القدماء في نقد الكلمة والبيت والمعنى ( ).

( 4 )
ان كثيراً ممن سيرد ذكرهم في هذا الباب لم ينالوا حقهم من الشهرة والذيوع لأسباب سياسية ، أو لعوامل تاريخية ، ومن ثم لم ينالوا حقهم من الدراسة ، وان ما يؤلف بين هذه الفصول جملة أمور منها : انها تمتد من بداية النهضة الأدبية التي شهدتها الأقطار العربية ، وان اختلفت الموجبات والمهيئات ، وانها زاوية من الأدب العراقي مجهولة في صورتها العامة وتفصيلاتها عند كثير من متابعي الأدب ودارسيه ولاسيما من غير أبناء المدن التي دارت فيها ، ومنها ان جلّ أدب هذه الحقبة ما يزال أسير الطوامير والمخطوطات ، وقد ضاع كثير منه بسبب عاملي الإهمال والتجاهل المتعمد ، وان هذه الدراسة في جانب منها دعوة لأن نضع بعض الحقائق في سياقها الطبيعي ، وأن نشير إلى إسهام بعض الشعراء ، المجهولين ( تقريباً ) والمحصورين في مكان محدد ، في تطوير الأدب وفتح آفاق جديدة عليه نحو الحركة ، وإعطائهم – من ثَمّ – المكانة التي يستحقونها ، وهي – بعد – دعوة لأن نعيد تصحيح كثير من المعلومات والآراء الشائعة في أسباب النهضة الأدبية .
وهذه المعارك وان اختلفت في الأسباب والنتائج ، الا انها تلتقي في انها دارت في ساحة الأدب ، وان لنا فيها زاداً في النقد الأدبي ، قل أو كثر ، متنوع الجوانب ، يعرض لمشكلات كثيرة تتعلق بالشاعر والبيئة ، والشعر وصلته بالحياة والدين والأخلاق والناس ، وأثره في النفوس ، ودوافعه وغاياته ، وأسلوبه وجوانب الجمال فيه ، وان هذه الدراسة – في جانب منها – حفاظ على الأثر بعد العين ، وتذكير لأبناء العصر بأسلاف لهم عاشوا في نشاط فكري أسهم إلى حد بعيد ، في وضع لبنات الثقافة ، وحدد كثيراً من توجهات الأجيال اللاحقة . وإذا ما تحولت دراسة الأثر من إعجاب به إلى تقديس له ، يوهم الدارس بان ذلك الأثر معصوم من الخطأ ، فعندئذ تنسدل الحجب الكثيفة بين الإنسان وما قد جاءت به الأيام من تطورات في القيم والمعرفة .
وإذا كان بعض الدارسين يرى ان " عصر التنوير العربي يبدأ منذ حدث أول لقاء بين العقل العربي والعقل الأوربي بمجيء حملة نابليون إلى مصر ... [ إذ] تعرف العقل العربي على إنجازات عصر التنوير الأوربي من خلال تطبيقات الحملة الفرنسية لأفكار الثورة الفرنسية في مصر "( )... فان أسس النهضة الأدبية في العراق تسبق ذلك بكثير ، إذ تعود أولى بذور النهضة إلى معركة أدبية يتساجل فيها شعراء فقهاء ذوو منزلة مرموقة ، تسبق حملة نابليون بسنين ، زيادة على انها لم تنشأ عن أي اتصال بالغرب ، بل في مدينة تحيط بها الصحارى من كل جانب وتبعد عن الشاطئ الذي رست عليه سفن نابليون بمئات الأميال ، ولا نغالي إذ قلنا ان أصحابها لم يسمعوا – ربما – بحملة نابليون ( وإنجازاته ).
( 5 )
وقد يجد دارس هذه الحقبة ان المعارك الأدبية التي وقعت فيها تنحصر في مدينة النجف والمدن المجاورة لها ، ولعل السبب الرئيس في ذلك ان هذه المدن كانت تتسم بطابع الدراسة الدينية وقد بقيت هذه الدراسة فيها ولم تندثر ، وان شهدت عصوراً من الضعف والانزواء ، وليس من المغالاة القول انها كانت أشبه بواحات ثقافية في وسط صحراء الأمية والجهل والتخلف ، فلا غرو ان تشيع فيها حركة الفكر بدرجة ما ، وان تنشأ فيها معارك أدبية يجد فيها المتعاركون متنفساً يتيح لهم تجلية مواهبهم وإبرازها .
ان هذا يشير إلى ان من الضروري لنشوء أية ظاهرة أدبية وجود رجال ذوي مستوًى من الثقافة يفتح بصائرهم على ابتكار طرق تحريك الواقع الثقافي ، مهما كان الجمود فاشياً .
ان ما قامت به هذه المدن – وهي مدن إمامية في الغالب – من دور مبكر في الحركة الثقافية ، يؤكد دورها في أداء رسالتها الدينية في الحفاظ على لغة القرآن الكريم وسط العجمة السائدة والتخلف الفكري والثقافي ، وهو يبين – زيادة على ذلك – إحساساً مبكراً وواعياً بهذا الدور وأهميته .
ومن هنا جاءت أهمية دراسة المظاهر التي مازت هذه الحقبة وفي مقدمتها المعارك الأدبية .
ولم تكتف هذه الدراسة بعرض المعارك الأدبية التي وقعت خلال القرنين ، بل سعت إلى دراستها بعمق وتحليل لمعرفة أسباب الظاهرة وآثارها في الحركة الأدبية

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:07 AM
الفصل الأول
يشهد تأريخ البشرية حقبا مختلفة : منها حقب تمور بالحياة،وأخرى يصيبها من الجمود ما يقرب من الموت، ففي الحال الأولى يتجدد الخلق والإبداع ويكثر الأعلام الذين لا يغني منهم أحدٌ عن أحد ، وفي الحال الثانية يكون التشابه والتكرار والتقليد سائدا ، فيتشابه أبناؤها تشابه حبات الرمل في فلاة ممتدة امتداد البصر ، حيث لا شاخصة ولا علامة تشدُّ الانتباه .
ولم تكن التحولات الاجتماعية والفكرية في الحقبة التي وقعت فيها معركة الخميس قد نضجت بعد لإحداث تحولات جذرية في أبرز جوانب النشاط الفكري في تلك الحقبة وهو الشعر.
فمن الناحية السياسية كانت السلطة العثمانية – بطبيعة تكوينها والعقلية السائدة عليها – لا تتيح للولايات التي تحت سلطتها أية وسيلة تقودها نحو التطور ، فلقد أصابت هذه الإدارة ، المهمةَ الإنسانيةَ للفرد في الحياة بالجمود عندما حالت دون ممارسته لحقوقه وأعماله اليومية، بالقسوة والسطوة وألإمتلاك.
هذه السلطة لا تعدو كونها سلطة أوتوقراطية تعسفية تقوم قاعدتها الفكرية والعقائدية على نظرة سلفية متخلفة لا تناسب أي تطور أو تقدم اللّهم إلا ترسيخ أسس حكم متخلف يقوم على فكرة أن الخليفة العثماني ظل الله في الأرض ، وأن الخلافة العثمانية تستمد سلطاتها ،التي تهب عليها الزعازع من كل مكان ( )، من القيم الروحية الدينية التي تتمتع بها .ولقد أناخ العثمانيون بكلكلهم على اللغة العربية وآدابها وعلى شخصية الأمة وتفاعلها، فوصلت بلاد العرب إلى درجة من الذلّ والفقر والإنسحاق كادت تقضي على معالم وجودها لولا جمر ساعر تحت رماد السكون إنبعث بعد مئات السنين يبث حرارة الحياة ( ) ، تعين هذا الخليفة في ترسيخ سلطته آلة عسكرية غاشمة ، وتدعم وجوده سلطات الولاة الواسعة التـــــي

تحكم مختلف الولايات ( الإيالات ) ومنها العراق. وتحف بكل منهما – الخليفة والوالي –حاشية من المتزلفين تدفعهم مصالحهم الذاتية لاتخاذ مواقف لا تخدم إلا تلك المصالح ، ولا تسهم إلاّ في ترسيخها على حساب الملايين من الجياع الذين استلبت حريتهم وشخصيتهم ووقعوا بين قوتين قاسيتين هما السلطة من جهة ، وكل ما تمثله من قوى ومصالح وبُنى فكرية واقتصادية وعسكرية ، من جهة أخرى ، تعينه على ذلك تلك الامراض التي كانت تصول في أصقاع الإمبراطورية وتفتك بالملايين وقد تسهم في إسقاط والٍٍ تمّرد على السلطة المركزية ( )فتعصف بملكه ، لا يردع هذه الأمراض أي جهد تبذله الدولة ، وإن كان في أبسط صور التوعية والتنبيه إلى الأخطار ، وكأنّ الأمر لا يعنيهم، وإن هؤلاء الذين يتساقطون في شوارع بغداد وأزقتها ليسوا من رعاياها، الذين طالما تشطرت هي والوالي ضروعهم في إمتصاص لدمهم وجهدهم وأموالهم " ولا يزال الشخص العراقي حقاً لا يشعر بالاستقرار في الحياة أو بأية حرية شخصية ولا يزال الخوف من السلطة ، ذلك الخوف الذي تجمع في ذاكرته من أجيال ، يشل عقله بالإضافة إلى ( ! ) نظام الحكم الحديث القاسي ، وليس الفرد العراقي في الشارع بأقل شعورا بنقص هذه الحرية من الرجل المثقف"( ) . وكان " هؤلاء السادة من أصحاب الألقاب والمراكز [ محكومين ] من سدنة( الباب العالي )، وهذا أسير شهواته ومطامحه وأوطاره، لا يردعه خلق أو دين أو مانع " ( ) .
بل إن حكم هؤلاء الولاة كان يتلخص بالسلطة المطلقة للوالي يتصرّف بوساطتها كيف يشاء ، ومتى يشاء، وكل ما يسأل عنه.هو مقدار ما يستطيع جبايته من أموال يدعم بها خزينة السلطة المركزية ويتيح للسلاطين استمرار حياة البذخ والإسراف التي إعتادوا العيش فيها ، إذ توهب الأموال من دون وجه حق إلى من لا يستحقها تقديراً لخدمات يقدمها المهدى إليهم لا تخدم المواطنين وإنما مصالح النخبة الحاكمة كما تجبى من دون وجه حق .
وهكذا " كانت عوامل الضنك في بلادنا تذيب بجماحها الدواخل والظواهر، ففي كل بلادٍ من بلاد العربية ، يتحكم السادة النافذون بمصائر الناس ، فأموال تحصر في طبقة خاصة يستأثرون بمنافعها دون الآخرين ، واذا وهبوا الاقطاعات أو منحوا المساعدات فبقدر ما يستفيدون يهبون ، بل ليضاعفوا الربح ويضيفوا إلى خزائنهم رفدا أخر" ( ) .
وكانت دائرة الولاة وحاشيتهم تتسع - غالبا – لعدد كبير من المنافقين والمتزلفين الذين يسوغون للسلطة تصرفاتها وهم دائما على استعداد لأن يسبغوا على تلك التصرفات صفة الخير والبّر والانسانية ، وكان لابد لتلك الدائرة من أن تشمل مجموعة من شعراء البلاط الذين لاهمّ لهم إلا أداء تلك المهمة في تزيين صورة الخليفة أو الوالي والترويج لأعمالهما. حتى صار " باب مديح العظماء في أدب ذلك العصر واسعاً ، بل هو أوسع الابواب الشعرية ، وكثير منه شخصي" ( ).
ومن الواضح أن دائرة الشعراء التي كانت تلتف حول بلاط الخليفة، تختلف عن دائرة الشعراء التي تلتف حول الوالي ، لأن من سمات الأولى اتفاقها فكريا مع خط الخليفة العقائدي بسلفيته وارتكازه على مذهب الجمهور ، في حين نجد أن دائرة الشعراء التي تحيط بالوالي تختلف باختلاف القطر الذي يحكمه ، وهي في عمومها لا تختلف كثيرا عن تلك الدائرة التي تحيط بمركز الخلافة من حيث عقيدتها وارتكازها على المذهب الذي ينتسب إليه الخليفة فهم بلا شك على دين ملوكهم . وهنا يبرز الفرق بين الدائرة المحيطة بالخليفة ، والدائرة الأخرى القريبة الشبه منها التي تحيط بالوالي ، عن دوائر أخرى لا تتصل بالسلطة ، ولا سيما في أماكن أتاح لها بعدها عن مركز السلطة نوعا من الحرية ومجالاً لوضوح ما يميزها من غيرها. ولقد" ظل الأزهر الشريف في مصر قرونا عديدة ( ! ) مناراً للعالم الإسلامي … والمعاهد الدينية في أهم المدن العراقية كبغداد والنجف والحلة والموصل وكربلاء وسامراء"( ) . ومن تلك الدائرة التي لا تتصل بالسلطة ، تقع دائرة شعراء المدن الشيعية الكبرى التي ورثت تراثا حضارياً مميزاً يمتد على حقب طويلة تصل إلى عشرة قرون أو تزيد.
ومن المؤكد ان الادباء الذين يعيشون بين قوم تمر ثقافتهم العامة بازمة ناتجة من تدهور الحال الاقتصادية والاجتماعية ، أو عن فقر في مصادر الإلهام سببه سيطرة طبقة محافظة ومتحجرة ومنكمشة على ذاتها ،مضطرون إلى البحث عن ينابيع جديدة ، أو سبل جديدة لم تطأها أقدام معاصريهم فضلا عن أن من عوامل إعاقة تطور الأدب هيمنة ثقافة سائدة هي ثقافة المستعمر والحاكم ، ومهما كانت سمات تلك الثقافة من حيث القوة والضعف فلابد من إنها تؤدي دورها المعوق لمسيرة التطور، ولذا كان من أبرز العوامل المعرقلة للتطور في أدب القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تلك النظرة الدينية والأخلاقية للأدب التي ترفض ما كان خارجا عن القيم السائدة وتنفر من – بل تقاوم- كل ما ليس موجها إلى الخاصة الحاكمة أو الخاصة ( المثقفة ) . وقد يصاب الجسم الاجتماعي بالحمى مثله مثل الجسم البشري مع فارق واحد هو ان سبب الحمى يعود إلى السياسة غير الواضحة بقصد أو عن عمد ، أو إلى اختلال اقتصادي يعمق الهوة بين الأفراد والجماعات ، ومثل هذه الحمى تركت آثارها في الحقبة موضوع الدراسة متمثلة في ذلك الكبت ، والقهر الاجتماعي الذي يعانيه الأدب والأدباء.
" ان هذه الظروف التأريخية قد تركت في شعراء العراق أثاراً متباينة تختلف باختلاف طبائع الأفراد … فأصحاب النفوس الضعيفة عاشوا على التملق والمداجاة وإزجاء المديح لأصحاب السلطان على اختلاف ، أما أولئك الأحرار أصحاب النفوس الحية والأحاسيس الكريمة فقد راحوا يهاجمون الأوضاع الظالمة في عنف وقسوة منادين تارة بالرحيل عن العراق وأخرى بالتغني بأمجادهم وآونة بإظهار هذه المفاسد بصورة من الصور ، وفريق ثالث لم يجد في نفسه القوة على مواجهة الظلم ولم تطاوعه نفسه على تملق الظالمين أصحاب السلطان والقوة ، فانطوى على نفسه ولم يجد له متنفسا الا في الشعر الديني، وفريق آخر انصرف إلى الأغراض التافهة لأنه فلسف الحياة على هواه ولم يبال بما حدث لقومه ولم يكترث لما يصيبهم ويصيبه في المستقبل " ( )
واتسمت دائرة شعراء المدن الشيعية الكبرى في العراق بتأثرها بعاملين :
الأول ، موضوعي فيما أتيح لشعراء هذه المدن من حرية نسبية ، ساعد عليها بعدهم عن مركز السلطة ورقابتها ، وشغل هذه السلطة عنهم بهمومها الخاصة الداخلية والخارجية .والعامل الثاني ، يبدو في البناء الفكري الذي يشد هؤلاء الشعراء إلى عقيدتهم المميزة ، وطبيعة تفكيرهم ، وظروفهم الاجتماعية والاقتصادية ، وأصالة منهجهم الدراسي الذي تعاقبوا على اتباعه منذ نشوء مدرسة النجف الأولى على عهد العلامة الطوسي رضي الله عنه ، عند انتقاله من بغداد في منتصف القرن الخامس الهجري ، على أثر الخلاف المذهبي الذي أدى إلى صراع كان من بعض نتائجه إحراق مكتبته ، وضيقه بما كان يواجهه في بغداد ، وهذا دفعه للهجرة إلى جوار قبر الإمام علي عليه السلام بعد ان اقتنع بعدم قدرته على أداء رسالته والاستمرار على منهجه العلمي ، في ذلك الوقت غير المواتي ، فضلا عن ان الطوسي تلميذ المرتضى فلما توفي المرتضى ، وكانت له هيبة في نفوس البغداديين ، زالت أمامهم عقبته فأرادوا ان يفرضوا ، بطائفيتهم ، ما يفرضون وكان الطوسي رجلا استضعفوه ففر إلى النجف.
لقد كان لهجرة العلامة الطوسي إلى جوار قبر الإمام في النجف الأشرف ، واضطرار طلابه إلى الهجرة معه ، أثر كبير في نشوء مدرسة النجف ، ووضوح ملامحها الفكرية العقائدية ، ورسوخ تقاليدها التدريسية المميزة ، وهكذا جعل منها مركز استقطاب للفكر الشيعي في الأقطار الإسلامية فصارت طول هذه القرون قبلة أهل العلم ، وأكسبها ذلك نوعا من التميز قل نظيره في العالم الإسلامي آنذاك ومازال ذلك التميز يلقي بظلاله على مدرسة النجف في كل أطوارها ، ومراحل تطورها صعودا وهبوطا.
وقد تناوبت مركز الصدارة مع النجف الأشراف ، مدن شيعية أخرى في الحركة الفكرية الامامية وذلك لأسباب لا مجال للحديث عنها هنا( ).
ولا شك في انه إذا كان ثمة فضل على اللغة العربية ، في بقائها لغة التأليف والنثر والشعر في العراق ، فإنما هو راجع للمدارس القديمة التي بقيت تصارع الجهل والعجمة من كل جهة ، وكانت هذه المدارس موزعة – كما تقدم – في الموصل وبغداد والنجف والحلة وكربلاء والكاظمية والبصرة وسامراء وكانت مناهجها غير المنظمة مختلفة باختلاف الحاجة اليها وباختلاف البيئات والمذاهب ( ) .
وبمر العصور كانت هناك مدرستان " هما امتداد للعصور السالفة ، وأعني بهاتين المدرستين مدرسة الشيعة الإمامية ومدرسة السٌّـنّة ، وكانت قاعدة الأولى مدينة النجف وفروعها القوية في الحلة وكربلاء والكاظمية وسامراء ، وصدى غير قليل في بغداد والبصرة، أما الثانية فكانت قاعدتها بغداد ، ولعلها في الموصل لا تقل شأناً عما كان لها في بغداد ، وفي ظل هاتين المدرستين حافظت العلوم العربية والدينية على ما بقي لها من تراث قديم ، على الرغم من وقوعها بين تيارات تجذبها ذات اليمين وذات الشمال "( ) وكان بين المدرستين اتفاق في المناهج في النحو والصرف والمنطق والبيان وما يتصل باللغة والأدب ، وبينهما اختلاف في الفقه والتفسير والحديث والكلام ، وما يتصل بالعلوم الدينية.
ومن هذه المدن ، مدن شيعية حملت لواء مذهب آل البيت وكانت حصناً منيعاً من حصونه، ، أنجبت أجيالا من الفقهاء والأدباء الذين يصعب إحصاؤهم ، وقد تركوا للأجيال تراثاً فكرياً هائلاً لا مثيل له في الكمية والنوع في كل الأقطار الإسلامية الأخرى .
منها مدينة الحلة وكانت –لعدة قرون – منبعاً من منابع الفكر الامامي الأدبي والفقهي مازالت بعض آثاره تدرس ( ) وقد نبغ من أبنائها أعلام كانت لهم آثار واضحة في التراث الفكري الإمامي.
وقد" مضى الشطر الأخير من القرن الثاني عشر والأول من الثالث عشر الهجريين والحلة الفيحاء راضخة للأحكام الصارمة والسيطرة الغاشمة وذلك من ابتداء سنة 1162 إلى سنة 1247 هـ ، أي منذ عهد المماليك أو ( الكولات ) الذين وطّد حكومتهم سليمان باشا وأستمرت إلى آخر أيام الوزير داود ، فان ما إرتكبوه من الفظائع القاسية في الحلة خاصة ... من قتل الابرياء واعتقال الزملاء ( ! ) وهدم الدور واحراق المساكن والمخازن والقضاء على الحريات بجميع معانيها … وليس ثمة لرجال الادارة من شغل شاغل سوى جمع الاموال والضرائب الباهظة بأية وسيلة كانت وإرسالها إلى الاستانة لسد أفواه أولي الأمر فيها إبقاء على المناصب وحرصاً على الوظائف … حتى أرخ بعض أدبائها عام استيلاء داود باشا على الحلة بجملة ( حله خراب ) سنة 1241" ( ).
وفي الحلة - كما في النجف مما سيأتي بيانه- كان لبعض الأسر دور مهم في النهضة الأدبية و" مع ان الحلة قد كابدت في منتصفه الأول [ يريد القرن الثالث عشر الهجري ] من الأزمات السياسية والاقتصادية ما شل من حركتها الثقافية … لولا ان هيأ الله لها من يتعاهد أدبها بالعناية ، فهاجر إليها من النجف في أوائل المنتصف الثاني من القرن المذكور العلامة الشهير السيد محمد القزويني ، فعمل على بعث نهضتها العلمية والأدبية هو وأولاده الأعلام ، وآل السيد سليمان واضرابهم من البيوت والأسر الحلّية ، فحمل هؤلاء مشعل النهضة وتعاهدوا الأدب بالرعاية والعناية حتى أصبحت مجالسهم مدارس عالية يتبارى فيها الشعراء في مختلف المناسبات . ولم يكتفوا بذلك حتى أجزلوا لهم العطايا … فكان من نتيجة تلك المساعي الكريمة ان أنجبت الفيحاء في تلك الحقبة ... وأدباء خالدين أمثال السيد حيدر وعمه المهدي والكوازين والقيم … ثم استمرت تلك النهضة حتى القرن الرابع عشر … " ( )
ومن هذه المدن : الكاظمية ، فقد نشأت في جوار قبر الإمام السابع من أئمة أهل البيت ، وتاريخها ضارب في القدم ، يسبق وفاة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام ، الذي كان قبره محطاً لاجتماع العلماء والأدباء ، فقد برز في هذه المدينة جملة من أعلام الأدباء والفقهاء ممن تركوا تراثا فكريا ثراً ( ).
وقد أتاح لها جوارها لبغداد نوعا من التميز ، من أبرز مظاهره ذلك الانفتاح الفكري على الرأي الأخر ، الذي يقود – بلا ريب – إلى نضج الفكر واتساعه.
وقد شهدت مجالس بغداد صوراً من ذلك الامتزاج الفكري بين المذاهب الإسلامية التي ظلت بغداد تحتضنها على امتداد قرون.
وقد كانت هذه المجالس صورة من صور المساجلات والمعارك الفكرية التي تؤلف المعارك الأدبية من بينها جانبا مهما ؛ وقد حفلت كثير من الكتب التي أرخت لتلك الحقبة بآثار من تلك المساجلات والمعارك الأدبية والفكرية ( ) .ولعل أبرز ما يميزها من غيرها ، روح التسامح والانفتاح التي شاعت فيها وكان كثير من رواد تلك المجالس من أبناء الحلة والنجف ممن يعرجون على عاصمة الرشيد في أشغال خاصة بهم ، أو لزيارة أصدقائهم من رواد تلك المجالس ، ومن أشهر تلك المجالس : مجلس آل كبّه ، وقد خرج من جلساته جملة من الكتب والمجاميع الأدبية منها : ( دمية القصر ) للسيد حيدر الحلي وغيره .
ولعل السمة التي تجمع بين هذه المدن التي كانت عواصم للفكر الإمامي في القرون السابقة ، هي جوارها لقبور أئمة أهل البيت الذين يحظون بمكانة مقدسة في نفوس الشيعة ، دعت إلى نشوء مدنهم الكبرى إلى جوارها .
ومن هذه المدن كربلاء المقدسة ، المدينة التي يقترن تأريخها بالإمام الحسين عليه السلام ؛ فقد حظيت هذه البقعة المباركة باحترام المسلمين كافة ، ونشأت فيها مدرسة دينية برز فيها عدد كبير من الفقهاء والأدباء ، ونشطت فيها الدراسات الدينية لتكون واحدة من مدن الإمامية الكبرى ، التي تركت آثارها في الفكر الإسلامي ، بما أسهمت في تقديمه من دراسات وكتب ورسائل تناولت شتى القضايا الفكرية دينية وأدبية وغيرها.
وقد تناوبت هذه المدن مركز الأهمية في محافل علماء الإمامية ؛ وكانت كل مدينة منها تكتسب الأهمية عند حدوث ما يؤدي إلى انحسار دور الأخرى أو ضعفه لأسباب اجتماعية أو سياسية أو دينية . فقد كان مألوفاً أن يتنقل العلماء بين هذه المدن لسبب أو لآخر( ) فتنشأ بإنتقالهم مدرسة دينية عامرة أو حلقات تدريسية تتصل بالعالِم المهاجر ، ومدى أعلميته ، وسرعان ما يتبعه طلابه في الهجرة ، لتتألف حلقات الدرس من جديد مؤديةً دورها التأريخي والفكري في حفظ فكر أهل البيت ونشره ، بالطريقة التقليدية التي سار عليها العلماء في مناهجهم .
بيد ان بروز تلك المدن لا يعني انحسار دور النجف الأشرف ومدرستها بل بقيت محافظة على حوزتها العلمية بالعلماء الذين يقيمون فيها .
وقد ظهر جماعة من مشاهير علماء الإمامية في مدينة الحلة ما بين القرن السادس والتاسع الهجريين كان لهم الدور المهم في دفع الفكر الإمامي وإثراء مدرسة أهل البيت منهم المحقق الحلي ( ت 676 هـ) والعلامة الحلي ( ت 726 هـ) وآل طاووس وغيرهم من وجوه علماء الإمامية ، وهذا كله جعل الحلة مركزا للحوزة مدة من الزمن قبل أن تعود في القرنين العاشر والحادي عشر للهجرة ، لتنتقل إلى كربلاء.
وكانت الحوزة العلمية في كربلاء تسير بموازاة الحوزة العلمية التي لم ينحسر دورها يوماً في النجف ابان زعامة العلامة الاردبيلي ( ت 993 هـ ) لها.
وفي الحقبة التي ندرسها اواسط القرن الثامن عشر الميلادي ، أواخر القرن الثاني عشر الهجري – كانت كربلاء مقصد العلماء ، ومثابة الطلبة الراغبين في الانتهال من فيض علومها ، فقد توطن فيها العلامة الشهير ( الأغا الوحيد البهبهاني ) ( )
وللدراسة في مدرسة النجف مراحل معروفة ، وطريقة متوارثة ( ) ، وفيها " من البحوث النحوية والصرفية والبلاغية ما لا يوجد في كتب النحاة والبلاغيين " ( ) وهي تمنح الطالب مزايا خاصة ، قد لا توجد في غيرها . كالاستقلالية والعمق الفكري والحرية الفكرية ، وهي تشجع الطالب ، إلى حد بعيد ، على إثارة إشكالات جديدة تفضي إلى انضاج الفكرة ، وتدعيم الدليل ، وقد يلوح للأستاذ ان يتراجع عن رأيه إذا وجد ما يدعو إلى ذلك ، وهذا ما جعل الخلاف أمراً مألوفاً والخصومة واقعاً ملموساً ، وقد يتسع ليشمل الخصومة الأدبية لأنها جزء أساس من تفكير المجتمع ، وجانب من دراساته ، وقد أسس كل هذا لانتشار ظاهرة الاختلاف في حدود الفكر والعلم والأ دب فأسهم في إيجاد المعارك الأدبية كصورة من صور الحوار الذي أَلِفَهُ الطالب في دراساته الفقهية على خطورتها، فلماذا لا يجربه في ميدان الأدب والشعر والثقافة ( ) .وهكذا فان طبيعة الدرس هذه أسهمت في فتح آفاق الاختلاف والصراع والحوار الذي هو أساس المعركة الأدبية ووسيلتها.
وبعد أن توفي الوحيد البهبهاني ، عاد طلاّبه إلى النجف بعد ان بلغوا مرحلة في التدريس تؤهلهم لتسنم الزعامة الدينية ، وبرز من بينهم أربعة من طلابه كانت عودتهم إلى النجف إيذانا بعودة المدرسة النجفية إلى سابق عزها ، وإعلانا بأن الحوزة العلمية التي كانت في كربلاء في زمن الأستاذ الكبير ، قد التحمت من جديد بالحوزة العلمية القائمة في النجف وبدأت تلقي بظلالها على هذه المدينة التي ظلت مركزا على طول تاريخها .
كان هؤلاء الأعلام الأربعة هم :
السيد مهدي بحر العلوم .
الشيخ جعفر كاشف الغطاء .
الشيخ محمد محيي الدين ( الجامعي ) .
الشيخ حسين نجف ( ) .
وقد اقتسم هؤلاء الاربعة مهمات القيام بالشؤون الدينية والمدنية فيها ، وقد أصبح السيد بحر العلوم زعيم الحوزة العلمية والمرجع الأعلى بلا منازع ، أعانه على ذلك إنتسابه لآل البيت ، دون بقية أصحابه ، وكبر سنّه وأعلميته ، زيادة على شهرته التي طبّقت الافاق ، يساعده في ذلك الشيخ جعفر كاشف الغطاء ، وصار الشيخ حسين نجف إماما للجماعة ، أما الشيخ محمد محيي الدين ، فقد نيطت به مهمة القضاء والفتيا – كما تقدم- وكان السيد بحر العلوم والشيخ جعفر يرجعان إليه، وكان الاثنان : الشيخ جعفر والشيخ محمد يتطلعان لخلافة السيد بحر العلوم في المرجعية والزعامة الدينية في تلك الحقبة ، ولعل هذا كان واحداً من أسباب التنازع الذي تتضح صورته عند قراءة نصوص معركة الخميس الأدبية ، وان لم يصرحا به بوضوح واكتفيا بالتلميح.
وكان للسيد بحر العلوم وصاحبيه أثر كبير في الحركة الأدبية في النجف الأشرف في بداية الحقبة التي نؤرخ لها ، فقد كان كثيرا ما يبث النشاط بين الشعراء فيدعوهم إلى تخميس قصيدة مشهورة ، أو نظم معنى من المعاني ، أو واقعة من الوقائع ، ولدى قراءة الكتب التي أرخت لأدب تلك الحقبة نجد كثيرا مما يشير إلى ذلك ، فعندما خمس السيد صادق الفحام ( ) بردة البوصيري انبرى عدد من الشعراء لتقريظ التخميس ، وممن " قرظه الشيخ محمد علي الأعسم ( ) مشيرا إلى أن التخميس كان بإيعاز من السيد بحر العلوم " ( ) ، وكثيراً ما كان قطب الرحى في حركة شعرية مما يقع تحت عنوان الاخوانيات ، فعند عودته من الحج سنة 1159 هـ هنأه عدد من الشعراء لمناسبة العودة وأرخوا عام قدومه من مكة ، منهم السيد صادق الفحام وغيره( ).
"وكان الشيخ جعفر كاشف الغطاء يطارح النحويين وأضرابهم من شعراء الحلة والنجف" ( )وكان اهتمامه بالأدب وأهله لافتا للنظر وقد وردت كثير من الروايات التي تشير إلى ذلك( ) .
وكان الشيخ محمد محيي الدين مولعا بالمساجلات والمعارك الأدبية فهو لا ينتهي من مساجلة حتى يفتح أبواب مساجلة أخرى مع شعراء آخرين " ( ).
و" ما من خطوة يخطوها الإنسان في حياته إلا ووراءها خلفية فكرية في رأسه ، استمدها من التقاليد التربوية ، أو من الدراسة بالتعلم ، أو استمدها من التأمل النظري الذي يتحول معه إلى عمل وتطبيق ، انك إذا غيرت مجموعة الافكار المتجمعة في رأس آدمي تغير ، بالتالي سلوك صاحبه " ( )
ولا يمكن فصل الشعر عن الثقافة العربية في جميع فصولها فهو " وشيج الارتباط بتأريخنا ومجتمعنا وحياتنا اليومية… ونحن امة شعر دون منازع ومعاجمنا في الأصل معاجم قواف لا معاجم أبجدية على الطريقة الاوربية ، ولغتنا منذ عرفت اللغات لغة شعرية وسجع قبل ان تكون لغة نثر وترسل" ( ) وسيظل القصيد العربي والقرآن العربي صوتين مجلجلين ملء الفضاء النفسي واللاشعوري للمشروع الثقافي العربي ( ).
ولا شك في ان النظرة من بعيد ، تلك النظرة التي تجرد الواقع من تفصيلاته وتكتفي بحدوده الخارجية وملامحه البارزة ، تبسيط للنظر العقلي ، وتفويت له عن رؤية الاجزاء فالنظرة إلى الغابة من بعيد تُعطيك صورة عن الغابة من الخارج وتستر عنك الكثير من التفصيلات التي تتكون منها أشجارها .
ومن هنا كان من الضروري التمهيد لمعركة الخميس بدراسة لاتكتفي بالاطار الخارجي لها ، وانما تحاول التغلغل في التفاصيل ، للخلوص إلى نتائج أكثر دقة وموضوعية ، ولذلك فلا بد من دراسة للواقع الفكري والاجتماعي الذي كان سائدا في تلك الحقبة .
ففي النجف " أصبح الشعر منذ أول تاريخ هذه المدينة هو المعبر عن الشعور والاحاسيس ، بل صار طوال هذه القرون عنوانا للثقافة ، فكلمة الشاعر في هذه المدينة كلمة كبيرة تقاس اهميتها بمقياس شعره وشاعريته … لذلك لا غرابة ان تنشأ في النجف طبقات من الشعراء متسلسلة ، طبقة تروح وطبقة تأتي ، فتتمرس بنظم الشعر في زف التهاني ، وتتمرس في نظم الشعر في تقديم المراثي وتعبر عن أحاسيس العامة والخاصة" ( ) .
ان الفنون والأداب ليست الا مظاهر لقناعاتنا الشخصية وتصوراتنا التي نملكها عن العالم المحيط بنا ، والحياة التي نعيش فيها ، وعن معنى وجودنا بنفسه بما لدينا من معايير وقيم ، نفسر بها الواقع أولا ونحاول في ضوء هذا التفسير تغييره نحو الافضل ثانياً .
وإن من المؤكد ان الوعي الفكري هو الذي يوجه حياة الادب العربي خلال المرحلة التي ندرسها وانه وجّه وطبع الحياة السياسية والاخلاق والفكر بوجه عام . وبما ان معركة الخميس الأدبية وقعت وانطلقت في النجف ، فلا بد من القاء نظرة على ما يميز هذه المدينة من الحواضر الاسلامية الأخرى.
لقد ألمحنا إلى سيطرة العثمانيين على الشرق العربي ، وجعله ولايات تابعة للامبراطورية العثمانية، وفرض اللغة التركية فرضاً ، في المجال الاداري والتربوي عليه وقد " كان لهذه الهيمنة أثرها البالغ في ركود اللغة العربية في الشرق العربي ، وكان لسياسة العثمانيين وولاتهم في استنزاف خيرات البلاد واستعباد اهلها وفرض العزلة عليها ، وما انطوت عليه هذه السياسة من توسيع الفرق الطبقي ، والتمييز بين الحاكمين والمحكومين ، واهمال التعليم وتجاهل شؤون الثقافة تجاهلاً مطلقاً . كل ذلك كان له اثره البالغ أيضاً في ضعف الثقافة وكساد سوقها وانصراف الناس عنها الا قليلاً " ( ) ، وإذا صدق هذا الوصف على مجمل الشرق العربي ، فان حال النجف الأشرف تكتسب خصوصية نميزها من غيرها من المدن ، مما يتعلق بموضوع هذه الرسالة ، وهو ما ستعرض له الصفحات الاتية:
والنجف ، هذه المدينة التي تقع في ظاهر الكوفة ، على مسافة بضعة أميال منها ، هي الامتداد الطبيعي للكوفة عاصمة الامام علي عليه السلام ومنطلق شيعته، وقد صارت – كما تقدم – منذ هجرة الشيخ الطوسي إليها من بغداد أواسط القرن الخامس الهجري داراً للعلم وجامعة دينية لفقهاء الامامية في جميع مواطن سكناهم " وان كانت قبل ذلك مسكناً لبعض علمائهم وزهادهم الذين فضلوا جوار المرقد المقدس بعد اكتشافه في زمن الرشيد ، وبناء قبته البيضاء من قبله أو من قبل البويهيين التي يقول فيها الحسين بن الحجاج ( ت 391 هـ )
يا صاحب القبة البيضاء في النجف من زار قبرك واستشفى لديك شفي( )

( 1 )
الفقهاء والشعر :
لا يمكن فصل موقف فقهاء النجف من الشعر عن موقف النبي (  ) وأصحابه في صدر الاسلام منه ، ولسنا نريد الاطالة في بحث الموضوع ، فقد تكفلت بذلك كثير من الكتب التي درست الأدب في العصر الاسلامي ، وأسهبت في بيان موقف النبي ( ص ) وأصحابه الكرام من الشعر ، وقد عقد ابن رشيق في ( العمدة ) باباً ( في الرد على من يكره الشعر ) ( ) حفل بالكثير من الاخبار المروية عن النبي ( ص ) وجملة من أصحابه حول الشعر ، وخلاصته يمكن الوصول اليها من قول النبي ( ص ) : " انما الشعر كلام مؤلف فما وافق الحق منه فهو حسن ، وما لم يوافق الحق منه فلا خير فيه " ( ) .
غير أن مما يلفت النظر مما له علاقة بالحقبة التي ندرسها والمدينة التي نتحدث عنها ما أورده ابن رشيق : " قيل لسعيد بن المسيب : ان قوما بالعراق يكرهون الشعر فقال نسكوا نسكاً أعجمياً " ( ) فما علاقة العجمة بالموقف من الشعر ؟ وما علاقة ذلك بالحقبة التي ندرسها ؟
أغلب الظن ان هذا هو ما حكم موقف بعض فقهاء النجف من الشعر ، فأغلبهم – كما تقدم – من أقطار إسلامية غير عربية ، وقصروا همهم في الحصول على العلوم الفقهية التي قصدوا المدينة للحصول عليها، ولم يكن من همهم أو إهتمامهم العناية بالشعر ، زيادة على ان فهم الشعر والتأثر به يستلزم طبيعة لغوية أصيلة تفهم ما دقّ من أسرار اللغة ، وتستشعر عمق الدلالة بما فيها من جانب وجداني يمس أوتار القلب ، ويناجي مجسات العاطفة ، وذلك لا يتأتى إلا لمن أتقن العربية سليقة ، ولم يتعلمها تعلماً ، مهما بذل من جهد في تحصيل علومها ، إلا في حالات نادرة ، لا تخلو – سعيا إلى ادراك اسرار اللغة – من تنظير يغلب عليه العقل ( ) ، وان طبيعة الدراسة الفقهية تجعل اللغة تتسم بالجفاف والدقة وشتان ما بين اللغة العلمية ولغة الشعر والعاطفة .
ويبدو ان بعض الفقهاء قد امتنعوا عن قول الشعر تعففاً ، وقد خالفوا بذلك فقهاء الصدر الأول من الاسلام ، على ورعهم وتقاهم ، وقربهم من روح الرسالة واصولها ( ) .وقد اشتهر ممن اجاد في الشعر من الفقهاء عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، بل انه لم يمتنع عن قول الشعر في باب الغزل ، وهو على ما هو عليه من فقه وتعفف وورع وقد نقل عنه قوله في امرأة من هذيل قدمت المدينة ففتن بها الناس ورغبوا فيها خاطبين:

" احبك حباً لو علمت ببعضه لجدت ولم يصعب عليك شديـد
وحبك يا أم الوليد مولّهــي شهيدي أبو بكر فنعم شهــيد
ويعلم وجدي قاسم بن محمد وعروة ما اخفي بكم وسعــيد
ويعلم ما ألقى سليمان علـمه وخارجة يبدي بنا ويعـــيـد
متى تسألي عما أقول تخّـبري
فلله عندي طارف وتليــــدُ
هؤلاء الستة الذين ذكرهم : أبو بكر عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وعروة بن الزبير بن العوام ، وسعيد بن المسيّب ، وسليمان بن يسار وخارجة بن زيد بن ثابت ، وعبيد الله صاحب هذا الشعر هو سابعهم ، وهم فقهاء المدينة وأصحاب الرأي الذين عليهم المدار " ( ) .
لذلك أستطيع القول ان هؤلاء الفقهاء الذين تعففوا عن قول الشعر أو وقفوا منه موقفا سلبيا ، كان موقفهم بسبب عجمة السنتهم ، ومن لم يكن كذلك ، فقد " نسك نسكاً أعجمياً " ( ) حتى بلغ الامر بأحدهم ان يرد على شاعر أهدى إليه ديوانه ليقرأه بقوله :
فيا مضيع عمراً في كتابته فلن أضيع عمري في قراءته ( ) وكثيرا ما يجد المتتبع لتأريخ تلك الحقبة " ان الزعامة الدينية إذا كان قد تولاها قوم من العرب انتعش الادب وقامت سوق للشعر ، وأما إذا تولاها الفرس فترى جملة : (الشعر يكمل الناقص وينقص الكامل ) تتفشى روايتها والتشدق بها بكثرة بغية سد النقص الذي يجده الزعيم في نفسه ، ويتصوره المجتمع فيه … وبهذا المنطق المفلوج ظل يتنازع الادب في اتجاهه وتطوره وانتعاشه ، ولم لم يكن للطابع العربي الذي تحلى به النجف والعادات الطيبة التي اعتاد عليها( ! ) في اقامة مجالس التهنئة والتعزية ومراثي الائمة عليهم السلام ، لمات عنصر الشعر بالمرة… " ( ).
وثمة أمر اخر ، فقد بقيت النجف ، على امتداد تاريخها ، ولانها كانت مركزا دينيا بالمقام الأول ، شديدة التحفظ " فالتزمّت هو السمة البارزة في المجتمع النجفي " ( ) فلا يوجد في هذه المدينة ما كان يمكن ان يوجد في غيرها من المدن من وسائل الترويح … " وهذه المزيّة هي التي جعلت الشباب الديني في النجف يتطلع إلى اولاع أخرى يتنفس منها ، ولم يكن حينئذ غير (الحفلات الشعرية ) " ( ) التي تقام في مناسبات دينية أو غير دينية ، وهي حفلات " متنوعة منها ( الموسمية ) الثابتة التي ترتادها عامة الناس وتقام عادة في الاماكن العامة ، كالمساجد ، والمدارس والصحن الشريف وهي الحفلات الدينية مثل : المولد النبوي ومواليد الائمة ووفياتهم ومنها ( الطارئة ) كوفيات مراجع الدين ، وكبار العلماء ، والأدباء … ومنها ( الحفلات المصطنعة ) ولعلها كانت الاكثر عددا والاجود نوعاً ، لأن حضّارها في العادة من خاصة القوم " ( ) .
"وما كان يمر شهر على النجف الا اغتنمت فيه مناسبة لقول الشعر ، وكانت المناسبات كلها شبيهة بما قدمناه ، عودة صديق من سفر ، أو إبلال من مرض ، أو اياب من حج ، أو بناء بزيجة ، أو وفاة لشاب اختصر ، أو تأبين لعالم أو فاضل في كل هؤلاء يقال الشعر مدحاً ورثاءً وطالما تكلف الشاعر ان يقيم احتفالاً على نفقته ليقول قصيدة في غير مقابل الا اشباع رغبة فيه ، او سماع كلمة اطراء أو ثناء " ( ) .
وبالرغم من موقف أولئك الفقهاء ، والأسباب التي دعت إليه ، فقد كان من أهداف معركة الخميس الأدبية إشاعة جو أدبي يعيد للشعر مكانته السامية ، ويبني جمهوراً ، ويساعد على نبوغ اكبر عدد ممكن من الشعراء " وقد أحصى المرحوم محمد رضا الشبيبي في عصر بحر العلوم وحده ( 1212 هـ ) ما لا يقل عن مئتي شاعر في مدينة صغيرة كالنجف ، ويبلغ ماكتبه المرحوم علي الخاقاني عن ( شعراء الغري ) اثني عشر مجلدا ، وجلّهم من طلبة العلوم الدينية " ( ) وان المتابع لكتاب طبقات أعلام الشيعة بجزأيه ( الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة ، ونقباء البشر في القرن الرابع عشر ) وغيرهما يخرج بنتيجتين :
الاولى : ذلك العدد الكبير جداً من العلماء والفقهاء من غير العرب الذين كانت أعدادهم أضعاف أعداد العلماء والفقهاء العرب .
الثانية يندر ان نجد في ترجمة العلماء والفقهاء العرب من لم يقرض الشعر وله آثار فيه .
وهكذا نجد ان الموقف السلبي من الشعر يأتي من جهتين " فلا تزال نسبة الشعر إلى زعماء الدين ومراجع التقليد أمراً يكاد يذهب بالعدالة ويسلب الثقة وطالما طعن العلماء من يريدون الوقيعة به من زملائهم بوصفه بالادب ، وكثيرا ما نفى الأدباء من اهل العلم عنهم صفة الادب حرصاً على مكانتهم وصيانة لها" ( ) .
والجهة الأخرى تتمثل في العلماء والفقهاء من غير العرب ، اذ ان غالبيتهم كانوا يتخذون من الشعر موقفا سلبيا ، مثلما مرّ .
وهذه الحقائق لم تغب عن ذهن أصحاب معركة الخميس ، فلذلك كان واحدا من أهم أهدافهم إعادة الاعتبار ، للشعر ، والانتصار له بوجه الذين عدّوه عيباً وعبثاً .

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:09 AM
الفصل الاول ج2
( 2 )
الفقهاء من غير العرب واللغة العربية :
وثمة أمر أخر له علاقة بما تقدم ، ذلك ان اختلاف الثقافات باختلاف انتماء فقهاء تلك الحقبة إلى قوميات مختلفة ، لم يكن يوما حائلا – كما تقدم – عن انصهار افكارهم لتصبّ في مجرى نهر الثقافة الكبير الذي كان علامة مميزة للفكر الامامي في غناه وحركته الدائبة التي هي من ابرز نتائج الصراع ( أو لنقل الخلاف ) الفكري الذي لم يتوقف يوما منذ عهد الائمة عليهم السلام إلى يومنا الحاضر ، وهو أحد أبرز أسباب الخصب والنماء والحيوية التي انماز بها الفكر الامامي.
ان اللغة هي من أبرز وسائل الاتصال الفكري و" لقد مكنت اللغة المجتمع الانساني من تنسيق جهود أبنائه وتوحيدها في مجرى مشترك عام وجعلت تداول الخبرة ممكنا بين الافراد والاجيال والمجتمعات " ( ) وان اللغة ، زيادة على كونها وسيلة التعبير عن الافكار والمشاعر فهي " وسيلة لنشوء الفكر وتداوله " ( ) وهي عامل مهم في تنظيم سلوك الانسان وتصرفاته وتحريره من الخضوع ( كالحيوانات ) للمنبهات الانية الحسية السريعة المباشرة وهو ما قال به أيضاً العلماء السوفيت المعاصرون ( وفي مقدمتهم فايكوتزكي وليونتيف ولوريا)( ) .
ومما تقدم تتبين وظيفة اللغة في مجرى التفكير الانساني ، ومن الطبيعي ان اختلاف اللغة يؤدي إلى اختلاف اخر ، وهذا ما تجلى في موقف الفقهاء العرب وغير العرب في المدرسة النجفية ، فقد ادى اختلاف اللغة إلى اختلاف موقفهم من الشعر ، وفي حين كان الفقهاء العرب يرون في الشعر العربي مصدراً مهماً من مصادر اللغة وفهمها ، وهم في ذلك على حق ، يسنده كثير من الاخبار والاثار الواردة من صدر الاسلام ، ويتجلى في أوضح صوره في منهج ابن عباس في تفسير القرآن الكريم على الشعر العربي للحد الذي جعله صاحب منهج مميز في التفسير وكان يقول : "إذا قرأتم شيئا من كتاب الله فلم تعرفوه ، فاطلبوه في أشعار العرب فان الشعر ديوان العرب . وكان إذا سئل عن شيء في القرآن انشد فيه شعراً " ( ) .
وقد ورد في أقوال الائمة عليهم السلام ما يشير إلى وجوب معرفة اللغة معرفة أكيدة لفهم مصادر التشريع الاسلامي ومنها – على سبيل المثال- قول الامام محمد بن علي الجواد عليه السلام : " لا يفتي الا من كان بصيرا باللغة والادب " ( ) وقال الإمام الشافعي : " طلبت اللغة والادب عشرين سنة لا أريد بذلك إلا الاستعانة على الفقه " ( ) . ثم ان الدراسة الدينية – كما تقدم – واستنباط الاحكام الشرعية من أدلتها تعتمد ، أساسا ، على مصادر هي نصوص عربية أصيلة بلغت الغاية في الفصاحة والبلاغة أهمها : القرآن الكريم والسنّة النبوية ، ونهج البلاغة ، وآثار أئمة أهل البيت ، وصحابة الرسول الكريم ( ص ) وفقهاء التابعين ومن جاء بعدهم ، ولا يستطيع طالب العلوم الدينية – سواء أكان في النجف الأشرف أم في غيرها من مراكز الدراسة الاسلامية ، كالأزهر الشريف وقم والقرويين والقيروان ودمشق وجبل عامل – ان يحصل على مستوى من الوعي الفقهي ، ما لم يكن متضلعا من علوم اللغة العربية والأدب العربي القديم . " وهذا هو السر في انك تجد أكثر من نبغوا في أوائل هذا القرن من أدباء العربّية وشعرائها من أصحاب الخبرة في فلسفتها اللغوية ، هم من خريجي مراكز الدراسات الدينية … ومن هنا يبدو لك سر احتفاظ النجف بنصاعة اللغة ، وبهذا النزوع الشديد لصهر الوافدين اليها بحب العربية وآدابها … " ( ) وقد احتفظت باللغة العربية وآدابها " رغم كل محاولات التتريك الذي فرضته المماليك والحكام العثمانيون على مدارس العراق وغيرها من البلدان الخاضعة للخلافة الاسلامية من جهة ، ورغم انتشار اللغات الشرقية – وبخاصة اللغة الفارسية – بين الوافدين إليها من أقطار العالم الاسلامي التابعة لمرجعيتها الدينية من جهة ثانية " ( ) ولا شك في ان ذلك كان مظهرا من مظاهر البناء الذي كانت معركة الخميس لبنة من لبناته.
( 3 )
المرجعية الدينية :
لغرض تبيين الظرف التأريخي الذي وقعت فيه معركة الخميس الأدبية ، لابد من أن نقدم نبذة مختصرة عن المرجعية الدينية ( ) لسببين : الأول ان المشاركين الاصليين في المعركة كانوا بمقام المراجع الكبار والثاني : أن للمرجعية الدينية دوراً كبيراً في حياة سكان مدينة النجف الاشرف ، ومن ثم ، فان اسس اختيار المرجع تتصل بطريقة أو باخرى ، بمدى ما يحصل عليه المرجع من تأييد العامة من الناس ، ولاسيما سكان المدينة لارتباطهم الشديد بهذه التركيبة الدينية والاجتماعية . ومنه يتبين أيضاً أهمية دور المراجع في مذهب أهل البيت ليس في مجتمع النجف الاشرف فقط بل في غيرها ، فقد تركت النجف الأشرف آثارها الواضحة في الاقطار العربية التي تخرج أبناؤها في جامعتها الدينية " وأصبحوا ( وكلاء ) المرجعية الدينية في أقطارهم ، كالاحساء ، والقطيف ، والبحرين ، والاهواز ، وسوريا ، ولبنان " ( ) وغيرها.
إن ابرز آثار ما تقدم – مما أوجزنا الحديث عنه وعرضت له الكتب التي أشير اليها باسهاب – تبدو في عملية اختيار المرجع الاعلى للطائفة ، وهذا الاختلاف بين الفقهاء العرب وغيرهم من الفقهاء أدى إلى ظهور مرجعيات ، واخفاق أخرى ، وبعيداً عن الانسياق مع كل ما أورد صاحب معارف الرجال وغيره( ) ممن أرخوا لتلك الحقبة أو الحقب القريبة منها ، فاننا نقول انه كان لذلك العامل تأثير في اختيار المرجع واتساع جمهور مقلديه من الفقهاء أوعامة الناس .
ولم يكن جميع الفقهاء من غير العرب يضمرون نوعا من المنافسة والمناوأة للعرب " فقد ضم المدافعون عن العرب بين صفوفهم عدداً من الفرس يقارب بكثرته عدد المناوئين " ( )
" ومهما كان الادب وجدانياً أو شخصياً فانه لا ينحصر في ذات صاحبه ويبقى هناك بمعزل عن كل الحركات الفكرية والاجتماعية التي تنشأ في بيئته وتمس حياته ، وليس الاديب دودة الحرير التي تنسج حول نفسها قبراً ترقد فيه ، بل هو لوحة حساسة يرتسم عليها ما يحيط به من مؤثرات فتمتزج بنفسه ثم تظهر للناس رسوما ذات روعة وتأثير " ( ) . ولذا كانت معركة الخميس في واحد من أسبابها نوعاً من أنواع النزاع على المرجعية اكتسب طابع التلميح دون التصريح ، بيد ان النظرة المدققة لا تخفى عليها خيوط التنافس تلك وأثارها .
( 4 )
الاخباريون والاصوليون :
" الاخباريون والاصوليون كلاهما ممن ينتمي إلى الفرقة الامامية الاثنى عشرية ، ولا فرق بينهم من هذه الجهة الا ان كثيراً ممن تطرقوا إلى الخلاف الدائر بينهم يجعلون من الاخباريين فرقة تمتاز من الاصوليين بمفاهيم خاصة يخرج من مجموعها بالقول بامتياز كل فئة من الأخرى بعقائد ربما كانت في نظر كل طرف موجبة للخروج عن حدود المذهب ، والانحراف عن الطريقة الحقة " ( )
وقد يبلغ التوتر أوجَهُ في بعض الادوار – كما حصل في الحقبة التي ندرسها ( ) " فقد نشط الاخباريون في كربلاء في النصف الثاني من القرن الثاني عشر ، وتطرفوا وأوغلوا في الازدراء بالاصوليين ، حتى اننا سمعنا من بعض مشايخنا الأعلام واهل الخبرة والاطلاع على احوال العلماء منهم ان بعض فضلائهم كان لا يلمس مؤلفات الاصوليين بيده تحاشياً من نجاستها ، وانما يقبضها من وراء بعض ملابسه ، وقد تصدى الامام المحقق ... في كربلاء الوحيد البهبهاني المتوفى سنة 1205 هـ إلى حد نشاطهم وكسر شوكتهم واعادتهم إلى صوابهم … " ( ) وقد حصلت المهاترات الشنيعة ليكيل كل للآخر تهما تترفع عنها اصول المذهب التي رسمها لهم قادتهم من أهل البيت عليهم السلام .
والظاهر أن الخلاف بين الطرفين قد بلغ أشده في الحقبة التي ندرسها حتى خرج من حدود الدرس والمحاججة العلمية إلى سائر الناس فإنقسم الناس على فرقتين . وهناك من يرى أن الخلاف بين الطرفين لايعدو بعض الوجوه البسيرة الناتجة عن إختلاف الرأي والنظر ،وإن كليهما يسير على طريق واحد( ) .فالاصوليون يلجأون في مقام إستنباط الأحكام الشرعية إلى الأدلة الاربعة وهي :الكتاب والسنة والعقل والإجماع ، ومن هنا جاءت تسميتهم لان هذه الأدلة الاربعة هي موضوع علم الأصول.
أما الاخباريون فهم الذين يستنبطون الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة فقط ، وعند اليأس من تحصيل دليل الحكم الشرعي منهما يرجعون إلى أصالة البراءة في الشبهات الحكمية( )، وهم يدّعون أن آيات القرآن الكريم وردت على وجه التعمية بالنسبة إلى الرعية ، وجلاء هذه التعمية وكشف ما يحيط بالقرآن من غموض أو تفصيل لايكون إلا بالرجوع إلى أهل البيت عليهم السلام فهم الذين يقومون بهذه المهمة لانهم أحد الثقلين ، والكتاب الكريم هو الثقل الآخر ولن يفترقا حتى يردا على النبي () ( ).
وكان الخلاف على أشده بين الجانبين في الحقبة التي ندرسها – كما تقدم – وهو ما دعا الشيخ جعفر كاشف الغطاء – وهو احد اركان معركة الخميس- إلى الاهتمام بالامر وتأليف كتاب في الرد على الاخبارية سماه ( الحق المبين في تصويب المجتهدين وتخطئة الاخباريين ) عدد فيه الفروق بينهما وأوصلها إلى ثمانين فرقاً( ) ، وللشيخ جعفر ايضا رسالة في الطعن على الميرزا محمد الاخباري سماها كشف الغطاء عن معايب ميرزا محمد عدو العلماء أرسلها إلى السلطان فتح علي شاه القاجاري ودل فيها على قبائح ذلك الرجل ومعايبه وفساد عقيدته وذكر في الروضات ( روضات الجنات للخوانساري ) نبذة منها تدل على خبث الرجل وعدم تورعه في الدين وخروجه عن الشرع المبين … " ( ) ، وللسيد دلدار علي النقوي الهندي كتاب ( اساس الاصول ) ( ) وقد اشترك السيد حسين الهندي " في تأليف ( مطارق اليقين لكسر معاول الشياطين ) الذي الف في الرد على ( معاول العقول ) تأليف الميرزا محمد الاخباري الذي ألفه لقلع أساس الأصول " ( ) .
وما يعنينا من هذا العرض ان الخلاف بين الاصوليين والاخباريين، الذي نشأ في طائفة واحدة ، قد أثار نوعا من البلبلة في صفوف أتباع مذهب أهل البيت ، وفي الحقيقة ان الخلاف في الاجتهاد ، والصراع الفكري لم ينقطع بين علماء مذهب أهل البيت في اية حقبة من الحقب ، بيد انه ظل في اطار الخلاف الفكري الاجتهادي السليم، الذي هو سمة كل فكر حيّ متطور يواكب الحياة ويضع الحلول لما يستجد فيها من أوضاع وأحوال ، الا ان نزول الخلاف إلى العامة وبلوغه حدّاً من الصراع الذي أوصل الامور إلى حد اثارة المعارك ، والقتل ( )، دفع بعض الفقهاء من ذوي البصيرة النافذة والرؤية الخيرة ، إلى انتهاج سبيل توحيد ابناء الامة ، واللجوء إلى سبل مختلفة من اجل اخماد نار الفتنة والخلاف، وكان ذلك واحداً من أهداف الذين انبروا لأثارة معركة الخميس الآدبية فكانت واحداً من السبل التي جمعت وألفت بين أبنائها، ووجهت الرغبة في الخلاف الكامنة في النفوس ، توجيهاً ايجابياً نافعاً ، ادى إلى ان تخف حدة الفتنة بمرور الزمن ، ومن الدلائل على ذلك ورود اسماء بعض الاخباريين بين أسماء من حضر جلسات المعركة إلى جانب اخوانهم الاصوليين.
وعليه لا يمكن فصل معركة الخميس الأدبية عن هذا الدافع النبيل إلى لمّ شتات الامة ، وتوجيه خلافاتها توجيهاً أدبياً يخدم وحدة اتباع مذهب أهل البيت ويؤلف بينهم ، ويوجه نشاطهم توجيهاً فاعلاً ، فيصهرهم في معركة ادبية تلفت- في الأقل – انتباههم عن المعركة القائمة في جانب آخر من جوانب الفكر وهذا – ربما – يفسر اشتراك ذلك العدد الكبير من الشعراء ، الذين كانوا فقهاء من الصف الأول في الغالب – بل ان أبرز فقهاء تلك الحقبة ومراجعها العلمية كانوا ممن اذكوا أوار تلك المعركة الأدبية ، وشحّعوا آخرين على الاشتراك فيها، فكان هذا واحداً من الاسباب غير الظاهرة للمعركة المذكورة.
( 5 )
المجالس الأدبية في النجف :
المحنا سابقا إلى ان بيئة النجف تختلف – لعوامل فكرية واجتماعية – عن بيئة المدن الأخرى ، فبالرغم من انها تشترك جميعاً في غياب وسائل التسلية والترفيه، ان " النجف الصحراوية القاحلة والمنكبة على الدرس والبحث والقراءة ليس فيها ما يلطف أجواءها… " ( )ويفتح أمام ساكنيها طريقا للتنفيس والترويح عن عناء الدرس وصرامته " ولذلك كان انصرافهم للاسمار والمساجلات الأدبية من الامور الطبيعية والطرق المأمونة العواقب" ( ) وتتميز النجف بمجالسها الكثيرة وقد كان لهذه المجالس وما يدور فيها اثر كبير في التيارات الفكرية والعلمية والأدبية ." ولاتخلو أسرة علمية في النجف من أن يكون لها ناد أو أكثر لهذا الفرع من الاسرة أو ذاك يلتقي فيه الأفاضل ، يتذاكرون في مسائل العلم والادب ، ويتناولون الأحداث المحيطة به " ( ) وكانت دور بعض الأسر " نوادي أدبية ، ومدارس علمية ، فكم نظم فيها من شعر، وكم ألقيت فيها المسائل العلمية والدينية وراجت فيها الأحكام الروحية" ( ).
والمجالس كانت عنوان النجف منذ بدء تاريخها وهي تمثلها تمثيلاً " فيه الكثير من واقع البلد وحقيقته ، وأهدافه ، وفي هذه المجالس كانوا يتبادلون الآراء والأفكار السياسية ، وفي هذه المجالس كانت توضع الخطط وتعدّ المناهج ، ثم هي بعد ذلك أشبه بقاعة المحاضرات والدرس ، والمباراة الشعرية" ( ) وهي فضلاً عن قيمتها في حل المشكلات الخاصة والعامة ، وتمثيل النجف في جميع أدوارها ، لها شأن كبير في الثقافة العامة وصقل الافكار ، وتحريك الفكر وتوسيع آفاقه .
" وقد عجمت هذه المجالس أعواد مرتاديها في الادب وجعلت لهم أذهانا حادة لفهم أية اشارة أدبية واردة مهما خفيت خصوصاً في الجناس والتورية والتواريخ الشعرية التي كثيرا ما تضمنت وجوب حذف عدد أو أكثر أو اضافة عدد أو أكثر إلى التاريخ الشعري … فكان الجميع يفهمون المقصود في الغالب بدون عناء " ( ) .
ويصف أحد روّاد تلك المجالس من المعاصرين حاله معها فيقول:" اضيف إلى ذلك انني كنت بحكم بيئتي ومحيطي شديد التماسّ بمجالس النجف الأدبية ، قريباً من الأدباء اللامعين ، أراهم عن كثب ، وأسمع احاديثهم عن قرب وأتوخى الدعابة والمزاح على القدر الذي يألفه شاب نجفي مثلي يتطلب السلوّ والمتعة فلا يجد في تلك الارض القاحلة الجرداء ( النجف ) غير الالتجاء لخلق النكتة ، والسخرية ، والمزاح ، والمساجلات الأدبية ، وغير ذلك من الدعابة البريئة وغير البريئة، واللذّة الأدبية الروحية" ( ) " ومن المؤسف ان يفوت مؤرخي الأدب النجفي تسجيل مثل هذه الصور فيفوتنا بسبب ذلك الشيء الكثير من أبرع وأروع الصور الأدبية التي كانت تؤلف جانبا له قيمته الكبرى في تعيين مدى الاستعداد الفني والملكات والمواهب عند الأديب النجفي في الجيل الماضي " ( ). ولا بد للقرائح من شحذ وللمواهب من مثير يؤجج ضرامها ، ويذكي ما تحت رمادها من جذوة.
" وكانت مجالس التهاني والاعراس ، ومجالس الفواتح والتأبين والمناظرات والمساجلات التي كثيراً ما يثيرها التباهي والتنافس والدعابة والتنفيس عن النفس هي السوق الذي يستغله الأدباء ويتخذون منه مناسبة لعرض منتوجهم الادبي في النجف … فقد كانوا يخلقون المناسبة خلقا "( ) فضلاً عن ان " مآتم الحسين وذكرى استشهاده ، كانت أسواقا ادبية ، يتبارى فيها الشعراء ويحاولون ان يأتوا بالجيد من النظم والرصين من العبارة " ( ) وكان الشعر الذي نظمه الشعراء الشيعة في الحسين وآل علي صادق العاطفة فياضاً بالاحاسيس ( ) .
ومن هذه المجالس انطلقت معركة الخميس الأدبية ، التي مثلت أولى بوادر النهضة الأدبية ، مطلع القرن الثالث عشر الهجري ، واستمرت بعدها سلسلة من المعارك والمساجلات والندوات امتدت إلى نهايات القرن الرابع عشر ، وسيرد الحديث عن كثير منها في هذه الدراسة .
( 6 )
وجوه صراع أخرى :
ومما ظهر في الحقبة التي وقعت فيها معركة الخميس الأدبية ، وما قبلها بقليل ما شاع من تفرق بين حزبين وصفه الخاقاني بقوله " سبق ان ذكرت في ج2 ص 115 من كتابي هذا بحثاً تاريخياً عن حادثة ( الشمرت والزقرت ) واسباب نشوئها وعرضت حوادثها بشكل واف ضاف ، وكنت أتصور اسباب النشوء بالاسلوب الذي مرّ ، غير ان وقوفي على رسائل الحميدي ( ) الموجودة بخطه عند الشيخ عز الدين الجزائري كشفت لي عن خطأ ذلك التعليل وان نشوء ( الشمرت والزقرت ) جاء على اثر انقراض حزبين متعارضين يعرف احدهما بـ ( آل حبل ) والآخر بـ ( آل طبل ) وكان ابتداء ظهورهما عام 1180 هـ تقريباً ، وقد انضم الحميدي إلى آل حبل الذي ترأس المعارضة فيه إلى[ لـ ] زعيم الدين وحزبه فكانت القوة إلى جانبهم ، بكسبهم عقلية الأميين ، وآل حبل ستقف على اسماء بعضهم من مطاوي رسائل الحميدي ، غير ان الحزبين كان يهيمن على قوتهما أبناء العلم والمتصفين بالروحية فهما يختلفان عن تشكيلة ( الشمرت والزقرت ) التي ضمّت العوّام والمتمردين ، ورسالته [ يعني الحميدي ] للحاج يوسف الازري ( ) تكشف عن الوضع الذي تلبسَّ به آل طبل وتوقفنا على ما آل إليه امر الحميدي على يدهم من الهوان والضرب والالم … " ( ) .
وهذا يعني ان بذورا للصراع بدأت تظهر مبكرة في المجتمع النجفي ، مؤذنة بانقسامه على اسس مختلفة ، وهو ما يحفز دوافع أعضاء معركة الخميس إلى الدخول في توجيه الصراع وجهة ادبية هادئة ، زيادة على العوامل الأخرى التي مر ذكرها.
هذه كلها أسباب وجد أركان معركة الخميس أن لا سبيل إلى التصدي لها الا عن الطريق الذي اختاروه وحسناً فعلوا .
كان هذا التمهيد المسهب ضروريا لفهم الاحوال الاجتماعية والفكرية التي كانت سائدة في الحقبة التي وقعت فيها معركة الخميس ، لانه يلقي الضوء على كثير من الاسباب الظاهرة وغير الظاهرة للمعركة وهو ضروري لتأكيد النتائج التي فرزتها معركة الخميس الأدبية ، ومن ثم اثرها في الحركة الأدبية في العراق ، تلك النهضة التي كانت بعوامل ذاتية ، حملت النجف الاشرف لواءها ، وتعهد علماؤها وادباؤها رعايتها والدعوة اليها وتطويرها . فضلاً عن ان هناك أمرا آخر يتعلق بمعركة الخميس وقد أدى – ربما – إلى هذا الاسهاب والاطالة ، وهو تجاهل دارسي الأدب في العراق شبه الكامل ، الذي لا يخلو من تعمد في جانب كبير منه لطمس أي دور لادباء الشيعة ومفكريهم وإهماله ، مهما كان واضحاً ومؤثراً ومميزاً ، بدوافع غير علمية وغير نبيلة ، فحين يرى أحد مؤرخي الادب ان لخصومة الرصافي والزهاوي أثراً كبيراً في الحياة الأدبية في العراق وفي حركة النقد خاصة ، فهو يتجاهل اية معارك وخصومات أدبية سبقتها ، مع انها اكثر اتساعاً وأسبق تأريخياً ، وانها كانت بداية لسلسلة من المعارك والخصومات بدأت بها ولم تتوقف حتى نهاية القرن الرابع عشر الهجري ( ) وهو ما سنشير إليه في موضعه من هذه الرسالة.ان هذا الموقف صدق على كل العلماء والأدباء من الشيعة ، ولا سيما في العقود الثلاثة الاخيرة من القرن العشرين ، اذ اصبحت أثار أهل البيت وكتب أتباع منهجهم ، أندر من الكبريت الأحمر ( كما يقولون ) وعاد البحث عن أي اثر منها بلا جدوى . ومعظمها آثار مخطوطة لا يسمح بطبعها فبقيت رهينة أصحابها، أو سلمت إلى دار المخطوطات ، فأخفيت وأبعدت عن أيدي الباحثين ، فكثيراً ما يكون جواب من يطلب مخطوطة في الدار ، بأنها غير موجودة وقد عانيت بنفسي كثيراً من ذلك عند طلب مخطوطة ادرج اسمها في دليل المخطوطات الذي طبعه مدير الدار ، مما يشير إلى انها قد تكون أخفيت أو نهبت ، في خطة منظمة ومنسّقة لطمس تلك الاثار.

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:10 AM
معركة الخميس الأدبية
معركة الخميس الأدبية " مداعبة ادبية وقعت بين العلامة الكبير الشيخ جعفر ( صاحب كشف الغطاء ) وبين الشاعر الشهير محمد زيني وبين المترجم له [ الشيخ محمد بن يوسف آل محيي الدين ] … وهي واقعة ظرافة ولطافة " ( ) فهي " مساجلة شعرية بدأت بين الشيخ جعفر الكبير وزميله في التلمذة الشيخ محمد محيي الدين ، ثم شارك فيها العلامة السيد مهدي بحر العلوم وانتقلت المشاركة فيها بعد هذا إلى عدد من فقهاء العصر وادبائه في كل من الحلة وبغداد " ( ).
سبب المعركة
ذكر في سبب المعركة ان الشيخ محمد محيي الدين " كان بينه وبين السيد محمد زيني مودة تامة وصداقة اكيدة فنازعة الشيخ [ يريد الشيخ جعفر كاشف الغطاء ] على وداده للسيد محمد وكان الشيخ الكبير يوما في بغداد فأرسل هدية الى السيد محمد وكتب معها أبياتاً عرّض فيها بالمترجم له [ يريد الشيخ محمد محيي الدين ] على سبيل المطايبة وطلب من السيد زيني العدول عن وداد المترجم له وصداقته إلى صداقته [ صداقة الشيخ الكبير ] ومصاحبته لاولويته منه بذلك … " ( ) ويظهر من نصوص المساجلة ان سببها " ليس أمراً ذا بال يستحق سجالاً بين هؤلاء الأعلام بل بين من هو دونهم منزلة ، انه نزاع على صداقة صديق – هو السيد محمد زيني – مؤداها أي المتساجلين أصدق في صداقته وأحرى باحتجاز وده ، الشيخ محمد أم الشيخ جعفر ، هذا ولم يك السيد الزيني مرجعاً دينياً ولا ملكاً متوجاً ولا رجلاً ذا سلطان لتنشب معركة في كسب وده ، يُحتكم فيها إلى الشعراء ، ويحكم فيها الأعلام … ان السبب كامن في روح المعاصرة ، والتنافس المألوف بين الأعلام الذين يتهيأون إلى تقلد الزعامة الدينية " ( ) ولقد أشرنا في التمهيد إلى أسباب أخرى دفعت إلى اللجوء إلى هذه المساجلة وإثارة هذه المعركة ، لا ضرورة إلى إعادة ذكرها الان ، والذي أراه ان تلك الأسباب كانت حاضرة في أذهان الذين اشتركوا في معركة الخميس الأدبية ، وهيأوا مسرحها ، وأعدوا جمهورها ، وكتبوا نصوصها ، بتلك الدقة والحذاقة التي لم تخدش وداً ، ولم تثر عاصفة ، ولم تستفز مشاعراً بل اتسمت بالودّ والورع والأدب الصارم ( ).وبوجه عام فان المعارك " من جملة الفنون التي يمكن أن تشيع النشاط في الحياة الأدبية ، .. والادب … يحتاج إلى تجديد وحيوية وإشاعة روح الحركة فيه "( ) .
سبب التسمية
يرجع دارسو معركة الخميس سبب التسمية إلى أمرين :
الأول :- إنها كانت تعقد أيام الخميس من كل أسبوع ،وهو يوم عطلة أسبوعية للدراسات الدينية في مدرسة النجف وما سار على خطاها من مدارس( ) .
الثاني :- سميت كذلك لقول الشيخ جعفر في أحد ردوده في المعركة عن الشيخ محمد محي الدين :
فدع عنك شيخا يدّعي صفو وده وما كل من يرعى الأخلاّء جعفرا
يريك بأيام الخميس مـــودة وفي سائر الأيام ينسخ ما يـرى( )
وأرى أن كلا الأمرين يعود إلى سبب واحد فإن الشيخ لم يذكر يوم الخميس في البيت المتقدم لو لم تكن جلسات المعركة تتم يوم الخميس ، وكيفما كان الأمر فان الاتفاق قد جرى على تسميتها بـ ( معركة الخميس الأدبية ) في جميع المصادر التي أرخت لتلك الحقبة أو المصادر التي أشارت إلى المعركة ( ) .
المشاركون في معركة الخميس الأدبية :
تقدم ان معركة الخميس الأدبية كانت واسعة من حيث الحقبة الزمنية التي امتدت فيها ، والأماكن التي شملتها وشارك شعراؤها فيها، والجمهور الواسع الذي وجد فيها مثاراً للاهتمام يدفعه إلى حضور جلساتها ولذلك يمكن تقسيم المشتركين بمعركة الخميس على ثلاثة أقسام :
1- الشعراء الذين شاركوا فيها
2- الشعراء والأدباء والفقهاء وغيرهم من الأعلام الذين حضروا جلساتها .
3- عامة الناس من روّاد تلك المجالس التي كانت ساحة للمعركة .
واذا أمكن تحديد القسم الأول بدقة ، فان القسم الثاني يمكن حصر عدد كبير منه في بعض المصادر التي أشارت إليه ، أما القسم الثالث ، فلا يمكن حصره ولكن يمكن القول انه معظم سكان مدينة النجف إذا أخذنا بالحسبان ، أنها مجتمع في غالبه – في تلك الحقبة في الأقل – أما من الأدباء والشعراء والفقهاء ، وأما من مريديهم أو المهتمين بشؤون الدراسات الدينية والأدبية( ).
القسم الأول : من الشعراء والأدباء والفقهاء الذين شاركوا وهم :
1- السيد مهدي بحر العلوم
2- الشيخ جعفر كاشف الغطاء
3- الشيخ محمد يوسف آل محيي الدين
4- السيد محمد زيني
5- السيد محمد رضا النحوي
6- الشيخ حسين نجف
7- السيد صادق الفحام
8- السيد أحمد العطار
9- السيد علي زيني
10- السيد محمد علي الاعسم
11- السيد محمد رضا الازري
12- ملا يوسف الازري
13- السيد ابراهيم العطار
14- الشيخ مسلم بن عقيل الجصاني
15- السيد احمد القزويني
وستأتي تراجمهم في هوامش قصائدهم في ( نصوص المعركة ) التي أمكن جمعها والوصول اليها ومصادر ذلك ( ) .
القسم الثاني :الشعراء والفقهاء والاعلام الذين حضروا جلسات المعركة وكونوا جزءاً مهماً من جمهورها، يمكن القول انه ادى دور المتلقي والناقد والمشجع لاستمرار المعركة . ومن المؤكد ان الاسماء التي وردت في المصادر لا تمثل الجميع فقد ذكرت في مصادر دونت بعد وقوع المعركة بما لا يقل عن قرن، وان تم التدوين استناداً على مجاميع مخطوطة ، قد تكون سبقتها في التدوين .
وفي الآتي مجموعة من أسماء الاعلام الذين حضروا جلسات المعركة :
1و 2 – السيد سليمان الحلي وولده السيد حسين
3- الاغا باقر الهزار جريبي
4- الشيخ محمد نقي الدورقي .
5-الشيخ عباس القراهي .
6-الشيخ ابراهيم يحيى العاملي
7- الشيخ موسى بن علي البحراني .
8-السيد شبر الاخباري ( )
9-الشيخ مهدي الفتوني ( )
10-الشيخ مهدي الكتيب
11-السيد حسين النهاوندي
12- السيد صدر الدين الهمداني
13- الميرزا محمد هاشم الطبيب
14- الاغا كمال الدين العرفاني
15و16 الدرويش العالم الروحاني الشاه كوثر وابنه الميرزا أبو الحسن .
17 - الدرويش نظر علي
18- الميرزا محمد نقي الطبيب
19- السيد حسين بن السيد مير رشيد الهندي ، الشاعر المشهور .
20و 21و 22-الشيخ احمد النحوي وولداه الشيخ محمد رضا والشيخ هادي النحوي( ) .
23 . السيد محمد الصفري .
24 . السيد نصر الله الحائري( ) .
25 . الخان الشهير بالمغل. وهو من ملوك الهند اختار سكنى النجف.
26 . الملا صالح الكليدار .
27 . ابنه الملا محمود .
28 . اخوه الملا سليمان .
29 . ابن عمهما الملا طاهر .
30 . الحاج محمد رضا ابن العلامة اغا باقر ( البهبهاني ).
31 . السيد موسى المازندراني.
32 . السادة الطالقانية " وهم مشهورون في زماننا "
33 . السيد العلي الحاكم( ! ) .
34 . السيد مصطفى نقيب تلك البلدة [ النجف ] في ذلك الوقت .
35 . ابنه السيد حسين النقيب .
36 . " ثم القاضي والخطيب وما أشبه ذلك من الكبراء والعلماء والادباء والملوك الذي لم تحضرني أسماؤهم( ) …
ويمكن الاستنتاج من كثرة الاسماء التي وردت ، أن هناك جمهوراً واسعاً كان يشارك في تلك المعركة الأدبية ، وهذا يدفعنا الى القول بأنها قد تحولت الى معركة ذات طابع جماهيري واسع ، كان هدفاً جوهرياً من أهداف أعضاء المعركة كما تقدم في التمهيد، ولعل ذلك يفسر ان ما من مصدر أرّخ للتاريخ الادبي في مدن النجف والحلة أو شبيهاتها من المدن ، الا وذكرها بالثناء وأهتم بها.
تحديد الحقبة التي وقعت فيها المعركة :
لم تشر المصادر التي تحدثت عن معركة الخميس الادبية الى تاريخ محدد لوقوعها، ولا الى الحقبة الزمنية التي امتدت فيها ، بيد ان من المؤكد ان المعركة وقعت في الحقبة الممتدة بين وفاة العلامة الوحيد البهبهاني ( ت 1205 هـ أو 1206 ) ووفاة الشيخ محمد محيي الدين ( ت 1219 هـ ) ( ) . لان أطراف المعركة الثلاثة- الذين تقدم ذكرهم – " هاجروا جميعاً الى بلد الحسين عليه السلام وحضروا عند الاقا الى ان توفي ( قدس سره ) ورجعوا الى النجف الاشرف " ( ).

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:12 AM
نصوص المعركة : ( )
1- مرّ الشيخ محمد محيي الدين على دار السيد محمد زيني( ) فوجده غائبا وكانت بينهما مودة خالصة فأرسل له :
بما بيننا من خالص الود لا نسـلو وغير أحاديث الصبابة لا نتلـــو
مررت على مغناك – لا زال آهلا- فهاج غرامي والغرام بكم يحلــو
وعيشك إني ما توهمت آنفـــاً بعادك عني أو رباع الهوى تخلــو
وما ( جعفر ) في وده الدهر صادقاً وما صادق من لم يكن في الهوى يغلو ( )
2- " وحين بلغت مسامع الشيخ جعفرَ ( )هذه الابيات كتب له :
لساني أعيى في اعتذاري وما جـــرى وان نال حظّاً في الفصاحة أوفـــرا( )
ولكنني شفعت فيَّ مـــــــودّتي ومحضي للأخلاص سراً ومجهـــرا( )
فلو انني أهديت ما لي بأســــــره ومالَ الورى طرّاً لكنت مقصـــرا( )
فدع عنك شيخاً يدعي صفــــو ودّه فماكل من يرعىالأخلاء( جعفــرا)( )
يريك بأيام الخميس مـــــــودّةً وفي سائر الايام ينسخ مـــا أرى ( )
فلا تصحبن غيري فانك قائـــــل بحقّي : كلّ الصيد في جانب الفــرا ( )
فلو رمت من بعدي ، وحاشاك ، صاحبـاً فإياك ان تعدو ( الرضا ) خيرة الورى ( )
فتى شارع للصحب أوضح منهــــج وجارٍ مع المصحوب من حيث ما جـرى
وان تهجر المجموع منتصر لنــــــا لبست من الأثواب ما كان افخــرا( )
3- " وكان السبب المحرك للشيخ [ يريد الشيخ جعفراً ] على هذا أبيات كتبها الشيخ محمد إلى الشيخ يتشوق إليه ويعرض به في آخرها وهي : -
سلام على دار السلام ومن بهـا وبالرغم مني ان أسلّم من بعــــد
نأيتم فأفراحي نأت ومســرتي واني وحق الودّ باقٍ على الــــودِّ
أود بأن ألقاكم لمح ناظـــرٍ لعل لقاكم ان يخفف من وجـــدي
خليليّ قولا للمؤيد جعفـــرٍ مقالة ذي نصح هديت إلى الرشــدِ
تبعّدت حتى قيل انك قاطــنٌ وجانبت أهل العلم والنسك والزهـد
فجدَّ إلى الجلد الذي أنت قاصدٌ فليس لنيل المكرمات سوى الجـدّ ( )
تحية داعيكم محمد معلنــــاً بمدحكم لا زال جرياً على العهد" ( )

4- فأجابه الشيخ محمد محيي الدين ، مستعدياً النحويّ ومحكماً السيد بحر العلوم :
ألا من لخلٍّ لا يزال مشّمــرا لجلب وداد الخلق سراً ومجهـرا( )
أحاط بودّ الانس والجن فأنثـنى بأعلى ثنا الأملاك ودّاً وأبهـرا ( )
ونال من الرحمن اسنى مــودّةٍ فيالك ودّاً ما أجـل وأكــبرا( )
يجاذبني ودّ الشريف ابن أحمــد سلالة زين الدين نادرة الــورى
وهيهات ان يحظى بصفـو وداده وان كان بحراً في العلوم وجعفرا( )
أمستجلباً ودّ الرجال بنـــطقه أظنك ألهمت الطماعةَ أصغـــرا
تروم محالاً في طلابك رتبـــةً بها خصني الباري وأكرم من بــرا
فمهلاً(أبا موسى) سيحكم لي الرضا وتكسب بالالحاح انك لن تــرى
الا فأجتهد ما شئت في نقض خلتي فمحكم إبرامي يريك المقصـرا( )
فيا أيها المولى الخليط الذي بغـى سينصفني المهديّ منك فتحصرا( )
فقم سيدي للحكم انك أهلُـهُ فديتك أنصفني فقد أحرج المــرا
5- " فأجابه السيد بحر العلوم ( ) بقصيدة مثبتة في ديوانه المخطوط يقول فيها " ( )
أتاك كوحي الله أزهر أنـــورا قضاءُ فتىً باريه للحكم قد بـــرا ( )
فتىً لم يخف في الله لومةَ لائــمٍ إذا ما رأى عرفاً وأنكر منكــرا( )
يظاهر مجنياً عليه اذا شكـــا وينصره في الله نصراً مـــؤزرا( )
محمد يا ذا المجد لا تكتـرث ولا يروعنّ منك القلب شيخ تذمــرا( )
فما ذاك الا من مكائده الــتي عرفن به مذ كان أصغر أكــبرا ( )
وانك أولى الناس كهلاً ويافعـاً بحبك نجل الطاهرين المطهّـــرا
سميّ وفيّ صادق القول والوفــا خصيص به مذ قسم الود في الورى ( )
كفى بالخميس اليوم للودّ عاضداً يردّ خميس الحرب أشعث أغــبرا ( )
وليس ببدع ذاك فالخلطاء كـم جرى بينهم من بينهم مثل ما جرى ( )
وفي مثل هذا الحكم داود قد قضى على صاحبيه إذ عليه تســـورا
وما كان هذا بالذي يمترى بــه وللنصِّ حكم لا يدافع بالمـــرا ( )
فخذها إليك اليوم مني حكومـةً شقائقها تحكي السحاب الكنهـورا ( )
وما أنت الا النفس مني وإنهــا تخالف ان أبدت خلافاً بان يـرى ( )
أقمنا على النفس الشهادة حيثمـا أمرنا به في الذكر نصاً مقـــررا
وان كان ما جئنا كبيراً فإننــا رأينا جهاد النفس في الله اكـبـرا

6- " وحين استمع الشيخ جعفر الى حكم السيد بحر العلوم وهو يشتمل على ناحيتين: اولاهما التعريض به ونعته بالشيخ المتذمر ، وصاحب الكيد الذي عرف به صغيراً وكبيراً ، وثانيهما نعته بانه نفسه وخالصته ، وحين حكم عليه حكم على نفسه لمقامه منها ومنزلته الكبيرة عنده ، وانه انما حكم عليه حكمه استجابة لجهاد النفس ، فمن جهاد النفس الحكم عليها حين يقوم برهان على ذلك ، لهذا رغب الشيخ جعفر في استئنافه والعدول عنه . متسائلاً كيف ينعته بالكيد ثم ينعته بانه نفسه"( ) ، فقال :
جرى الحكم من مولاي في حقّ رقّه ولست لما أمضاه مولاي منكــرا
ولكنها في البين تعرض شبهـــة يزيد دقيق الفكر فيها تحـيّــرا( )
إذا كنت نفسا منك أدعى ومهجة فكيف أداني الكيد أصغر أكــبرا
وكيف يدانيني الرجال بمفخــرٍ وقد نلت من علياك ما كان أفخرا
فلست أرى في البين عذراً موجهاً سوى ان كسر النفس أمراً مقـررا ( )
فدع سيدي ذا الحكم فيّ مداعـباً بل احكم بمر الحقّ يا خيرة الورى
وعقب صاحب العبقات على الأبيات بقوله : " وكأن الشيخ يريد ان يقول بجوابه هذا ، ان السيد إذا جعلني نفسه ، كيف يجعلني كايداً ، والكائد خائن ، والخائن لا تنفذ حكومته ، فينتج من هذا ان السيد لا تنفذ حكومته أو الشيخ غير كايد "
7- فأجابه الشيخ محمد ( قدس سره ) ( ) :
عذيري من شيخٍ ألح به المــــرا فعاد الى ان بات لا يألف الكــرى
يخاصمني كل الخصومة فارتـــأى وأثبت بعد الرأي حجة مــا أرى( )
يحاول نقض الحكم بعد نفـــوذه وهل ينقض الحكم المسجلَ ان جرى( )
ويلهج ان الحكم كان دعابــــةً ولكنه الجدُّ المصمـم أزهــــرا
وحكم ( الرضا)والصادق القول قبله صريح بنصري لو تأمــل أو درى ( )
فأيها بغاةَ الحقّ إني لحائــــــرٌ لما قد دهى الأنصاف من حادث عرى( )
8- فأجابه السيد صادق الفحام ( ) بقصيدة مثبتة في ديوانه المخطوط يقول في أولها :
جرى ما جرى بين الخليلين وانتهى وان كان معروفاً لمن كان منكـرا
فاحفظ مولىً لم يزل ذا حفيــظةٍ لمخلصه عن ساعد العدل شمّــرا
فأغرى حكيماً بانتصار فألـــبا عليه من التأنيب واللوم عســكرا
كلام له ظهر وبطن ولم يكــــن سوى محض ودّ بطن ما كان أظهرا( )
مداعبة الأخوان تدعى عبــــادة لعمرك ، ما هذا الحديث بمفتـرى
فلا يستفز الشيخ برق غمامــــةٍ بدا خُلَّباً في عارض ليس ممـطـرا
ولا يصرف المهدي عن عادل القضـا شقائق ما كانت بحدّ لتهـــدرا( )
قضى فتعاطى مذهب الشعر في القضا فكان قضاءً عادلاً قاطع المــرا( )
ولو يتعاطى مذهب الشعر لم يكــن ليقضي أن الصبح لم يكُ مسفـرا( )
9- وشارك الشيخ محمد رضا النحوي ( ) بقصيدة طويلة يقول فيها :
لعمري لقد ثارت الى افق الســما عجاجة حرب حوّلت نحوها الثرى
وجالت بميدان الزمان فـــوارسٌ تماروا على أمرٍ وليس به مـــرا( )
وذلك ان الشيخ شيخ زمــــانه عنيت به بحر المعارف جعفـــرا( )
( هو البحر في أي النواحي أتيتـه ) ترى منهلاً في كل ناحية جــرى( )
فرِده ولا تعدل به ريّ غـــيــره ترد مورداً لا تبتغي منه مصــدرا( )
تعمد من بغداد انفــاذ رقعــــةٍ تضمن معنى يخجل الروض مزهـرا
وأعرب عن دعوى وداد مـحمــد سلالة زين الدين نادرة الــورى( )
ولا غرو في دعوى وداد هــو المنـى فيالك وداً ما أجل وأكبـــرا( )
ولكنه قد قارب الــجور وأدّعــى اختصاص هوى كل له قد تشطرا( )
فكان عظيماً ما ادعى ســيما علـى ذوي ودّه من كل ذمر تذمــرا
ولا سيما الشيخ الذي خــلصت لـه مودته مذ كان أصغر أكبـــرا
تجاذبني الود القديم وليــس مـــن تقدم في ودٍّ كـمن قد تأخـرا ( )
فقال نعم لكن قــضت لي مــودتي (ومحضي للإخلاص سرا ومجهرا )
واني أرعى منه للــود خـــــلة وما كل من يرعى الاخلاء جعفرا ( )
واني أمت اليوم في صــدق قولــه ( بحقي،كل الصيد في جانب الفرا)
ولست كمن يرميه بالهجر حـــقبـة وما كان ذا ودٍّ بحال ليهجــرا( )
( يريه بأيام الخمــيس مــــودة وفي سائر الأيام ينسخ مـــا أرى )
فطال نزاع منهما فتشـــاجــرا معاً وأقلا من نزاع وأكثـــرا ( )
ومذ سئما طول النـزاع ترافـعــا إلى حكمٍ باريه للحكم قد بـرا
هو السيد المهدي من نور حكـمــه ( أتاك كوحي الله أزهر أنورا)
فتى ينصف المظلـــوم في شـد أزره وينصره في الله نصـراً مـؤزرا( )
فتى عن أبيه المرتضى ورث القــضا فكان لما يخفى من الحق مظـــهـرا
وآتاه رب العرش مذ شبّ حكمـــةً وعلمه فصل الخطاب وبصّــــرا
فأضحى بنور الله ينظر مـــا هنــا بحكم ولا في معضل قد تحيــــرا
فياليت شعري ما أقول وكـــلمـا أطلت أراني في علاه مــقصـــرا
هنالك قصا ما عليه تنـــازعـــا عليه وبثا عنده كــل ما جــرى
وكلٌّ غدا يدلي بـحــجته ومـــا ونى في احتجاج منه جهراً وقصــرا
وأجلب كلّ خيـــلهُ ورجالـــه على خصمه والكلّ للكلّ شمّــــرا
فلما رأى المهدي والـهــدي ما رأى وأبصر من ذي الحال ما كان أبصـرا
درى ان ذا لا عن خصام وكم وكــم لسر خفي مثل ذا قبــــل ذا درى
وأيقن ان الشيـــخ دام عــلاؤه أراد اختبار الشيخ فيما له انـبـرى
ليظهر ما أخفاه من صـفـــو ودّه وما كان ذاك الود يخفى فيـظــهرا
وأيقن ان ليست لذاك حقيـقـــة ولكن كلام واللسان به جـــرى
وقال هما خصمان في البغي أشبهـــا خصيمين للمحراب قبلُ تســـوّرا
جرى حكمه وفقا لداود اذ جـــرى وقرر ما قد كان داود قـــــررا
وما كان هذا الحكم الاّ مشاكـــلاً لدعواهما عند امرئٍ قد تبصّــرا( )
فلا الشيخ مقضي عليه حقيقــــة ولا الشيخ مقضي له لو تفكــــرا
كفىشاهدا في الصدق لي قول ( صادقٍ) فتى قد سما في مجده شامخ الــذرى
وأعلى له الرحمن فوق عبـــــاده مقاما يردّ الحاسديــن إلى الــورا
( مداعبة الأخوان تدعى عبــــادة لعمرك ما هذا الحديث بمفتـــرى)
وحررتها طوعاً لأمر أخي عـــــلاً لخدمته مذ كنت كنت محــــررا
وذي حلبة جلت جميع جيادهــــا ولكنني كنت السكيت المقصــرا( )
10- وقال السيد محمد زيني ( ) صاحب المعركة :
أتاني كتاب مستطــاب بطـــيّه خطابٌ كنشر الروض فاح معطّرا ( )
خطاب سرى في كل قلب ســروره خطاب بما تهوى الأماني مبشــرا ( )
كتاب جناب الشيخ جعــفر الذي لديه يودّ البحرُ لو كان جعفــرا( )
تضمن نظماً يخجل العــقــد دره ونثراً لديه زاهر الروض يــزدرى
فشاهدت قُسّاً باقــلاً عند نطـقه وان نال حظا في الفصاحة أوفـرا ( )
يصرح تصريح الغــمام بـــودّه فروّض عافي منزل القلب ممــطرا
وقد خصني بالود من دون غـيـره وان كان هذا الودّ قد شمل الورى ( )
وأنكر ودّ الشيخ أعني مـحــمداً حميد السجايا أطيب الناس عنصـرا
يزر على حسن السجايا قــميصه كما هو بالمجد ارتدى وتـــأزرا
وقال رأيت الشيخ لم يرع خــلّـة (وما كل من يرعى الاخلاء جعفرا ) ( )
وما لقديم الود عندي مـزيّـــة وكم من قديم ساده من تأخّـرا
ومن خص في يـوم الخميـس وداده تراه بأن يعزى الى المجد أجـدرا ( )
وكم جَرَيا في حلبة الشوق والهـدى وأحرز كل غاية السبق اذ جرى
هناك استفز الشيخ أعنـي محــمداً فجلّى مجيباً حين نظّم جوهـرا ( )
دعا شوقه يا ناصر الشوق دعــوةً فلباه ذو أمر من الله أُمّــــرا ( )
مجيب الندى مردي العدا آبد القـرى بعيد المدى داني الندى سامي الذرى ( )
هو السيد المهدي بورك هـــادياً بنور سناه يهتدي من تحـــيرا
فآزره بالحكم بل كان عـــونه وناصره في الله نصراً مــؤزرا ( )
بنظم بحبات القلوب مفـــصّل تخال نثير النجم منه تنثـــرا ( )
جريت على النهج القديم مجــارياً وقد سألوني عن حقيـقة ما جرى
فقلت أراني ان أزيـد مســـرةً وأحمد رب العالمين واشـــكرا
لي الفخر اني قد عززت عليــهما وحسبي عزا في الأنام ومفــخرا
الا إنما الإسلام دين محــــمد وطاعته فيما عن الله اخـــبرا
ولي مذهب مازلت أبديه قائــلاً ( تجعفرت باسم الله فيمن تجعفرا )
تخذتهما للعين نوراً وللحشــــا سروراً وللأيام درعاً ومـغـفرا ( )
فهذا حسامي حين أسطو على العدا وهذا سناني إذ اقابل عســكرا
فكانا وقد أصبحت أُعزى إليهـما هما سيدا مولى له قد تشـطـرا ( )
فبعتهما صفو المودة خالـــصاً (ومحضي للإخلاص سراً ومجهرا )
فنلنا بسوق الشوق ربحاً معـجلاً فيا نعم ما بعنا ويا نعم من شرى
ادامهما الرحمن لي ولمعـــشري وللناس طراً ما حديثهما طـرا( )
هذا ما أمكن الوصول اليه من نصوص معركة الخميس ، ولعل فرصا أفضل تتيح الوصول إلى نصوص أخرى .




تحليل نصوص المعركة :
( 1 )
مقطوعة الشيخ محمد محيي الدين :
قطعة صغيرة من البحر الطويل ، تتسم بالايجاز ، ومن الواضح انها اريد لها ، من حيث المعاني التي دارت عليها وقصرها ، أن تكون الشرارة التي توقد ضرام المعركة ، وقد تصاعدت لهجة الخطاب فيها مبتدئة بالقَسَم ، وإعلان الصبابة ، ثم شرح الواقعة بايجاز غير مخل يوضح بدقة سهولة الموضوع ، ثم توكيد آخر بالقَسَم يتصاعد لكي تكون بؤرة النص في البيت الرابع من القطعة ، الذي يلج بيسر الى الأثارة التي يريد عن طريق النفي بـ ( ما ) وتوكيد تأبيد النفي بـ ( الدهر ) ثم يرسخ المعنى بعجز البيت الرابع بالنفي، مرة اخرى ، بـ ( ما ) ليسوق قاعدة مسلّمة وقاطعة لا تقبل جدالاً أو ترديداً ، وقد نجح الشاعر في الوصول الى مراده بالرغم من قصر القطعة وتكثيف معانيها ، فقد حددت القطعة ساحة المعركة وأساليبها فهي :
أ‌- حددت الخلاف في المعركة بصدق الود وليس بغيره .
ب‌- التزمت الأسلوب الهادئ الرصين .
ت‌- كانت بعيدة تماماً عن أية اثارة أو استفزاز للخصم يخرج بها عن حدود اللياقة .
ث‌- كل هذا يعبر عن ان المعركة مخطط لها ومرسومة أبعادها ، وواضحة أهدافها في ذهن ( المتعاركين ) .
( 2 )
قصيدة الشيخ جعفر كاشف الغطاء :
وهي الرد على القطعة السابقة وتميز الرد بالاتي :
أ‌- تغيير حرف الروي وهو ما أتاح حرية الرد والاشتراك للآخرين بفتح افق أوسع ، وعدم التقيد بحرف روي محدد ، فاختار روي الراء على حين كان حرف الروي في القطعة أكثر صعوبة وهو اللام المضمومة .
ب‌- بدأت القصيدة هادئة النبرة ،فذكرت المودة والإخلاص والاعتذار بيد انها ما لبثت أن دخلت الصراع في البيت الرابع بالرد على الشيخ محمد ودعوة السيد محمد زيني بلهجة لا تخلو من تعريض بقوله : فدع عنك شيخاً يدعي صفو وده فما كلّ من يرعى الاخلاء جعفرا ولكن ذلك لا يلغي قولنا السابق من أنها لم تخرج عن طبيعة المعركة وحدودها المرسومة
ت‌- القصيدة أدخلت – تنفيذاً للخطة المحددة في اشراك أي طرف يمكن اشراكه فيها – طرفاً جديداً هو السيد محمد مهدي الطباطبائي ، والشيخ محمد رضا النحوي ( الرضا ) ، وقد أُرتضي الأول حكماً في المعركة وهو ما يعيد الى الذهن ما تقدم ذكره في المقدمة، من ان المنافرات الجاهلية كانت تشترط الحكومة بين أطرافها . والسيد الطباطبائي ارتضي مبدئياً كمرجع أعلى كما تقدم في التمهيد للمعركة، فموقفه يبدو محسوماً ومركزه ووزنه الديني يرجّح كفة من يميل الى جانبه ، ولا يفوتنا المدح الذي ساقه الشاعر للسيد في محاولة لاستمالته اليه ، وتمشيا مع ما عرف عن القوم من توقير بعضهم لبعض .
ث‌- القصيدة ( وهي قطعة طويلة قليلاً ، وسميت قصيدة لزيادتها على سبعة أبيات ) فتحت أبواب الاختيار للسيد محمد زيني بين هجر الشيخ محمد أو اتباع ( الرضا ) أو هجر المجموع والانتصار للشيخ جعفر ، ولم يكن الأمر متصلاً بالوصول الى مركز المرجعية وخلافة السيد الطباطبائي ، فما الذي يمنع ان يحتفظ السيد الزيني بودّ الجميع ، ولماذا يُحْشَرُ في موقفٍ يملي عليه اختيارر طرفٍ من دون آخر ؟ .
( 3 )
ردّ الشيخ محمد محيي الدين بالقصيدة الثالثة واتسمت بالاتي :
أ‌- النزول عن قافية القطعة الاولى، ومجاراة خصمه في حرف الروي الذي اختاره ، ويبدو أن الاختيار قد قرَّ على الراء .
ب‌- القصيدة سارت على المنهج المقرّ ، الذي يروم اشراك أكبر عدد من الشعراء فقد ( استعدى ) النحوي ، ودعاه للإدلاء برأيه في الخصومة .
ت‌- أتوقف عند البيت الأول الذي أشار الى الشيخ جعفر بوصفه الخلّ ، وانه ما يزال مشمراً لجلب وداد الخلق سراً ومجهرا قال :
الا من لحل لا يزال مشمرا لجلب وداد الخلق سراً ومجهرا…
اذن فالمسألة ليست في وداد السيد محمد زيني فقط ، وانما يتعدى الامر ليكون الشيخ جعفر مشمراً وباذلاً جهده الأقصى لجلب وداد ( الخلق ) وهنا بدأت ملامح ( السر ) تطفو على السطح فالمقصود هو كسب وداد الخلق ، وهو تأكيد لما ألمحنا اليه من ان من أسباب المعركة ( الصراع ) على المرجعية الدينية ، التي من أبرز شروط نجاحها كسب تأييد العامة ( الخلق ) .
ث‌- سلّم الشيخ محمد محيي الدين بان صاحبه قد ( أحاط بودّ الانسِ والجنّ ) وليس مصادفة ان يقول ( أحاط ) ولم يقل ( حصل على … ) وشتان بين الأمرين .
ج‌- قوله : ( يجاذبني ودّ الشريف ابن احمد سلالة زين الدين نادرة الورى)
وهو بيان واضح بان الامر لم يقرّ بعد ، وان المجاذبة ما زالت قائمة ، لانه يرى اقرار الود بعيداً قال:
وهيهات ان يحظى بصفو وداده وان كان بحراً في العلوم وجعفرا .
ح‌- قوله : ( وان كان بحراً في العلوم وجعفرا ) فيه اشارة الى معنى دقيق في كلمة ( جعفر ) وهو النهر الصغير ، وهي لفتة ذكية ومؤدبة أدخلها في الخصومة بذكاء ، وقرنها بشيء يجعلها ثانوية وهو البحر بالقياس الى النهر الصغير .
خ‌- توظيفه للنداء في خطابه واختياره الهمزة في قوله : أمستجلباً ود الرجال بنطقه اظنك ألهمت الطماعة اصغرا ( وفيها إشارة إلى قرب المنادى الشديد من مناديه في قوله أمستجلبا … ) وان في البيت تعريضا بالشيخ جعفر الذي يستجلب الودّ بالنطق ، وانه ألهم الطمع وهو صغير .
د‌- في قوله : تروم محالاً في طلابك رتبة بها خصني الباري وأكرم من برا توكيــد ان ما يرومه الشيخ جعفر محال ، فهي ( رتبة ) خصَّ الله بها الشيخ محمد ، وهذه اشارة أكثر صراحة للأمر موضوع الخصومة ، وأنه رتبة ، وهل من رتبة أعلى من رتبة المرجعية العامة ومقامها الذي أشرنا اليه في التمهيد ‍؟‍‍ ‍‍‍‍‍‍
ذ‌- ما زالت الخصومة في حدود الودّ ، وذلك واضح في وصفه خصمه بـ ( المولى الخليط ) بيد انه من ناحية اخرى يصف عمله بالبغي قال :
فيا أيها المولى الخليط الذي بغى سينصفني المهدي منك فتحصرا.
ر‌- وفي الأخير دعوة للحكم بالإنصاف وبذلك صار أطراف الخصومة أربعة لحد الان .

( 4 )
قصيدة السيد بحر العلوم : ويتبين منها الاتي :
أ‌- ان السيد يبدو واثقاً بنفسه وحكومته ، فهو قد تسنم المرجعية من دون منازع لأسباب عرضنا لها في التمهيد .
ب‌- لهجة الاعتداد بالنفس واضحة من اللفظة الاولى في القصيدة ، فهو يصف حكمه كوحي الله ، وان الله قد اختاره للحكم ، وهو لا يخاف في الله لومة لائم ، وان نصره لمن يستنصره لوجه الله وهو نصر مؤزر … قال في الأبيات الأولى لقصيدته :
أتاك كوحي الله أزهر أنورا قضاءُ فتى باريه للحكم قد برى
فتى لم يخف في الله لومة لائم اذا ما رأى عرفاً وانكر منكـرا
يظاهر مجنياً عليه إذا شكـا وينصره في الله نصراً مــؤزرا
ت‌- موقف الحاكم يظهر في البيت الرابع ، فهو يقف الى جانب الشيخ محمد محيي الدين فيصفه بـ ( ذي المجد ) ويدعوه الى عدم الاكتراث بشيخٍ متذمّر قال :
محمد يا ذا المجد لا تكترث ولا يروعن منك القلب شيخ تذمرا.
ث‌- يتصاعد الموقف بشيء من الاثارة للشيخ جعفر فيصف أفعاله بأنها مكايد عرفت عنه مذ كان صغيراً ، ويشير الى الطرف الاول بصفات واضحة تدل على اتجاه الحكم في الخصومة قال :
فما ذاك الا من مكايده التي عرفن به مذ كان اصغر اكبرا.
ج‌- يصف المعركة بانها ترد خميس الحرب ، وان الخصومة هذة طبيعية وكثيراً ما تجري بين الخلطاء ( الاصحاب ) ، وهذا وضع للأمور في نصابها وضبط لها عن الخروج عن الحدود التي رسمت لها بدقة فيقول :
كفى للخميس اليوم للود عاضداً يرد خميس الحرب أشعث أغبرا.
ح‌- يصوغ الحَكَم حكمه بشيء من اللطف حين يصف المحكوم عليه بانه كالنفس وجهاد النفس في الله أكبر فيقول مخاطباً المحكوم عليه ( الشيخ جعفر ) :
وما أنت الا النفس مني وإنهـا تخالف ان أبدت خلافاً بان يرى
اقمنا على النفس الشهادة حيثما امرنا به في الذكر نصاً مقـدرا
وان كان ما جئنا كبيراً فإننــا رأينا جهاد النفس في الله اكبـرا
خ‌- يتصف الحكم بانه حاسم لا مواربة فيه ، وانه كحكم داود حين تسور عليه الملكان المحراب ، في القصة التي ساقها القرآن الكريم ( ) وحكومة داود ظلت مثالاً أعلى لكل الفقهاء في أحكامهم ، فقد خصت بمدح القرآن الكريم .
د‌- إبرام الحكم وإعلانه بهذه الصورة الملطّفة ، تبقي على الودّ قائماً وفي الوقت نفسه تزيد من اشتعال الصراع ، لان تأييد طرف على آخر ، يبقي شعلة المعركة متقدة ، وهو الهدف الكبير الذي ما يزال يشدّ أعضاءها .
( 5 )
مقطوعة الشيخ جعفر كاشف الغطاء :
أ‌. اعلن النص التسليم بالحكم في البيت الأول قال :
جرى الحكم من مولاي في حق رقّه ولست لما أمضاه مولاي منكرا
وهو رضوخ لشخصية الحاكم وتأثيرها ، اكثر مما هو اقتناع بالحكم ، ولذلك يلجأ في اعتراضه عليه الى اسلوب مؤدب يتخذ من الاستفهام ، والاسلوب الاصولي الفقهي طريقا لاثارة الشبهات حول الحكم وكأنه في محاكمة فقهية فيقول:
ولكنها في البين تعرض شبهــة يزيد دقيق الفكر فيها تحيــرا
إذا كنت نفساً منك ادعى ومهجة فكيف أداني الكيد اصغر اكبرا
ومن المعروف ان مفردات مثل ( البين ، الشبهة ) توحي بالمحاكمات الفقهية التي اعتادها الفقهاء وهي ظاهرة لافتة في طبيعة الجدل الذي يعرض للقضايا الفقهية ، زيادة على انها تبدو طبيعية في طريقة خطابهم الفقهي ، ولا يدل على رفض بقدر ما تدل على جدل ألفوه ، وأخذ ورد نابع من طبيعة معالجاتهم الفقهية.
ب‌. وبذكاء ودقة يصرف الحكم الى أنه مداعبة ، ويدعو الحاكم الى ان يحكم بمرّ الحق .
ت‌. ولا ينسى الشيخ جعفر خلال ذلك ان يختم مقطوعته بالدعوة الى اعادة النظر بالحكم .

( 6 )
مقطوعة الشيخ محمد محيي الدين :
وفي هذا النص يعود الشيخ محمد محيي الدين الى ترديد ما يؤكد دعواه فيصف الشيخ جعفر بأنه شيخ ألحّ به المرا حتى نفى عنه النوم فاستمر بخصومته ، وهو يريد نقض الحكم ، بانه دعابة ، وهو الجد والقول الصريح ، ثم يستنهض بغاة الحق للوقوف الى جانب الحكم ، وأخيرا يعلن حيرته لما قد دهى الانصاف من حادث عرا. والمعاني التي دارت عليها القطعة ما تزال تتمسك بالطريقة نفسها التي بدأتها القصيدة الاولى ، من حيث الاكتفاء بالتلميح الى أمر مهم ، لا يريد الجميع التصريح به ، يتعدى حدود الودّ والصداقة للسيد محمد زيني .
( 7 )
قصيدة السيد صادق الفحام وفيها :
أ‌- انها تبدأ بعرض موجز للواقعة ما تلبث أن تشير الى أمر اخر بدءاً من البيت الرابع حين يقول :كلام له ظهر وبطن ولم يكن سوى محض ودّ بطن ما كان اظهرا فهو يشير الى ان الكلام يحمل ما وراءه . بيد انه يتراجع ليجعل باطن الكلام يتصل بالودّ فقط .
ب‌- ويصل به الامر الى القول ان هذه المداعبة تدعى عبادة ، وهذه واحدة من الإشارات القليلة التي يستفاد منها في تأكيد ان الامر ابعد من مجرد الودّ ، فهذه المداعبة ( الخصومة ) تصل الى حدّ العبادة ، وما اخال انه قال ذلك الا لأنه أدرك أهمية الأمر الذي يختلفان فيه حتى جعله بمنزلة العبادة ، وما زلنا في التلميح دون التصريح .
ت‌- ويستمر في قوله :
ولا يستفز الشيخ برق غمامــة بدا خلباً في عارض ليس ممطرا
فلا يصرف المهدي عن عادل القضا شقائق ما كانت بجد لتهـدرا
في ضبط المعادلة بدقة بين الشيخين المختلفين على أمر فيدعو الشيخ جعفراً الى ان لا يستفزه برق غمامة ، ما هو الا خُلَّب في عارض ممطر ، ثم من الجهة الاخرى يدعو الحَكَم الى التمسك بحكمه ، ولا تصرفه عنه ( شقائق ) ويبدو أنه يقصد بها ( شقشقة ) هدرت ، مستوحياً ذلك من خطبة الإمام علي عليه السلام المعروفة بالشقشقية .
ث‌- اما قوله : ولو يتعاطى مذهب الشعر لم يكن ليقضي ان الصبح لم يكُ مسفرا فلعله أراد به القول المشتهر ( أعذب الشعر أكذبه ) فالسيد وان تعاطى مذهب الشعر فانه لا يمكنه ان يقضي ( ان الصبح لم يكن مسفرا ) .
ج‌- وفي هذا دلالة على ان السيد الفحام قد ساند حكم السيد الطباطبائي واتفق معه في أحقية الشيخ محمد محيي الدين بـ ( ودّ ) السيد زيني وليس لديه شبهة في ذلك الحكم
( 8 )
قصيدة الشيخ محمد رضا النحوي :
وهي أطول القصائد التي اشتركت في معركة الخميس، وصاحبها شاعر له باع طويل في الشعر ( سيرد تفصيل ذلك في الفصل الثالث ) .
أ‌- الابيات ( 1- 20 ) تروي تفاصيل الواقعة وأسبابها ، ولم تخل من اتخاذ موقف ، يتبين أحياناً انه لمصلحة الشيخ محمد محيي الدين ، وهو لا ينسى الخطة العامة لأصحاب معركة الخميس في سوق القول ناعماً لا يستفزّ طرفاً ، ولكنه واضح وصريح ، وقد ندّت في هذه الابيات اشارات واضحة الى موقفه مثل قوله :
ولكنه قد قارب الجور وادعى اختصاص هوى كل له قد تشطرا.
ب‌- الأبيات ( 21 – 25 ) في مدح ( الحَكَم ) السيد مهدي الطباطبائي ، وفي البيت ( 28 )ينقلنا الشاعر الى جوّ معركة حقيقي:
وأجلب كلٌّ خيله ورجاله على خصمه والكلّ للكلّ شمَّرا
ت‌- وفي قوله في البيت ( 29 ) :
فلما رأى المهدي والهدي ما رأى وأبصر في ذي الحال ما كان ابصرا
توضح الإشارة التي مرت في القصائد السابقة أن وراء الاكمة ما وراءها ، وما يبدو في الظاهر هو غير ما في الحقيقة ( وهذا يرسخ ما مهدنا به للمعركة من انها ليست حول ودّ شخص فقط وانما هي نزاع خفي ومؤدب ولطيف حول المرجعية الدينية وتسنم منصب الزعامة فيها ) فيقول:
درى ان ذا لا عن خصام وكم وكم لسر خفي مثل ذا قبل ذا درى
ويستمر على ترسيخ المعنى وتصوير المعركة في الابيات التي بعده ، بيد أنه في البيت ( 37 ) يحاول تمييع الحكم مقتفياً طريقة الشيخ جعفر ، وهو وان لم يقل ان الحكم دعابة ، لجأ الى اسلوب اخر فقال :
فلا الشيخ مقضي عليه حقيقة ولا الشيخ مقضي له لو تفكرا
ثم يتملص من تحديد موقف صريح بدافع الحرج ، والخشية من اثارة احد الطرفين ، فيستند الى قول السيد صادق الفحام فيقول :
كفى شاهداً في الصدق لي قول ( صادقٍ ) فتىً قد سما في مجده شامخ الذرى
ولا ينسى في ختام القصيدة ان يشيد بالجميع فيقول :
وذي حلْبَةٌ جَلّت جميع جيادها
وبتواضع العلماء وسلامة نيتهم يصف نفسه :
ولكنني كنت السكيت المقصرا.
( 9 )
قصيدة السيد محمد زيني :
وهذه القصيدة نظمها السيد محمد زيني الذي دارت المعركة على وداده فالمتوقع ان يكون موقفه موقف التصالح مع الجميع فهل كان كذلك؟
أ‌- يبدأ قصيدته برواية الواقعة فيوظف لذلك الابيات ( 1- 20 ) باسلوب يمتدح به جميع الاطراف وذلك موقف منسجم مع ما يجب أن يكون عليه موقفه وهو المؤمل منه .
ب‌- وبدقة وذكاء ولمحات فنية تجسِّد لنا الابيات ( 21 – 30 ) رقتها واسلوبها اللطيف ، في ارضاء صاحبيه اللذين تنازعا وداده وتفاخرا بذلك فتلمح دقة أسلوبه بقوله :
لي الحمد ان قد عززت عليهما وحسبي عزاً في الأنام ومفخرا
وتتجسد اللمحة الفنية الذكية في قوله :
الا إنما الإسلام دين محمــد وطاعته فيما عن الله اخبـــرا
ولي مذهب مازلت أبديه قائلاً ( تجعفرت باسم الله فيمن تجعفرا )
ت‌- بيد إني ألمح ميله الى الشيخ محمد ، وان لم يعلن ذلك صراحة بل أومأ إليه في قوله :
الا إنما الإسلام دين محمد وطاعته فيما عن الله أخبرا
ولكن سرعان ما تجده يضبط ايقاع ميله في البيت الذي بعده فيقول :
ولي مذهب مازلت ابديه قائلاً : ( تجعفرت باسم الله فيمن تجعفرا )
وقوله: تخذتهما للعين نوراً وللحــــشا سروراً وللأيام درعا ومِغْـفَرا
فهذا حسامي حين أسطو على العدا وهذا سناني إذ أقابل عسكرا
نتائج معركة الخميس الادبية وآثارها :
ان من أهداف هذه الرسالة رصد أثار المعارك الادبية في العراق ونتائجها في الأدب ، ولا بد – قبل الخوض في ذلك- من الاشارة الى الحقائق الاتية :
الاولى : " ليس من السهل في دراسة خطّ التطور ورصد ظواهره في أي فن من الفنون ، أن نضع أيدينا على حقائق نهائية منضبطة، فتلك نتائج الرصد المعملي وموضوعات العلوم المحضة، لكن نتائج الفن تظل في حكم النسبي مرتبطة بمجموعة من القضايا والخلفيات يصعب وضعها في اطار واحد من حيث القيمة والزمن والمكان" ( ).
الثانية : بما ان اسباب معركة الخميس الأدبية ودوافعها ،لا تنحصر في الجانب الادبي فقط ،فالنظرة الشاملة لا بد من ان تفضي الى رصد آثار اخرى لهذه المعركة في جوانب اخرى عدا أثرها في الحركة الأدبية وسيأتي بيان ذلك .
الثالثة : لا يمكن ان تختصر معركة الخميس الأدبية بكونها احدى الوسائل التي اتبعها أصحابها لاجل المفاكهة، وقضاء وقت الفراغ ، إذ أن هذه الشخصيات التي أسهمت فيها ، هي النخبة المثقفة في ذلك العصر، ولا يمكن ان تكون قد أشعلت شرارة معركة بهذه السعة ، وأخرجتها من اطار النخبة الى اطار الجمهور العام ، بهدف تزجية الوقت والبحث عن النادرة ، وبث عواطف اخوانية تجاه آخرين، وغير ذلك من ألوان العبث الذي لايليق بمن هم ادنى مستوى من هؤلاء .
الرابعة : ويلاحظ ذلك الاهمال شبه الكامل من قبل دارسي الأدب في العراق ، الذي لا يخلو من تعمد في جانب كبير منه لطمس وإهمال أي دور لأدباء ومفكري الشيعة ، مهما كان واضحاً ومؤثراً ، بدوافع غير علمية وغير نبيلة.
فحين يرى ناقدون ان لخصومة الرصافي والزهاوي أثراً كبيراً في الحياة الأدبية في العراق وفي حركة النقد خاصة ، فهم يتجاهلون أية معركة أدبية سبقتها كمعركة الخميس الادبية ، برغم سبقها تأريخياً ، وانها أكثر اتساعاً ، وغيرها من المعارك التي سنشير إليها في موضعها من هذه الرسالة .
وقد قادتنا هذه الدراسة الى تسجيل النتائج والآثار الآتية لمعركة الخميس الأدبية :-
1. ان النهضة الادبية في مصر وبلاد الشام تنسب الى عوامل خارجية يبرز من أهمها دخول نابليون الى مصر ، وان كثيراً من دارسي هذه النهضة يعزو أسبابها الى تلك الحملة، وإلى دور ( محمد علي ) والاصلاحات التي قام بها بمعونة الغربيين في فتح أذهان المصريين ومن بعدهم مفكري بلاد الشام ، حتى برزت النهضة الأدبية والفكرية الحديثة فيها. وفي المقابل نجد ان العراق لم يتعرض لمثل هذه العوامل الخارجية بوضوح فبالرغم من جهود داود باشا ومحاولاته الاصلاحية( سنشير اليها في التمهيد للفصل الثاني لعلاقتها بمعركة القصيدة الخالية ) وجمعه – حوله – بطانةً من الشعراء وتشجيعه لهم ولغيرهم من شعراء تلك الحقبة وعلمائها، بقيت جهوده فردية غير منظمة، وهي ان شجعت النهضة الأدبية في العراق ، فانها لم تستطع ان توقظها من سباتها الطويل الذي امتد لقرون. وهنا يمكن تشخيص دور معركة الخميس الأدبية ، وأثرها الكبير في بواكير النهضة الأدبية ، لانها معركة انطلقت من بين الشعراء أنفسهم وكانت باهداف واسعة وشاملة أشرنا اليها في التمهيد.
2. ان معركة الخميس الادبية كانت محاولة لانتهاج سبيل يختلف عن سبل شعراء تلك الحقبة الذين انقسموا تحت لوائين: لواء وظّف شعره في مدح الخلفاء والولاة والموظفين الاتراك حتى أسفّ( ) . وآخر : نبذ هذا النهج واتجه نحو مدح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وآله عليهم السلام والتغني بامجاد شيوخ الطرق الصوفية على اختلاف طرقهم … . فكان نهج شعراء معركة الخميس ، في وقت لا يتيح لهم البوح بمشاعرهم ضد الاوضاع الراهنة والحكام المتعسفين، هو سلوك سبيل يجمع بين الاخوانيات والعواطف بطريقة جديدة، وهو - في الأقل- اتجاه جديد يضاف إلى الاتجاهات الأخرى .
3. وهي أول محاولة لجمع الشعراء واشراكهم في قضية واحدة – على بساطة ظاهر هذه القضية- يدلي كل منهم فيها برأيه، يستعمل فيها الشعر لاداء دور الكاشف عن المواقف ، والمروّج لها.
4. وهي محاولة للوقوف بوجه العجمة المستشرية التي سيطرت على الدراسات الفقهية وجرّتها الى الجفاف والتعقيد ، وجرت معها اللغة العربية ( لانها وسيلة الدراسات الفقهية ) حتى كادت ان تقضي على روحها ، فهي محاولة لاعادة الروح للّغة ، باطلالةٍ على ذلك الماضي الرحب متمثلاً بالتراث الشعري العربي .
5. وهي عملية تحريك للأدب ، وبث لتياراته واكسابه طابعاً جماهيرياً يتمثل في حضّار تلك المجالس التي كانت تلقى بها تلك القصائد ، وليس لمنصف نكران دورها في ذلك ، لانها أولى التحركات الأدبية في ذلك الاتجاه ، بل انها المحاولة الاكثر سعةً وأهميةً وسبقاً في طريق خلق جمهور للشعر ، ودفع الشعراء لاتخاذ دورهم المطلوب لأن " من الضروري ان يكون للشاعر في زمنه جمهوره الحقّ مهما ضاقت دائرة هذا الجمهور ، وينبغي ان توجد دائماً دائرة من الرواد، قادرة على تذوّق الشعر ، مستقلة الرأي ، تسبق زمانها او تتمتع باستعداد اكبر لاستيعاب الجديد " ( ).
6. ولعل من آثار المعركة الاخرى ، نشوء وتنشيط نوع من النقد الادبي في عملية الحكم على الشعراء ، وهذا النقد وان قصر عن ما بلغه النقد في بلدان وامم اخرى الا انه أسّس لنوع من النقد، صار للناقد فيه دور لم يكن معروفاً، بل توسعت دائرة النقد باتساع دائرة المتلقين للشعر، ونشط اهتمامهم به .
7. ولا يمكن اغفال اثر معركة الخميس الادبية في تطور لغة الشعر ، ومن ثم اعتماد شعر المعركة على اللغة الفصحى في وقت شهدت فيه الحقبة سيادة اللغة التركية لانها لغة الدولة المتسلطة ، وشهدت كذلك – من جهة اخرى- تلك النزعة التي شاعت ، في تلك الحقبة ، نحو اتخاذ اللغة المحكية ( اللغة العامية ) لغة للشعر ، فقد شهدت تلك الحقبة ظاهرة لافتة تتمثل في ان معظم الشعراء كان يكتب بالفصحى والعامية ، ولذلك دواع وأسباب ، ليس هنا مجال الخوض فيها ، لكن المهم ان الانتصار للفصحى- في حد ذاته- موقف ينطلق من أفق أوسع ووعي أرقى .
8. ان اثارة هذه المعركة الأدبية في ذلك الوقت – تحديداً- وهو الوقت الذي كانت تدور فيه معركة فكرية دينية ذات آثار سلبية على وحدة صف حملة ذلك الفكر ، لم تكن الا نتيجة لعقلية شمولية تستشرف آفاقا من مستقبلها، وهي- بعدُ – دليل على شعورٍ عالٍ بالمسؤولية تجاه الفكر ، والتزاماً بالحفاظ عليه من أية عواصف قد تطيح به ، أو في الاقل تصرفه عن مهماته الكبرى ، في وقت يأخذ هؤلاء الرجال على عواتقهم مهمة النهوض به وتقويته ، لمرحلةٍ أرقى ومهمةٍ أسمى ، ولذلك فقد وضع هؤلاء العلماء الاعلام امام أنظارهم تلك المرحلة بكل ما تتسم به ، ودعاهم ذلك الى اثارة معركة ميدانها الادب ، ورجالها علماء هداة في تلك الداهية الظلماء ، ليشيعوا في الأمة روح العودة الى ماضيها الادبي الكريم ، يوم كانت أسواقها الادبية تؤلف المشاعر وتوحّد لهجات اللغة وتهيئ الجميع لذلك النور الذي لاح في افق الامة ، نور النبوة . وكانت تلك المعركة من نذر النهضة وعلامات النهوض الادبي، وأولى بشائر تحقق الآمال في الوقوف بوجه العجمة التي تشيع والفرقة التي تذر قرنها ، والقلوب التي توشك ان تتنافر … فاتجهت النخبة المثقفة الى تلك الجماهير المسحوقة والتائهة لتهديها الى سبل الرشاد ، وتدعوها الى سلوك سبيل الحكمة وتجمع قلوبها على الشريعة الغرّاء في انقى صورها أصالةً وهدىً ، فهي ارهاصات مبكرة بالتجديد والتغيير .
9. ويظهر جانب الرمز في معركة الخميس الادبية فان اختيار السيد محمد زيني ( وهو لم يك مرجعاً دينياً ولا ملكاً متوجاً ولا رجلاً ذا سلطان لتنشب معركة في كسب وده ، يحتكم فيها الشعراء ويحكم فيها الاعلام )، ما هو الا رمز للأتباع الذين لهم دور كبير في تعيين المرجع بحكم مسألة التقليد التي أشرنا اليها في التمهيد ، اذ يقوم تساؤل: لمَ لمْ يتنازعوا ودّ السيد مهدي بحر العلوم مثلاً ( وهو الذي انعقدت له المرجعية والزعامة من بينهم لاسباب في مقدمتها كونه ينتمي الى آل البيت دون غيره من زملائه فهم شيوخ وهو سيد ). أغلب الظن انه لم يكن محل الخلاف وانما خلافته في المرجعية هي محل الخلاف ، ولذلك طلب كلا المتعاركين الأصليين نصرته فحبا الشيخ محمد بها من دون الشيخ جعفر ، لانه يعرف جيداً شروط اختيار المرجع معرفة خبير ، يؤيد ذلك ان الجميع اتفقوا على اسناد منصب القضاء والفتيا الى الشيخ محمد دون الشيخ جعفر( ) .
10. ان معركة الخميس الادبية تشير بوضوح الى امكان " نهوض الادب بعيدا عن الاوساط الحكومية وأوساط دواوين الدولة " ( ) وان النهضة الادبية مدينة للدراسات الدينية وللمدن التي كانت مركزاً لها.
11. اذا كان النجف الاشرف هو منطلق المعركة ومركز النهضة الادبية التي اشعلت شرارتها تلك المعركة " فان آثارها امتدت الى عواصم الثقافة الدينية والادبية : الحلة وبغداد والموصل والبصرة ، وظهرت آثارها في تدرج متلاحق متكامل في شعر عبد الباقي العمري ، والازري ، وعبد الحسين محيي الدين ، وموسى محيي الدين ، وآل النحوي ، والبلاغي ، وتدرج الاثر في تكامل في شعر السيد حيدر الحلي ، والسيد جعفر الحلي ، ومحمد سعيد الحبوبي ، ورضا الهندي ، وجواد الشبيبي ، وعبد الحسين الحلي ، والجزائريين ، وامتدت مستمرة في آثار الشيخ رضا الشبيبي ، وعلي الشرقي ، ومحمد مهدي الجواهري ، وأحمد الصافي ، وفي طلائع القرن العشرين فما بعده التقت النهضة الادبية العربية بأدباء العراق ، فظهرت آثارها في بعض من تقدم ممن عاصرها وشاركت فيها بغداد بآثار الرصافي ، والزهاوي ، ومن تلاهم … "( ) .
12. ولقد حسمت معركة الخميس الأدبية موقف الفقهاء من الشعر، ومالت الكفة بعدها لمصلحة الداعين إلى قوله ، بوجه منكري ذلك ، وهذا يفسر ما تقدم ذكره في التمهيد، من كثرة الشعراء ، وتزايد أعدادهم اذ أحصى الشبيبي أكثر من مئتي شاعر في عصر السيد بحر العلوم ، لوحده.
13. وأخيراً فان هذه المعارك تصوّر لنا عقليات ذلك العصر ومهما كانت سذاجتها أو عمقها ، وتؤرخ لنفسية الانسان الذي عاش في تلك القرون ، ومدى أدبيته ومدى تفكيره

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:13 AM
معركة القصيدة الخالية
الخاليّة : طريقة في النظم من جنس القوافي المشتركة تستعمل فيها لفظة مشتركة المعاني على طريقة الجناس التام لتكون قافية القصيدة في كل أبياتها ، ولا بد من دلالة في نسيج البيت تشير إلى معنى القافية فيه ، وقد اشتهر استعمال ألفاظ مثل: الخال ، العين ، الغروب ، الهلال ، العجوز في مثل هذا النظم . " وقد زاد بعض الناظمين على معاني هذه الألفاظ ما لم يسمع به ، ولم يجئ له نص في اللغة ليبلغ من ذلك مبلغ الكثرة" ( ) .
" والنظم على هذه الطريقة أحد مظاهر التكلف ، وكلما كثرت أبيات القصيدة كان ذلك أدعى إلى اللجوء إلى التكلف ، كما انه هدر للطاقة بما لا طائل تحته" ( ) .
وقد شاع النظم على هذه الطريقة في الحقبة التي ندرسها وما بعدها " وممن أخذ كلمة العجوز فجعلها قافية لقصيدة مكونة من ( 101 ) بيت ، الشيخ محسن الحسيني العاملي ومطلع قصيدته :
أتعمل طول دهرك للعجوز ( الدنيا ) ولا تخشى غداً حرّ العجوز ( جهنم )
وقد عارض بها قصيدتين بالمعنى نفسه : الأولى من ثمانية أبيات مطلعها :
ألا يا نفس ويحك لا تجوزي على بيت المخدرة العجوز ( الخمر )
والأخرى من ( 61 ) بيتاً مطلعها :
لحاظ دونها غول العجوز ( المنية ) وشكّت ضعف أضعاف العجوز ( الابرة ) ( )
وأول ما جاء في لفظة ( الغروب ) ثلاثة أبيات للخليل هي
يا ويح قلبي من دواعي الهــوى ان رحل الجيران عند الغـروب ( غروب الشمس )
أتبعتهم طرفي وقد أزمعــــوا ودمع عينيّ كفيض الغــروب ( جمع غرب : الدلو )

باتوا وفيهم طفلة حــــرة تفتر عن مثل أقاحي الغروب ( ) ( جمع غرب: الوهاد)
ونظم الحريري في احدى مقاماته خمسة أبيات كانت قافيتها لفظة ( غربه ) هي :
" سل الزمان عليّ عضبـــه ليروعني وأَحَدَّ غَرْبـهْ ( حد السيف )
واستلّ من جفني كـــــرا ه مراغماً وأسالَ غَرْبَـهْ (مجرى الدمع ومسيله)
وأحالني في الأفق أطــــــ وي شرقَه وأجوب غَرْبهْ ( مغربه )
فبكل جو طلعـــــــةٌ في كل يوم لي وغَرْبَـهْ (المرة من الغروب )
وكذا المغرّب شخصـــــه متغرّبٌ ونواه غَربَـهْ" ( ) ( بعيدة )
وأكثر الحريري في مقاماته من هذا النظم ومنه:
لا تخطوَنّ إلى خطء ولا لخطا من بعد ما الشيب في فوديك قد وخطا
وأي عذر لمن شابت ذوائبه اذا سعى في ميادين الصبا وخطا ( )
ومن هذا الباب ، أو هو مرحلة وسط بينه وبين الجناس التام ، من باب الجناس الناقص بلفظة واحدة مشتركة ( اذا صح التعبير ) قول الحريري :
تبّا لطالب دنيــا ثنى إليها انصبابَهْ (ميله
ما يستفيق غرامـاً بها وفرطَ صبابَهْ (الشوق)
ولو درى لكفـاه مما يروم صُبابَهْ ( ) ( اليسير من الشراب )
أما في لفظ ( الخال ) فـ " توجد قصائد كثيرة قافيتها لفظة ( الخال ) ... منها قصيدة أنشدها ثعلب لبعض الشعراء يقول في أولها :
أتعرف أطلالاً شَجَوْنكَ بالخال وعيش زمان كان في العُصُر الخالي
إلى أخرها ، وهي اثنا عشر بيتاً ، ومنها قصيدة من نظم أبي الطيب عبد الواحد بن علي العسكري اللغوي المقتول بحلب سنة 351 يقول في أولها :
ألمّ بربع الدار بان أنيسه على رغم انف اللهو قفراً بذي الخال
إلى أخرها وهي أربعة عشر بيتاً " ( )
وللشيخ محمد محيي الدين ( صاحب معركة الخميس ت 1219 هـ ) قصيدة ( خالية ) منها :
خليليّ من همدان مالي سواكما مجيرٌ ولا في الناس غيركم خـال
بعيشكما رفقاً بصبٍ متيــمٍ نحيلٍ براه الشوق والهجر والخال
إلى أخرها ( ) .
وللقاضي الحسن بن أحمد الضمدي خالية " أولها :
نسيم الصبا هبت وقد لمع الخال فهزت غصون الروض إذ جاءها الخال
إلى آخرها ، وعارضها السيد أحمد بن محمد الصخوي التهامي المولود سنة 1233هـ ، قال في أول قصيدته :
تبدت فقلنا أومض والخـــال وماست فغار البان والرندُ والخـــالُ
ترنحها سكر الشبيبة والصبــا ويظهر في أعطافها الزهو والخال" ( )
وكل ما تقدم يشير الى ان مثل هذا الفن لم يكن وليد الحقبة التي ندرسها ، وانما هو سابق لها بكثير ، وان ما يميز الحقبة ، هو الاسراف والاطالة في القصائد التي من هذا النوع ومنها الخالية .



معركة القصيدة الخاليّة :
جاء داود باشا ليحاول ان يضع حداً لاضطراب الاحوال في العراق و" يمهد لحكم مستقر مستنير شأنه في ذلك شأن معاصره في مصر ( محمد علي ) الذي خرج – هو نفسه – من صفوف النظام القديم ليعمل على تحطيم هذا النظام وتشييد نظام جديد " ( ) . ويعد " عهد المماليك عهد الرعاية للنهضة العربية التي بدأت تظهر جلية وتفرض نفسها على مقومات الحياة في بغداد بل في العراق كله " ( ) .
وقد وقعت معركة القصيدة الخالية الأدبية بعد انتهاء حكم داود باشا على العراق ( انتهى حكمه كما سيأتي عام 1247 هـ ، 1831م ) ، وكانت هذه المعركة ذات صلة وثيقة به شخصياً ، ولذا توجب ان نمهد لها بعرض لحياة داود باشا وطبيعة دوره في النهضة الأدبية.












داود باشا ( )
ولد داود باشا من أسرة كرجية مسيحية في ( تفليس ) " حوالي سنة 1188هـ - 1774 م ، من أب يدعى ، على الأرجح بطرس وفي حوالي سنة 1199 هـ - 1784 م جاء الى العراق في العاشرة تقريباً ، ولعل مجيئه الى العراق كان عن طريق اختطاف بعض النخاسين له أو عن طريق الشراء المعتاد ، وفي بغداد اشتراه مصطفى الربيعي بك سنة 1199 هـ ثم باعه هذا الى سليمان باشا الكبير ( ) الذي كان في حاجة الى تربية عدد جديد من المماليك ليعيد للماليك سابق قوتهم فادخله في نظام تربية المماليك وتربى على ذلك النسق الذي وضع منذ أيام حسن باشا( ) ،وكان داود حسن الصورة متقد الذكاء مولعاً بالعلوم تلقى العلم على كبار علماء الزوراء فمهر في الاداب العربية والتركية والفارسية وفي الرياضيات وظهر حذقه في الامور السياسية والادارية وألحق بحرس سليمان الكبير .
وأكتشف فيه سليمان الكبير القدرة على الادارة وسياسية الامور فأسند إليه منصب ( الخازندار ) واصطفاه وقبله خطيباً لأبنته الصغرى ، فقد كان من سياسة سليمان الكبير أن يسند المناصب الكبرى لأصهاره ، فكان علي ( زوج ابنته الكبرى ) خازنداره فلما طمع علي هذا في منصب الكتخدائية ، قتل الكتخدا ورقى هو إلى المنصب وخلفه في منصب ( الخازندارية ) داود أفندي ، وفي الوقت نفسه كان سليم ( زوج ابنته الثالثة ) يشغل منصب متسلم البصرة ، ونصيف ( زوج ابنته الرابعة ) يشغل كتخدا البوابين ... وآثر داود باشا ان يبتعد عن المشكلات التي عصفت بالدولة بعد وفاة الباشا الكبير ، التي انغمس فيها أصهاره ، وأنتظر هادئاً حتى جاءت الظروف المناسبة له ليدخل المعترك السياسي وذلك في عهد عبد الله باشا ( 1810 – 1813 ) . وفي تلك الحقبة كان السلطان العثماني في حاجة الى باشا يحافظ على العراق من الخطر الفارسي والوهابي على السواء ، وتسنم ( سعيد باشا ) باشوية بغداد " وكان من الطبيعي ان يقوم سعيد بتعديل في المناصب الكبرى فقد عين ( داود افندي ) في منصب الكتخدائية ثم عزله منه بسرعة " ( ) بتأثير امه التي اعتبرت داود من أعدائها منذ أيام سليمان الكبير ... وهكذا حددت اقامة داود أفندي .
وقد أثبتت أحداث العراق ومشكلاته الحاجة الى شخصية قوية حازمة لادارة شؤونه ، ولم يكن سعيد بتلك الشخصية ، فكثرت المشكلات التي اضطرت ( سعيداً ) الى ان يعهد لداود بقيادة حملة موجهة لتاديب المتمردين ولأقالة سمعة الباشا من عثرتها ، تلك الحملة التي أكسبت داود ذيوع صيت في ايران والعراق " فنسب له النصر عن جدارة ولم ينسب للباشا كما هي العادة " ( ) .
وكان الادباء والشعراء والطبقة المثقفة ، ذات الصلة القوية بداود من العوامل الاساسية التي نشرت صيته في الافاق فقد مدحوه بما يمدح به الملوك " ( ) قال صالح التميمي ( ويطلق عليه شاعر داود باشا ، لأنه كان أكثر الشعراء التصاقاً به ) :
أمدبراً قطر الممالك بعدما عجزت ولاة الامر عن تدبيرها
ويمكن ان نستنتج من ذلك ان علاقة الشعراء والادباء بالوالي داود ، لم تنشأ في الحقبة الزمنية التي تسنم فيها حكم ولاية بغداد ، وانما كانت ذات جذور أسبق من ذلك ترافقت مع صعود نجم داود في ميادين السلطة . " والواقع ان صلات داود باشا بأدباء عصره كانت قوية جداً قبل توليه الباشوية ، وكان يحرص على تلقي العلوم على كبار العلماء في ذلك العصر بعد ان تولى الباشوية أيضاً ... ويضرب داود مثلاً رائعاً للحاكم الذي يقبل على تلقي العلم من العلماء وفي الوقت نفسه يفيد هو الناس من علمه ودراساته المستفيضة ... ولا شك ان تولية داود الباشوية كانت ذات صدى ضخم في الاوساط العلمية والادبية في العراق من كردستان الى البصرة ، فان القاء نظرة سريعة على تراجم الشعراء والادباء في عصر داود ، تبين ان عدداً ليس بالقليل من الادباء والشعراء هاجر الى بغداد من كركوك والبصرة والموصل وكانت حركة الهجرة هذه قبل تولي داود الباشوية ، ولكنها اشتدت في عهده ولذلك زادت في عصره التصانيف والتآليف المختلفة وأصبح العلماء يتسابقون على التقرب إليه بتأليف الكتب له " ( ) .
وهكذا فبعد تصاعد الخلافات بين داود وحاكم بغداد ( سعيد باشا ) ، وحصوله على التاييد من أطراف مختلفة ، ووقوع أحداث لا سبيل للأطالة في سردها ، تهيأ الظرف المناسب لداود لكي يطالب بالباشوية فأتاه " ردّ السلطان على طلبه باسناد الولاية إليه في يوم الجمعة أول محرم 1231هـ ( نوفمبر 1816م ) ووصول المنشور في الثالث من المحرم فاحتفل داود بذلك وأصبح مركزه اشد قوة وأمله أقرب إلى التحقيق " ( ).
وتولى داود الحكم " في عهد كانت فيه الفوضى ضاربة أطنابها ، فالعشائر لها كيانها شبه المستقل عن بغداد ، والسليمانية أصبحت على جانب خطير من القوة ، والموصل ثابتة في وجه محاولات ضمها الى بغداد ، والبصرة واقعة تحت نفوذ العشائر وتقلص نفوذ متسلمها في داخل المدينة وخارجها ... ولذلك عمل داود على ان يعيد قبضته على باشوية بغداد وعلى الباشويات والمدن التابعة له ... ونتبين من هذا كله المجهودات التي قام بها داود في سبيل وحدة العراق " ( ) .
وانتهى عهد داود ، ففي ليلة الخميس 8 ربيع الثاني 1247 ( سبتمبر سنة 1831 ) دخلت قوات الوالي الجديد ( علي رضا باشا ) بغداد ... وعندما يئس داود من جدوى كل مقاومة ، جلس في منزل أحد اتباعه بجوار القلعة ، وبعد ساعات جاء عدد من ضباط علي رضا باشا وأخذوا داوداً الى خارج المدينة بكل احترام ، وحينما اقترب من خيمة علي رضا نهض هذا وتقدم لاستقبال داود وعانقه وأخذه الى خيمته ... ولم يكتف علي رضا بهذا ، بل ترك الحرية لداود في ان يستقبل من يشاء دون ان يحيطه بحرس ... وعندما تمت جميع الترتيبات اللازمة لرحلة داود واسرته الى الآستانة ، امرت كتيبة من الفرسان وأخرى من القوات غير النظامية ان تقوم بحراسة داود وقافلته( ) .
يرجح دارسو حياة داود باشا ان منزلته العلمية كانت من الاسباب الجوهرية في انقاذ حياته ... " فلقد كان علي رضا نفسه أديباً محباً لأهل العلم وارتبط عهد داود بنهضة أدبية علمية في بغداد جعلت الطبقة المثقفة في المدينة تتمسك بالباشا وتستبسل في الدفاع عنه ، ومن ثم كانت مكانة داود العلمية من الامور التي نظر إليها الباشا الجديد بعين الاعتبار ... وهذا يؤكد لنا ان علي رضا قدر تمام التقدير القوة الهائلة الكامنة في هذه الطبقة المثقفة ، التي كانت تحت يد داود ، فهي القادرة على اثارة الشعب البغدادي وتجديد عهد المقاومة وخاصة ان البغداديين قد أمتثلوا لحكم المماليك ... وجاء داود ليرتفع بعهد المماليك الى مصاف عهود بغداد المجيدة السالفة حينما كانت عاصمة الشرق السياسية والعسكرية ورائدة الحركة الفكرية فيه أيضاً ... " ( ) .
وهكذا فقد وصل داود باشا الى الاستانة وحصل على عفو السلطان العثماني ، بل تسنم مناصب مهمة اخرى ثم طلب " ان توجه إليه مشيخة الحرم النبوي فنال ما طلب وظل هناك حتى توفي سنة 1267 هـ ( 1850 م ) ودفن في البقيع " ( ) .
" والى جانب هذه النهضة الادبية التعليمية القوية – التي اعتبر داود زعيمها ومشجعها الاول – امتاز داود عن ( ! ) غيره من الحكام المهتمين بالادب وبالادباء بأنه اكتشف اثنين كان لهما اثر واضح في السرعة التي سارت بها النهضة الادبية بعد عصر المماليك ، فقد أكتشف داود كلاً من : أبي الثناء الآلوسي وعبد الغفار الاخرس ... وقد أثمرت عناية داود بالادباء والشعراء ، فقد وقف أبو الثناء هذا وقفة صادقة الى جانب داود خلال حصار علي رضا باشا لبغداد سنة 1831م " ( )
" ... وهكذا كانت الحركة الفكرية في عهد داود الشعلة الاولى التي أدت الى الحركة العلمية الادبية التي انطلقت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في العراق " ( ) ولعل طريقة خروج داود من السلطة تفسر كثيراً من أسباب إرساله القصيدة الخالية الى ادباء بغداد والنجف لمعارضتها ، فقد عومل في لحظات حكمه الاخيرة معاملة لم تكن معهودة من ولاة العثمانيين تجاه من يخالفونهم.
وبعد انتهاء حكم ( داود باشا ) لبغداد ورحيله عنها بتلك الطريقة التي تقدم وصفها ، لم تنقطع صلته بادباء بغداد وشعرائها ، وكان هناك نوع من الاعجاب بشخصه ، والحنين الى عهده ما يزال في نفوس اولئك الادباء والشعراء ، وهذا ما سنراه في رد الشاعر صالح التميمي عليه ، وانطلاقاً من هذه الصلة ، وركوناً الى أهميتها ، أرسل من محل اقامته في الاستانة بقصيدة ( خالية ) نظمها شاعر من بلاد الشام هو بطرس كرامة ، طالباً من شعراء بغداد والنجف معارضتها ، وبالطريقة نفسها، فبرزت مواقف متباينة حول هذه القصيدة . فقد " جاء من القسطنطينية الى بغداد نظمها قهرمان الأدب الخواجة بطرس بن ابراهيم كرامة ، وكان الباعث له على ارسالها الى العراق الاطلاع على ادبائها ( كذا ) وقد كرر فيها لفظة ( الخال ) ، فجاءت مع هذا الالتزام في أبدع نظام فخمسها [ المتحدث هو ابراهيم صادق العاملي ] أحسن تخميس ، ثم ذكرها مع تخميسها ، وحيث كانت مشهورة لم نر فائدة في نقلها ونقل تخميسها ، قال : وخمسها أيضاً الشيخ موسى بن الشيخ شريف [ آل محي الدين ] وأورد التخميس في المجموعة المذكورة ، ولما وصل هذا التخميس والذي قبله الى عروسة دار الخلافة وشاهدهما ذلك الاديب كتب إلينا ما لفظه : اقول – وأنا المعترف بالعجز والتقصير – انني لما وقعت على تخميس قصيدتي الخالية الذي طرز برده ونظم عقده جناب بدر الادباء صدر العلماء الراقي من ذرى الآداب أسنى محل عليّ ، الشيخ إبراهيم ابن جناب سيدي المرحوم الشيخ صادق آل يحيى العاملي ، فقلت مورياً مقرظاً ومصرحاً بمدح ذلك الجناب ومعرضاً :
فتاة الخال عن علمٍ وفضــلٍ أتى تخميسها يروي ويملي
يقول لمن تلاه : فز بـــدرٍّ وقلدني شهادة كل عدلِ
فقلت: نعم وهذا ليس بـدعاً بإبراهيم يحيى كل فضل( )
ولما رايت تخميسها الذي جاد به من روض أدبه الاديب الاريب الحائز من البلاغة أوفى نصيب ، ذو المقام السامي المنيف جناب الشيخ موسى بن الفاضل الشيخ شريف قلت مقرظاً مقتبساً وقد آنست في حي التقريظ قبساً
يا ابن الشريف الذي أضحت فضائله كالشمس تشرق بين البدو والحضر
خمست بالنظم ذات الخال مكرمــة مطوقاً جيدها عقدأ من الــدرر
من البديع ومن سحر البيان لقــد أوتيت سؤلك يا موسى على قدر
ولكني لم أكتف بذلك لما اصابني من الوجد والغرام لمدح أولئك الافاضل الاعلام فقلت وقد شب الشوق عن الطوق :
مرحباً مرحباً بربّةِ خــــالٍ صانها الحُسن بين عمٍّ وخــالِ
أقبلت تنجلي وفي معطفيـــها من بديع البديع فرط الــدلال
قد روانا الوردي عن وجنتيهـا ما روانا عن ثغرها ابن هــلال
من بنات الافكار يصبو اليهــا حين تجلى أخو الحجى والكمـالِ
جاء مكحول جفنها بحــديث قد رواه عن العيون الكِحــالِ
نعَم بِكرٍ من الكرامة ســارت فاتت مربع الكرام الموالـــي
وسرت في الجهات شرقاً وغرباً فوق متن القبول والإقـــبالِ
ثم عادت من العراق إلـــينا بعد بين مشمولةً بالنــــوال
قلداها ابن صادق وشريــفٍ خير عقدين من بهاً وجـــمال
خَمّساها بل شرّفاها بعـــقدٍ ذي معانٍ أزرت بعقد الــلآلي
لست أدري هل سمطاها بشعـر أخجل الدُّرَّ أم بسحرٍ حــلال
وعجيباً قد أخمد النار إبـــرا هيم قدماً وفضله ذو اشتــعال
ولموسى قد أبطل السحر قبـلاً ونراه أتى بسحر المقــــالِ
حبذا حبذا العراق وما فيـــ ـه من المجد والســنا والمعالي
قام فيه لكل فن خطيــــبٌ صادح في منابر الآمــــالِ
وغدا للعلوم في كل عصـــرٍ فلكاً مشرقاً بُدورَ الرجـــال
أيها الدهر ان في فلك الــــ فضل كما أزهرت نجوم الشمال
ليس بدعاً فانتما وارثا الـــ آداب والعلم عن جـدود وآلِ
غزلي فيكما ثناءً ومدحــــاً لا بعينِ المها وجيدِ الغـــزال
انني والهوى على البعد صــبٌّ قانع منكما بطيف الخيـــالِ
ان شوقي إليكما شوق حــرٍّ ذي وفاءٍ يهوى كرام الخصـالِ
أصبح القلب سالياً بهواكـــم ما تلقاه من صروف الليالــي
ان يكن بيننا انفصال ففي الــ حب انفصال المحب عين اتصـال
واذا لم تكن تراكم عيونـــي فيراكم فكري بعين الخيـــالِ
أو تمادى بين ولم يك وصَــلٌ ففؤادي عن حبكم غير سالـي
دمتما كوكبي علوم أضــاءت منكما الفضل في سنا الافضـالِ
ما تغّنى ورقٌ وبات شجـــيٌ تحت ذيل الرجا لنيل الوصـالِ
الداعي : بطرس بن ابراهيم كرامة " ( ) .


بطرس كرامة ( )
" بطرس كرامة الذي لعب في ترقي الآداب العربية دوراً مهماً ، قبل أواسط القرن التاسع عشر ، وهو بطرس بن إبراهيم كرامة الحمصي من أعيان حمص ، وكان أهله من الروم الملكيين يدينون بالدين الكاثوليكي ( ! ) وهم متحمسون فيه ، وكان عمه ارميا كرامة من الرهبان الشويريين ثم انتقل إلى الرهبنة المخلصية وفي سنة 1763 سقف على قلايه دمشق فعرف بمطران دمشق وقاسى محناً شديدةً من قبل المنفصلين إلى ان توفي سنة 1795 في دير المخلص، وكان عالماً غيوراً على إيمانه وله مصنفات دينية . أما بطرس كرامة ابن أخيه فولد في حمص سنة 1774 . وفيها نشأ وتأدب وله في مديح أعيانها أقوال حسنة كقوله في الشيخ عبد الرحمن الكزبري ... وقال مرتجلاً في الشيخ أمين الجندي ... ثم قويت شوكة أعداء الملكيين فالحقوا بالكاثوليك ضروب الأذى فاضطر بطرس ان يهجر حمص مع والده متوجهين إلى عكار. وقصد بطرس علي باشا الأسعد حاكم تلك البلاد وامتدحه بالقصائد الحسنة فأجازه ورغب فيه لبراعته ودرايته وحسن أدبه وخطه فاستخدمه في ديوانه ورفع منزلته ورتب له ما يقوم بكفايته فأقام في خدمته نحو خمس سنوات .. واتصل بطرس بنقولا الترك شاعر الأمير الشهابي فقربه من مولاه سنة 1813 ، وحظي بطرس عند الأمير الشهابي لما رآه فيه من العلم وجودة العقل .. فعهد إليه بتهذيب ولده الأمير أمين واتخذه كاتباً للأمور الأجنبية لجودة انشائه ... ثم سلمه الأمير خزينة الحكومة فوضع لها قوانين استحسنها الشهابي ... ثم رفع منـزلته وعمله ( كتخداه ) فصارت أمور لبنان كلها في يده يدبرها أحسن تدبير ... وبقي في خدمة الأمير بشير ( الشهابي ) إلى ان خرج الأمير بشير من بلاد سورية سنة 1840 فسافر معه إلى مالطه ثم إلى الاستانة العليّة ونال من الالتفات وعلو المقام لدى رجال الدولة ما لم يزل مشهوراً ، ثم عين ترجماناً للمابين الهمايوني فأظهر من البراعة ما أكسبه ثقة الجميع وبقي في تتميم أعباء وظيفته إلى سنة وفاته في الآستانة العليّة وله مع أكابر رجالها مساجلات لطيفة وكان بليغ الكلام وقد أرخ وفاته الشيخ ناصيف اليازجي فقال :
مضنى من كان أذكى من إياس بحكمته واشهر من زهير
فقل يا ابن الكرامة قر عينـاً لبطرس أرخوه ختام خير
ولبطرس كرامة مكاتبات ورسائل غير مطبوعة . وله ديوان شعر كبير طبعه الأديب سليم بك ناصيف سنة 1898 في المطبعة الأدبية ... " ( )
وعندما نظم بطرس كرامة قصيدته الخالية التي مطلعها :
أمن خدها الوردي أفتنك الخال فسح من الأجفان مدمعك الخال
أعجب بها داود باشا ، وهو يومذاك مقيمٌ في الآستانة ، فأرسلها إلى العراق لكي يطلع عليها الشعراء العراقيون ، الذين كانوا في الغالب يحملون تقديراً واحتراماً لداود باشا ، وقد تقدم ، لكي يعارضوها فاختلفت مواقف الشعراء منها على الوجه الآتي :
1. بعضهم أعجب بها وأثنى على قائلها " وعارضها الشيخ عبد الباقي العمري الموصلي بقصيدة كتبها في بغداد يمدح داود باشا " ( ) مطلعها:
إلى الروم أصبو كلما أومض الخال فأسكب دمعاً دون تسكابه الخال
2. آخرون أعجبوا بها "وخمسوها كالشيخ إبراهيم يحيى العاملي والشيخ موسى بن شريف المشهدي " ( ) وقد تقدم الحديث عن ذلك وستأتي قصائدهم في نصوص المعركة .
3. الشاعر الشيخ صالح التميمي " لم يستحسنها وكتب في تزييفها قصيدته التي أولها " ( ) ( مخاطباً داود باشا ) :
عهدناك تعفو عن مسيء تعذّرا الا فاعفنا عن رد شعر تنصرا...
وقد بنى عدم استحسانه لها على سببين :
الأول :أنها لشاعر نصراني ، ولا ضرورة لأن يقوم شعراء مسلمون بالإقتداء به ومعارضة قصيدته ، وهو موقف ينطلق من نظرة دينية منغلقة ، ومن تعصب لا مسوغ له في الأدب في الأقل .
والثاني :ان بطرس كرامة ليس أول من نظم في هذا النوع من القصائد فقد سبقه شعراء آخرون في نظم قصائد قافيتها ( الخال ) . ولم يُخف صالح التميمي ، إعجابه بداود باشا ولم يترك الفرصة تضيع من دون أن يبدي عواطفه له .
4. شعراء آخرون أعجبوا بالقصيدة وعارضوها ، ولكنهم جعلوها في مدح أحد العلماء الأعلام في مدينة النجف الاشرف ، ومنهم الشيخ عبد الحسين محيي الدين ، الذي عارضها بقصيدة من ( 24 ) بيتاً مطلعها :
يمينك في الندى للجدب خال تجود حياً إذا ما ضنّ خال مطر، سحاب
وجعلها في مدح الشيخ حسن آل كاشف الغطاء ( ) .
5. آخر نصب نفسه حكماً بين الشاعرين بطرس كرامة وصالح التميمي " وهو السيد عبد الجليل بقصيدته التي مطلعها :
حكمت وحكمي الحق ناءٍ عن المرا بأن التميمي الأديــب تعثرا
وقال ولده في روض الخل والخليل ديوان السيد عبد الجليل ( 1190 – 1270 هـ ) : " لا يخفى ان صدر هذه القصيدة الخالية في الغزل ، وقد بلغ سيدي الوالد ان داود باشا أرسلها من اسلامبول إلى بعض أدباء بغداد ، ومنهم فقيدها محمد الآلوسي ، وهو اليوم عالم العراق على الإطلاق ، ونسبها لبعض أدباء النصارى ، وآخر المرسول منه قوله :
لكل جماح ان تمادى شكيمة ولكن جماح الدهر ليس له خال
فان صح نسبتها للنصراني ، فهي دعوى أو غلط ، وإنما هي لبعض أهل جبل عاملة من قرى الشام ، وهي متقدمة عن عصرنا كما وجدناها في بعض المجاميع ، وعند وصولها الى أدباء بغداد ، تجاذبوها وأرادوا مجاراتها ، ووصلت الى المشاهد وتجاذبها أيضاً أدباء المشهدين ، ولما علم سيدي الوالد انها صادرة من داود باشا أحب ان يذيلها ويجعل ذيلها في مدحه فيصير غزلها للعاملي ومدحها له وأول الذيل قوله :
نعم خاله تقوى الاله فانها ستكسوك ثوب العز ان أعوز الخال
إلى آخرها ، وقد أرسلها لداود باشا في المدينة المنورة ،وصدرها بالرسالة المذكورة في ديوان الرسائل ليعلم ذلك وأرسلها إليه في 20 شعبان سنة 1263 هـ . " ( ) .







نصوص المعركة
1. خالية بطرس كرامة :
أمن خدّها الوردي افتنك الخــالُ فسحَّ من الأجفان مدمعك الخـــالُ الشامة، السحاب
وأومض برق في محيا جمالـهــــا لعينيك أم من ثغرها أومض الخـــال البرق
رعى الله ذيّاك القوام وان يكـــن تلاعب في أعطافه التيه والخــــال الكِبَر
ولله هاتيك الجفون فإنهــــــا على الفتك ، يهواها أخو العشق والخال الخلي
مهاة بامي افتديها ووالـــــدي وان لام عمي الطيب الأصل والخـال اخ الام
أرتنا كثيباً فوقه خيزرانـــــة بروحي تلك الخيزرانة والخـــال اللواء
غلائلها والدر أضحى بجيدهـــا نسيجان ديباج الملاحة والخـــال( ) الشامة
ولما تولى طرفها كل مهجــــة على قدّها من فرعها عقد الخــال اللواء
اذا فتكت أهل الجمال فانـهـــا يهون على أهل الهوى الملك والخـال( ) الخلافة
وليس الهوى الا المروّة والوفــــا وليس له الا امرؤٌ ماجد خــال صاحب
وكم يدعي بالحب من ليس أهــله وهيهات اين الحب والأحمق الخـال ضعيف القلب
معذبتي لا تجحدي الحب بيننـــا لما اتهم الواشي فاني الفتى الخـــالُ البريء
ولي شيمة طابت ثناءً وعفّــــةً تصاحبني حتى يصاحبني الخـــالُ الكفن
سلي عن غرامي كل من عرف الصبا تري إنني رب الصبابة والخــالُ( ) الخليفة
ولا تسمعي قول الحسود فانـــه لقد ساء فينا ظنه السوء والخــال التوهم
سعى بيننا سعي الحسود فليتـــه أشل وفي رجليه أوثقه الخــــالُ القيد
وظبية حسن ما رأيت ابتسامهـــا عشقت ولم تخط الفراسة والخـال( )
المخيلة
توهم طرفي في محاسن وجههـــا فلاح له في بدر تلك السما خـال( ) السمة
إلى مثلها يرنو الحليم صبابــــةً ويعشقها سامي النباهة والخــال( ) (الرجل حسن المخيلة)
أيا راكباً يفري الفلاة بجســــرةٍ يباع بها النهد المطهم والخــــال البعير الضخم
بعيشك ان جئت الشآم فعج إلى مهب الصبا الغربي يعنُ لك الخــال( ) جبل بعينه
فسلم بأشواقي على مربع عفـــا كأن رباه بعدنا الاقفر الخــــال المكان الاقفر
وان ناشدتك الغيد عني فقل علــى عهود الهوى فهو المحافظ والخــالُ الملازم
وان قلن هل سام التصبر بعدنـــا فقل صبره ولى وفرط الجوى خـالُ ثابت
لكل جماح ان تمادى شكيمــــة ولكن جماح الدهر ليس له خــالُ( )











لجام

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:15 AM
- عبد الباقي العمري( ) :
" وقال رحمه الله تعالى مادحاً المشير الكبير والوزير الخطير داود باشا والي بغداد اسبق ( ! ) وهي في استدعاء المشير المشار إليه في معارضة قصيدة وردت من الآستانة العلية لبطرس كرامة الذمي الشاعر المشهور" ( )
إلى الروم اصبو كلما أومض الــخالُ فاسكب دمعاً دون تسكابه الخـال البرق السحاب
وعن مدح داود وطيب ثنائـــــه فلا القد يثنيني ولا الخد والخــالُ الشامة
مشير الى العليا أشار فطأطــــأت وأصبح مندّكاً لهيبته الخـــالُ الجبل
مناصبها انقادت لاعتاب بابــــه كما انقاد مرتاحاً الى الطعن الخال( ) الجمل
وقد نالها اذ اوتي الحكم حكمــــةً الهيّة فصل الخطاب لها خــال ملازم
مليك ملاك الامر والنهي كلــــه اليه انتهى والحكم بالأرض والخال الخلافة
حكى نهر طالوت ببسطةِ علمــــه وفي فضله ذاك الفتى الماجد الخال الكريم
توسم عرافاً بسيماه دهــــــره فخوله النعمى وما كذب الخالُ( ) التوسم
وصدّق فيه ما تخيله النهــــــى وفيما سواه قلّما يصدق الخـال التخيّل
فيا لرجال من علاه تفرســـــوا أغرَّ عليه من نسيج العلا خـال ثوب
إذا اعتركت آراؤهم عرضت لهـــم كتائب رأي من نهاه لها خــال لواء
عصاميَ نفس سودته جــــدوده فلا الجد يجديه ولا العم والخـال أخ الأم
لم ( ! ) العلم خدن والكمال منــادم وحسن السجايا والحجا الخل والخال( ) الصاحب
هوالصدر منه القلب كالصخر في الوغى إذا طاش في غلوائه الوكل الخـالُ الجبان
ودهم الليالي ان تمادى جماحهــــا فهمته الكبرى الشكيمة والخـال اللجام
توهم قوم ان يجاروه في العـــــلا فلم يجدهم ذاك التفكر والخــالُ ( ) التوهم
يشق على من لا يشق غبـــــاره رهان الذي عن شوطه عاقه الخال العرج
عفا الله عنه قد عفت بعد بعـــده من البلدة الزور المعالم والخــال ( ) الأثر
وهيهات ما دار الرصافة بعــــده وما الكرخ الا السبسب القفر والخـال موحش
ولكن بهذا العصر أمست كجنـــةٍ بها تتباهى ربوة الشام والخـــــال( ) موضع بالشام
ورضوانها اليوم النجيب مشيرهـــا يحافظها مولى عليها هو الخــــال( ) القائم
عظيم وقار لو تراءى ليذبـــــل تصاغر منحطاً وطاوله الخــــال الأكمة
حماها حماه الله من كل ريبـــــةٍ تشين علاه فهو من ريبةٍ خــــال بريء
فلازال كل منهما طود رفعـــــة يلوح عليه من تواضعه الخــــال الكبرياء
واني وان كنت الرديف نظامــــه لمسبوقة حسن الروي لها خـــال نقطة
فذي معجزاتي ما أرى ابن كرامـــة يعارضها حتى يصاحبه الخـــــال( ) الكفن
3- صالح التميمي ( ) :
تقدم ان الشاعر صالح التميمي لم يستحسن خالية بطرس كرامة ، بيد انه ، بحكم علاقته الوثقى بداود باشا ، لم يستطع السكوت عن الرد فكتب قصيدة يمدح بها داود باشا ، ويوضح موقفه الذي تقدم من القصيدة الخالية ، وهي ( ) :
عهدناك تعفو عن مسيء تعــذّرا الا فاعفنا عن رد شعرٍ تنصّــــرا
وهل من مسيحيٍّ فصيح نعـــدُّه إذا أينع الشعر الفصيح وأثمـــــرا
دع الشانيء المخصوص بالنص إننــا نراه بميدان البلاغة ابتـــــــرا
به سمة من صبغة الخال ســـودة بصيرته لا كان ممن تبصــــرا( )
عداه شبيبٌ والاحص وفاتـــه من الرند والقيصوم ما كان مزهــرا
أما وعلوم ضمها صدرك الــذي براه اله العرش للعلم إذ بـــــرا
وأيامك البيض التي لو يسوقهـــا لنا سائم بالنفس والمال تشتـــرا( )
وفيض أيادي حكمة في رقابنــا مكارم كالأطواق محكمة العــــرا
اياد فلا بالشكر تجزى لاننـــا نرى الشكر عن تلك الأيادي مقصّرا( )
لَجَمٌّ غفيرٌ صير الخال قبلــــه مكان القوافي بالقوافي مكــــررا
وما الشعر الا ما ابانت صــدوره قوافيه لا ما السمع فيه تحيّـــــرا
وغنى به الساقي على الكأس آخـذاً عليك وان لم تشرب الكاس اسكــرا
وهل يطرب الناقوس في لحن ضربه كما يطرب الخلخال في ساق أعفرا ( )
لعمرك ما كعب ولا الشيخ قبلــه زهير بتكرار القوافي تصـــــدّرا
واني ارى المصنوع فيه تأمـــراً بما لا أرى المطبوع الا تأمـــــرا
ولكن أراني جيد جانحة فتـــىً ردئ يرى عذباً وان كان قمعـرا( )
فدع ذا ولكن اسال الله بالــذي دنا فتدلى ثم بالوحي أخبـــــرا
بشيراً يوافي باللقاء وطالمــــا يوافي رسولاً بعد يأس مبشــــرا
لداود ذي الايدي الجسام صنائـع لنا يسرت أمراً لنا ما تيســـــرا
رؤوف بنا برٌّ عطوفٌ ولم يكــن تغيّر لو أن الزمان تغيّـــــــرا
على البعد شاهدنا لكم كم عنايـةٍ تشكر والاحسان بالحر أثّـــرا( )
4- رد بطرس كرامة على الشيخ صالح التميمي :
" ومذ وصلت هذه الى داود باشا من صالح التميمي عرضها على بطرس كرامة ، فوجده معتذراً عن مجاراته ، فكتب بطرس جواباً عن ( ! )( ) قصيدته المتقدمة راداً عليه ما اعتذر به فقال :
لكل امرئ شأن تبارك من يـرى وخص بما قد شاء كلاًً من الــــورى
ولو شاء كان الناس امة واحــدٍ ولم تلق يوماً بينهم قط منكــــــرا
ولا يفتخر مرءٌ بجّدٍ ينالــــه تراثاً اذا عن طارف الفخر قصّـــرا( )
ولا يحتقر دُرّاً يجيئ به فتــــى يخالف جنساً أو يرى غير ما يــــرى
إذا ضاع قدر الدر من حلي بائـعٍ فذلك جهلاً باللآلي بــلا مـــرا( )
كما عاب شعري قائل بقصيــده (ألا فاعفنا عن ردّ شـعر تنصّــرا)( (
عداني شبيب والأحصّ وانمـــا رشفت من الآداب شهداً وكوثــــرا
ولي سمةٌ من صبغةالخال قد سـمت وقد سودتني بالــبلاغة منبـــــرا
عجبت له من انه نعـم فاضــلٍ فكيف تغاضى عن أخي الفضل وازدرى( )
نعم انني من امةٍ عيــسويـــةٍ وأهل كتاب لن يشـــان وينكـــرا
وأقرب من كل الانام مـــودةً إليه كما قد جاء بالــذكر مخبــــرا
ولست أنا الشاني ولكن اناالــذي عن الذمة البيضاء لن يـــتغيــرا( )
وما أنا ممن آمنوا بنبيهـــــم وقد أنكروا صحب الرسول المطهـــرا
ولو انه يتلو وقـل لا تجادلــوا لكان أتى بالحق حكماً وما افتـــــرى
لعمرك ما داعي الفصـاحة ملـة ولا نسب حتــى أٌلامَ واهجــــرا
فذلك فضل الله يؤتيه من يشــا ولن ينتهي فضـــل الاله ويحصـــرا
فقسٌ مسيحي والسموأل موسوي وغيرهما ممن تقــــدم أعصــرا( )
كذاك ابن سهل وابن صاعدة الذي ببغداد اهدته المنـــية للثـــرى ( )
كذا الصابئ المشهورمن شاع ذكره ومن فضله أمـــلى ابن خاقان دفتـرا
كفاني فخراً ان شعري لم يعــب بوزن ولا لحن ولم يحــــو ممقـــرا
وما الورد الا الورد ريحاً ومنظـراً وان يكن الرومي هـــجا الورد وافترى
ولا يسلب الحسناء قول ضرائــرٍ صباح جمال عنـــده يحمد السُــرى
تنادب ذات الخال وهي أبيـــةً اطرق كرى ان النعـــامة في القـرى
بارض لها نجدٌ وفيها جــــآذرٌ وقد اخصبت بالجود رنداً وعبهــرا( )
ولا تحسبني أعجمياً فان لـــي من العلم والآداب قــوماً ومعشـــرا
من العرب مطبوع الفصاحة والندى وغنى بشعري أهل فضـــل فأسكـرا
فاطرب ذا علمٍ ورنح ضيغمـــاً وهزّ اخا عشـــق وأرقص جــؤذرا
واني لمنسوبٌ لآل كرامــــةٍ وحاشاي ان يأتي الكـــرامة مدبرا( )
ففي حلب والشام رنت قصائـدي وشعري في روض الـــكنانة أزهــرا
وما كان منه ذاك الا ليبتلـــى ويعلم ما عنــدي فيغدو مخبّــــرا
فاحسبها منه يداً قـــد أراد أن أكون شهيراً بالــعراق وأُذكــرا( )
فذا العجب السامي انا حيث اننـي فطرت مسيحياً وفضـــلي قد ســرى
له الفضل من كل الوجوه فجـاءه من الخير جودٌ ان وفـــى أو تعــذرا
إذا كوكب العلم الشهير أنالنــي مديحاً فكل الصيد في جوف الفـــرا( )
هو العلم المفضال داود من سمــا مقام علاه كل شــامخة الــــذرى
وزير لو ان الدهر يعرف قــدره لكان له عبـــداً أبى ان يحــــررا
بصدر المعاني بدرُ علم وســؤدد وتلقاه ما بين الموالي غضـــنفـــرا
اذا هز أقلاماً يفيض بلاغــــةً وخوفاً أعاديه اذا هــــزّ أسمـــرا
براحته بؤسُ العدو ونعمــــةٌ تفيض على العافين باليســـر والثــرا
هو الشمس والعلياء تعرف قـدره وللشمس اشراق وان طَفَــلٌ عــرا
همام اذا صُغت الدراري مدائـحاً بأوصافه الغرّا لكنـــت مقصـــرا
ولكنه يعفو ويقبل عــذرَ مــن أراشت له الايام ســهماً فأثّــــرا

5- قصيدة السيد عبد الجليل :
" ولما وقف الوالد [ يريد والد محقق ديوان الخل والخليل وهو السيد عبد الجليل ] رحمه الله على قصيديهما المذكورين ، أحب أن يحكم بينهما فيما تشاجرا فيه وهذه هي :
حكمت وحكمي الحق ناءٍ عن المرا بأن التميمي الأديب تعثّـــــرا
بذم قوافٍ في تمام جناسهــــا وذلك نوع في البديع تقــــررا
وعند اتحاد الجنس فالنوع سائـغ تعددّه ، بل كم أفاد تخيّـــــرا
وشأن ذوي الآداب حب امرئٍ له أفانين في لفظ ومعنى تغيّـــــرا
وليس مراداً دين من رقّ طبعــه أكان حنيفاً مسلماً أو تنصــــرا
وحسبك منه ما يفصل عقـــده من النظم والمنثور دراً وجوهـــرا
وكم مسلمٍ عند اللسان وقلبــه على غير دين فضله قد تصـــدّرا
وظلم ذوي الاداب والفضل عيبهم بما صنعوا من رقة الشعر في الـورى
وما كل ورّاد المناهل مفلـــق ولا رعيه الحوذان كان المؤثـــرا
وأكثر كتاب البلاغة لم يـــرد شبيباً ولا مسّ الخزامى المنـــورا
ولم يكُ للأديان في الشعر مدخـلٌ وكل قديم الشعر كان المصـــدّرا
وقادته الأَعْلون في جاهليــــة وشرك ، وهل كالشرك نلقى مكفـرا
وقد قام من أهل الكتابين زمــرة جَنوا من رياض الشعر ما كان مزهرا
فمن كابن عباد يجاري مهلهــلاً وكان مسيحياً يقدم يشكــرا( )
وكالاخطل المعروف شاعر تغلـب يسوق به القسيس في الدير كالفـرا
وكعب هوابن الأشرف القرضيّ من بأشعاره وصف الخراعب اسفـرا( )
وقس مضى طول الحياة موحــداً وما نقل التثليث عنه ولا اجتـــرا
لذلك عابوا للتميمي قولــــه ( ألا فاعفنا عن رد شعر تنصــرا )
إذا منه عجز عن مجاراة خالـــه فمال إلى الأديان عمداً تهــــورا
ولو انه يدري بقولي لقال لـــي عهدناك تعفو عن محب تعــــذّرا
واي مقال قد خلا من معــارض فلو عابه بالانتحال لما افتـرى( )
وبالعلم ثم الفهم يحلو انتـــقاده كما انتقد الصراف ابيض اصفرا( )
إذا صح عنه الادعاء لنـــظم ما بها الخال قد عم القوافي مكـــررا
فمن سرقات الشعر ما كان حـده يقام على الجاني فيُصبح أبتــــرا
ويبعد عن هذا الظريف ادعــاءها لشهرتها بين الرواة ومـــن درى
ونسبتها للعاملي قــــــديمةٌ وخمســها منه بنيه فحــررا( )
وعارضها ذاك المخمس فانثـــنى بمدح جواد ظنه أسد الشــــرى
وتخميسها عندي وما عورضـت به وأخرى بكسر اللام يعرب من قرا( )
على انني ذيلتها بمديــــح من يقرر فضل النظم والنثــر اذ طـرا
ولازمت خالاً فوق وجنـتها هوىً لارشف من تلـك الثنايا المكــررا
وجاء له لحن ولــكن مخفـــفاً برائية فيها الجـواب تقــــررا
فقال ( مسيحي ) ثم في البيت (موسوي) بتسكين ياء النسبة القول يـزدرى( )
وذلك لحنٌ في قواعد معـــربٍ كما جاء هذا للنحــاة مُسَطّــرا
وكل انتقاد الشعر دون انتحـاله فذلك عيب ضمـــنه وصمة افترا
بدت لابي سلمى زهير عنايـــة بتهذيب حوليــــاته قبل ان تُرى
بها بلغ الغايات في حسن شعــره وفي بيته فالشــــعر يروى محررا
كماشاع حر الشعر في بيت بطرسٍ وفي نجله بين المدائن والــــقرى
فصيح رقى أوج البلاغةِ يافـــعاً فأشعاره جلّى بها ربع قيــــصرا
لافكاره غرّ القــوافي قريبــة وعن غيره بعد الـــثريا عن الثرى
أتى منه نظم هدّ حــجة صالحٍ وان كان في المنظوم ِقدماً تصــدّرا
فأيدت ذاك الرد اذ كان صــالحاً وزدت له بالاحتجاج ليشــــكرا
وما قلته بين الفريقين واضـــح فامعن بهذا القول في الحــكم منظرا
وكن منصفاً فيما ترجح بـــعدما تدير الحجا فيـــــما تراه لتعذرا
لكل تراني قد مضيت بــــحقه وأسأل بارينا الهــــدى والتبصرا
وقد كان لي من صالح خير صـحبة وعند أتباع الحـــق ما زلت أجدرا
وقد مرّ بي بالشعر بعض عــلاقة وحكـــمي ماضٍ فيه أنفذه الورى
بعصر تقضت فيه أحلام صبــوتي أطارح فيــــه من أشاء بلا ازدرا
ويسعدني فيما أردت شبيـــبتي وعصر الصبا ادعى لثـائرة المرا( )
ليالي اذ قاد الهوى لي صبـــابة فاثني بها المى المراشف جــؤذرا( )
واني وان فارقت أيام صبـــوتي فبالفكر أرعاها عيانا تحســرا( )
ومن خلقي تذكار عهد شبيبــتي وبعض وفاء الحب ان اتــــذكرا
وحق الهوى العذري لم انو ذكـرها وبالفكر أرعاها عياناً تحــسّرا( )
لعمرك فاتتني سريعاً حسبتـــها كزورة جافٍ مرّ في سنة الكـرى( )
وسائل صب شاب للغيد قد وهت كأعزل لاقى في الهياج غضنفـرا( )
ويا طيب عصر صالح لي بصــالح بصحبته كان الوداد مقـــررا( )
بمنعرج الفيحاء مرّ اجتماعـــنا وكان به ليل المســـــرةِ مقمرا
قضيت به للأنس كل لــــبانةٍ فان شئت سل عما جرى حين اذ جرى
فيا طالما حلّ القريض بنظمــــه وفاح به النادي لذلك عنبــــرا
وكم نكت أبدى لنا من فنـــونه طرائف منها يرشف السمع كــوثرا
سوى انه في الارتجال لراجـــل إذا أبصر الأعيــان في الربع حُضّرا
حياء وان ضم اليراع بنانــــه أجاد اعاريض القريــــض مفكرا
عسى مالك الغفران يقبل عــذره ويمحو له ما ظلّ فيه مقصّـــــرا
ودونك إبراهيم هيفاء كاعبـــاً أحاديثها تغني عن الراح مسكـــرا
وترفل تيهاً في مطارف حسنـــها وبالغنج تجلو عن نديم مكــدّرا( )
أتتك من الفيحاء تطوي سباســباً قفاراً بها الخريت ضاع تحيّــرا( )
فلا منهجاً دلّت ولا منهــلاً درت ولا سمة تهدي بها يحمـد السرى ( )
وغاية ما في النفس عــلم ورودها إليك بها يسعى البريد مــحررا ( )
ولا زلت تجلو كل حالية بـــها تسامر مصقول الترائب احـورا( )
وعش نارها ما جاء بالوصل نازحٌ علي والهٍ بالقرب وافى مبشّـرا ( )

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:19 AM
- تذييل السيد عبد الجليل لقصيدة بطرس كرامة :
مرّ بنا ذكر القصيدة الخالية ووصولها الى السيد عبد الجليل الذي عارضها بقصيدة خاليّة أيضاً اراد لها ان يكون صدرها الذي ورد عن بطرس كرامة وان يجعل معارضته لها تذييلاً في مدح داود باشا فقال:
نعم خالُه تقوى الاله فانهــــا ستكسوك ثوب العز ان أعوزالخـالُ ( الثوب الناعم )
وقل لعفاة ساءهم سوء حالهــم وماطرهم عن واكف السحب الخال السراب
هلمّوا سراعاً واهرعوا نحو ماجـدٍ سري فما كل الفحول هو الخـال الرجل السمح
ولا تركنوا الاّ لمن كسبه الثنــا ولم يك في حسن السجايا الفتى الخال المتكبر
اذا استبق الأقران في حلبة العــلا فكل كريم رام سبقاً له خـــال الحرون
فليس لداود الهمام مزاحــــمٌ بعلم وحلم لا يوازنه خــــال الجبل
وفياض جودٍ عاض عن صيّب الحيا وغم به حتى ارتوى الوهد والخـال الأكمة
ومن مثله والعلم والفهم حلبــة وهل يتسامى شامخ الطود والخـال المنخفض من الأرض
له زاخر الفضل الذي فاض حكمه ومن علمه للناس في فضله خــال ترسم الخير
مليك كسا القطر العراقي بهجـةً بعدل وامن شاد ركنيهما الخــال السيف القاطع
غدا عصمة الراجي اذا راعه العـدا وكعبة جود طالما أَمَّه الخـــال المحتاج
إليك أمير المكرمات فريـــدة اتتك من الفيحاء يعنو لها الخــال نبت مزهر
تجوب من الفيحاء كل تنوفــةٍ بها للوجىترمى النجائب والخال ( ) الفحل من الإبل
معارضة للعاملي بنسجــــه وعند رواة العصر أثيابها الخــال وهم
لقد زانها مدح الوزير وقد أتــى تغزلها قلب الذي في الهوى خـال فارغ
ولازلت يا عين الزمان ممتعــــاً بعز وذكر عنده يقدم الخـــال الجبان
معاناً سعيد الجد متصل الهفـــا أخا نعمة تزهو وأنت بها الخالُ ( ) المختال
7- وقال ابن كمونة:
" في معارضة خالية بطرس كرامة ، ولم يوجد منها الا هذا " ( ) :
أنارٌ ورت من جانب الخال أم خالُ لنهب اللحاظ النجل أبرزه الخـالُ
ونور يرد الطرف سيماه خاسئــاً ويندك من اشراق لؤلؤه الخــالُ
8-و للشيخ إبراهيم صادق العاملي
خالية عارض بها خالية بطرس كرامة ومدح بها الشيخ حسن بن الشيخ جعفر ( صاحب كشف الغطاء ) يقول فيها :
أشاقك من أطلال مية بالخـال رباع تعفى رسمها راجف الخـــال السحاب
ونبه منك الوجد ايماض بـارق سرى من ثنايا الابرقين وذي خــال موضع
اجل قد سرى وهناً فنبه لوعتـي فرحت اخا وجدٍ وما كنت بالخــالِ ضعيف القلب
وذكرني مر الصبا أعصر الصبـا وعهداً قديماً فات بالزمن الخـــالي الماضي
ليالي ريعان الشباب مسلــط يقود زمامي حيثما شاء كالخـــال صاحب الفرس
واذ أنا خدن للغرانق تـــارةً واخرى لدى المريخ ذي اللهو والخـال الكبر
وللخود تقتاد النفوس بفاتــكٍ من اللحظ أمضى من شبا الصارم الخال القاطع
وناصعة ريّا البرى ومعاضــد اسيلة خد كالوذيلة ذي خــال( ) الشامة
وباخلة وهي الكريمة لم تجـــد بوصل وجذّت دونها انمل الخـــال المتكبر
حملت لهاقلب الجبان ولــم أزل شجاع الهوى ما كنت بالرعش الخـال الجبان
اذا رئمت أرضاً رئمت رباعهـا وردت مغانيها كذي الرئبة الخــال( ) الوزير
وبتن بمستن الظباء على شفــا رذي الاماني خائب السعي والـخال( ) الظن
ورحت افدي من يعين على الهوى بعمي من فرط الصبـابة والخــــال اخو الام
غداة صغت للعاذلين وروعـت بما اتهم الواشي الخنا كبدي الخالـــي البريء
وصالت على حلمي بجيشٍ عرمرمٍ من اللحظ منصور الكتائب والخـــال اللواء
ولاعجب ان يقذف الشيب شادن له عند ارباب الهوى رتبـة الخــــال الخلافة
وقد علمت لا ابعد الله دارهـا غرامي واني لست بالسمح الخــــال الخالي
واني عزيز بين قومي واسرتـي ولست بحادٍ للعروج ولا خـــــال راعي الابل
سقى حيها نوء من الدمع هامـع اذا ضّن يوماً بالحيا طالع الخــــال السحاب الخلب
وروّح معتل النسيم قوامهـــا وان لاح في اعطافها شيم الخــــال المختال
فيا راكباً يفري نحوراً من الفـلا على سابح عبل الشوامت أو خـال( ) الجمل الضخم
وزيافة ان هيّج المعتلي بهـــا فما هي بالواني القطوف ولا الخـال( ) الحرون من الابل
حناها السرىحتى الأهان وما يرى بها من لجان يستبان ولا خــال( ) الضلع
تلف الفيافي سبسباً بعد سبسـبٍ اذا لمحت غب الظما خافـق الخـــال السراب
وساحرت الأقطار يخفق آلهـــا فيغتر من روادها سـيء الخـــــال التوهم
رويداً اذا شاهدت لبنان عامـل وشمت من الجولان لامـعة الخــــال البرق
وحيتك هاتيك الرباع وأهلهـا بنفحة نور النرجس الغـض والخـــال نبت له نور
قضيت بها عهد التصابي ولم يكـن زمان تعاطيت الصــــبابة بالخـال المكان الاقفر
ورحت بها دهر الشبيبة مادحـاً كما راح مفصوم الشكيمـة والخــال اللجام
وما انس لا أنسى عهوداً بربعها تقضـت ولو أرخى إلى الزمن الخــال ثوب يسجى به الميت
تحالف جسمي والضنا بعد بُعدها كما اختلفت عبس وذبيـان بالخــال موضع
و( للحسن)الحسنى وان جاد غيره فذلك جود لا يبل لـدى الخــــال المحتاج
أمام له القدح المعلى وفضلــه لأشهرُ من نارٍ تشـب على خـــال جبل
وبحر علوم ان تقس غيره بــه تكن كمقيـس الطود ويحك بالخــال الاكمة
فتى لم يزل يجري لأشرف غايـةٍ تقاصر عن إدراكها نظـر الخــــال الحس
من القوم شادوا للمعالي دعائماً فما شئت من بَرٍّ تقيٍّ ومـن خـــال جواد
تلامع سيماء الهدى من جبينـه وفي وجهه الزاكي علا موضـع الخــال السمة
ولا يرتدي الا الفضائل حلــةً اذا فخر الأقوام بالعُـصْبِ والخـــال البُرد
عليه لنا ما للمحبين من هـوىً وشوق وان طال المدى في الحشا خال( ) ثابت
9- قصيدة الشيخ عبد الحسين محيي الدين ( ) :
" وقال يمدح الشيخ حسن بن الشيخ جعفر ( ) في خاليّة يعارض بها خالية بطرس " ( ) :
يمينك في الندى للجدب خــالُ تجود حياً إذا ما ضـن خــــــالُ مطر ، سحاب
لواء العز أنت لنا إذا مـــا علينا جرّ لـلأرزاء خـــــــالُ خطب
أرى كبر النفوس لكم ولمّــا يشِن أخلاقكم للتيه خـــــــالُ كِبَر
فيالك سيداً سمحاً بـمـــالٍ وما هو بابتذال العـرض خـــــالُ سمح
إخال بك المنى فأنال قصــدي ولم يخلف بما أمّلـت خـــــــال ظن
سرى للشام منك حديث فخـرٍ إلى نـجد وطبّق منه خــــــال موضع
بوجه الدهر ذكرك خال حسـنٍ كما قد زيّن الـحسناء خــــــالُ شامة
ونور فعالك الحسنى ريـــاضٌ لزهرتها فما رنـدٌ وخـــــــال نبت
فيا جبلاً نلوذ به إذا مـــــا تداعى من وقوع الخطب خـــــال جبل
ويا حسن البصيرة في الخفايــا وهاديها إذا ما ضَلَّ خـــــــال حادٍ
ضعيف الجسم من نعماك عوفـي فلم يلبث من العافين خـــــــال محتاج
لقد أضلعت من جارى فكــلٌّ به عن سبق ما أدركـت خـــــال ضَلْع
وألجمتَ المُناضِرَ في القضايـــا فحجتك المقامة مَعْهُ خــــــال لجام
وقمت بكل ما يرجو غريــبٌ أجل نعماك في الغرباء خــــــال داع
أبا العباس أنت عَمَمَتَ جــوداً بني حوّا فما عمٌّ وخـــــــال اخو الأم
ألم تعجب بما أدركت كِبْـــراً وفيك علا به ذا الدهرُ خـــــالُ كِبْر
بريءٌ أنت من درن المخــازي وعرضك من ذميم اللوم خـــــالُ فارغ
أخال بأن مثلك ما رأينــــا وقد ظن الورى مثلي وخـــــالوا ظنوا
توسمنا بك الخيرات حتــــى أصبناها وحقق فيك خــــــال التوسم
فيا حرم العفاة إليك أمســـت رواحل وفدها فرسٌ وخــــــال نِعم
لقد أقفرت مربع كل غـــيّ وآنست الهدى وحماه خــــــال خلي
صحبت علاً ولم تصحـب ذميماً فأنت لذمة العلياء خـــــــال ملازم
أَبَرْقَ غيوث كل ندى عميــم أوجهك قد أضا أم لاح خـــــال برق
خَلفتَ أباك في علمٍ وديـــنٍ فأنت لشرعة الإسلام خــــــالُ علم
10- قصيدة الشيخ موسى بن شريف آل محيي الدين ( ) :
"وقال مادحاً الشيخ حسن بن الشيخ جعفر معارضاً خالية بطرس كرامة " ( ):
سقى الخال من نجد وساكنه الخـالُ وأزهر في أكنافه الرنـد والخــــال موضع ، السحاب ، نبت
فلي بين هاتيك الرباع خريــدةٌ هواها لأحشائي وحق الهوى خــال ملازم
موردة الخدين مهضومة الحشــا يحن لها شوقاً اخو العشق والخـــال فارغ
ولي بالحمى حيّا الحمى صيبُ الحيا رقيقة خصر شأنها التيه والخــــال الكِبَر
لها حسن وجه يخجل البدر طلعـة ومرهف جفن دونه المرهف الخــال القاطع
تميل كغصن البان ليناً وتنثنـــي كما ينثني النشوان والمعجب الخــال المتكبر
ويهتز من سكر الشباب قوامهــا ويسحب من تيه بأعطافها الخـــال الثوب
على حبها أفنيت شرخ شبيبتــي ومن أجلها طاف البلاد بي الخـــال البعير الأسود
اظن بها ان لا تضن بوصلهـــا وخلت بها الحسنى فلم يكذب الخــال الظن
فجادت بوصل نلت ما كنت أرتجي به ووفت بالوعد اذ دارنا الخـــالُ موضع
ولما بدت تختال من فرط تيههــا اليّ ولا عَمَّ يلوم ولا خــــــالُ اخو الأم
تخيلت في مرآة صفحة خدّهـــا فخلت سواد العين فيه هو الخـــال الشامة
لئن زعم الواشون اني سلوتهـــا فاني مما يزعمون الفتى الخـــــال البريء
أأسلو هواها لا ومن خلق الهـوى هواها بأحشائي وان ضمني الخـــال الكفن
حنانيك يا معطي الصبابة حقهــا ومن هو في بذل الحياة الفتى الخــال السمح
لأصبحت في اسر التصابي مقيــداً أخو كمد مما تجن الـحشا خــال( ) صب
اذا هانت النفس النفيسة في الهـوى فليس يعز الملك بعد ولا الخــــال الخلافة
وكل جماح يحسن الخال عنــده وما لجماح الحب يستحسن الخــال اللجام
خليليّ من همدان مالي سواكمــا خليل إذا جار الزمان أو الخــال( ) الصاحب
اذا انتما لم تسعداني على البكــا فقد أخطأ الحدس المجّرب والخـــال التوسم
بعيشكما عوجا على سفح رامــةٍ لا سفح فيه الدمع ان بخل الخـــال السحاب
فقد شاقني رمل الحمى حيث انـه يمثله في كل حال لي الخــــــال المخيلة
واصبوا الى رند الحمى وعــراره كما للحسان الكاعبات صبا الخــال العزب
واشتاق ربع المالكية كلّمــــا سمعت حنين النيب أو أرقلَ الـخال( ) البعير
ولولا الهوى ما شاقني ذكر بـارقٍ ولا أبرق الحناء والاجرع الخــال( ) موضع
انا السابق المقدام في كل غايـــةٍ جريت بها والعزم مني بها خــــال ثابت
واني وآبائي الكرام أليـــــةً لكل المعاني المشكلات الفتى الخـال( ) الحسن المخيلة
سبقت بجدي بل بجدي وما اعترى جواد إذا ما جدّ في حلبة خــــال ضلع
كأني من بحر ابن جعفـــر واردٌ ومن يمنه يلقى على منكبي خـــال بُرد
جرى في ميادين المكارم والعــلا إلى غايةٍ ما كان يبلغها الخــــال الوهم
اذا قيس يوماً بابن قيس وجدتــه هو الطود حلماً وابن قيس هو الخال( ) الأكمة الصغيرة
ولما حوى في الحلم كلّ فضيلــةٍ له دون أهل العلم قد عقد الخـــال اللواء


11- تخميس الشيخ موسى محيي الدين :
" وقال مخمساً لخالية بطرس كرامة المرسلة إلى والي بغداد للمعارضة " ( ) :
أراك بوجد لا ينوء به الخــــال وفرط هوى اي والهوى بالحشا خـالُ
فما أنت من سلمى به الدنف الخـال أمن خدّها الوردي أفتنك الخـال( )
فسحّ من الأجفان مدمعك الخال
فهل فاح في واديك طيب دلالهــا وأسفر منها فيه صبح كمالهـــا
وهل بعد صدٍّ لاح بدر وصالهـــا واومض برق في محيّا جمالهـــــا
لعينيك أم من ثغرها أومض الخال
تتيه ارتفاعاً عنك سلمى ولم تهــنْ إذا أنت عنها فرط حبك لم تصــنْ
فقل ان تكن ترعى العهود ولم تخـنْ رعى الله ذيّاك القوام وان يكـــن
تلاعب في أعطافه التيه والخال
خيول الأسى ذاك القوام اعنّهـــا عليّ وكم من غارة قد أشنّهــا( )
رعى الله من لم ترع قلباً اكنّهـــا ولله هاتيك الجفون فانـهـــا( )
على الفتك يهواها اخو العشق والخال
إذا ما فنى صبري وقلّ مساعــدي فأفرط في لومي عذولي وحاســدي
قليلٌ لها افدي طريفي وتالـــدي مهاة بأمي افتديها ووالـــــدي
وان لام عمي الطيب الأصل والخال
فكم مهجة لما رمتها بلجّـــــةٍ من الوجد والتبريح من غير حجّــةٍ
وقادت ملوكاً قد حوت كل بهجـةٍ ولما تولّى طرفها كلّ مهجـــــةٍ
على قدها من فرعها عقد الخال
فدع عنك ما خوّلت ان كنت مغرما وكن لهوى الغيد الحسان مسلِّمــا
اما كنت تدري بعد ان كنت مقدما اذا فتكت اهل الجمال فانمــــا
يهون على أهل الهوى الملك والخال
اذا كنت ترعى الودّ في الجهر والخفـا فلا ترتكب نهج التباعد والجفـــا
فليس الوفا الا المودة والصفــــا وليس الهوى الا المروة والوفــــا
وليس له الا امرؤ ماجد خال
اذا لم تُرد علَّ الغرام ونهلَـــــه فلا ترتكب ما لست تسطيع حمله( )
فكم جاهل في الحب لم يعص جهلـه وكم يدّعي بالحب من ليس اهلــه
وهيهات أين الحب والأحمق الخال
قضينا الأسى فيها ولم تقض ديننــا وقرب وشك البين والصّد حيننـا( )
بحق الهوى ان كنت ازمعت بيننــا معذبتي لا تجحدي الحبّ بيننـا( )
لما اتهم الواشي فاني الفتى الخال
جبلت على ان المودة صرفــــةٌ وان الوفا لي طول عمري الفـــةٌ
فلي همة لم تدنها قط خفـــــةٌ ولي شيمةٌ طابت ثناءً وعفــــةٌ
تصاحبني حتى يصاحبني الخال
امرتجّة الاعطاف من نسمة الصَبــا إليك فؤاداً في هواك معذّبـــــا
ويا ظبيةً تسبي بمقلتها الظبــــا سلي عن غرامي كل من عرف الصبا
تري انني رب الصبابة والخال
صلي مغرماً ما خامر النوم جفنــه وما برح الوجد المبرح شأنــــه
ولا تقبلي ممن غدا اللوم فنّــــه ولا تسمعي قول الحسود فأنـــه
لقد ساء فينا ظنه السوء والخال
وقل لعذولي : أي صب لحيتـــه وأي فؤاد بالملام فريتَــــه( )
ولما بنى جهلاً على اللوم بيتــــه سعى بيننا سعي الحسود فليتــــه
أشلٌّ وفي رجليه أوثقه الخال
اما وثنايا ما شربت مدامهــــا هي الغصن حيناً حين هزت قوامها( )
بل البدر حسناً مذ أماطت لثامهــا وظبية حسن ما رايت ابتسامهـــا
عشقت ولم تخط الفراسة والخال
بدت تسحب الاردان من فرط تيهها تحف بها من كل بيضاء شبههـــا
بديعة حسن لم أطق وصف كنههـا توهم طرفي في محاسن وجههـــا
فلاح له في بدر تلك السما خال
لها حسن وجه قد كساها مهابــةً به فتنت من كل حيٍّ عصابــــةً
حقيق بمثلي ان يحنّ كابـــــةً الى مثلها يرنو الحليم صبابــــةً
ويعشقها سامي النباهة والخال
لي الله كم من خطرة بعد خطــرةٍ أتاحت لقلبي زفرةً بعد زفــرةٍ( )
وكم رحت من شوق انادي بحسـرةٍ أيا راكباً يفري الفلاة بجســرةٍ( )
يباع بها النهد المطهم والخال
ويا صاحب الوجناء عرج بنا علـى محلٍّ عليه بعدنا حكم البلـــى( )
ويا راكباً قد شق أفئدة الفــــلا بعيشك ان جئت الشآم فعج إلــى
مهب الصبا الغربيّ يعنّ لك الخال
وقف بي على رسم به العيس قد صفا وربْع لنا بالأمس قد كان مألفـــا
وان كنت من أهل المودة والصفــا فسلم بأشواقي على مربعٍ عفــا( )
كأن رباه بعدنا الاقفر الخال
بما بيننا من خالص الود والـــولا ترفق بقلبٍ عن هوى الغيد ما سـلا
وبلغ سلامي من أود وان قـــلا وان ناشدتك الغيد عني فقل علــى
عهود الهوى فهو المحافظ والخال
فان قلن هل يرعى اخو الود ودّنــا وهل هو بعد البعد لم ينس عهدنــا
فقل هو يرعى الود ان شط او دنــا وان قلن هل سام التصبر بعدنــا( )
فقل صبره ولّى وفرط الجوى خال
أبت لي مقام الذل نفسٌ كريـــمةٌ تؤازرها مني على الدهر شيمـــةٌ
واني أرى مذ بي تمادت عزيمــــةٌ لكل جماح ان تمادى شكيمــــة
ولكن جماح الدهر ليس له خال( )

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:25 AM
تحليل النصوص
1. خالية بطرس كرامة :
ان النصوص التي وردت في المعركة تمثل عصرها ، ذلك العصر الذي شغل بالمحسنات اللفظية، على حساب البناء الفني للقصيدة ، زيادة على انه عصر يتسم بالعقم بالرغم من العدد الكبير من الشعراء الذين برزوا فيه وذلك الكم الهائل من القصائد التي لا نكاد نلمس اختلافاً كبيراً في معانيها، فالألفاظ مكرورة ، والصور – ان كانت هناك صور فنية – مستعادة ، بعيدة عن أية إثارة أو عاطفة أو طرافة ولا تجد فيها جديداً .
أما المعاني – وهي مدار تحليل النص – فلا تجد فيها معنىً مبتكراً ، أو لمحة بكراً ، وانما هي المعاني نفسها تتكرر ، مع اختلاف الصياغة الذي لا يكسب المعنى طرافة ، ولا يمنحه قدرة على التأثير .
فخالية بطرس كرامة ، تدور حول معانٍ مألوفة تبدأ بالغزل ، وكل ما أعطاها هذه الأهمية والشهرة هو الظن أنها مبتكرة في بابها ، وذلك أمر تبين عدم صحته ، ولذلك نجدها تتحدث عن الخد الوردي الذي يفتن ، فتسح الأجفان بالدمع ، ثم يغرق في ذلك الخيال العقيم الكلاسيكي ، المكرور بصيغه الجاهزة والمعروفة .
بيد ان بعض الشعراء لا يكتفون بالاتكاء على معان بعينها سُبقوا إليها ، انما هم يسيئون استعمالها ، فيقعون في أخطاء فاضحة ، فإذا كانت أهداب في التراث الأدبي العربي هي التي تفتك ، فانها تتحول بين يدي بطرس كرامة إلي جفون تفتك ، ولعله هنا أفاد من العلاقة المكانية ، فان مكان أهداب هو الجفن ، فأعار وظيفة أهداب لتلك الجفون التي فتكت به ، فأسبغ عليها القدرة على الفتك.
وثمة ملاحظة في القصائد الخالية ينبغي الالتفات إليها وهي ان المعنى المراد من لفظة ( الخال ) في البيت ، لابد من أن يومئ إليه لفظ يرد في نسيج البيت ، وهو في هذا يشبه إلى حد بعيد الفن البديعي المعروف وهو رد الأعجاز على الصدور ، زيادة على الجناس التام الذي لابد منه في استعمال لفظة الخال بنفسها في معان أخرى. ففي جميع أبيات القصيدة لابد من كلمة تعين على فهم المعنى. المقصود من كلمة الخال الواردة في قافية البيت ومن أمثلة ذلك قوله :
وأومض برق في محيا جمالها لعينيك أم من ثغرها أومض الخال ( البرق )
فانك تجد في صدر البيت إشارة إلى الوميض والبرق وتجد ان الكلمة التي سبقت لفظة الخال في القافية هي ( أومض ) مما يعينك على ان تقول ان معنى الخال في البيت هو ( البرق ) وهكذا في قوله :
مهاة بأمي أفتديها ووالدي وان لام عمي الطيب الأصل والخال
فعطف الخال على العم ، يعين على تحديد المعنى المقصود من الخال وهو ( أخ الأم ) ، وهكذا في غيرها من الأبيات ، فان هناك ألفاظاً في البيت تومئ إلى المعنى المقصود في لفظة الخال الواردة في القافية .
ومن الواضح ان للقافية في الشعر العربي إشعاعها على نسيج البيت الشعري ، بيد انه هنا يصبح إشعاعاً متكلفاً مقصوداً ، أقرب إلى الصنعة منه إلى الطبع والسجية وهذه القاعدة قد تنحسر أحياناً فيدعو هذا إلى التوهم في المعنى المراد من لفظة الخال فقوله مثلاً :
توهم طرفي في محاسن وجهها فلاح له في بدر تلك السما خال ( سمة )
فقد فسر الخال بالسمة ، ولعله لو لم يثبت هذه الكلمة إلى جانب القافية يمكن ان ينصرف الذهن إلى معنى آخر من معاني كلمة الخال وهو ( الشامة ) فما الذي يمنع من إرادة هذا المعنى إذا وجدناه يقترن بما يلوح على محاسن الوجه ؟ أليست الشامة أقرب الى محاسن الوجه من السمة؟
وهنا تبرز حقيقة أخرى هي ان الشاعر قد يستعين بتفسيره للفظة الخال في البيت بما يضعه لها من معنى ، ليوحي بالمعنى الذي يرمي إليه ، وهذا أمر مردّه إلى تعدد المعاني التي تحملها المفردة ، وامكان إرادة أي معنى من تلك المعاني ، وقد لا يسعف نسيج البيت بتحديد معنى القافية فيدعو هذا الشاعر إلى تحديده بما يضعه أمامه من لفظ يومئ به إلى المعنى الذي يريد .
وخلاصة القول ان قصيدة بطرس كرامة، تقع في دائرة الغزل ولا تأتي بمعان جديدة … وانها جزء من ذلك التراث الهائل من الشعر الغزلي الذي ألف جزءاً كبيراً من ذلك التراث على اختلاف عصوره ، وعلى الطريقة المألوفة التقليدية في التغزل بالأمور الحسية ، التي لم يعد فيها ما يعين الشاعر على الإبداع ، الا من خلال ربطها بمشاعره الذاتية ، ومن الواضح ان المشاعر الذاتية كانت هي الغائب الوحيد في القصيدة التي نتحدث عنها ، وقد استغرق الغزل سبعة عشر بيتاً من أبيات القصيدة البالغة ( 23 ) ثلاثة وعشرين بيتاً ، ثم تحدث في الأبيات الخمسة التي جاءت بعدها عن القافلة والراكب الذي يفري الفلاة وحمله رسالة إلى مرابع الشام وغيدها . ثم ختم القصيدة بالبيت الأخير في الحديث عن الدهر وانه تلك القوة الهائلة المهيمنة التي لا يمكن الحد من شكيمتها بأي لجام ، وهو معنى مألوف في مواقف الشعراء العرب على طول عصورهم في الوقوف تجاه الدهر وقفة المستسلم العاجز ، الذي لا حول له مع قوة الدهر في التصرف بمصائر الأحياء ، وما أشك انه كان يومئ بالدهر الى تلك القوة الغاشمة التي كانت تهدر كرامة الناس ، بالقوة والبطش.
2. قصيدة عبد الباقي العمري :
تبدو قصيدة العمري متناغمة مع ديوانه والمعاني التي دارت فيه ، بل أسلوبه ، فهو موظف لدى الدولة العثمانية ولا يخفى صلته بها ، بل لا تفوته فرصة التعرض لمدح العثمانيين خلفاء وولاة وكتّاباً ، فهو ممن كانوا يعيشون على خير العثمانيين وصلاتهم ، ويتقلب في وظائف الدولة ، وله منزلة كبرى لديهم أسهمت في عده من أشهر شعراء العراق ، ان لم يكن أشهرهم على الإطلاق .
هذه العوامل دفعت العمري الى ان يستهل قصيدته بإعلان صبوته الى الروم ثم مدح الوالي داود ، وإضفاء الصفات الحسنة عليه فهو :
مشير الى العليا أشار فطأطأت وأصبح مندكاً لهيئته الخــال ( الجبل )
مناصبها انقادت لأعتاب بابه كما انقاد مرتاحاً إلى العطن الخال ( الجمل )
… الخ الأبيات .
وهكذا كانت الأبيات العشرون من القصيدة في مدح الروم ( العثمانيين ) والوالي داود ، وبما ان داود لم يعد والياً وانما رجل يسكن في عاصمة الخلافة ، وان هذا المدح المسهب يجر عليه غضب والي بغداد الحاضر ، فقد تنبه إلى نفسه فخصص لمدحه الأبيات ( 21 – 25 ) فكال صفات المديح للوالي نجيب باشا الذي كان يعمل في ولايته ويتقلب في الوظائف ويكلف بالمهمات الصعبة ( وقد مرت الإشارة إلى بعضها ) .
ثم خص نفسه بالبيتين الأخيرين فقال :
واني وان كنت الرديف نظامـه لمسبوقة حسن الروي لها الخال ( اللفظ )
فذي معجزاتي ما أرى ابن كرامة يعارضها حتى يصاحبه الخال ( الكفن )
ويلاحظ انه خلط هنا بين القافية والروي فسمى القافية روّياً .


3. قصيدة صالح التميمي :
يتضح ان قصيدة الشاعر الشيخ صالح التميمي هي جوهر المعركة والعامل الأساسي في إثارتها فهو:
1- لقوة علاقته بداود باشا لم يستطع تجاهل طلبه لمعارضة خالية بطرس كرامة ، فقد بلغت علاقته به إلى حد تسميته بشاعر داود .
2- لم يكن يميل لمعارضة الخالية لسببين : الأول : انها لمسيحي وانه ليس مرتبطاً بالتراث الأدبي كالمسلمين وهذا يدل على ضعف أدراك لدور العرب قاطبة مسيحيين ومسلمين في هذا التراث فالأخطل كان مسيحياً والتراث العربي كله كان لوثنيين ويهود وشعراء نصارى قبل الإسلام ، وهذه نظرة حديثة لا ترى للمسيحيين ارتباطاً بالأدب ، أو هي نظرة متعصبة ترى ان الدين الإسلامي هو الراعي للأدب العربي وان العروبة هي الإسلام والعكس صحيح ، ولعل هذه النظرة جاءت من طرف العثمانيين الذين أوحوا إلى الناس ان المسيحيين هم رعايا الدول الأوربية وان كانوا عرباً .
الثاني : ان كرامة لم يبتكر هذا النمط من النظم ، وانما سبقه آخرون .
وإذا كان السبب الأول لا يسوغ الامتناع عن معارضه القصيدة ، وقد رد عليه الشعراء أمثال السيد عبد الجليل ، وكرامة نفسه ، فان السبب الثاني صحيح تماماً وقد مر علينا ان شعراء كثيرين منذ عهد الخليل بن أحمد قد نظموا على هذا النمط من القصائد .
3- لجأ الشاعر إلى التخفيف من وقع رفضه معارضة القصيدة على داود باشا وهو صاحبه الذي لازمه طول عهده ، فحاول ان يسهب في مدح داود باشا فختم القصيدة بالدعاء له وسؤال الله عز وجل ان يأتي البشير يوماً بعودته ويوافيه باللقاء ، وكانت القصيدة مجملة وقصيرة لا تتجاوز ثمانية عشر بيتاً .
4- رد بطرس كرامة على الشيخ صالح التميمي :
أ‌- كان رد كرامة على الشيخ صالح التميمي أقرب إلى المحاكمة العقلية ، فلجأ فيها إلى قرع الحجة بالحجة . وكان رقيقاً ومؤدباً في ردّه ، وهادئاً بلا انفعال يدفعه إلى ركوب الطريق الوعر. وقد لجأ إلى عبارات وألفاظ استعارها من القرآن الكريم فضمن القصيدة كثيراً من تلك المعاني ، ولعله لجأ لذلك لكي يدحض حجة التميمي في الحطّ من شأنه بسبب الدين. وقد أشار بوضوح إلى ان الدين لا يقعد بالشاعر وقدراته عن الإجادة في الشعر وذكر عدداً من الشعراء كانوا هوداً ونصارى .
ب‌- لم ينس ان يفخر بنفسه في القصيدة ، وعربيته وشعره الذي انتشر في الشام وحلب وأرض كنانة.
ت‌- ثم ختم القصيدة بإعتذار لطيف لموقف صالح التميمي الذي رأى فيه انه يريد له الشهرة في أرض العراق ، بما أثاره من ضجة حول قصيدته ، وحسناً فعل .
5- قصيدة السيد عبد الجليل :
أ‌- انه لم يُدعَ للحكم وانما ( أحب ان يحكم … ) وبدأ قصيدته بمدح حكمه على غرار ما تقدم في حكم السيد بحر العلوم في معركة الخميس الأدبية ، وليس بعيداً انه أراد ان يتخذ لنفسه ذلك الدور الذي لم يكلف به ، لعله يصل بعض المقام الذي اتيح للسيد بحر العلوم .
ب‌- اتبع طريقة وعظية في سوق ما يراه من قواعد تحكم الشعر ، ولم يشغل نفسه بالطابع الفني الذي ينبغي ان يتوافر في الشعر ويميزه من النثر ، ولم يدر بخلده ان الشعر ليس محاكمات عقليه، وسوق حجج ، وان طريق الشعر هو التأثير في مشاعر المتلقي بالصورة الفنية ، والخطاب الفني المميز وليس قرع الحجة بالحجة.
ت‌- قوله :
وقس مضى طول الحياة موحداً وما نقل التثليث عنه ولا اجترا
أوقعه في تناقض ، فإذا كان قس موحداً ، ومزيته انه لا يقول بالتثليث ، فان النصارى ومنهم بطرس كرامة يقولون به ، فالبيت لا يدفع عنهم بقدر ما يشين ما يدينون به ، فهو على بطرس كرامة وليس له . وكيف غاب عن الشاعر ذلك؟
ث‌- يلاحظ انه أيد القول بالانتحال وعده اكبر المآخذ التي توجه للقصيدة ، وقلل من أهمية المآخذ الأخرى.
ج‌- أعتمد النقد اللغوي في الإشارة إلى قول بطرس كرامة : مسيحي وموسوي بتسكين ياء النسبة وعده خطأ نحوياً قرره النحاة يعاب على الشاعر.
ح‌- ولم يكتف بالحكم وانما عارض القصيدة الخالية بأن ذيلها بأبيات أخرى في مدح داود باشا ، فأقر بذلك رغبته في المعارضة حكماً وقولاً وفعلاً .
خ‌- كانت القصيدة أطول قصائد المعركة ، بيد انها لم تخرج عن الأسلوب التقليدي المألوف لشعراء تلك الحقبة ، ولم يستطع ان يأتي بمعان مبتكرة وهذه هي سمة العصر كما تقدم .
6- خالية الشيخ إبراهيم صادق العاملي وتخميسه :
يمثل الشيخ والشاعران اللذان بعده في قصائدهم وجهة نظر مميزة في القصيدة الخالية ألمحنا إليها فيما تقدم . فالشيخ إبراهيم والشيخ عبد الحسين محيي الدين والشيخ موسى محيي الدين – ولا أستبعد ان يكون على نهجهم السيد صالح القزويني الذي لم نصل إلى قصيدته – يمثلون أبرز شعراء النجف الذين طلب إليهم معارضة القصيدة ، وقد وصل إليهم الطلب عن طريق الشيخ حسن بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء ، وهو يومذاك المبرز بين مراجع الدين الشيعة في النجف الأشرف ، فكان موقفهم :
أ‌- موقفاً ملتزماً تمام الالتزام ، فلم يمدحوا الوالي العثماني أو الخليفة أو أية جهة من هؤلاء وانما – التزاما منهم بعقيدتهم وموقفهم المبدئي – حولوا المدح الى ذلك الشيخ الذي يعدونه مرجعهم.
ب‌- لم يرفضوا المعارضة ، بل وتخميس الخالية ، ولم يهتموا بالأسباب التي ذكرها الشيخ صالح التميمي في رفضه لمعارضه الخالية ، ولاسيما تعلله بكون ناظمها على دين المسيح ، وهذا يدل على سعة آفاقهم ، وعدم تعصبهم ، ثم انهم كانوا يعلمون ان ( كرامة ) قد سُبِقَ من شعراء آخرين في نظم الخالية ، ومما يؤيد هذا القول ان الشيخ محمد محيي الدين ( ت 1219 هـ ) صاحب معركة الخميس قد نظم خالية – ذكرناها – قبل الشاعر بطرس كرامة بنصف قرن ، ولا يعقل عدم إطلاعهم عليها ولاسيما ان الشيخ محمد محيي الدين هو جد الشيخ موسى لأبيه ، وهو من أبناء عمومة الشيخ عبد الحسين محيي الدين .
ت‌- كانت قصائدهم مميزة من بين قصائد المعركة ، وهي تعبر عن الشعر النجفي في تلك الحقبة في أسلوبه ومعانيه.
ث‌- يلاحظ ان الشاعر الشيخ إبراهيم جاء بقافية الخال مكسورة ، في حين هي في الأصل مضمومة.
ج‌- المعاني التي دارت عليها القصيدة تقليدية ، وبناء القصيدة تقليدي ، بدأ فيه الحديث عن الرحلة ، ثم انتقل الى الغزل ، ثم تحدث عن نفسه ، لينتقل الى مدح الشيخ حسن آل كاشف الغطاء ، وبه ختم القصيدة .
ح‌- أما تخميسه فدليل إعجابه بالقصيدة ، وقد شاع التخميس في الحقبة التي ندرسها ، وأصبح واحداً من الفنون الشعرية التي تميز ذلك العصر .
7- قصيدة الشيخ عبد الحسين محيي الدين ( ت 1271 هـ )
أ‌- القصيدة نموذجية في طولها فهي من ( 24 ) بيتاً فقط وهذا يبعدها عن الإسفاف والبحث عن معان جانبية . بدأها وختمها في مدح الشيخ حسن آل كاشف الغطاء ولم يشر من قريب أو بعيد الى القصيدة الأصل .
ب‌- دارت على معان تقليدية شائعة في المدح في ذلك العصر وحفلت بمفردات ذوات دلالات فقهية ، لطبيعة ثقافة الشاعر وصاحبيه .
ت‌- يُلحظ التزامه بإيراد ما يشير الى معنى القافية ( الخال ) في نسيج البيت في معظم ، ان لم يكن في كلُ الأبيات ، واستوفى الشاعر المعاني الشائعة للفظة ( الخال ) وكان طول القصيدة المتوسط ، أعانه على تقصي تلك المعاني وتجنب الإسراف في معان تبدو بعيدة ، ولعل ذلك أملى عليه ان تكون القصيدة بـ ( 24 ) بيتاً فقط ، أو ان أحد العاملين أثر في الآخر فجاءت القصيدة بعيدة عن الإسفاف والإطالة .
ث‌- التزم حركة الروي في قافية القصيدة فجاء بها مضمومة كما في الأصل .
ج‌- لم يشر الى خالية بطرس كرامة ، قد يعني هذا انه لم يكن مقتنعاً بمعارضة الأصل ، بيد انه رضخ لطلب شخص له عنده منزلة لا تتيح له الاعتذار من المعارضة ، وقد مرت في ديوان الشيخ قصائد أخرى في مدح الشيخ حسن كاشف الغطاء وهذا يشير الى رسوخ العلاقة بينهما .
8- قصيدة الشيخ موسى محيي الدين ( ت 1281 هـ )
أ‌- سار على منهج سابقيه في جعل القصيدة في مدح الشيخ حسن آل كاشف الغطاء وما قيل في القصيدتين السابقتين يمكن ان يقال في هذه القصيدة أيضاً.
ب‌- بدأها بالغزل ( المقدمة الغزلية التقليدية ) وخصص له ثمانية عشر بيتاً من القصيدة ، وكانت معانيه وصوره برغم تقليديتها لا تخلو من طرافة وابتكار .
ت‌- انتقل في الأبيات السبعة التي بعدها ( 19 – 25 ) الى النسيب بأجداده من آل همدان بقوله:
خليلي من همدان مالي سواكما خليل إذا جار الزمان أوالخال ( ) ( الصاحب )
ولم ينس حنينه الى أولئك الأهل وتأريخهم ، وربما إلى موطن القبيلة في جبل عامل ( الذي هو موطن بطرس كرامة أيضاً ) بعد هذه الهجرة الطويلة إلى النجف الأشرف طلباً للعلم .وانتقل في الأبيات ( 26 – 28 ) إلى الفخر بنفسه وآبائه .
ث‌- ختم القصيدة بالأبيات الأربعة الأخيرة في مدح الشيخ حسن كاشف الغطاء ، فوصف جوده بالبحر ، وانه سابق في ميادين المكارم والعلا ، وليس له نظير يقاس به ، وقد عقد له لواء العلم من دون غيره .
ج‌- لم يشر الشيخ موسى إلى القصيدة الأصل ، ولعل ذلك يدل على انه متحفظ بشأنها كسابقيه ، بيد انه لم يستطع رفض طلب الشيخ حسن ، وقد كشف في ذلك عن موقف مبدأي .
ح‌- ويجدر الوقوف إزاء تخميس الشيخ لقصيدة كرامة ، فإذا كان التخميس – كما قلنا – قد شاع في تلك الحقبة ، فإنه يعد من الظواهر اللافتة في ديوان الشيخ موسى ، فقد كثرت تخميساته ، ولعل أشهرها تخميسه لمقصورة ابن دريد الذي لدي نسخة مخطوطة منه بخط الشاعر ، وقد حققتها ، وديوانه الذي حققته أيضاً ، حفل بكثير من التخميسات لقصائد معاصريه وغيرهم وهذا يدل على ولعه بهذا الفن ، ولشيوع هذا النمط من النظم في ذلك العصر أسباب كثيرة عرضت لها في مقدمة تحقيق تخميس الشيخ لمقصورة ابن دريد لا ضرورة لإعادته . ولم يأت الشاعر في تخميسه لقصيدة كرامة بجديد.

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:26 AM
نتائج معركة القصيدة الخالية وآثارها:
لعل من أبرز نتائج معركة القصيدة الخالية التي وقعت بعد ما يقرب من نصف قرن من ( معركة الخميس الأدبية ) هو الآتي :
1- إنها وجهت الى شعراء العراق وأدبائه جميعاً ، بيد إنها خصت شعراء النجف الأشرف وما جاورها من المدن الشيعية الكبرى في العراق ، وكان هؤلاء أكثر الشعراء تحمساً لمعارضتها ، بل خمسّها بعضهم كما مر ، وهذا دليل على سمو في النظرة الأدبية لدى هؤلاء جعلهم يرتفعون عن الخصومات المذهبية أو الدينية .
2- لم يخطئ شعراء الشيعة الموقف الأدبي المبدئي ، فقد وجهوها لمدح أبرز علمائهم في تلك الحقبة وتجنبوا من وضعت أساساً لمدحه.
3- من الثابت ان بطرس كرامة لم يكن أول من كتب في هذا النمط من النظم فقد سبقه كثيرون عرضنا لذكر بعض منهم .
4- تباين المواقف من القصيدة ، بتأثير الوعي الثقافي والديني ، فكانت هذه المواقف تتراوح بين التزمت الديني المتطرف ( وقد مثله الشيخ صالح التميمي ) الذي يعد أتباع الأديان الأخرى دون المسلمين ، والموقف البعيد عن التطرف مع عدم التفريط في الالتزام المبدئي المطلوب .
5- شخصية داود باشا التي انمازت بالطرافة واستمرار التأثير في الأدباء والشعراء حتى بعد انتهاء حكمه ، وهذا يشير الى شخصيته المؤثرة ، والى ان سلطة الأدب والعلم هي التي تبقى ، وكل سلطة أخرى لا قيمة لها قبالتها . ويشير إلى تلاحم الشعراء سنة وشيعة ، ورسوخ العلاقات بينهم ، ودليل ذلك اشتراك هذا العدد ( وهناك آخرون لم نصل الى قصائدهم كالسيد صالح القزويني ) في معارضة القصيدة من شعراء النجف الأشرف وبغداد والموصل .
6- ويلاحظ بعض آثار معركة الخميس الأدبية في هذه المعركة من خلال :
أ‌- معركة الخميس الأدبية قامت برعاية مرجع ديني هو السيد محمد بحر العلوم ، وكذلك عورضت الخالية بطلب من الشيخ حسن كاشف الغطاء.
ب‌- بعض نصوص المعركة تشبه إلى حد كبير نصوص معركة الخميس ، ومنها قصيدة الشيخ صالح التميمي ، فقد أشبهت قصيدة الشيخ جعفر الكبير في الوزن والقافية ومثل ذلك يقال عن القصائد التي قيلت تعقيباً عليها . وكذلك الأمر في قصيدة السيد عبد الجليل ، فقد بدأت قصيدته بقوله ( حكمت … ) وهو يشبه مطلع القصيدة التي حكم فيها السيد بحر العلوم في معركة الخميس الأدبية حين قال ( أتاك كوحي الله … ) .
7- لاشك في ان هذه المعركة قد أدت دورها المطلوب في تحريك الساحة الأدبية ودفع أطرافها إلى المعارضة والمجاراة وحتى اختلاف الآراء والمواقف ، وقد أدت – الى حد بعيد – دوراً شبيهاً بما أدته معركة الخميس الأدبية ، في إشاعة جو من الحركة في الواقع الأدبي ، أسهم في دفعه خطوة إلى الأمام ، ولا سيما في المواقف المتباينة وما تشيعه من ردود على الجانب الأخر .
8- انها عززت الصلات بين أدباء الأقطار العربية ، فاشتراك شاعر بهذه الشهرة من بلاد الشام مع شعراء من بغداد والنجف الأشرف وغيرهما ، علامة على وجود تواصل حي بين أدباء العربية ، ان لم يسهم في تطوير الواقع الأدبي – وقد أسهم بلا شك – فهو يسهم في الأقل في تعريف بعضهم ببعض ، واقامة الصلات بينهم واطلاع بعضهم على ما لدى بعض وهذا وحده كافٍ لجعل الأدباء يفيدون من المعركة فائدة كبرى.
9- ولعل من الضروري الإشارة إلى جانب آخر أجده ايجابياً في لزوم الشعراء ما لا يلزم ( التزام قافية واحدة في القصيدة كلها ) يتمثل في التصرف في اللغة هذا التصرف الدقيق ، ففي حين شهد القرن التاسع عشر إرهاصات التملص من القافية ، نجده يشهد التزام قافية واحدة في القصيدة كلها ، وهو يشير إلى تمسك بغنى اللغة العربية ، وهو اسطع ما يسجل لمعركة القصيدة الخالية .
10- بيد ان هناك ما يميز معركة الخميس من معركه القصيده الخالية ، هو ذلك الجمهور الذي التف حول المعركة الأولى ، ولم نجده في المعركة الثانية ، ولعل ذلك راجع إلى ان معركة الخميس قامت في نواد أدبية لها جمهورها وفي مدينة كان الشعر وما يزال واحداً من أبرز اهتماماتها ، في حين وقفت المعركة الثانية بين شعراء لا تجمعهم وحدة المكان والفكرة . وكانت البراءة الفنية – اذا صح التعبير – تجمعهم وتؤلف بينهم .

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:27 AM
الباب الثالث

تقدم في الفصلين السابقين نموذجان للمعارك الأدبية ، أفردت لكل منهما فصلا لأهميتهما ، ولسبقهما تأريخياً ، وللعدد الكبير من الشعراء الذين اشتركوا فيهما.
واذا كان من العسير على دارس واحد ان يوفي هذا الموضوع حقه ، فهو من الطول والعرض والعمق بحيث يتسع لجهود عدد من الدارسين ، وسنين طويلة من البحث ، وهو خليق بعدة أبحاث يتناول كل منها جانباً يتعمق في البحث ، ويبسط القول فيه ، لكي تكتب تلك الصفحات من تاريخ الأدب العربي في العراق خلال الحقبة التي ندرسها بتفصيل ، اذا كان من العسير على دارس واحد ان يفي الموضوع حقه ، فحسبي اني أوردت نماذج لمعارك أدبية أخرى لم تكن بتلك السعة والشمول وهي أقرب الى روح المساجلات التي تجري في سياق شعر الاخوانيات
ومن الضروري الإشارة إلى ان ما يأتي في هذا الفصل ما هو الا عرض لنماذج من تلك المعارك ، على سبيل التمثيل ، وليس على سبيل الحصر والاستقصاء . فان الاستقصاء يستدعي اطالة لا طائل من ورائها ، وقد يعسر الايفاء بها ( ) .
وسنختم هذا الفصل بتحليل نصوص هذه المعارك ، ومتابعة آثارها في الحركة الادبية ، وقد كان من الضروري للدراسة ان تلجأ الى ترتيب هذه المعارك ترتيباً تاريخياً ، لكي تستكشف ملامح التطور الذي حدث خلال تلك الحقبة ، اذ ان الترتيب التاريخي يتيح توفير رؤية متسلسلة للتطور الفني .









المعــــــــــارك
( 1 )
وكان الشيخ محمد محيي الدين ( ت 1219 هـ ) ( )ولوعا بإثارة الخصومات والمعارك الادبية مع أصدقائه من شعراء وعلماء أعلام في الحقبة التي عاش فيها وكانت له مداعبات ومساجلات مع كثير منهم :
فقد أرسل الى السيد حسين بن السيد سليمان الحكيم( ) ( 1162 – 1236 هـ ) يستهديه ( سعفاً ) كان قد اعتــاد ارســاله اليه في كل عام وقد تأخر عن الموعد ، قائلاً :
قل للحسين أخي الإحسان والشرف لا تنس ما بي من الإخلاص والشغفِ
حاشا علاك من الإحجام عن صلتي بعد التعاهد والإتحاف بالتحـــف
لا زلت تنجز ما وظّفت من عـدةٍ هلا تفضّلت بالإسعاف بالســعف
فعجّل البرّ قبل البرد مبتــــدراً فالشيخ يشفى بلا نار على التلـف
كم للأكارم من أهليك من هبــةٍ جادوا بها سلفاً ناهيك من سلــفِ
نسجت مجداً على طرز الذي نسجوا فأنت تخلفهم بوركت من خلــف
طربت حتى يراعي ظلّ ممتدحــاً لا تحسبن كان الحاحي من الصلـف
قد صنتَ عِرْضَك عن شحٍّ يدنّسه حتى جنحتَ إلى التبذير والسـرف
فأجابه السيد حسين بقوله :

محمدٌ يا زكيّ الوسْط والطَــرَفِِ لا تَجْعَلَنْ ودّنا وقفاً على(طَرَفِ ) ( )
من سرَّه أن يرى كل الورى جمعت في واحدٍ فليرى ما فيك وليقـف ( )
من همّه في اكتساب المجد مرتقيـاً وهم بعضهم في الباه والعلــف( )
وكتب السيد حسين في مناسبة اخرى معاتباً صديقه الجامعي بقوله:
خليليّ كيف اخترتما منهج الجفا وكيف لدى الخلان ساغت علاقمهْ
وما لكما جانبتما جانب الوفا أكان الوفا قد جاز في الحكم قاسمه
وجافيتما من كان يأمل منكما مساعدة ان يأت خصم يصادمه ( )
وبدّلتما بالخفض مرفوع قدره وهجر كما أضحى له وهو جازمه ( )
وظنكما حصناً له من عــدوه وإنكما ان قامت الحرب صارمه
فصح لديه منكما عكس ظنـه وأصبح ذو الرأي الأكيد يصادمه
سأسقيكما منّي الوداد وان يكن (وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمـه)( )

فأجابه الشيخ محمد بقوله :

أتاني عتاب من خليل رجوتـــه ظهيراً على السرّ الذي أنا كاتـمـه
وعهدي به يغضي على العمد والخطا وما نفثت بالسُّمّ يوما أراقمـــه( )
وعوّدني الصفحَ الجميل وربّمـــا يرى الصفح أحرىمن ترامت مكارمه
فهبني تعاطيت الصدود لحــادثٍ مخافة ان تسطو علي قشاعمــــه
أفي الحق أن أعزى الى الهجر والجفا وما بيننا الودّ الذي أنت عالمـــه
فعذراً بلا ذنب وان كنت عاتبـاً وعفواً عن الجاني وجلت مآثمـــه
ورفقا بصبٍّ لا يزال متّيمــــاً وخفّض فخير الغيظ ما أنت كاظمـهْ( )
فرد عليه الحكيم :
أمولى الورى من لي بخلٍّ يعيننــي ويقضي بحق لي على من أحاكمـــه
ومن لي بخلٍّ في البريّةِ منصـــفٍ يكاتمني سرّ الهوى وأكاتمــــــهْ
ويمنحني من نفسه ودَّ صـــادق ولم يبد هجرانا وان لام لائمــــه
ويرفع مقداري بما أنا أهلــــه ويجنح للإنصاف حين الازمــــه
وذلك شيءٌ مستحيلٌ بعصرنـــا وطيف خيال قد تمناه حالمـــــه
وقفتُ على نظم أتانيَ منكــــم ( وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه )
ومذ وقعت عيني عليه حسبتهـــا كريماً رأى ضيفاً فدرت مكارمـــه
وقد هاج لي لما تأمّلت نظمـــه من الشوق والتبريح ما الله عالـمــه
تلوم على عتبي عليك وذو الهــوى أعقّ خليليه الصفيين لائمــــــه
أجلّك عن أبناء دهري فالوفـــا له بينهم قامت عليه مآتمــــــه
جرى الناس في مضمار غدر وحيلة ولم يثنهم عن ذي الجلال محارمـــه
وحادوا عن النهج القويم عُقَيْبَ مـا تجلت لديهم واستثارت معالمــــه
فسلني فقد ميّزتهم وبلوتهـــــم مراراً كما قد ميّز اليوم صائمــــه
وقلّبتهم ظهراً لبطن وذقتهــــم كما ذاق طعم الحنظل المرّ طاعمــه
فلم ينج من مكروههم غير ذي حجىً به الله من كل المخاوف عاصمــه( )
فأجابه الشيخ محمد :
أبى المجد الا ان تلوح علائمــــه فيعشو له أعرابه وأعاجمــــه( )
ويحظى به من ساعد الجد حـــده ( على قدر أهل العزم تأتي عزائمه )
ومن مؤنس ناراً إلى جنب طــوره تجلّى له منه الأله يكالمــــــه
وطارت بأطراف الفخار وحلّقــت قريشٌ ويسموها لؤيّ وهاشمــــه
وتحت العبا كان الأمين محمــــدٌ وعترته والروح فيها يزاحمــــه
وانك قد احرزت مجداً مؤثــــلاً على هامة العيّوق شيدت دعائمــه
أيا هاشمياً لا يدافعُ فضلُــــــه طغام على علم به ويراغمـــــه
أتطلب في ذا الدهر–أفديك – منصفاً يصافيك في نهج الوفا وتسالمــــه
وهيهات ان تلقى قليلاً مرافقـــاً يطيب به من أرغد العيش ناعمـــه
فمهلاً بلا أمر عليك فقـــلّمــا ينال الفتى في الدهر ما هو رائمـــه
واني ومَن سَنَّ الوفــاء إليّـــةً على مثل ما تختاره أنا عازمـــه( )
وخطت يد الأقدار ما كان بيننـــا وهل يُمْحَ ما الله المهيمن راقمــه( )
تعال تُعاهدني على الهجر جهـــرةً وفي الغيب كن عوني على من اخاصمه
فخذ نظم درٍّ من حبيب مهاجـــر ( الا في سبيل الله ما أنا ) ناظمـه( )


( 2 )
" اجتمع في دار السيد حسين بن السيد راضي القزويني النجفي ( ) فريق من أعلام الشعراء منهم السيد جعفر [ الحلّي ] والشيخ عبد الحسين صادق [ العاملي ] وكان قد صنع لهم شاياً في( سماور تنك ) فقال العاملي مداعباً :
سماورٌ بات يحكي دَرَّ مرضــعةٍ مشبوبة القلب تنعى صبية هلكوا
ما خص أهل اللحى في دَرّه أبدا لكن أهل اللحى في دَره اشتركوا

فأجازه الحلي :
كأنما عقله من عقل صاحـــبه كلاهما ان تفتش عنهما تنــك
فقال المترجم له مشطراً بيت الحلي :
سماورٌ ظل يحكي دَرَّ مرضـــعة مشبوبة القلب تنعى صبية هلكـوا
كأنما عقله من عقل صاحـــبه من جوهر الفكر والأعراض منسبك
والعاملي مع الحلّـــي عقلهما كلاهما ان تفتش عنهما تنــك ( )
( 3 )
وقال السيد القزويني في القهوة :
فدع عنك الســلافة ليس شيءٌ أعلّ لغلتي من شرب قهـــوه( )
أدرها وإسقنيــــها لا دهاقاً ولكن حســوة من بعد حسوه
وكان الى جنبه العلامة الشيخ محمد حسن كبه( ) فقال مجيزاً على الروي والقافية :
فوا عجباً لمثلك أريحـــــياً يشف لطــافةً ويروق صبوه ( )
تبيع سلاف ريقـــتها المصفّى بآجنة نسميـــــها بقهوه( )
على إن الســلاف وان عداها فمي كرماً لَتُعْطي الروحَ نشـوه
وتلك وويل تلك ومن حســاها تزيد غلالة وتقل شــــهوه
هلمّ نحكّم الخـــــرّيت فينا فذاك السيف لا تعروه نبــوه
فقال الشيخ جعفر الشرقي ( ) وهو الذي ارتضياه حكماً ووصفه الشيخ محمد حسن كبة بالخرّيت :
عجبت وأنتما مــــاء وخمر قد استوصفتما ودّ الاخــــوّه ( )
فكيف يبين بينكما خـــلاف برشف سلافــــة راقت وقهوه
عذرتكما عليه فكل صـــبّ تميل به لمن يصبيه صبـــــوه( )
اجل والشرك في المحـبوب شرك أَبَتهْ غيرة حُمدت ونخـــــوه
ولكني إذا حكّمتـــــماني سعيت لذاك بين صفا ومـــروه
أرى ما زفها الساقي عروســاً سلافاً زفّ أو قد زفّ قهـــوه
فان تكن الســلافة فهي روح وجدت لروحها فرحاً ونشــوه ( )
وان تك قهوة كالمسك فاحـت فمن يده وان مرّت لحــــلوه ( )
وما ذهب السواد لــه بشـيء فان الخال زاد الخدّ حظــــوه ( )
فسل كم قد بلونا الكاس منـها وقد رشفت لمى المحبوب بلـــوه
وأي أخٍ معي قد رقَّ طبـــعاً بذمِّ الراح خمر الريق جــــلوه( )
( 4 )
و" جرت في مجلس ( الميرزا أحمد النواب )( ) معركة أدبية تناقلها الأدباء والشعراء في مجاميع ذلك العصر وهذه تفاصيلها:
كان في مجلس رجل من الأجلاء يدعى بالميرزا احمد النواب ، جماعة من الأدباء والعلماء منهم الشيخ محمد رضا النحوي ( ) الحلي الشاعر المشهور وذلك في النجف الأشرف فأنشدت قصيدة للسيد نصر الله الحائري ( ) في مدح أرض كربلاء أولها ( يا تربة شرفت بالسيد الزاكي حتى انتهى إلى هذا البيت:
أقدام من زار مغناك الشريف غدت تفاخر الرأس منه طاب مثواك
فقال أديب كان حاضراً ان قوله ( طاب مثواك ) غير مرتبط تمام الارتباط بالبيت فلو بدّلت بخير منها لتناسق البيت فبدّلها بعضهم بقوله : ( حين وافاك ) فاستحسنها ذلك الأديب فقال النواب : القافية الأولى أوفق بالبيت واستدل بمرجحات كثيرة وقابله ذلك الأديب بمثلها حتى طال بينهما النزاع فقال النواب : الحكم بيننا السيد مهدي بحر العلوم الطباطبائي فارتضوا به حكماً فقال النواب للنحوي تكتب له ( انا جعلناك يا مولى الورى حكما ) ( ) وطلب من الشيخ محمد رضا ان يبني عليه أبياتاً تتضمن الواقعة وطلب الحكم من السيد فقال الشيخ محمد رضا النحوي وغير الشطر تغييراً يسيراً :
إنا رضيناك يا أقضى الورى حكـما فأنت أعدل من بالعدل قد حكما
انا اجتمعنا ببيت قد علا شـــرفاً هام الثريا بمن قد حلّـــه وسما
وقد حوى من علا النواب بدر عـلاً ومن بهاء ابنه نجماً سما ونمـــا
وضمّ كل أخي علــم وذي أدب حتى غدا حرماً للعلم والعُـــلما
وعاد سفليّه علويّ كـــل عــلاً وأرضه من نجوم الفضل وهي سمـا
فانشدوا بيت شـــعر فيه قـافية أتم فيها نظام البيت من نظــما
فقال ذو أدب منهم ومعـــرفة لو بدّلت صحّ نسج البيت وانسجما
فثم بدّلها من كان بدّلهــــــا بغيـرها فاستقام النظمُ وانتظـما
فمذ رآها أديبٌ منهم فطــــنٌ مازال يستخدم القرطاس والقـلما
سما لترجيحه الأولى وقال هي الــ أولى فأكرم به من حاكم حكـما
فقال ذاك الأديب الحبر كيف بل الـ أخرى أحق فطال الخلف واختصما
والكل منهم غدا يدلي بحـــجته فيها ويزعم ان الحق ما زعـــما
فاعتاص ظاهرها عنهم وباطــنها وباعدت ما غدا من أمــرها أمما
والتاث منطقهم عنها ومنــطقها عنهم ومعربها قد عاد منعــجما
وكلّما إستنطقوها أظهرت خَـرَساً وكلّما أسـمعوها جددت صمما
فوجهوها الى عليــــاك غامضةً عجماء أعيا مداها العرب والعجما
فاكشف نقاب الخفا عن وجهها وأمط عن عينها لا لقيت السوء كلّ عمى
واختر لذا البيت من هاتين قافيـــة يغدو بها مثل سمط الدرّ منتظــما
فأنت عون لنا ان أزمة أَزَمــــت وأنت غوث لنا ان حادث هجـما
وامنن بعفو إذا طال الخطاب بنـــا دأب المحبين ان لا يوجزوا الكـلما
فحال موسى العصا حال السـؤال له عنها فأسهب وصفاً بالذي عـلما
هذي عصاي التي فيها التوكــؤ لي وقد أهش بها في رعيي الغنــما
ولي مأرب أخرى كي يسائلــــه عنها فيظهر فيها كل ما كتــما
ولما وصلت الأبيات للسيد بحر العلوم أمر الشيخ محمد رضا النحوي ان ينظم هذه المعاني على وزن قصيدة السيد نصر الله وقافيتها فقال :-
يا نبعة نبعت من أحمد الـــزاكي ونفحة نفحت من عرفه الذاكــي
ومن غدت قبلة للقــصد وجهته ونجعة روضها غضّ لهــــلاّك
ومن برى خلقه الوالي لمعــدلة وأخذ حق من المشكوّ للشاكــي
إنّا إليك تقاضينا فأنت فتــــىً منّزه الحكم عن شكٍّ واشـــراك
قد ضمّنا منزل يزداد منزلــــةً بباسم بوجوه الوفد ضحّــــاك
صدر الممالك محمود المسالك خـوّ اض المهالك غوث الصارخ الباكـي
قد زينت علماء العصر ناديـــه كأنهم في ذراه شهب أفــــلاك
فعاد منهم ومنه حين ضمهـــم وضمه ربع أفلاك وأمـــــلاك
وانشدوا بيت شعر كان أولـــه ( يا تربة شرفت بالســيد الزاكي)
( أقدام من زار مغناك الشريف غدت تفاخر الرأس منه طاب مثــواك )
فعاب قافية البيت الأخير فتــىً مبرّءٌ قوله عن أفك أفّـــــاك
وقال لو بدّلت صحّ النظام بهــا وعاد كالدر منظوماً بأســـلاك
فبدّلت وأستقام البيت حين حكـى باقي البيوت وكان الفضل للحـاكي
( أقدام من زار مغناك الشريف غدت تفاخر الرأس منه حين وافـــاك )
ومذ رأى الحال صدر الملك مال إلى نصر القديمة عن حـــذق وادراك
وكرّ للبحث في التحقيق مطلبــه بمقول مثل حد السيف بتّـاك ( )
وللأخيرة ذاك الحبر رجّح عـــن رأي لسرِّ الخفــــايا أيّ درّاك
وقام يملي عليها من أدلّتـــــه كالغيث ان جاد لا يمنى بإمســاك
وطال بينهما فيها النزاع وقـــد كرّا بعزم يروض الصعب فتّـــاك
وكلما قرّباها منهم بعــــدت كالصيد منفلتاً من قيد أشـــراك
وكلما اسمعوها أبرزت صممـــاً عن قول كل بليغ القول سفّاك( )
وارتج البــاب حتى ليس يفتحه سكاك فتح ولا مفتاح سكّاكي( )
فأرسلوها وهم في أسرها ثقـــةً منهم بمولى لقيد الأسر فكّـــاك
فافلق برأيك عن ظلمائها فلقــاً وأكشف دجى شكّها عن كل شكاك
واختر لذا البيت من هاتين قافيـةً يغدوا بها كعروس حال إمـــلاك
وخذ صفايا العلا واترك نفايتهـا فانت افضل أخاذ وتـــــرّاك
ولا تزال بك الأيام صالحـــةً يذكو شذا عرفها من عرفك الذاكي
ولاتزال الليالي فيك باسمــــةً رضا وطرف العدا من غيضها باكـي

فلما وصلت الأبيات إلى السيد بحر العلوم أجاب عليها فقال :-
ملّكتما في القوافي غير مــلاك ولا محكّــــــك رأي فيه سفّاك
وقلتما : اختر لنا من تين قافيــة حتى تميز لنا الازكى من الزاكــــي
كلتاهما نسج داود وناسجهــــا مقدّر السرد في نظم باســـــلاك
وللأخيرة في فن القريض سمـــت بحسن رأي فتىً للنظم حبّــــــاك
فتى إذا قال بذّ القائليــــن وان يمسك فعن كرم يدعو لإمســــاك
ما رجح الصدر صدر الملك متخـذاً أولاهما فهو في غلـــــواء إدراك
لكن حمى ضعفها إذ لاث لوثتهــا وهو الحمى للضعيف الضارع الشـاكي
مهما شككتُ وليس الشك من خلقي فانني لست في حكمي بشكّــــاك
لكنني لا أرى للبيت قافيـــــة مثل التي ليس يحكي فضلها حـــاكي
أقدام من زار مغناك الشريف غـدت تفاخر الرأس إذ داست بمغنـــــاك
أضحت تطاول شـأواً كل ذي أدبٍ وان سما رتبة من فوق أفــــــلاك
استغفر الله ما قصدي الفخـار ولا فخري القوافي وان خصّت بأملاكي( )
ولما وقف على هذه المحاكمة الشيخ محمد علي الأعسم النجفي( ) قال يذكر الواقعة ويمدح السيد مهدي ويثني على النحوي ويقرظ المحاكمة :
ما ذات ضوء جبين مشرق حاكي شمساً تجلت لنا من فوق أفــــلاك
حييةً ما رآها غير حليتهــــا ولم يذق ريق فيها غير مســــواك
ولو تمر على النساك لافتـــتنوا وأصبحوا في هواها غير نسّــــاك
يوماً بأبهى سناً من قطعة نظمـت فيها محاكمة ما بين أمـــــلاك
لما وقفت عليها طرت من فـرح لكن تداركني صحبي بامســــاك
ان قلت سحرٌ وحاشا ليس يشبهها سحر فما أنا في قولي بأفّـــــاك
تحكي بأحسن نظم رفقة عجـزوا عنها بنثر وكان الفضل للحاكـــي
تبدي اختلافا وشكوى والرضا معها ولا اختلاف ولا شكوى ولا شاكـي
ولا نكير إذا خاضوا بمعضلـــةٍ لم يدركوها وكانوا أهـــل إدراك
فالحق ينتظر المهدي فيــــه إذا أعيا على كل نقّــــــادٍ ودرّاك
وقف على الشيخ نجل الشيخ ثَمّ وقل ( يا نبعة نبعت من أحمد الزاكي ) ( )
ويا ذبالته من نوره اتقّــــدت ونفحة نفحت من عرفه الذاكـــي
ملكتم النظم والنثر البديع وكـم سما لدعواه قوم غير مـــــلاّك
وكم لكم آية غرّاء بان بـهــا نهج الهدى لم تدع شكاً لشكّـــاك
فامنن بعفو فلسنا من فوارسهــا ونحن عزل وكل منكم شاكــــي
" وقال الأديب الكامل الشيخ محمد هادي بن الشيخ احمد النحوي ( ) يمدح السيد الطباطبائي ويقرظ المحاكمة:
أكرم بحاكم عدل منصف الشاكـــي أمن المروع أمان الخائف الباكـــي
أكرم بــــــه ربّ آراء وإدراك لكل معجمة غــــــرّاء درّاك
فكّاك معضلة حلاّل مشكلـــــةٍ أكرم بحلاّل اشكال وفكّـــــاك
حكّمتما عادلا في حكمه ثقـــــة لم يبق شكّاً لمرتاب وشكّـــاك
وليس تأخذه في الله لائمــــــة لا زال ينتصف المشكوّ للشـــاكي
كم قد هدى برشاد الحق كل أخــي غيّ وكم ردّ من افك وأفّــــاك
وكم أنار لنا طخياء مظلمــــــةً منارها لم يبن يوماً لســــلاّك
أماط عنها قناع المشكلات كمــــا قد صان حوزتها عن هتك هتّــاك
وراض كل شماس من عزومتهــــا بطرف فكر لما قد نــــدّ درّاك
وكلما جنحت تبغي المطار غـــدت مصفودة مثل صيد وسط أشــراك
غمّت على العلماء الراسخين كما الــ تاثت على كل رغّــــاب ودرّاك
أعيت على الكل حتى قال قائلهـــم سدت على طرق آرائي وإدراكــي
وكم قضيت لنا بالحق معدلــــة كأنما صدرت عن وحي أمـــلاك
حكيت جدك اقضى العالميـــن وذا فضل به انفرد المحكي والحاكـــي
وكم أفضت على الدنيا هدى ونـدى كانا حياة لضلاّل وهـــــلاك
ما فاته ابداً حاشاه ذو كـــــرم كلا ولا فاته نسك لنسّـــــاك
كلّ السحب ان تحكي نداه وهــل يحكي ندىضاحك في جوده باكي( )
تمنت شآه اقتحام يوم ملحمــــة بل قد شأى كل مقدام وفتّــاك( )
فما من الفتك والجدوى لديه غــداً يهمي بعارض سفّاح وسفّـــاك
من جده حيدر الكرار من عجبــت من كرّه كل أملاك بأفــــلاك
قد غادر الشوس والبهم الكماة علــى نشز من الأرض صرعىبين دكداك( )
مجزّرين على الاكام تحسبهـــــم هدياً تقرب فيه كف نسّــــاك
كم وقعة هدمـــت دين الضلال وكم يوم به كثر المبكيّ والباكــــي
ببارق قد محا ليلَ القتام كمـــــا به محا ليلَ إلحاد وإشـــــراك
تخاله في السنا فجراً وكم فجـــرت به دماءٌ لمرتابين شكّــــــاك
كم بات شاكي جراح منه كل فتــى مدجج مستعد للوغى شــــاكي
وكم بخطّيه قد شك مهجـــــة ذي خطى بدين الهدى والحق شكّــاك
لا بدع ان راح يحكيه ويشبهــــه بحد بأس لعمر الجور بتّـــــاك
يغشى الهياج بوجه ضاحـــك وإذا جن الدجى بات فيه خائفاً بــاكي
يحيي الدجى يرقب الإصباح تحسبـــه ينظّم النجم عن فجرٍ بأســـلاك
قد حاز كل مزايا الفخر في كرم الـــ أخلاق لم يبق مِن أزكى ولا زاكـي
ودّ النسيم بأن يحكي خلائقـــــه فأصبح الفضل للمحكيّ لا الحاكـي
سر الدقائق مصداق الحقائق مــــأ مون البوائق عزّ الضارع الشاكــي
من معشر قد زكت أعراقهم وذكــت أعرافهم حبذا الزاكـي على الذاكي
زكوا فهوماً كما قد شاء عرفهــــم يا طيب ذلك من ذاكٍ على زاكي ( )
طوبى لها دوحة في الخلد منبتهــــا طوباك من دوحة في الخلد طوبــاك
الله طهّرهم عما يدنّـســـــهم من شوب شرك وعن أثواب إشـراك
وقيل أوحى الى أياته كرمــــــاً لولا علاكم لما فلكت أفلاكـــي
فضائل انتشرت رغماً لكاتمـــــها هل يكتم العرف من مسك بإمسـاك
شكراً لبارٍ حباني حبكم كرمــــاً فحبكم من لظىً في الحشر فكّاكـي
قد ارتضى ليَ لطفاً بي امامتــــكم وما ارتضى لـي هلاكاً بين هـلاّك
هل أملك الشرك لو عمرت طول مدىالـ آباد حتى أوافي فيه مـــــلاّكي
تالله لن تملكي يا نفس أيســـــره الاّ بعون من الرحـمن مـــولاك
قد أوجب الله مفروض الولاء لهـــم كيما يميز خبيث الأصل والــزاكي
فخذ بقيت نظاماً واعف عن زللـــي بلطف صفح فذي غايات ادراكـي
فالنظم في جنب ما نظّمت محتـــقرٌ فهل يباري الـحصى درّيُّ أفـلاك
سبى عقولاً بمسبوك النـــــظام ألا فاعجب لسابـي عقول فيه سبـّاك
قد غادر الشعراء المفـــــلقين به عُجْماً كأنّـهم من بعض أتــراك
فحالتي مثل حال الغيث يمــطر في الـ بحر المحيط بما يهدي لمـــــلاّك
ومن غدا لرياض الزهر يتـــــحفها وللأراك بورد أو بـمــــسواك
وناقل التمر يهديه إلى هــــــجرٍ هل فعله كان عــن حـزم وإدراك
تركت كل أخي فخرٍ لمفتــــــخرٍ هذا لهذا عيــــــوفاً ايّ ترّاك
يستحقر الكل كّلاً في فخـــار فتــىً دون البرية كــــل الفضل درّاك
فاسلم على جدة الأيام ما صـــدحت ورق الحمائم وهناً أو حكى حاكي( )

آثار هذه المعارك وأهميتها في حركة الأدب
يمكن تسجيل الملاحظ الآتية في رصد ابرز ملامح هذه المعارك والإشارة إلى أثرها في تطور الحركة الأدبية ومدى مساهمتها في إنضاج مضامين أكثر رقياً في هذه الحركة، وهي بإيجاز :
1. تفاهة الموضوعات التي يحاول هؤلاء الشعراء معالجتها ، والإفادة منها في ملء الفراغ ، والتنفيس عن مشاعرهم الحبيسة في ذلك الظرف المظلم ، والمحيط المجدب .
2. تأثر هذه المعارك بمعركة الخميس الأدبية ، وذلك يظهر في اللجوء إلى حكم يدلي برأيه ، زيادة على ما طبع معركة الخميس من تناغم في المعاني الواردة في قصائدها.
3. ان موقف السيد بحر العلوم في هذه المعركة يشبه موقفه في معركة الخميس ، فهو يميل إلى المصالحة والتوفيق ، وعدم القطع لأسباب كثيرة منها:
أ‌. انه يرى في نفسه الموجّه الأعلى للمجتمع بحكم مسؤوليته الدينية كمرجع أعلى – وقد أشرنا إلى ذلك في الفصل الأول – وهو بذلك مطالب بأن يرضي الجميع، ويزيد من أسباب الألفة ، ويطمس معالم الخصومة بجانبها السلبي الضار ، في المعارك حتى وان كانت أدبية.
ب‌. طبيعة فكره الإسلامي الذي يتسم بأعلى مستوى أخلاقي يمنعه من مناصرة قوم على آخرين.
ت‌. تخطيطه – وهو الموجّه والمحّرك – لهدف أعلى من هذه المعارك ولا سيما انه كان قطباً في كلتا المعركتين، وهو مشدود إلى هدفه الأسمى ، وليس إلى هذه الاختلافات الجزئية ، التي قد لا تعني شيئاً ، ولا تخدم غرضاً الا انها وسيلة إلى هدف عام ، يدور كل واحد منهم في فلكه المخطط والمحسوب ، وقد ألمحنا إلى تلك الأهداف بإسهاب في دراسة معركة الخميس الأدبية .
4. ان السيد بحر العلوم مازال يمارس دوره في تنشيط ورعاية الحركة الأدبية وإعادة الاعتبار للشعر في وسط تلك العجمة السائدة والشاملة ، وذلك الانصراف التام إلى العلوم الشرعية، ودراستها بعيداً عن الأدب ، مما أدى الى فقدان الذائقة الأدبية ، وضعف الملكة الفنية.
5. ويمكن القول ان هذه المعركة استمرار لنهج معركة الخميس الأدبية وإنضاج وترسيخ لآثارها، ولا سيما إنها نهجت السبيل نفسه الذي انتهج في معركة الخميس ، بل ان بعض أعضائها كان من المشاركين في معركة الخميس كالشيخ محمد رضا النحوي والسيد بحر العلوم.
6. ويلحظ في هذه المعارك ضياع هذه القدرات والملكات الشعرية الفريدة في أمور أقل ما يقال فيها إنها عديمة الأهمية ، لا تستدعي إستنفاد تلك الطاقات الشعرية بهذه الصورة، ولعل ذلك راجع إلى ظروف الحقبة التي عاشوا فيها ، وانعدام الرؤية الشمولية الجذرية للواقع بأبعاده المختلفة ، وما يفرزه من فكر مطالب بأن يتتبع ملامح أسلوب تجاوز ذلك الواقع والخروج برؤية عامة تستقطب موقفاً عاماً ، له جماهيره ، يوظف طاقات المجتمع بشكل خلاّق من أجل النهوض والتقدم ، بيد ان طبيعة تفكير القوم ، في ظل ظروف العقم الشامل في حياتهم أدّى إلى ان يوظفوا طاقاتهم الشعرية وينفسوا عنها في مسارب ذات طابع فردي ، يفتقر الى الشمول والجذرية والطموح الى التجاوز ، وتلك ضريبة يدفعها المبدع ، حين يعيش في ظل مجتمع متخلف ، أسيراً لنظرة سلفيّة ضيّقة ، ومقطوع الصلة بأحوال العالم البعيد أو القريب منه ، تلك الأحوال التي يمكن تلمس طبيعتها في أية نظرة لواقع البلد الذي يعيش فيه هؤلاء الناس في محيطه الأدنى ،ومحيطه الأوسع ، أمته الإسلامية.
7. وتأسيساً على الفقرة السابقة يمكن القول ان رؤية المشاركين في تلك المعارك ( المعارك الأدبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ) كانت مغلفة بضبابية ، ترجع في جملة من أسبابها إلى ظروف العصر ، وغياب القضايا العامة ، للفردية التي وسمت مشاكل العصر في ظل غياب النظرية الشاملة التي تصل إلى أعماق الأمور ولذلك كان الاهتمام بالجزئيات.
8. ومن الملاحظ اللافتة والجديرة بالإشارة ان الناحية الفنية لم تكن محط أنظار المتحاكمين ( المتعاركين ) ، ولم تكن محط نظر السيد بحر العلوم نفسه والا فأن كل المعاني ( المقترحة منها أو التي حكّم بها ) لا تختلف بعضها عن بعض فضلاً عن ان المعاني مكرورة ، ومألوفة ، وليس فيها من ملامح الإبداع شيئاً كثيراً .
9. ومن الناحية الفنية يمكن تسجيل الملاحظ الآتية على هذه النصوص:
أ‌. التزام هذه المساجلات بما كانت تلتزمه النقائض في عصور الشعر الذهبية من حيث وحدة القافية والوزن.
ب‌. لا يندر وقوع الأخطاء النحوية فيها، بالرغم من ان أطرافها قد قطعوا شوطاً متقدماً في دراسة علوم اللغة العربية . من ذلك ما ورد في قول السيد حسين المتقدم :
من سرّه ان يرى كل الورى جمعت في واحد فليرى ما فيك وليقف
والصواب : فلير ، وهل يمح ، والصواب : هل يمحى .
ت‌. لم يخل نظمهم من ذلك الميل إلى المحسنات اللفظية الذي شهدناه عند شعراء الحقبة التي سبقتها فتجد في قطعة لا تزيد على ثلاثة أبيات: الطرف : طرف ، يرى : ورى.
ث‌. شيوع التضمين في شعرهم ، وجل ما ضمنوه في هذه القطع أشطار شائعة من قصيدة للمتنبي ، وكان تضمينهم لأشطار من قصيدة المتنبي خالياً من الفن، بل انه حطّ من القيمة الفنية لما ضمنوه وكان خاليا من كل إضافة فنية لافتة ، تتاح لللاحق وهو ينسج على منوال السابق.
10. مايزال النقد الأدبي ودور الناقد الأدبي غائباً تماماً وحين يغيب النقد ، والناقد ، يبقى الأدب يراوح في مكانه لا يتقدم قيد أنملة . واللافت ان الحقبة خلت تماماً من أي دور – مهما صغر- للنقاد، وان لاحت نظرات نقدية متفرقة هنا وهناك فهي لا تتعدى نقداً لمفردة أو اقتراح لمفردة أو جملة مكان أخرى ، ولا يتعدى ذلك أيضاً قافية البيت ، إلى النظر في نسيجه.

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:32 AM
معركة الشعر العربي الحديث في العراق
( 1 )
برغم اني لا أريد ان أؤرخ لحركة الشعر الحديث وأعرضها عرضاً مجرداً – اذ ان كثيراً من الأبحاث والدراسات أرخت لها وعرضتها – أجد من الضروري الإشارة بإيجاز إلى بداياتها وجذورها الأولى تمهيداً لتناولها من حيث انها معركة من المعارك الأدبية المهمة التي ملأت الساحة الأدبية في العراق والأقطار العربية في القرن العشرين.
وأول ما يواجه الدارس لمعركة الشعر العربي الحديث في العراق من أمر لافت هو تسمية الأشكال الجديدة في النظم التي ظهرت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وقد اتخذت الأشكال التي سبقتها أسماءً كثيرة مثل : الشعر المنطلق ، الشعر المرسل وغيرها من المسميات التي لُحظ فيها جانب من التفاوت في مفاهيم كل من هذه الأشكال ، وظهرت في حقبة تكفلت بدراسة المعارك التي دارت فيها رسالة ماجستير بعنوان ( المعارك الأدبية حول الشعر في العراق بين الحربين العالميتين ) ( ) .
أما الحقبة التي جاءت بعد الحرب العالمية الثانية – وهي موضوع هذا الفصل – فقد كثرت فيها المسميات الجديدة أيضاً ، لعل أبرزها ما دعي بحركة الشعر الحر ، إلى جانب مسميات أخرى ، كحركة الشعر الجديد أو حركة الشعر المعاصر ( ) أو شعراء اليوم ( ) أو الشعر المنطلق ( ) أو المدرسة المنطلقة ( ) أو الشعر العربي الحديث والمعاصر ( ).
و"شاعت تسمية الشعر الحر في العراق والبلدان العربية ، منذ أوائل الخمسينيات وقد استعملت وما تزال للدلالة على نمط من الشعر خرج على النظام التقليدي للقصيدة العربية ، الذي يعتمد فيه البيت الشعري شطرين متوازيين عروضياً وتنتهي بقافية مطردة ، إلى ذي شطر واحد ليس له طول ثابت ، وإنما يصح ان يتغير عدد التفعيلات من شطر إلى شطر ودون ( ! ) [ ومن دون ] التزام بنظام ثابت في القافية ، والتسمية تفتقر إلى الدقة ، فهي ليست بالاصطلاح الإنكليزي الذي أطلق على شعر خال من الوزن والقافية " ( ).
وقد آثرت ان يكون عنوان الفصل ( معركة الشعر الحديث ) لأن كلاً من تلك الأسماء لحظ شكلاً معيناً من أشكال النظم ، زيادة على ان لكل منها تعريفاً يكاد يختلف عن غيره ، أما تسمية الشعر الحديث فهي أكثر سعةً وشمولاً لكل أشكال النظم التي ظهرت في هذه الحقبة ولاسيما ان بينها كثيراً من الاختلاف الذي أشار إليه دارسو شعر الحقبة التي حددناها ، وعليه فان ( الشعر الحديث ) مفهوم زمني يعبر عن تلك الأشكال الجديدة جميعاً .
وقد امتدت معركة ( أو قل معارك ) الشعر الحديث في العراق على حقبة طويلة ، تتحدد بداياتها مع بداية القرن العشرين ، ومازالت نهاياتها لم تتحدد معالمها بعد ، بيد ان دراستنا – لما تقدم – ستنحصر بالمعارك التي حدثت بعد الحرب العالمية الثانية ، وأجد من الضروري ان أقدم للفصل بجملة من الملاحظ ومنها :
1- ان المعارك الأدبية بوجه عام ولاسيما ما ورد في هذه الدراسة ، تختلف عن المعارك التي تقع في ساحة الحرب أو غيرها من سوح النزال والصراع ، فتلك معارك بالأيدي والعضلات والسلاح ، وغيرها من وسائل العراك ، وهذه تتمثل في صراع الأفكار والآراء.
2- ان معظم المعارك الأدبية التي مرت في فصول الرسالة انمازت بالمواجهة الواضحة بين شخصين أو أشخاص يتبادلون الأخذ والرد بالكلام أو الشعر ، في حين انمازت معركة الشعر العراقي الحديث بأنها قد تغيب فيها صيغة المواجهة بين شخصين ، وإنما هي مساجلات وخصومات وعراك بالأفكار ، قد لا تظهر فيها ملامح الشخصيات كما ظهرت في المعارك الأخرى ، وقد لا يظهر فيها المتخاصمون صراحة في أخذ ورد .
3- ان هذا لا يعني ان كل معارك الشعر العراقي الحديث من هذا النوع بل انها ضمت أيضاً من معارك المواجهة صوراً كثيرة ، فقد نجد ان كثيراً من الآراء والمقالات قد انصبت على أشخاص بأعيانهم ، من أشخاص يقفون قبالتهم ويردون عليهم مباشرة ، وهذا يعني ان معركة الشعر العراقي الحديث قد ضمت ألواناً ونماذج مختلفة من المعارك.
4- تعد ظاهرة الشعر الحديث ، بما مثلته من تغيير خطير في شكل القصيدة العربية ومضمونها ، من أبرز التحولات التي شهدها الأدب العربي طول تاريخه الضارب في القدم ، من حيث طبيعة التغيرات التي حدثت ، واتساع المشاركة فيها ، وامتداد ذلك الى أجيال متتابعة من الأدباء والشعراء والنقاد .
5- ليس مما يعني الرسالة الخوض في تفصيلات حركة التجديد في الشعر العراقي الحديث أو البحث في مسوغات نشوئها، بل سيدور البحث في هذا الفصل على ما توافرت فيه صورة المعركة والخصومة والخلاف ، وان تعرضت الرسالة لبعض جزئيات التغير الحاصل وسماته ، فان ذلك يُدرس بقدر ما له علاقة بعرض أفكار المتعاركين وبيان مواقفهم .
6- وقد يرد في هذا الفصل عرض لآراء أدباء وكتّاب غير عراقيين ، ومسوغ ذلك ان هذه الآراء تنصب على الشعر العراقي الحديث ، ومن ثم لابد من التطرق إليها ، استيفاءً للبحث وعرضاً لكل أبعاده ، أولاً ، ولأنها تسهم في توضيح أبعاد المعركة ثانياً ... أما الآراء التي وردت لغير العراقيين مما ليس له علاقة بالشعر في العراق ، فلم أجد مسوغاً للإشارة إليها .
7- بعد كل ما تقدم ، يبدو ان الأقرب والأنسب ان يكون عنوان الفصل معركة الشعر الحديث ، بالرغم من ان بعض هذه المعارك كان محدوداً بحدود موقف معين أو رأي ، وهذا ما أدى إلى ان تكون أشبه بالمعركة الواحدة التي تعددت جوانبها ، وعليه كان عنوان الفصل .
( 2 )
من المسلمات ان حركة الشعر الحديث ، لم تبرز بغتةً ، ولم تنشأ من فراغ ، فقد سبقتها محاولات كثيرة امتدت على طول تأريخ الشعر العربي ، وقد استوعبت القصيدة العربية " أكبر التحولات التي طرأت على المجتمع العربي والبيئة الإسلامية وأخطرها ، فقد شهدت نزول النص المعجز وواجهت دوراً جديداً ، اذ عهد إليها مهمة الدفاع عن الإسلام ... ومع هذا حافظت على بقائها لأنها المجرى الذي أحكمته قرون طويلة من الثقاف والتهذيب والاستيعاب لقرائح العرب قاطبة " ( ) .
وترجع البدايات الحقيقية ( للثورة ) على الوزن والقافية إلى القرن الثالث وكانت كثير من المحاولات السابقة إرهاصاً بتلك الرغبة في التغيير ، ومن تلك المحاولات ما بدأ في العصر العباسي في شعر أبي العتاهية الذي كان يقول ( أنا أكبر من العروض ) ( ) وقد سمع صوت المدق فحاكى وزنه في شعره فقال :
للمنون دائرات يَدُرْنَ حولـها
حيـن ينتقينـنا واحداً فواحدا
"وقيل ان أبا العتاهية اخترع أوزاناً جديدة ، وان لأبي نواس قصيدة خرج بها على نظام الأوزان المعروفة قبله وحاول بعض الشعراء الخروج على نظام القافية الواحدة ... فظهرت المزدوجات ، ولعل بشار بن برد أوّل من نظم المزدوج ثم تبعه أبان بن عبد الحميد فنظم ( كليلة ودمنه ) ... ولابن المعتز مزدوجة طويلة في ذم الصبوح ، وأخرى أطول منها في سيرة المعتضد ... " ( ) .
وقد أكثر العباسيون من النظم في الأوزان التي لم تستكثر منها العرب ، أو لم تألفها آذانهم ، فنظموا على الأوزان المعروفة بندرة ما نظم عليها ( كالمضارع والمجتث إلى ما هنالك ، ونظموا على ما سمي أيضاً بالبحور المهملة في دوائر الخليل ، فقد نظم المولدون على أوزان : المستطيل والممتد والمتوفر ، والمتئد ، والمنسرد والمطرد ، ومما نظم على وزن المستطيل قول الشاعر :
لقد هاج اشتياقي غرير الطرف أحور أدير الصدغ منه على مسك وعنبر
ومما نظم على وزن الممتد وهو عكس المديد قول الشاعر :
قد شجاني حبيبي واعتراني أدكار ليته إذ شجاني ما شجته الديار
واخترعت أوزان أخرى كبعض أوزان اخترعها مسلم بن الوليد ونظم عليها، واخترعت الفنون السبعة التي لم ينظم على وزنها الا المولدون ، ولا يعدها العروضيون من الشعر وهي ( السلسلة ، الدوبيت ، القوما ، الموشح ، كان وكان ، المواليا ، والزجل ) ، و" استحدثت أمور في نظام القوافي منها ( الشعر المسمّط ) وهو أن يبتديء الشاعر ببيت مصرع ثم يأتي بأربعة أقسمة على غير قافيته ، ثم يعيد قسماً ( شطراً ) من جنس ما ابتدأ به وهكذا إلى أخر القصيدة ، ويقال ان أول من فعل ذلك امرؤ القيس ... ولعله مما حمل عليه بعد ان ظهر التسميط ، ورووا له في ذلك قوله :
توهّمت من هند معالم أطـلال عفاهنّ طول الدهر في الزمن الخالي
مرابع من هند خلت ومصايفُ يصيح بمغناها صــدى وعوازفُ
وغيّرها هوجُ الرياح العواصفُ وكل مسفّ ثم آخـــر رادفُ
باسحم من نوء السماكين هطّالِ
وربما كان السمط بأقل من أربعة أقسمة وبلا بيت مصرع كقول بعضهم :
غزال هاج لي شجنا فبتّ مكابداً حزنـا
عميد القلب مرتهنا بذكر اللهو والطربِ
وجرى على ذلك ، ويسمى بالمسمط ، تشبيهاً له بالسِّمْط( ) . ومنها المخمس ، وهو ان يؤتى بخمسة أقسمة من وزن وقافية ثم بخمسة أخرى من الوزن وقافية أخرى إلى آخر القصيدة وقد أكثروا منه . ومنها المزدوج وهو أن يؤتى بشطرين من قافية ثم بآخرين من قافية أخرى ، وأكثروا منه جداً في نظم كتب الأدب والعلوم كما نظم ابن مالك ألفيته "( ) .
وقد استوعب كلا الشاعرين أبو العلاء والمتنبي " تمام الاستيعاب الثورة الشعرية الأولى في الأدب العربي التي امتدت بين أبي نواس وأبي تمام وهي الثورة التي استهدفت نقل مضمونات الفكر والحياة المعاصرة لها ، إلى الشعر مع المحافظة على الوزن العربي الذي وضعه الجاهليون ،وقد أثبت الزمان انهم بمحافظتهم على ذلك الوزن قد برهنوا على صحة رأي وصدق حدس في دخائل الشعر والإبداع الجماعي : إذ مادامت سرعة الحياة لم تتغير فلا حاجة لتغيير الإيقاع " ( ) .
وهكذا نجد ان التراث العربي قد شهد كثيراً من المجددين في تاريخه الطويل وقد غيّر أولئك قليلاً أو كثيراً ، كل بحسب قدرته وموهبته ، ولكنهم جميعاً كانوا ينطلقون من قواعد الخليل بن أحمد العروضية وعليه يمكن القول ان الحركات التجديدية منذ العصر العباسي إلى بدايات القرن العشرين لم تخرج قط على جوهر التراث الشعري العربي ، فان طاقات القصيدة العربية الفنية التأثيرية لم تزل حاضرة ، ولا يمر جيل الا وتهيئ لها أعماقها الفنية موهبة أو أكثر لتجدد بها شبابها ، وقدرتها على التعبير عن الجديد ، ذلك بان ما تبنيه الأمة بعيداً عن المؤثر الخارجي والذوق الخارجي وأصول اللغات الأخرى سيظل يعبر عن طبيعة الأمة ولغتها وذائقتها إلى ما شاء الله ، لذلك تجد كثيراً من صيحات التجديد وأشكالها المستقاة من الخارج لا تبقى أكثر من عمر من دعا إليها ، بل تضمحل في حياتهم وهم ينظرون " ( ).
وتجسيد ما تقدم نجده متمثلاً في دعوة الشعر الحر ، ولاسيما في كتاب نازك الملائكة ، الذي بدأ منظراً للدعوة ، وانتهى متأسفاً على النهاية التي آلت إليها .
( 3 )
لم تكن الحقبة التي بدأت ببواكير القرن العشرين وانتهت بانتهاء الحرب العالمية الثانية ، حقبة صمت ، لم يرتفع فيها صوت يدعو إلى التجديد ، بل حفلت بكثير من هذه الأصوات في العراق والشام ومصر ، " ولكن هذه الأصوات لم تسمع ، لا بسبب ضعف فيها أو عيب ، وإنما كان المناخ الثقافي مهيئاً لإحياء الكنوز القديمة والعودة إلى النبع العذب "( ) .
ففي مصر نشأت مدرسة ( الديوان ) نسبة إلى كتاب نقدي أصدره زعيمها العقاد وزميله المازني تناولا فيه شاعريتي شوقي وحافظ إبراهيم ، دعا إلى أمور كثيرة تتعلق بالقصيدة العربية ، ووجوب تجديدها " ولقد وجدت هذه الأفكار صداها ، وتعلّمها عنه الجيل المعاصر له وبقيت حيّةً معمولاً بها حتى يومنا هذا ... بحيث أصبحت بديهيات تخفي المشاق والمتاعب والمعارك التي خاضتها مدرسة الديوان التي رأسها العقاد " ( ).
وما كاد عقد مدرسة الديوان يتناثر ، ويتفرق شملها ... حتى كانت مدرسة شعرية جديدة قد شغلت القوم متذرعة بذرائع مدرسة الديوان نفسها هي مدرسة ابولو( ) .
وقد حملت اسم مجلة مكرسة لفن الشعر أصدرها احمد زكي أبو شادي ولعل أبرز ما اتسمت به مدرسة ( ابولو ) دعوتها إلى التجديد الموسيقي " ولم يكن هذا الصوت رغم ضخامته وجهوريته ذا اثر في الشعر العربي ، والذين يذكرون هذه المدرسة إنما يسترجعون ذكريات شخصية ، فليس لشعرهم المرسل أو شعرهم الحر قيمة " ( ) .
ثم كانت بعدها دعوة ( الشعر المهموس ) التي دعا إليها الناقد محمد مندور " والشعر المهموس في رأي مندور من الناحية السلبية شعر صادق لا خطابة فيه ، وأما من الناحية الايجابية فهو أدب يصاغ من الحياة وكأنه غير الخطابة التي تغلب على شعرنا فتفسده ... " ( ) .
ولم يواصل مندور منحاه الجديد ولم يستطع ان يجد تطبيقاً لدعوته الاّ في الشعر المهجري ، وهذا ما أضعف دعوته ، وقد أغرت مندور الماركسية فحاول ان يتجاوز دعوته الأولى في الشعر المهموس إلى تبني ( الواقعية الجديدة ) وبذلك " فقد كل سحره وأفسح المجال لمن هم أعلم منه بالماركسية وألصق منه رحماً بها ... " ( ) .
وقد حاول آخرون ان يطوروا اتجاهات الديوان وابولو والشعر المهموس ، أو ان يتخذوا موقفاً وسطاً ، ولكنهم لم ينجحوا ومنهم مارون عبود ، وطه حسين ، والسحرتي ، واحمد الشايب ، وعبد الرحمن بدوي وأمين الخولي وغيرهم( ).
أما في المهاجر العربية فقد تأسست عام 1929 ( الرابطة القلمية ) لتجمع شعراء أمريكا الشمالية من المغتربين العرب ومنهم فوزي المعلوف وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ، وتأسست بعدها بسنوات قليلة ( عام 1933 ) ( العصبة الاندلسية ) لتجمع شعراء أمريكا الجنوبية من المغتربين العرب هناك ، وكانت الرابطة القلمية " شديدة الاندفاع نحو الجديد وتدعو إلى قطع الصلة بالماضي" في حين كانت ( العصبة الاندلسية ) أقل اندفاعاً وأكثر اتزاناً في سبيل التجديد " ( ) .
ويبدو ان دعوة المهجريين إلى التجديد قد أعطت زخماً جديداً للدعوة إلى التجديد " فنجد في مجلة ( المقتطف ) بتاريخ يناير 1902 مقالاً يدعو إلى تجديد الشعر العربي بالانفتاح على الشعر الأجنبي . ونجد المنفلوطي يقول : ( ما كل موزون شعراً ... وان الوزن أشبه بالحلي في جيد الغانية والوشي في ثوب الديباج المعلّم ) ، وبثورة المهجريين على الوزن والقافية أوجدوا لنا مفهوم ( الشعر المنثور ) أو ( النثر الشعري ) كما يظهر في كتابات جبران والريحاني ... " ( ).
وفي لبنان في حدود عام 1928 بدأت المجلات الأدبية " تتحدث عن الرمزية في الأدب ، وهو المذهب الذي كرسه سعيد عقل في مقدمة ( المجدلية ) عام1937 ،كما ( ! ) صرنا نسمع عن الرومانسية كمذهب أدبي ربما كان من أوائل روّاده جبران ولكننا نجد تكريساً لهذا المذهب في مقدمة ( أفاعي الفردوس ) لإلياس أبي شبكة ، وهكذا سارت الحال بالشعر العربي الذي حافظ على القديم شكلاً ومضموناً في الأعم الأغلب كما عند شوقي . والى جانب المحافظة على القديم نجد الآراء الجديدة تناولت الشعر العربي ، بالتطوير على أيدي المهجريين ومن يتبعهم من شعراء لبنان وبقيت الحال كذلك حتى الحرب العالمية الثانية " ( ).
وقد دارت معارك كثيرة في الوطن العربي في إطار الصراع بين القديم والجديد " يكفينا ان نذكر الآن تلك المعارك التي دارت بين مصطفى صادق الرافعي ، حامل لواء القديم وموسى سلامة ( ! ) [ والصواب سلامة موسى ] حامل لواء الجديد ، وما نشر ( الهلال ) عنها حينه [ في حينه ] مدى العنف الذي تخلل هذه الخصومة وكذلك ما دار من النقد العنيف لكتاب ( في الشعر الجاهلي ) الذي عدّله الدكتور طه حسين فيما بعد ، وعدّل بعض المعممات المطلقات فيه " ( )
ولابد من ان نذكر – في هذا السياق – الحملات التي أثارها عباس محمود العقاد على احمد شوقي ، وكانت بدايتها عام 1912 ، ولم تخل تلك المحاولات النقدية من فائدة لأنها دفعت الأقلام في تلك الحقبة .
( 4 )
يمكن دارس الشعر الحديث في العراق أن يشخص ثلاث مراحل حمل التغيير في كل منها سماتٍ قد تختلف عن الأخرى ، ويمكن تحديد هذه المراحل الثلاث بالآتي :
المرحلة الأولى : 1911 – 1945 وفي هذه المرحلة :
1- ظهر ما يدعى بالشعر المرسل و" أول من دعا في العراق إلى هذا الشعر " الزهاوي " ولكنه اشترط شروطاً ، ولم يترك الشعور يجري على حسب أهواء الشعراء فقد رأى ان الشعر المنظوم اشد تأثيراً من المنثور ، لما فيه من اللحن والموسيقى ... وقد وصف الزهاوي الداعين إلى تقليد الغرب بضعاف النزعة ( ! ) العربية ، وقال ان بيئة الغرب تأثرت بالآلة ولم يتأثر بها العرب ،وعد شعر الغرب نسيج الآلات ، وشعر العرب شعر الأرواح ، ومن قتل الشعر العربي فقد قتل العرب ... ودعا الزهاوي في تجديده إلى ترك القافية والاكتفاء بالوزن ... ونشر قصيدة أيّد فيها رأيه " ( ). ويمثل الزهاوي في هذا من يمكن ان نسميهم الجيل الأول ، ويمكن حصرهم زمنياً بالحقبة الواقعة بين بداية القرن العشرين وانتهاء الحرب العالمية الثانية ، وقد دارت في هذه الحقبة معارك حول الشعر في العراق ، بين الزهاوي والرصافي وأنصار كل منهما ، ثم امتدت ، في الحقبة نفسها إلى خارج العراق فاشترك فيها أدباء وشعراء من مصر والبلاد العربية الأخرى ( ) .
2- وقد أيد الزهاوي في دعوته كثيرون " ومن المؤيدين للشعر المرسل شكري الفضلي فانه نشر مقالة في جريدة العراق وأخرى في مجلة الحرية آزر فيها الزهاوي ... وقد شرح رأيه بان ترك القافية يمهد الطريق للشعور والإحساس ...واعتبر ( ! )[ عدّ ] الوزن نوعاً من الغناء ولما كان الوزن كاملاً من دون ( ! ) قافية فلم يجد ضرورة للقافية لان القافية مصيبة الأدب العربي " ( ) على ما كان يرى ." ولجأ للشعر الحر في العراق حينئذ ضعاف الشعراء الذين لم تكن لهم ثقافة عربية أصيلة ولا إطلاع عميق على آدابها ، والأغلب هم ممن لم يتعلم في المساجد وأنظمتها" ( ) .
3- و" كان لهذه الخصومات أثر كبير في الحياة الأدبية في العراق وفي حركة النقد خاصة ... وكانت الصحافة سجلاً حافلاً لكل ما دار ، وكانت تلك المساجلات النقدية أو المناظرات الأدبية تصل في بعض الأحيان إلى مشاحنات شديدة وجدال " ( ).
ونشرت الجرائد والمجلات لشعراء كثيرين من العراق والبلاد العربية الأخرى " وقد اهتمت ( صدى بابل ) بنشر نماذج من هذا الشعر لان صاحبها ( داود صليوه ) كان ذا ثقافة عربية ضعيفة محدودة ، وكان ركيك الأسلوب فوجد في الشعر المرسل شيئاً جديداً يوافق ثقافته الفقيرة التي لا تعرف قوة النسج ورصانة الأسلوب ... " ( )
"ويتبارى الشعراء الضعاف في التحرر من الأوزان والقوافي ، حتى ينتقل الشعر إلى نثر مسطور على شكل الشعر ، وقلما وجدنا فيه بعض القوافي والموسيقى والوزن ، وفتح روفائيل بطي صدر مجلة( الحرية) التي يشرف على إصدارها لمثل هذا الخلط ... "( ) .
4- ونشر الرصافي مقالاً جعله على شكل شعر بعنوان ( الشيطان أمثاله وأشعاره ) وقد سار في تيار العصر ونظم في الطريقة ، وان لم يقدر مثل هذا الشعر " فقد خلط بين النثر والشعر المرسل ، وكان في الذي نظم كثير من الوزن والقافية "( ) .
5- ونشرت مجلة ( الحرية ) قصيدة للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني ، أسمتها الشعر المطلق بعنوان ( محاورة قصيرة مع ابن لي بعد وفاة أمه ) ( ).
6- ونشرت مجلة ( اليقين ) " لصاحبها محمد الهاشمي قطعة من الشعر الجيد لم يذكر اسم كاتبها ... وقد بدأت المجلة بنشر نماذج من البند العراقي في عددها الأول "( ).
7- " وتنشر الجرائد العراقية أنواعا غريبة وأنماطاً عجيبة من هذا الشعر الجديد الغريب الأنماط متأثرة بالريحاني المتأثر بالشعر الأمريكي الذي اعتبره [ عدّه ] روفائيل بطي زعيم مدرسة الشعر الجديد في العالم العربي ، فنجد في مجلة ( الصحيفة ) قطعة بعنوان ( أيتها الفتاة ) ...وأخرى بعنوان ( اشتكي ) " ( ) .
8- وتنشر جريدة الاستقلال قصيدة بتوقيع أبي سلمى وقد وضعت في باب الشعر المرسل ... وقصيدة لخضر صالح بعنوان ( جهادي في بلادي ) ... وقصيدة ( لمدحة ) بعنوان ( إلى فتاة الشرق ) ( ).
9- " وينشر بسيم الذويب قصيدة في المزمار سنة 1929 ... "( ).
10- " ويصدر روفائيل بطي مجموعة الربيعيات فيها من الشعر المرسل "( ) .
11- " ولم يقف تيار هذا الشعر الحر أو ( النثر المشعور ) كما يسميه الدكتور مصطفى جواد ، بل مضى في طريقه ... وإحصاء ما نشر خلال ربع القرن الماضي ليس أمراً يسيراً ... وبقيت حركة التجديد محدودة مع ان الجرائد كانت تنشر لنقولا فياض والمازني وغيرهم من شعراء البلاد العربية في المهجر " ( ).
المرحلة الثانية وهو جيل الرواد :
ويتحدد زمنياً بالحقبة الواقعة بين نهاية الحرب العالمية الثانية ونهاية الستينيات من القرن العشرين ، وقد دارت فيه عدة معارك ، ستكون مجال الدراسة التي تعد أوسع في هذا الفصل ،وقد لمع في هذه المرحلة نجم الشعراء الرواد وأبرزهم بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري وغيرهم .
وقد تشعبت هذه المعارك ، فكانت منها معارك جزئية تعلقت بمواضيع بعينها ، يربط بينها جميعاً رابط مشترك هو انها دارت حول الشعر الحديث في العراق ، وصاحبتها محاولات تنظيرية لافتة ، حاولت ان تضع أسسا لحركة الشعر ، وكانت موضع أحذ ورد .
ومن سمات هذه المرحلة – أيضاً – وضوح تيارين يبتعدان في كثير من الأحيان ويلتقيان أحياناً ، " ولكنهما على أي( ! ) [ أية ] حال ينزعان إلى هدفين مختلفين ومن هنا كان الصراع عنيفاً بينهما في أول الأمر ، ولاسيما بعد ان طلعت نازك الملائكة بدعوتها الجديدة ونشرت هي والسياب والبياتي وغيرهما شعراً جديداً لم يألفه الرعيل الأول من شعراء هذا الجيل ، ولكن الصراع خف وكادت الموجة ان تأخذ قرارتها في السنوات الأخيرة ، ولم يبق لهذا الجيل أو للجيل القادم الا ان يأخذ بالأدب الذي يثبت في معترك الحياة ، وبالصيغ والأشكال التي يقبلها ذوق العصر وتقبلها الأذن العربية الأصيلة " ( ) .
وقد حمل هذا الجيل لواء حركة التجديد في الشعر العراقي الحديث ودخل معارك سنعرض لها في هذا الفصل ، وسار على نهجه عدد كبير من الشعراء منهم " الدكتور داود سلوم والدكتور عبد الجبار المطلبي وهلال ناجي ولميعة عباس عمارة وحسين مردان وشفيق الكمالي وعلي الحلي وأنور خليل وسعدي يوسف وصالح جواد الطعمة وجميل شلش والدكتور رزوق فرج رزوق وحسن البياتي وعبد الجبار داود البصري وراضي مهدي السعيد وكاظم السماوي ومحمد النقدي وغازي الكيلاني وزكي الصراف " ( ) .
المرحلة الثالثة : وهو جيل السبعينيات وما بعدها :
وهو الجيل الذي ذهب في عملية التجديد في مسارب متباينة أدّت به إلى ولوج تجارب شعرية جديدة ، لعلها لم تدر بخلد الشعراء الرواد من حيث انفلاتها المطلق من كل قيد أو أسر ، فعادت القصيدة ( إذا صحت تسميتها بقصيدة ) على أيديهم كلمات متناثرة لا رابط بينها ، أنتجت ( صرعات ) جديدة في عالم الشعر ، "وقد أساء إلى حركة هذا الشعر ضعاف الثقافة والتفكير ... فأضاعوا معايير الشعر نفسه ، ولم نعد نرى غير سطور ضبابية الفكرة ،ترص مهلهلة النسيج ضعيفة التراكيب فاستحال الشعر إلى نثر ، وسموا النثر شعراً ... ولم يكن الكثير( ! ) منهم يملك الموهبة الشعرية ، فكان شعرهم خلطاً غريباً عجيباً كثرت فيه الفواصل والنقط وعلامات التعجب ، وكأن الشعر بكثرة هذه الفواصل ، وكان حرّيا بهم جعل القوافي فواصلهم في الكتابة ، لان الإصلاح يجب ان يأتي من داخل الشيء ومن روحه وحاجته لا من الخارج " ( ) ،وأبرز ما يميز هذا الجيل ظهور ما يسمى بالشعر الكونكريتي والشعر الأوتوماتيكي والشعر الهاتفي ، والشعر المضاد ، وشعر الرفض ، والقصيدة الهندسية التي تكتب على شكل دوائر ومثلثات وأشكال هندسية أخرى كما دعا إليها المهندس قحطان المدفعي " ( ) بل ظهرت في هذه الحقبة قصائد سأطلق عليها قصائد التعاويذ ومنها على سبيل المثال :
ق
د ح
ت
ك ر
سـ
صـ
و ت
با
ب
ل ( )
ومن تقليعات ( الشعر الحر ) انهم " عمدوا إلى صف بعض الكلمات صفاً هندسياً وتكرارها هي بذاتها على عدة سطور كما فعل فاضل العزاوي ، أو كما يؤثر ان يشير إلى نفسه على انه ( ف . العزاوي ) وكأنه يريد ان يكون شيئاً من ت. س . اليوت :



لماذا؟
لماذا؟ لماذا؟
لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟
لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟
لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟
لماذا؟ لماذا؟
لماذا؟
فواضح انه تقليد مؤسف يجري إلى لا غاية ، ولا عبرة بمن قد يقول ، أو بما يقال من انها انفجارات تساؤلية( ! ) في حالات أو حالة نفسية معينة أو غير ذلك ، إذ لو كان لمثل هذا التخريج وغيره أي معنى أو جدوى لجاز لنا ان نبرز الهذيان والسخف والقصور الفكري ... نحن نخشى مع اتساع إطلاع شعرائنا المحدثين على شعراء الغرب ان يزيدوا في تقليعاتهم وان يعدّوا ما يعتقده البعض ( ! ) غاية في التجديد شيئاً محافظاً أو متخلفاً ، فهذه ، مثلاً قصيدة كتبها ( لان هاملتون فنلي ) وهي عبارة في مجملها كلمة ( اكر وبات ) ( بهلوان ) فلم يجد الشاعر الا كتابتها بشكل بهلواني دلالة على عبقريته الشعرية :
A a a a a
c c c c c
r r r r r
o o o o o
b b b b b
a a a a a
" ( ) t t t t t
بل ان احدهم لم يخجل ، بعد ( 116 ) صفحة من التفاهات والكلمات المتناثرة والمتنافرة التي يسميها قصائد ، ان يكتب ( إشارات ) في آخر ديوانه أنقلها لكم :
• كتبت قصائد المجموعة بين 1967 – 1975 ، نشر معظمها في : الكلمة ، المثقف العربي ، مواقف ، الشعر 69 ، الأقلام ، الألف باء ( ! ) ، الفكر الحي ، مع ( قصائد) لم تنشر من قبل .
• تعدى ( ! ) استعمال بعض المفردات اللغوية ( ! ) إلى المدلول الشعبي ( ! ) .
• في قصيدة ( أوقات ) اقتباس من غارسيا لوركا – قصيدة ثنائية لبحيرة جنة عدن .
• قصيدة ( على الطرقات أرقب المارة ) مبنية على أساس المأثورة الطريفة ( لعيبة الصبر ) بترتيلتها السوداء ( ! ) التي تشبه السونيا أو الشاي السنقين ( ! ).
• إلى آخر هذا السخف ( ).
هذا ما انحدر إليه ( الشعر الحر ) على أيدي جيل الستينيات والسبعينيات ومن جاء بعدهم .
ولكل جيل من هذه الأجيال خصائص تميزه من غيره ، فجيل الرواد ولد في أحضان القيم الأدبية الموروثة ، وكانت بداياته الأولى في النظم على الطريقة التقليدية ( الالتزام بالعروض الخليلي ) ، بل ان معظم أبناء ذلك الجيل لم ينقطع عن الكتابة بالشكل التقليدي ، وهذا ما جعله لا ينفلت تماماً وهو يستجيب لإرهاصات التغيير و( التطور )، بل انه لم يعدم جهداً تنظيرياً واعياً ، تمثل في كتاب نازك الملائكة ( قضايا الشعر المعاصر ) ( ) ومقدمة السياب لديوانه ( أساطير ) إذ عرض لموضوع الوزن الشعري وبحث عن نظام عروضي جديد ولم يقطع جيل الرواد جذور الشكل الجديد عما ورثه الشعراء من عروض خليلي ، بل انه ظل مقيداً إليه بطريقة ضيّقت عليه ذلك الفضاء الرحب الذي تتيحه الأوزان الستة عشر ، فحصرها في عدد معين من البحور ، لذلك ظلّ يرسف في تلك القيود التي حاول دعاة التجديد التخلص منها .
وفي مقابل الشعراء المجددين ، ومتزامناً مع أجيالهم الثلاثة التي ذكرناها وقف كبار الشعراء المعاصرين ... موقف المناهض لهذه الحركة التجديدية لكونها في نظرهم تحارب الوزن والقافية . وأول سؤال مشروع يدور في أذهان كثير من هؤلاء هو : هل استنفد الشاعر العربي كل طاقات الأوزان الخليلية ، فلجأ إلى البحث عن البدائل ؟
ولابد – للإجابة عن هذا السؤال – من عرض سريع للطاقات الموجودة في الأوزان الخليلية :
- تبلغ أوزان الشعر العربي ستة عشر بحراً .
- تتفرع منها المجزوءات والمنهوكات وغيرها مما يرفع هذا العدد إلى ( 36 ) عروضاً و( 63 ) ضرباً .
- هناك عدد كبير من البحور المهملة التي توجد في الدوائر العروضية .
- وهناك بعض القصائد العربية القديمة خارجة عن هذه الحدود والمعايير التي وضعها الخليل منها :
• قصيدة عبيد بن الأبرص التي مطلعها
أقفر من أهله ملحوب فالقطّبيات فالذنوب
• قصيدة عدي بن زيد العبادي :
قد حان ان تصحو ولو تقصر
• قصيدة المرقش :
هل بالديار ان تجيب صمم
وربما تجاهلها الخليل لأنه أراد ان يجنبها كلمات الخطأ والاضطراب أو لم يرد ان يضع مقاييس لحالات نادرة فيحمّل العروض ما لا ضرورة له كما فعل النحويون واللغويون .
كل هذه الحصيلة الكبيرة تجاهلها شعراء الشعر الحديث فقيدوا أنفسهم بثمانية بحور ، بل ستة صافية فقط ، وهو ما جعل أنصار الوزن الخليلي يأخذون على جماعة التجديد ضيق مجال موسيقاهم لأنها لم تمتد على سعة البحور الستة عشر .

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:33 AM

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:34 AM
- معركة الريادة في حركة الشعر الحديث :
بعد عرضنا لتاريخ حركات التجديد في الأدب العربي ، وإذ يتفق الدارسون على ان جذورها ضاربة في عمق التاريخ الأدبي العربي ، فهم يتفقون أيضا " على ان الشعر الحر بشكله المعروف نشأ في العراق ، ولكنهم اختلفوا في بدايته ، وقد ذهب قوم إلى ان نازك الملائكة كانت رائدة هذا اللون ، وذهب آخرون إلى ان بدر شاكر السياب كان مبتدعه "( ) وقد اشتجر الخلاف بين هؤلاء وأولئك ، وبدأ بين جيل الرواد أنفسهم ، ثم تدخل فيه الشعراء والأدباء والنقاد فكانت حصيلة ذلك معركة أدبية واسعة أدلى فيها كثيرون بآرائهم زقد تناول قضية الريادة آخرون ، بيد أننا نتناولها هنا في سياق المعارك التي دارت في القرن العشرين وسنتجنب التكرار ونبدأ بعرض آراء أصحاب الدعوى أنفسهم أولاً :
1- تقول نازك الملائكة:
" كانت بداية حركة الشعر الحر سنة 1947 في العراق ومن العراق بل في بغداد نفسها ، زحفت هذه الحركة وامتدت حتى غمرت الوطن العربي كله وكادت ، بسبب تطرف الذين استجابوا لها ، تجرف أساليب شعرنا العربي الأخرى جميعاً .
وكانت أول قصيدة حرة الوزن تنشر ، قصيدتي المعنونة ( الكوليرا ) نظمتها يوم 27/ 10 / 1947 وأرسلتها إلى بيروت فنشرتها مجلة العروبة في عددها الصادر في أول كانون الأول 1947 وعلقت عليها في العدد نفسه "( ).
"وفي النصف الثاني من الشهر نفسه صدر في بغداد ديوان بدر شاكر السياب ( أزهار ذابلة ) وفيه قصيدة حرة الوزن له من بحر الرمل عنوانها ( هل كان حباً ؟ ) وقد علّق عليها في الحاشية بانها من ( الشعر مختلف الأوزان والقوافي )" ( )وهي ترى " ان ظهور هاتين القصيدتين لم يلفت نظر الجمهور وكان تعليق مجلة ( العروبة ) على قصيدتي التعليق الوحيد على هذه النقلة في أسلوب الوزن ، ومضت سنتان صامتتان لم تنشر خلالهما الصحف شعراً حراً على الإطلاق " ( ) ثم تستطرد " وفي صيف سنة 1949 صدر ديوان ( شظايا ورماد ) وقد ضمنته مجموعة من القصائد الحرّة ، وقفت عندها في مقدمة الكتاب المسهبة وأشرت إلى وجه التجديد في ذلك الشعر وبينت موضع اختلافه عن أسلوب الشطرين ، ثم جئت بمثال من تنسيق التفعيلات "( )
وتصف صدور ديوانها فتقول " وما كاد هذا الديوان يظهر حتى قامت له ضجة شديدة في صحف العراق ... وكان كثير من المعلقين ساخطين ساخرين يتنبأون للدعوة كلها بالفشل الأكيد غير ان استجابة الجمهور الكبير كانت تحدث في صمت وخفاء خلال ذلك فما كادت الأشهر ... تنصرم حتى بدأت قصائد حرّة الوزن يكتبها شعراء يافعون في العراق ويبعثون بها إلى الصحف وبدأت الدعوة تنمو وتتسع"( ) .
" وفي آذار 1950 صدر في بيروت ديوان أول لشاعر عراقي جديد هو عبد الوهاب البياتي وكان عنوانه ( ملائكة وشياطين ) وفيه قصائد حرة الوزن ، تلا ذلك ديوان ( المساء الأخير ) لشاذل طاقة في صيف 1950 ، ثم صدر ( أساطير ) لبدر شاكر السياب في أيلول 1950 وتتالت بعد ذلك الدواوين " ( ).
ويُلحظ – هنا – ان نازك تحاول إبعاد السياب تماماً ، وتلفت الانتباه إلى عبد الوهاب البياتي لصدور ديوانه قبل ديوان السياب ( أساطير ) وتتجاهل تماماً ما ورد من شعر للسياب على هذا النمط في ديوانه ( أزاهير ذابلة ) .
2- أما السياب فيرى " انه أول من نظم الشعر الحر في العراق ، لان الأستاذ علي احمد باكثير هو أول من كتب على طريقة الشعر الحر في ترجمته لرواية شكسبير ( روميو وجوليت ) التي صدرت في كانون الثاني عام 1947 ، بعد ان ظلت تنتظر النشر عشر سنوات ، ويرى ان الشعراء العراقيين الذين كتبوا على طريقة الشعر الحر لم يتأثروا خطا نازك ولا خطا باكثير ، وإنما تأثروا خطاه "( ) وعلى هذا فهو أحق بالريادة .
ومن الواضح ان السياب – هو أيضاً – يحاول إبعاد نازك الملائكة تماماً ، ويتجاهل قصيدتها التي نشرت قبل صدور ديوانه ، ويشير إلى علي احمد باكثير الذي صدرت مسرحيته المترجمة قبلهما بعشرة أشهر زيادة على ان هذه المسرحية " ظلت تنتظر النشر عشر سنوات " بيد ان ادعاءه بان الشعراء العراقيين تأثروا خطاه ، وليس خطا نازك وباكثير ، يبقى إدعاءً يعوزه الإثبات ويصعب تأكيده .
ويلحظ أيضاً ان كلاً من نازك والسياب قد تجاهلا محاولات الشعراء الذين سبقوهم بعقدين أو أكثر ، وقد اشرنا إلى محاولاتهم فيما تقدم .
وقد " ذهب غيره إلى ان عبد الوهاب البياتي واضرابه لم يتأثروا الا بنازك وطريقتها التي لم تكن غيرها أمام البياتي حينما نظم قصائده " ( ).
ويقول السياب مرة أخرى مصراً على انه أول من نظم الشعر " في عام 1946 كتبت أنا قصيدة اعتمدت فيها التفعيلة ( ! ) وحدة موسيقية وتحررت فيها من قيود القافية إلى حد ما وكنت يومها طالباً في دار المعلمين العالية التي تخرج فيها معظم الشعراء العراقيين الذين يكتبون الشعر الحر اليوم . وكانت نازك ورزوق فرج رزوق قد تخرجا ، وصحيح ان قصيدتي المذكورة لم تنشر الا عام 1947 في ديواني الأول ( أزهار ذابلة ) ولكنها كانت خلال هذه الفترة ( ! ) قد انتشرت بين أدباء الطلبة ووجدت صدًى في نفوس الشعراء منهم ، وكان عبد الوهاب البياتي وعبد الرزاق عبد الواحد وشاذل طاقة بين هؤلاء الشعراء الطلاب "( )بيد ان السيّاب ليّن من لهجته وبدا أكثر ميلاً للمصالحة في الموضوع في موقفه الجديد من قضية الريادة فهو يقول "ومهما يكن ، فان كوني ، أنا ونازك أو باكثير أول من كتب الشعر أو آخر من كتبه ليس بالأمر المهم . وإنما الأمر المهم هو ان يكتب الشاعر فيجيد فيما كتبه ، ولن يشفع له – ان لم يُجد – انه أول من كتب على هذا الوزن أو تلك القافية ( ! ) ولنكن متواضعين ونعترف بأننا ما نزال جميعاً في دور التجربة ، يحالفنا النجاح حيناً ، ويصيبنا الفشل أحياناً كثيرة . ولابد للشاعر الذي قدّر له ، ان يكون شاعر هذا الجيل العربي ، ان يولد ذات يوم مكبراً جهود الذين سبقوه ، أو لعله مازال يمسك القلم بيده حتى الآن "( ) .
3- وممن يرى ان السياب كان صاحب المحاولة الأولى ، موسى النقدي في رده على نهاد التكرلي الذي كان يرى ان البياتي هو المبشر بالشعر الجديد ( ).
4- و" فند الأستاذ صالح عبد الغني كبه هذه الدعوى وقال بان كل متتبع لتاريخ الشعر الحديث في العراق بعد الحرب العالمية الثانية لا يمكن ان يمر بهذا الحكم دون ان يستغرب من هؤلاء الذين لا يدرون ان نازك هي التي بدأت هذه الحركة " ( ).
5- وذهب الأستاذ مصطفى عبد اللطيف السحرتي " إلى انه أول من دبج الشعر الحر في مصر منذ أوائل عام 1935 ، بعد دعوة الدكتور أبي شادي وقبل ان يخط شاعر معاصر قلمه في هذا الدرب " ( ).
6- غير ان نازك الملائكة ترى ان دعوة الشعر الحر التي دعا إليها أبو شادي لم تكن الاّ دعوة إلى المزج بين بحور الشعر العربي في القصيدة الواحدة ... وماتت هذه الدعوة في مهدها وسرعان ما هجرها الشعراء الذين تقبلوها كالشاعر خليل شيبوب( ) ... وهناك محاولات في هذا الميدان ... ولكن جميع هذه المحاولات والدعوات إلى التجديد في الشعر لم تكن كالشعر الحر الذي نشأ في العراق بعد الحرب العالمية الثانية ، ولم يشهد العراق قبل هذه الحقبة الا محاولات غير واضحة ... باسم النظم الطليق.
7- ووقف أصدقاء السيّاب يؤيدون انه أول من نظم الشعر الحر ومنهم محمود العبطة( ) في كتابه الذي صدر عام 1965 ، تحدث في الفصل الثاني منه الذي أسماه ( الحركة الشعرية الجديدة في العراق ) عن قضية الريادة في هذا الشعر " فأرجعها للسياب لا لنازك ، وأكد ان السياب بعد ان نشر أولى قصائده الحرة ضمن ديوان ( أزهار ذابلة ) نشر خمس قصائد أخرى على الطريقة الجديدة وذلك قبل ظهور قصيدة( الكوليرا ) للشاعرة نازك الملائكة وبهذا تبدد الزعم القائل ان الشاعرة المذكورة هي رائدة الشعر الحر " ( )بيد انه لم يذكر اين نشر هذه القصائد الخمس؟ ومتى؟.
8- ويستغرب د. جلال الخياط ان تعتبر نازك تاريخ صدور ديوانها موافقاً لتاريخ نظم قصيدة منشورة فيه ، فالسياب حتماً كان قد نظم قصيدته قبل صدور ديوانه إلى الأسواق في كانون أول 1947 وقد صرح الشاعر نفسه بأنه نظم قصيدته تلك في تشرين الثاني عام 1946 ( ).
9- وقد علق ماجد احمد السامرائي على رأي د. جلال الخياط بقوله : " ان مسألة نظم القصيدة قبل نشر الديوان ، لا يمكن تخمينها أو تحديدها مطلقاً خصوصاً ( ! ) إذا لم تكن مؤرخة ، فيكون نشر الديوان هو تاريخها كذلك بالنسبة لقصيدة نازك ، المهم ان نشر قصيدة نازك جاء قبل نشر قصيدة السياب وهذا دليل على سبق نازك " ( ).
ولا أجد في حجة السامرائي وجه قوة ، إذا علمنا ان قصيدة ( هل كان حباً ) مؤرخة في الديوان في ( 29 / 11 / 1946 ) . هذا من ناحية ، ثم ان مقدمة الديوان بقلم ( روفائيل بطي ) مؤرخة في 31/ تشرين أول / 1947 وقد بدأها بقوله " حمل إلى ثلاثة من الطلاب العراقيين الذين يتلقون العلم في الجامعة المصرية مجموعة هي مادة ديوان لشاعر عراقي شاب ، يطبع في إحدى مطابع القاهرة ، وطلبوا مني تقديماً لها" ( ).
وبعملية حساب بسيطة نجد ان الفارق بين التاريخ الذي قالت نازك انها نظمت قصيدتها فيه ( 27 / 10 / 1947 ) لا يتعدى أربعة أيام فقط ، ولا شك ان تاريخ المقدمة التي كتبها ( روفائيل بطي ) لا يمكن ان يكون ساعة وصول المجموعة إليه ، ومن هذا نستنتج ان نازك عندما كتبت قصيدتها الأولى على هذا النمط ، كانت الأوراق عند روفائيل بطي في القاهرة ، ولا شك في ان السياب كتب قصيدته قبل تاريخ وصول المجموعة إلى القاهرة ووصولها إلى صاحب المقدمة ( وهذا دليل على سبق السياب ) على ان أمر الريادة لا قيمة له اطلاقاً كما سنرى.
10- وممن أيد السياب وريادته لحركة الشعر الحر ناجي علوش الأديب الفلسطيني الذي كتب مقدمة طبعة دار العودة لديوان بدر شاكر السياب وقد تعرض لحركة الشعر الحر بإسهاب وقال في قضية ريادة هذا الشكل الجديد من النظم :
" هنالك اتفاق من الناحية الزمنية على ان محاولات الدكتور لويس عوض وعلي احمد باكثير هي الحائزة قصب السبق في هذا المجال ، ولكن هذه المحاولات كانت كالصيحة في الوادي ، فالدكتور لويس عوض ، وعلي باكثير لم يخوضا معركة التجديد .. ولم يدخلا معركة التجربة الشعرية الجديدة بالشعر ، لقد توقفا من حيث كان البدء ، ويبدو ان محاولاتهما لم تكن ذات أثر في العراق ... ولقد أعلن بدر إشارة البدء – بعد ان أعلنها الدكتور لويس عوض ولكنه لم يدخل الميدان – وما كاد يدخل الميدان حتى وجد عدداً من الشعراء يخوض الشوط معه ، وكان كل شاعر من هؤلاء ذا تجربة خاصة ، وله من الإمكانيات ما لبدر ،أو بعض ما لبدر وخلال الشوط الطويل تكوّن هؤلاء الشعراء ، ونضجت تجربة ( الشعر الحر ) كان كل واحد منهم يأخذ من النهر ، منمياً طاقاته الخاصة ، ولكن كل واحد منهم يحاول اللحاق ببدر ويتأثر به بشكل أو بآخر " ( ).
ويلحظ على قوله انه لم يشر إلى نازك الملائكة من قريب أو بعيد .
11- ويقف د . إحسان عباس على النقيض من هذا تماماً فهو يرى " ان للسياب قصيدة واحدة نظمها قبل 1948 يزعم فيها انه اهتدى إلى شكل جديد ولكنها قصيدة لم تنشق على الشكل القديم الا انشقاقاً جزئياً طفيفاً لا يوحي لأحد من الناس بالجدّة ، بينما( ! ) أصدرت نازك عام 1949 ديواناً يحتوي أكثره على هذا الشكل الجديد وفيه مقدمة نقدية تدل على وعي بأبعاد الطريقة الجديدة "( ).
12- ومن اللافت للنظر ان يتفق دارسان للسياب على رأي يبعد الشاعر عن منزلة الريادة ، فزيادة على الدكتور إحسان عباس يأتي التونجي في دراسته العميقة والواسعة للسياب ليضع نازك الملائكة على كرسي الريادة فيقول " تعتبر أول حركة ظهرت للشعر الحر في الوطن العربي كانت في بغداد عام 1947 ، أي بنفس ( ! ) العام الذي صدرت ( ! ) قصيدة نازك الملائكة ولم يكن في هذا الديوان الا قصيدة ( هل كان حباً ) التي نظمها على هذا الاتجاه " ( ).ثم يقول بعد سطور " وعلى هذا فان ميلاد الشعر الحر كان في العراق وعلى يدي شاعريها نازك والسياب ، وهما ما نعلم من إجادة قرض الشعر الكلاسيكي، ولم تمض سنوات حتى استوى الاتجاه في شعر السياب وتقوّم ، فإذا الشاعر يرسل القصيدة تلو الأخرى ، وليكون في النهاية رائد الاتجاه الأخير في هذا اللون "( ) .
13- ويرى الدكتور يوسف عز الدين ان الشاعرين بدر ونازك " لابد من ان اطلعا على حركة الشعر العربي في المهجر وفي مصر وسورية ، وأميل إلى انهما عرفا بالحركة التي ظهرت في العراق ، ولا أشك في اطلاعهما على شعر المازني ، ونقولا فياض وأمين الريحاني وجماعة ( ابولو ) ، كما انهما عرفا شعر محمد بسيم الذويب وطارق عبد الحافظ نور الدين وتأثرا بحركات التجديد التي ظهرت قبلهما ، ولهما فضل مواصلة النظم ولنازك فضل وضع الحدود والقواعد ... وجاء جيل جديد لم يفهم حركة التجديد وشطّ حتى جاءت نازك مرة أخرى فوضعت كتابها العروضي ( قضايا الشعر المعاصر ) "( ).
ولابد من التوقف عند قول الدكتور عز الدين ( لنازك فضل وضع الحدود والقواعد ) ثم قوله ( حتى جاءت نازك ... ) فهل قعّـدت نازك ونظرت مرتين ؟ اغلب الظن انه يعني في المرة الأولى مقالاتها التي كانت مفرقة في المجلات ، وفي الثانية جمع تلك المقالات والزيادة عليها في كتابها المذكور . وفي كل الأحوال فهو لم يحسم القول في الريادة لأي منهما .
14- والى جانب هذه الآراء نجد أراءً لآخرين تقلل من أهمية تحديد الريادة في الحركة فتحت عنوان ( متى بدأ شعرهم الحر ؟ ) قال عمر فروخ موجزاً رأيه في قضية الريادة في الشعر الحر بعد ان نقل قول نازك الملائكة في كتابها ( قضايا الشعر المعاصر ) قال : " في التاريخ السياسي يمكن ان يكون هنالك أحداث تبدأ في زمن محدود أو يوم معدود ، كتأليف وزارة أو موت زعيم أو نشأة جريدة . أما في التاريخ الحضاري والثقافي فان ذلك غير مقبول ، ان نازك الملائكة نشرت أول قصائدها الحرة في عام 1947 ، ويبدو انها نظمتها أيضا عام 1947 ، فقد قالت هي انها نظمتها في يوم 27/ 10 / 1947 ... أما الدواوين التي نشرت عام 1950 فيجب ان تكون قد نظمت قبل ان تنشر في كتاب مطبوع ويقال ان بدر شاكر السياب قد نظم قصيدة حرة في عام 1947 أيضاً ولكن تأخر نشرها ، كل هذا لا يبدل شيئاً في المدرك الحضاري من التاريخ . ان الحركات لا تبدأ ، كما تبدأ الحوادث المادية ، في ساعة من نهار أو في يوم من شهر ، ان للحركات جذوراً تذهب في الماضي إلى زمن يصعب ان نعيّنه... " ( ). ويظهر من قوله انه لا يقر مبدأ الريادة من أساسه ، ويرفض ان ينسب نشوء ظواهر حضارية من هذا النوع لشخص معين ، وهو رأي صائب.
15- ولا يجد الدكتور عبد الواحد لؤلوة أيضا أهمية في تحديد أسبقية أي من الرواد إلى ابتكار العمود المطور كما يسميه فيقول : " لقد كثر الحديث عن أيهما أسبق إلى ( ابتكار ) العمود المطور نازك الملائكة أم بدر شاكر السياب ... الواقع ان نازك وبدر من جيل واحد وقد تخرجا معاً في دار المعلمين العالية ببغداد ، نازك عام 1943 وبدر عام 1947 . وعندما صدر ديوان بدر الأول ( أزهار ذابلة ) عام 1947 بعد أسبوعين من نشر قصيدة ( الكوليرا ) لنازك ، كان الديوان يحوي قصيدة بأسلوب ( العمود المطور ) هي قصيدة ( هل كان حباً ؟ ) وليس هذا مجال السباق في أي الشاعرين ابتكر العمود المطور قبل الآخر لأن الأهم من ذلك في نظري هو أي الشاعرين نما شعره أكثر بغض النظر عن الأسلوب . أكثر السياب من الشعر بالعمود المطور ، ولكنه لم يهجر العمود الخليلي تماماً ، بل برع في الاثنين ، ثم صرنا نقرأ لنزار قباني شعراً بالعمود المطور هذا ، ثم برز عبد الوهاب البياتي ، ثم برز في مصر احمد عبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور . هذه قائمة صغيرة جداً لان عدداً كبيراً من المتشاعرين ، لا أستطيع حصرهم ، إذ لا فائدة من ذلك ، ظنوا ان العمود المطور أسهل منالاً من العمود الخليلي في كتابة الشعر "( ).
16- ولكن يوسف الصائغ ينظر إلى قضية الريادة من زاوية أخرى ، وان كان رأيه قريباً من رأي سابقَيه في التقليل من أهمية الريادة فبعد ان يعرض قضية ادعاء الريادة بين من ادّعاها يصل إلى القول " لقد شغل عدد من مؤرخي الشعر الحر بمناقشة قضية السبق هذه ، كما شغل بها الشعراء الرواد ردحاً من الزمن ، ولا أحسب ان قضية السبق هذه تستحق كل ما أوليت من اهتمام ، فنحن حين نضع في اعتبارنا ما سبق نموذجي ( بدر ونازك ) من محاولات ندرك ان تجارب الشاعرين العراقيين انما جاءت لتكمل ما سبقها ، وما فضل ( نازك وبدر ) وسواهما الا في انهم استطاعوا ، عبر ظروف ملائمة ، ان يحولوا هذه التجارب إلى نقطة جذب واهتمام ، ومن ثم إلى ظاهرة ... ان لمجموع الرواد فضلاً في غرس هذه البذرة ورعايتها ، وانه لمن العبث لذلك ، البحث عن أول شاعر وأول قصيدة وأحسن قصيدة ذات أسلوب حر ، إذ لولا مجموع هذه المحاولات على اختلاف مستوياتها ، ولولا المثابرة على تقديمها ، ولولا ملاءمة الظروف ... لما قد ر لهذه المحاولات ان تعيش ، ولماتت وضاعت شأن ما سبقها من محاولات على اننا يجب ان نسجل لنازك سبقها إلى تقديم تجربة الشعر الحر ، عبر مقدمتها التي كتبتها لمجموعة ( شظايا ورماد ) ... وما من شك في ان نازك ان لم تكن سبقت ( بدر ) في تقديم نماذج الشعر الحر الأول ، فهي قد سبقت في مجال الإعلان المركز عن ظاهرة جديدة "( ).
17- ويغرق الشاعر كاظم جواد ( )في العموميات فيقول في موضوع الريادة :
" ان بعض الأدعياء ينكرون حقائق الأدب والتاريخ ويدّعون – حباً بزعامة شعرية فارغة قذرة – انهم هم الذين بدأوا حركة التجديد تلك مستعينين بجهل القارئ العربي عن ( ! ) هذه الناحية ، وسكوت المحاولين الحقيقيين عن الإعلان عن أنفسهم كما يفعل بعض الأدعياء" ( )وقد يستوحي قارئ رأيه هذا انه يشير إلى نفسه .
18- ويقول محيي الدين صبحي عن نازك الملائكة وقصيدتها ( مر القطار ) :
" نظمت قصيدة ( مر القطار ) بكل ما فيها من تجديد فني عام 1948 ، وتكاد ان تكون أول قصيدة تحقق القيم الفنية للشعر الحديث باللغة العربية ( ! ) في ذلك الوقت المبكر حين كانت رياح علي محمود طه تهب من مصر لتلتقي بالرمزية والرومانتيكية في لبنان والتقليدية في سوريا ... فجاءت نازك الملائكة وأنزلت الشعر من السماء إلى الأرض ، انسنته وشيأته بعد ان كان لا إنسانياً ولا مادياً بل هو هلام من المرئيات الغائمة في عالم مليء بالعرائس والشياطين ، لقد أحدثت نازك الملائكة في ديوانها الثاني مع السياب والبياتي وعن طريق بعض القصائد أخطر انقلاب عرفه تاريخ الأدب العربي منذ وجوده إلى اليوم ... [ وهي ] منذ عام 1948 قدمت لنا إحساساً ناضجاً بحركة العالم ، فنقلت الشعر العربي من مرحلة القرون الوسطى إلى الأزمنة الحديثة ، ولا نزال اليوم – بعد مضي عشرين عاماً – نفتقد في أكثر الشعراء المعاصرين ذلك الوعي العميق للعصر الحاضر ومفهوم الحياة فيه ... وهذا كله يجعل للشاعرة قيمة طليعية حضارية ، فضلاً عن القيمة الفنية التي ساعدها في نشرها شعراء العراق : البياتي والسياب ثم شعراء لبنان : الخال والحاوي وغيرهم ... "( ).
19- أما طراد الكبيسي فيرى " ان هذا السبق لا قيمة عملية له ، ذلك ان القصائد التي رشحت للبداية : ( الكوليرا ) لنازك أو ( هل كان حباً ؟ ) للسياب ، أصبحت فيما بعد بمثابة ( ناقوس النصر ) الذي دق ... والذي سوف تكسبه قصائد تالية ، وعلى ذلك فانه لا يمنح صاحبه ، حتى في افتراض وجوده للسياب مثلاً ، الريادة لأبناء جيله ... وشهدنا ظهور مجاميع كانت الخطوة الأولى في الطريق الجديد و... الدفعة الأولى على حساب الشعر الحر ، وهي رغم قلتها وفقر معظمها الفني ، الا انها تحمل دلالتين أولاهما : التأكيد على التحول الجديد في أسلوب التعبير ، وثانيهما : الفردية في هذا التحول ، اقصد ان كل واحد منهم كان يبحث بنفسه عن أسلوبه الخاص ووفق فهمه الخاص " ( ).
20- وأشار جاك بيرك إلى بداية الشعر الحر قائلاً :
" كان الوزن العربي للشعر قد بقي على حاله منذ القديم ، وحدث في عام 1947 ، أن مهد شاعران عراقيان – من أكبر الشعراء قيمة – للشعر الحر ، كل من جانبه ، وكان لقصيدة نازك الملائكة عن الكوليرا في مصر وقصيدة ( هل كان حباً ؟ ) للسياب اثر هما في إدخال إيقاع جديد للشعر ، تلاهما البياتي بسرعة ، الذي زاد عن السابقين في انه أضاف إلى حداثة الشكل حداثة المعنى " ( ).
21- واختم هذه الآراء برأي أجده أكثر نضجاً وتوفيقاً في مسألة الريادة إذ قال الدكتور احمد سليمان الأحمد " انني لا أعلق كبير وزن على اكتشاف أول من كتب هذا الشعر الحديث ، لاننا في الواقع لن نهتدي إليه ، وإذا اهتدينا فلن نتفق ، وإذا اتفقنا فلا بد ان يجيء آخرون يجتهدون في الموضوع ، ولن يكون بوسعنا ان نقول بانهم مخطئون وان خالفونا الرأي ، فسيان كان الرائد هو خليل شيبوب في قصيدته المنشورة في مجلة ابولو ( العدد الثالث السنة الأولى ) ... أم كان ( أبو شادي ) أم ذهبنا ابعد من ذلك بكثير فعزونا الريادة إلى ( البند ) الذي وجد في العراق ، في القرن الحادي عشر الهجري وما بعده ، أم عقدنا التاج بالتالي لنازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي فلن يفيد ذلك في حقيقة كون هذا الشعر الحر بعيد الجذور في تاريخنا الأدبي ، الشيء الذي يجعل منه شيئاً أصيلاً ، كفيلاً أو يجب ان يكون كفيلاً باكتساب الاعتراف من أولئك الذين يمجدون القديم وهم مستعدون لتبني ما يتبناه "( ).
هذه المامة بمجمل الآراء التي قيلت في قضية الريادة في حركة الشعر الحديث وشغلت جانباً كبيراً من اهتمام دارسيه ، فأدت بهم إلى ان يبذلوا جهداً كبيراً كان من الأجدى ان يبذل في جوانب أخرى أكثر أهمية وأكثر نفعاً وجدوى ، ولا أخال اني قد عرضت لآراء جميع الذين أدلوا بآرائهم في الموضوع ، ولكن حسبي اني عرضت لأبرز اتجاهات هذه الآراء.
ولا بد – في الأخير – من الإشارة إلى ظاهرة لافتة في قضية الريادة ، فقد تبين من خلال عرض الآراء ، ان كثيراً من العرب قد بدأوا محاولات في حركة الشعر الحديث بعضها سابق بمدة كبيرة لما حصل في العراق ، غير ان الأمر الغريب ان أولئك لم يدّعوا الريادة في الشعر الحديث ،وبينهم كثير من ذوي الأقلام الكبيرة التي تستطيب تبني الدعوات الغريبة والجديدة ( كالدكتور لويس عوض وغيره ) على حين شُغل الشعراء العراقيون في هذه القضية ، ولا أجد سبباً لهذا الاّ ان أقول ان الشعراء العرب ( في الأقطار العربية التي شهدت كثيراً من هذه المحاولات ) كانوا أكثر وعياً وفطنة لقضيتهم ، فلم يدّعوا الريادة في حركة لم تستطع ان ترسخ جذورها في التربة العربية ، ومازال مصيرها مجهولاً ، وهي عرضة للزعازع التي تهب عليها من كل مكان ، ولعلهم كانوا أكثر ادراكاً لتاريخ الأدب العربي والمحاولات التجديدية التي شهدها ، في حين راح أصحابنا يتنازعون مقام الريادة ، فشغلوا بها عن إنضاج المحاولة والإجادة .

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:35 AM
- معركة السيّاب والبياتي :
ومن المعارك التي دارت بين جيل الرواد العراقيين ، خارج معركة الريادة في الشعر الحر ، كتابات أخذ ورد أخذت غطاء النقد ظاهراً ، وأبطنت روح التنافس التي تشيع بين أدباء الجيل الواحد ومنها ما قاله السياب في رده على أسئلة الأستاذ خضر الولي إذ قال :
" لقد ( ثرنا ) على القافية والوزن التقليديين لأسباب من أهمها تحقيق وحدة القصيدة ، ولكن دعونا نقرأ هذه القصيدة ( سوق القرية ) للشاعر عبد الوهاب البياتي :
الشمس ، والحمر الهزيلة ، والذباب
وحذاء جندي قديم ،
وصياح ديك فرّ من قفص ، وقديس صغير،
وخوار أبقار ، وبائعة الأساور والعطور
كالخنفساء تدب : ( قبرتي العزيزة يا سدوم )
وبنادق سود ، ومحراث ، ونار
تخبو ، وحداد يراود جفنه الدامي النعاس
والشمس في كبد السماء،
وبائعات الكرم يجمعن السلال ،
والسوق يقفر ، والحوانيت الصغيرة ، والذباب
يصطاده الأطفال، والأفق البعيد ،
وتثاؤب الأكواخ في غاب النخيل.
فأية وحدة في القصيدة ، وحدة نضحي ، من اجلها ، بالوزن التقليدي والقافية التقليدية وجزالة الأسلوب ؟ لولا هذه ( الواوات ) التي لا تكاد تقوى على ربط هذه الحزمة العجيبة من الصور الفوتو غرافية ، لانفرط كل بيت وتدحرج يبحث له عن مكان ، انها ظاهرة نراها في بعض شعر البياتي وشعر مقلديه تجعلنا نتحسر على القصيدة العربية بمفهومها التقليدي وإنما استشهدت بالبياتي لأنني أرى فيه شاعراً مبدعاً حين يكتب عن تجربة صادقة وبأسلوب لا يجعله التفكير بـ ( القارئ البسيط ) ينحدر إلى مستوى النثر " ( ).
وبالأسلوب نفسه رد البياتي على السياب مستشهداً أحد نصوصه الشعرية ، فقد رد على من يتهم الشعر الحديث بانه قد هجر الأسلوب الشعري وانحدر نحو النثر والسطحية فقال :
" يظهر ان الشعر الحديث قد ابتلي أو ألصقت به هذه التهم ، كما ( ! ) ابتليت الواقعية وألصقت بها تهم شتى ...ولعل السبب يعود إلى الشعراء أنفسهم لا إلى الشعر الحديث أو الواقعية ... ويؤكد قولي هذا الرجوع إلى إنتاج شعرائنا المحدثين ، ولنأخذ مثلاً صديقنا الشاعر بدر شاكر السياب ، فأغلب قصائده التي كتبها منذ ثلاثة أعوام يظهر فيها اثر هجر الأسلوب الشعري والانحدار نخو النثر والسطحية والغموض ومن يرجع إلى قصيدة( رؤيا فوكاي ) مثلاً سيأخذه العجب حين يقرأ في تضاعيفها مثل هذه الأبيات :
مازال طائر الحديد يذرع السماء( ).
وفي قرارة المحيط يعقد الكرى
أهداب طفلك اليتيم – حيث لا غناء
الا صراخ ( البابيون ) : " زادك الثرى
فازحف على الأربع ... فالحضيض والعلاء
سيان والحياة كالفناء"
سيان ( جنكيز ) و( كولغاي)
هابيل قابيل ،وبابل كشنغهاي"
إلى أخر هذا السخف والهراء ، كذلك حين نقرا للشاعر نفسه وفي نفس ( ! ) القصيدة :
و( اريل ) الحديد
الهدرجين واهب المياه للقفار
وبذلك حين نقراً له من قصيدة ( قافلة الضياع ) :
يا مكتباً للغوث في سيناء ، هب للتائهين
مناً وسلوى من شعير ، والمشيمة للجنين
واجعل لها المطاط سره
وارزقه ثدياً من زجاج واحش بالادريج صدره
اشهد بأنني أوردت الأبيات السالفة ، كما هي واردة في القصائد ، ومن شاء المزيد من هذا التردي والإسفاف والهذيان والنثر فليرجع إلى قصائد أخرى أمثال : مرثية جيكور التي يظهر فيها ان صديقنا قد أعجبته كلمة ( ترللا )فراح يكررها بحماس واندفاع .. وكذلك قصيدته ( أغنية في شهر آب ) التي هي مسخ غريب لقصيدة ( أغنية العاشق ) للشاعر ت . س . اليوت ويظهر ان تردي صديقنا في هذه الهاوية يعود إلى محاولته التعبير عن تجارب لم تنضج في نفسه أو إلى تأثره بالشعراء الذين يقرأ لهم دون هضمهم ( ! ) ودون ( ! ) اعتبار ( ! ) فوارق البيئة والوطن .
ومثل هذا كثير وكثير في شعر صديقنا السياب ، ولعل القارئ سيأخذه العجب حين يرى انني اقتصرت على السياب دون ( ! ) غيره ولكن عجبه سيزول إذا ما علم بانني كنت اعتبر السياب في محاولاته الأولى من شعرائنا الشباب الأوائل الذين ستتحقق على أيديهم بعض القصائد الناجحة ولكن... .
فالشعر الحديث إذن لم ينحدر نحو النثر والسطحية الا على أيدي قلة من الشعراء الذين آذن عصرهم بالانهيار" ( ).
ومن الواضح ان الشاعر البياتي ، قد اقتدى بأسلوب السياب في نقده الأول فكان رده عليه ، بالطريقة نفسها التي اتبعها صاحبه في قوله ، حتى ليكاد القارئ يلمس التشابه بين النصين بشكل لافت ، من أول الكلام إلى خاتمته ، وهو نقد انتقائي تكمن وراءه الدوافع الشخصية البعيدة عن المعيار الموضوعي الذي ينبغي للنقد ان يتخذ منه وسيلة لمعالجة النصوص ، بعيداً عن الموقف الذاتي .
وقد خاض بدر شاكر السياب معارك أدبية أخرى بعد صدور كتابه ( قصائد مختارة من الشعر العالمي الحديث ) " فقد أثار هذا الكتاب استياء مجموعتين متنافرتين : أولاهما الشيوعيون ، وثانيتهما مجموعة العناصر المسؤولة عن الثقافة في الحكومة العراقية ، أما فيما يتعلق بالشيوعيين فإنهم علقوا عليه في مجلتهم البيروتية ( الثقافة الوطنية ) " وقد وصفوا القصائد التي ترجمت فيها إنها " لشعراء من الفاشست النازيين أمثال عزرا باوند ، ومن الجواسيس الذين اشغلوا في ( الأنتلجنست سيرفس ) من أمثال ستيفن سبندر" ( ) وقد ركز بدر ردّه على هذا بأنه تخلّى عن الشيوعيين فلماذا يعدّونه منهم ويحاسبونه على هذا الأساس متهمين إياه بالانحراف السياسي ، كما( ! ) انه أوضح إن القصائد التي اختارها للترجمة قصائد تتسم بالروح الإنسانية "( ).
أما فيما يتعلق بموقف الحكومة العراقية فإنها " حركت الدعاوى الحكومية ضده وأوقف في شرطة الأمن في شتاء السنة فقام صديقه محمود العبطة باعتباره ( ! ) محامياً ودافع عنه أمام حاكم جزاء بغداد الأول ... وحكم عليه بغرامة قدرها خمسة دنانير لأنه لم يذكر اسم المطبعة في الكتاب " ( ) .
وقد أثار بدراً ما دار بينه وبين رفاقه الشيوعيين من أخذ ورد " حيث قاطعوا قصيدته ( المومس العمياء ) حينما صدرت ... وأرسل بدر لسهيل إدريس يخبره بنبأ تلك المقاطعة ، فقام ( ! ) سهيل بنشر إعلان مجاني عنها على صفحات مجلته ( الآداب ) ( ) وأرسل له بدر في مرة تالية يشكره ... ومنذ تلك الفترة ( ! ) تخلى بدر عن التزامه الحزبي ... وصار لزاماً عليه إن يجد لنفسه سنداً أدبياً ، وكان هذا السند متمثلاً في ( الآداب ) التي خاض على صفحاتها أعنف معاركه ضد غريمه عبد الوهاب البياتي ، بل ضد صلاح عبد الصبور أيضا " ( ) .
وإخال ان هذه المعركة احد مظاهر التنافس الذي يشيع بين المتعاصرين ، وان لجلاّس الطرفين دوراً في اشعالها يعيد الى الذهن ما قام به جلاّس الشاعرين الزهاوي والرصافي من دورٍ في إثارة الخلاف بينهما ، زيادة على ان هذه المعركة تعبر عن المرحلة التي نشأت فيها ، وذلك الخلاف الذي كان محتدماً انذاك بين التيارات السياسية المختلفة في العراق ولاسيما ان كلاً من السياب والبياتي كان يحسب على طرف من الأطراف .
4- معركة السيّاب ورئيف خوري
أصدرت مجلة الآداب البيروتية عدداً خاصاً بالشعر ، وانبرى عدد من النقاد والشعراء للتعليق على القصائد التي نشرت فيها ، ومن بين قصائد ذلك العدد قصيدة ( من رؤيا فوكاي ) للشاعر بدر شاكر السياب وقد دارت بسبب هذه القصيدة معركة بين الشاعر السياب ورئيف خوري ، الذي كتب عن القصائد التي نشرت في العدد الشعري لمجلة الآداب معلقاً على قصيدة السياب ( من رؤيا فوكاي ) فقال :
" إن الشاعر الأستاذ بدر شاكر السياب في طليعة من يتمرسون بتجارب تجديد الشعر العربي قالباً ومضموناً ، وله في هذا المجال صولات ناجحة ، إلا إن الأستاذ بدر شاكر السياب مازال شأنه شأن أكثر الرعيل المجددين من الشعراء المعاصرين يعرف كيف ينبغي للشعر الحديث حقاً إن يكون من حيث المضمون والتعبير ، إلا انه حين يحاول النهوض بما يعرف انه الواجب تخونه مقدرته ، فيحس قارئه انه قصد إلى شيء أروع مما استطاع إلى تحقيقه سبيلاً فقد ترك شيئاً كثيراً وراء ما قاله لم يوفق إلى قوله . وبعبارة أخرى هو لا يزال ناقد شعر أكثر منه شاعراً يفي شعره بما تتطلع إليه نفسه ، حقاً انه موضوع حتى ( ! ) في هذا المقطع ليتحمل أكثر كثيراً مما أخرج لنا " ( ) وحين قرأ السياب ما كتبه الأستاذ رئيف خوري رد عليه في مقاله ( هذا النقد الحديث ) قائلاً :
" كنا نأمل إن تحيل مجلة الآداب عددها الشعري إلى ناقد من نقاد الشعر المعروفين ليقرأه فيعلق عليه بما ينصف به كل من ساهم في هذا العدد الممتاز . ولكنها بسبب ( ! ) ما أحالته إلى الأستاذ رئيف خوري ، - وهو في رأيي – ليس من النقاد البارزين ... والأستاذ رئيف خوري أديب كبير واني به لمن المعجبين ، ولكنه كما قال عن نفسه ( له في كل عرس فرس ) أو ( في كل مأتم ميت ) – كما نقول في العراق – في النقد الأدبي والقصة والمقالة السياسية والاجتماعية والشعر أيضا ، فقابليته متوزعة هنا وهناك ، فهو ليس بالناقد المبرز والقصاص المبدع ولا الشاعر الكبير ، وان كان بمجموعه أديباً كبيراً . وهو لم يزاول نقد الشعر إلا مزاولة نظرية ، وأعني انه أعطانا مفاهيم ومقاييس في الشعر ، ولكنه لم يطبقها على شعر شاعر بذاته أو شعر جملة من الشعراء . وحاول أن يطبق هذه المقاييس وتلك النظريات على شعراء العدد الشعري من الآداب فأخفق ، وليعذرني الأستاذ الخوري وليعذرني القراء أيضا إذا وجدت من المتعذر علي إن أطلق وصف ( ناقد للشعر ) على من يقرأ قصيدة ( الناس في بلادي ) للسيد صلاح عبد الصبور فيعجبه منها ( انتباهه – أي السيد عبد الصبور – للإمكانات الكامنة في وزن الرجز التام والمجزوء ) دون ( ! ) إن يحس بوجود اثني عشر شطراً مختلّة الوزن في قصيدة من أربعين شطراً ، فقد عطش السيد عبد الصبور الياء في البيت الأول من قصيدته :
الناس في بلادي جارحون كالصقور
ثم أعقبه بهذه السلسلة :
وطيبون حين يملكون قبضتي نقود
ويطرقون
وهذه الجبال الراسيات عرشك المكين
وأربعون غرفة قد ملئت بالذهب اللمّاع
وفي مساء خافت الأصداء جاءه عزريل
ومد عزريل عصاه
وفي الجحيم دحرجت روح فلان
ووسدوه في التراب
لم يبتن القلاع ، إن كوخه من اللبن
من يملكون مثله جلباب كتان قديم
ومدّ للسماء زنده المفتول
أما عن انتباه السيد عبد الصبور للامكانات الكامنة في وزن الرجز التام والمجزوء والاحرى بالأستاذ الخوري إن يرجع إلى العدد السادس من الآداب 1954 فيقرأ ( أحد والحرية والربيع ) للزميل الشاعر كاظم جواد و ( أنشودة المطر ) لكاتب هذه السطور وكلتاهما من وزن الرجز التام والمجزوء مستغلاً ( ! ) خير استغلال ، والأغرب من ذلك إن الأستاذ الخوري لم ينتبه لـ ( انتباهنا) أنا والأستاذ كاظم جواد إلى إمكانيات الرجز في العدد الشعري ذاته.
ولم يلتزم الأستاذ الخوري في نقده لقصائد العدد الشعري منهجاً معيناً من النقد فهو تارة يهتم بلفظة معينة في قصيدة ما ، تاركاً ما عداها ، وهو يهتم بالموضوع وحده فيتهم شاعراً كالقباني بالحطّة ناسياً انه مكلف بنقد الشعر لا بنقد أشخاص الشعراء . ورأينا الأستاذ الخوري يأخذ على الشاعر الأفريقي المبدع الأستاذ الفيتوري وصفه بالحلم العاطفي دون ( ! ) إن يأخذ على الآنسة نازك الملائكة وصفها الحليب بالترف . من رأى حليباً ترفاً أيها الناس ؟ وقولها وهي تخاطب القمر المضيء : يا فضة كالضياء لينةً
مفسرة الماء بالماء ، عدا تكرار التشابيه والأخيلة والتنافر في الصورة الشعرية الواحدة ، هذا إذا لم نثر على من يحابي شاعرة تعيش في القرن العشرين وتكتب مثل هذا الشعر الذي يأباه حتى ( ! ) القرن الثامن عشر نفسه .
وهو يعجب بلفظ ( انداح ) للسيد عبد الحميد عيسى ، بينما( ! ) يهمل العناصر المهمة التي تكون الشعر الحق في قصائد عدة ( ! ) لا يمكن لقصيدة السيد عيسى إن تطمع بالوقوف حتى ( ! ) في ظلها ، ويبخل على الشاعر القومي المبدع سليمان العيسى بلفظة ( أستاذ ) أو شاعر في حين يسبغها على من هم دونه كثيراً . ثم يقول انه : لا يجد مبرراً ( ! ) للتكرار الموجود في قصيدة الأستاذ كاظم جواد ( الشمس تشرق على المغرب ) : ( يناديك يناديك ، يناغيك يناغيك ) في حين إني أراه موفقاً غاية التوفيق في هذا التكرار الذي كأنه رجع الصدى لعاشقة تنادي حبيبها بين التلال وفي الوهاد ، وأين النشاز في انتقاله من وزن الهزج إلى الرجز بعد تلك الوقفة التي تشبه الصمت الموسيقي التي لا بد ( ! ) ان تعقب هذه الحشرجة : ( سنقتص ، سنقتص ، سنقتص ) وأخيراً يجيء دوري ، إني على ثقة من أن ما قرأه الأستاذ رئيف خوري من شعري لا يسمح له بأن يقول : ( إلا انه حين يحاول النهوض بما يعرف انه الواجب تخونه مقدرته ، فيحس قارئه انه قصد إلى شيء أروع وأتم مما استطاع إلى تحقيقه سبيلاً . فقد ترك شيئاً كثيراً وراء ما قاله لم يوفق إلى قوله ) .
فهل قرأ الأستاذ الخوري ( حفار القبور ) و( الأسلحة والأطفال ) و ( المومس العمياء ) و ( أنشودة المطر ) و ( المخبر ) ؟ وسواها وسواها من القصائد الطويلة والقصيرة؟ لقد كنت إلى وقت قريب ابرم ( ! ) بنفسي لأني استفيض ( ! ) في الموضوع الذي أعالجه فأقول كل ما عندي ، لأن الشاعر الحق هو من يقول خير ما عنده لا كل ما عنده ، أو ما يمكن إن يقال ومن هنا أكد أحد كبار النقاد على الضبط ( control ) وعدّوا جموح الخيال عيباً ، إن الشاعر الحق هو الذي يشعرك بان لديه أشياء أخرى لم يقلها وهو لم يقلها لا لأنه ( لم يوفق ) إلى قولها ، ولكن لأنه يعتبرها من نافلة القول . وكيف يستطيع الأستاذ الخوري أن يقول عن مقاطع متناثرة من ملحمة ما زالت قيد الكتابة كـ ( رؤيا فوكاي ) : ( إن الموضوع حتى ( ! ) في هذا المقطع ليتحمل أكثر كثيراً مما أخرج لنا ) . انه شيء بدهي إن الموضوع يتحمل أكثر كثيراً مما قلته في هذه المقاطع والا لما جعلت مأساة هيروشيما موضوعاً لملحمة سوف تستغرق مني سنوات ، ولكن ايعزو الأستاذ رئيف ذلك إلى( إني لم أوفق إلى قول ) هذه الأشياء الكثيرة : وأقولها كرة أخرى أن عيبي هو الاستفاضة لا ترك أشياء كثيرة يمكن أن تقال دون ( ! ) أن أقولها ، وكان الواجب يحتم على الأستاذ رئيف خوري أن يعتمد مقارنة بين القصائد المنشورة في العدد الشعري فيقيم ( ! )كل قصيدة بالنسبة إلى مفهوم الشعر بأوسع معانيه وبالنسبة إلى القصائد الأخرى .
هذا هو النقد الصحيح والقراءة الصحيحة لا النقد الذي ينال مما هو عظيم ويرفع مما ( ! ) هو صغير ، ولا القراءة التي لا تنتبه إلى اثني عشر بيتاً غير موزونة – كما نقول في العراق – في قصيدة واحدة لشاعر يضعه بعض إخواننا المصريين في طليعة الشعراء المجددين ، لقد جنيتم حتى ( ! ) على كلمة ( تجديد ) وللأستاذ الكبير رئيف خوري تحياتي وإعجابي " ( ) .
ورد عليه الأستاذ رئيف خوري قائلاً :
" وأخيراً يجيء دور بدر شاكر السياب الذي أسرع في نعته بالشاعر والأستاذ قبل إن ينعى ذلك علي من قبل حين عرضت في نقد عدد الآداب الشعري لذكر الأستاذ سليمان العيسى أو بدر شاكر السياب ذرة من تنويه .
حقاً إن الأستاذ بدر شاكر السياب الذي أبادله تحية بتحية وإعجابا بإعجاب قد حاول أن يشغل نفسي بنفسي طويلاً حين واجهني في ( آداب نيسان 1955 ) بأحجية عجيبة ، فالشخص الذي هو أنا ، لا هو في رأي الأستاذ بدر ناقد مبرز ، ولا قصاص مبدع ، ولا شاعر كبير، وليس هنا وجه الأحجية ولكن هذا الشخص يصبح بعملية جمع( الحمد لله على إنها لم تكن عملية ضرب ) أديبا كبيرا وكيف ذلك ؟ العلم عند الأستاذ بدر وعند الله ، أو عند الأستاذ بدر وحده.
يبقى بعد هذه الملاحظة أن دعوة الأستاذ بدر إلى تلطيف نرفزته ( ! ) بعودة إلى هذا الكلام الذي علقت به على رأي الجاحظ في بيتين من الشعر رذّلهما في موضع واصطفاهما مع مختار الشعراء في موضع آخر ، بل مالي لا أرده إلى المقارنة بين رأيه في صلاة الآنسة نازك الملائكة للقمر ورأي الأستاذ مجاهد عبد المنعم مجاهد في القصيدة نفسها ، فهو يرى بدعا نعتها الحليب بالترف ، ويرى لغوا تشبيهها الفضة بالضياء لينا ، ويرى عندها تنافرا في الصورة الشعرية الواحدة ، بينما ( ! ) يرى الأستاذ مجاهد في ذلك كله فنا يسميه ( إسقاطا) عن نفس الشاعرة على العالم الخارجي.
ينعى عليّ الأستاذ السياب حكما حكمته على قصيدة الأستاذ عبد الصبور ( الناس في بلادي) ففي هذه القصيدة إثنا عشر شطرا مختلفة الوزن(!) لم أنتبه لها فضلاً عن ان الأستاذ السياب نفسه والأستاذ كاظم جواد قد انتبها للامكانات الكامنة في وزن الرجز ، وهذا ما لم انتبه له أيضا ، فأني كنت أعيّن وزن قصيدة الأستاذ عبد الصبور وكأني نفيت عن غيره استغلال وزن الرجز، وهو فيما يقال أول الأوزان الشعرية العربية إشتقه أهل الجاهلية بمحاكاة الإبل في مشيها.
كلا أيها الصديق ، إن قولي أن الأستاذ عبد الصبور إنتبه للامكانات الكامنة في وزن الرجز لا يعني إنه إقتصر على هذا الوزن في قصيدته ، ولا يعني انك أنت والأستاذ كاظم جواد لم تنتبها لوزن الرجز ،كما ( ! )لا يعني أن هذا العاجز لم ينوه بقيمة هذا الوزن قبلكما في كتب أعدها لمنفعة الطلاب، فوجه إعجابي قد كان بتجربة الأستاذ عبد الصبور في تسهيل الشعر وتبسيطه مع تعميقه.وسواء أكان الأستاذ عبد الصبور قد إقتصر على وزن واحد من الأوزان التقليدية أم اشرك فيها أم أفـتنّ في التفاعيل ، فان نظمه جاء من الموسيقية بقدر لا سبيل إلى إنكاره ، وأحسب إن تلك هي الغاية من الوزن ، وأما رجزك أنت في أول مقطع مما نشرته لك الآداب في عددها الشعري فليس فيه سهولة رجز عبد الصبور ولا انسراحه. ثم تنعى عليّ أني لم التزم نهجا معينا من النقد ، فتارة أهتم بلفظة معينة ، وتارة بالموضوع وحده ، فثق إني لم أدرك برهانك في هذا كله على خروجي عن النهج المعين ، فنقد الشعر يقتضي تأمله في أدق دقائقه من اللفظة الواحدة إلى الموضوع ، لكن لا إخالك تريدني في التعليق على كل قصيدة أن أبدأ بألفاظها واحدة واحدة ، حتى أنتهي إلى موضوعها وسياق نظمها ، فهذا كان يوجب علي إستفاضة أين منها تلك الاستفاضة التي ذكرت إنك إلى وقت قريب كنت تؤاخذ بها نفسك ، وأما إني أنقد أشخاص الشعراء في حين إني مكلف نقد ( ! ) شعرهم فما كنت أتصورك ممن يعتقدون شعر الشاعر شيئا وشخصيته بالنتيجة شيئا آخر ( ! ) الاّ إذا كان الشاعر قد أعار فمه بوقاً ( ) .
ثم نعود إلى حديث هذه الاستفاضة ( ! ) التي ذكرت انك إلى وقت قريب تؤاخذ بها نفسك . إني حين قلت عنك أيها الصديق : ( إن قارئك يحس إنك قصدت إلى شيء أروع مما استطعت إلى تحقيقه سبيلا ، وأنك قد تركت شيئا كثيرا وراء ما قلته لم توفق إلى قوله ) لم أقصد إلى ما فهمته عني ،فالاستفاضة التي يخيل إليّ إنك تستعملها بمعنى قبض الكلام وبسطه لا علاقة لها بما أردت إليه ( ! ) من العبارة التي يحس معها القاريء إنها استنفدت المعنى بقوتها ووضوحها ، فأضرب لك مثلا ؟
يقول الشاعر المصري إسماعيل صبري :
إذا خانني خلٌّ قديم وعقّني وفوّقت يوماً في مقاتله سهمي
تعرض طيف الود بيني وبينه فكسّر سهمي فأنثنيت فلم ارم
وقبله قال المتنبي:
رمى واتقى رميي ومن دون ما اتقى هوى كاسرٌ كفي وقوسي وأسهمي
فإسماعيل صبري قد كان في كل عبارته أكثر استفاضة ، ولكنه مع ذلك لم يكن أوسع ولا أعمق إستنفادا للمعنى ، وإذا كان لم يعوزه الوضوح فقد أعوزته قوة المتنبي . وأنت أيها الصديق قد لا تعوزك القوة ولكن يعوزك الوضوح في كثير من الأحيان . وهذا لا علاقة له بأنك تستفيض أو لا تستفيض . تستطيع أيها الصديق أن تجعل نفسك في موضع قارئ محايد مثقف ، وتستطيع أن تتجاوز عن كثرة هذه الإشارات التاريخية والأسطورية التي تقتضيك الشروح والتعليقات الطوال ، وتستطيع أن تتحمل من نفسك أن تصرح لك( ! ) ، وأنا زعيم بأنك ستحس افتقار شعرك إلى الوضوح ، ثم تستطيع أن تلجأ إلى شهادة من تثق بهم من أصدقائك ، وأنا زعيم لك بأن شهادتهم لن تختلف .
وأما هذا التكرار الذي التزمه زميلك الشاعر كاظم جواد فاني متمسك برأيي انه لم يقصد فيه الاقتصاد الذي يحتفظ له بحسن الوقع ويعفيه من التحول إلى رتابة مملّة.
وأما انك كنت تريدني أن اعقد مقارنة بين القصائد المنشورة في العدد الشعري من الآداب فينبغي لك أن تكون أدرى الخلق بان المقارنة بين الأعمال الفنية التي لا يضبطها نوع ولا موضوع ليس أجدى ( ! ) إذا استثنينا الوجهة الشكلية ، من جدال صغيرين حول أي الفاكهتين ألذ ، التفاح أم الأجاص ؟.
وعليك السلام من معجب يترقب يومك الذي يصبح فيه شعرك بروعة المواضيع التي تنتقيها " ( ) .
وكتب السياب إلى رئيف خوري :
أراني مدينا لك بالاعتذار ، فالحق إن كلمتي التي كتبتها تعليقاً على قراءتك للعدد الشعري من الآداب كانت تتسم بالقسوة والنفرزة ( ! ) كما سميتها وقد تلمست من خلال ردك الأخير روحاً كبيرة رحبة الأفق زادتني إعجاباً بك على إعجاب وإكباراً لك على إكبار ، وإذا كانت كلمتك قد اتسمت في بعض أجزائها بالمغالاة فان أكثر اللوم إنما يقع علي ، فقد استفززتك من قبل .
إن التحدث إليك يلذ لي ، فلتسمح بقليل من صبرك وتدعني أناقش بعض ما جاء في ردك الأخير ، لعل اختلاف الليل والنهار – الذي ينسي – قد أنساك أيها الصديق ما كتبته عن قصيدة السيد عبد الصبور من قراءتك للعدد الشعري من الآداب.
فقد جاء في ردك الأخير قولك هذا : ( كأني أعني وزن قصيدة الأستاذ عبد الصبور أو كأني نفيت عن غيره استغلال وزن الرجز ) وسأثبت هنا ما سبق لك أن قلته عن تلك القصيدة ووزنها:( ويعجبني من الأستاذ عبد الصبور انتباهه للامكانات الكامنة في وزن الرجز التام والمجزوء ، فقد نحى القدماء هذا الوزن ليستعملوه في الشعر العلمي مع انه من أغنى الأوزان العربية بالطاقة على استيعاب الشعر بكل فنونه ) .
أفليس هذا تعييناً لوزن القصيدة . أما عن استغلال وزن الرجز لكتابة ما تسميه بالشعر الحر فلا أحسب أحداً قد حاوله قبل الفقير لله كاتب هذه السطور في قصيدته المتواضعة ( أنشودة المطر ) ولكن المفهوم من كلامك إن السيد عبد الصبور هو أول المنتبهين إلى إمكانيات ( ! ) هذا الوزن أما ما ذكرت من إن قولك هذا ( لا يعني انه – أي عبد الصبور – أقتصر على هذا الوزن في قصيدته ) فهو كلام يحمل عناصر فنائه في داخله ، فالحق إن عبد الصبور قد اقتصر على وزن واحد في قصيدته وهو الرجز ، ولست أدري لم قرأت قولي ( مختلة الوزن ) هذه القراءة العجيبة( مختلفة الوزن ) .
كلا أيها الصديق إن الأبيات ألاثني عشر التي ذكرتها من قصيدة عبد الصبور ليست مختلفة الوزن – أي إنها من وزن آخر غير الرجز – ولكنها مختلّة الوزن أعني مكسورة أو زاحفة أو سمها ما شئت غير إن تسميها موزونة . ولا أظنني في حاجة إلى تقطيع تلك الأبيات وتطبيق ( مستفعلن مستفعلن ) عليها. وبعد هذا فأين الموسيقية الرجزية المسرحية ؟ وبعد هذا أي عجب في ألا تلحظ الموسيقية الموجودة في رجزي أنا : هياي .. كونغاي ( الصين ) حقل شاي ؟ والصين يا سيدي بلد آسيوي قبل كل شيء ، ولتعلم إني مثلك لا أعبد الأصنام ولا أفرط في قوميتي العربية .
أما حديثك عن الوضوح الذي يعوز شعري فهو أمر يطول الحديث فيه ، فعلينا أولاً أن نحدد معنى الوضوح في الشعر ، وعلينا ثانياً أن نثبت أن الوضوح شرط لازم لجودة الشعر . أين نضع رامبو – الذي كنت تجهله قبل أن يكتب عنه الدكتور سهيل إدريس – وأين نضع إليوت وايديث ستويل ، بل أين نضع أبا تمام وحتى ( ! ) المتنبي إذا جعلنا الوضوح – كما يفهم من قولك – شرطاً من شروط الشعر ثم نتطرق أخيراً إلى ( كثرة الإشارات التأريخية والأسطورية التي تقتضيني الشروح والتعليقات الطوال ) وهنا أحب أن أقف قليلا لأناقشك وأناقش الأستاذ محمود أمين العالم الذي تطرق إلى هذا الموضوع ذاته من قبل فلأعد إلى قصيدتي ( مرثية الآلهة ) التي أخذ عليها الأستاذ العالم كثرة الشرح.
الحق أن كل تلك الشروح كانت من فضل الكلام شيئا ليس له من موجب بإستثناء لفظة واحدة هي إسم (كرب ) صاحب معامل الأسلحة الشهير، ومع ذلك فهو معروف لدى أكثر الناس. فمن لا يعرف الأميبي كمن لا يعرف الحرباء التي كان شعراؤنا القدامى يستعملونها في أشعارهم، ونرسيس من لا يعرفه؟ ومن لا يعرف يهوذا؟ وإذا عرف القاريء من القصيدة نفسها أن التمر كان يؤلهه معشر ثم يأكلونه حين يجوعون فليس ضروريا أن يعرف أن قبيلة حنفية هي ذاك المعشر ، وكذلك قلْ عن بقية الشروح.
ثم إن أكثر إشاراتي في قصائدي إنما هي إلى معان ضمنتها شعري ومن الأمانة أن نقول أن هذا المعنى مأخوذ أو مضمن من بيت الشاعر فلان. وزعم الأستاذ العالم إنني أحدو حذو إليوت فيما أكتب ، كلا يا سيدي إن ما أكتبه هو شيء من صميم التقاليد الشعرية العربية ودونك أبا تمام لتعرف كيف كان يستخدم ( ! ) التاريخ والأساطير وشعر السابقين وكل ثقافته في شعره .
إقرأ لأبي تمام قوله :
ما ربع ميّة معموراً يطيف به غيلان أبهى ربىً من خدّها الترب
واقرأ له قوله :
إن كان مسعود سقى أطلالهم فيض الدموع فلست من مسعود
واقرأ له يصف الخمر:
جهمية الأوصاف الاّ إنهم قد لقبوها جوهر الأشياء
ومالي وللأمثلة أسوقها وهي أكثر من أن تعد ، إن أمامي شغلاً أهم من هذا . فهل سمعت – أيها الصديق الكريم الخوري – بما أحدثه تنبيهي إلى أبيات السيد عبد الصبور المختلة الزاحفة من رد فعل لدى بعض الصحفيين المصريين؟ لقد دعا واحد منهم شعراء مصر إلى الجهاد في سبيل الشعر المصري . وإعلان الحرب عليّ وعلى الشعراء العراقيين الذين أخذوا يهاجمون الشعر المصري. لأن رئيف خوري قد مجّد الشاعر المصري الأستاذ عبد الصبور. ولا أذكر إنك مجدته كما إني أرى من وراء هذه الأقوال روحاً إقليمية يجب أن نحاربها بكل ما أوتينا من قوة ، متى يفهم هؤلاء الصحفيون إننا عرب قبل أن نكون مصريين أو عراقيين أو لبنانيين ؟ متى يفهمون إننا حين ننقد عبد الصبور أو سواه لا نضمر في أنفسنا إنه من هذا القطر العربي أو ذاك ؟ إنه شاعر عربي وحسب أفتراهم يريدون منا أن نسكت حين نراه يخطيء في الوزن
فيقول:

شعر حبيبي حقل حنطة
صنعت في ضلوعي ذلك الصندوق
وجئت بستانك الصغير يا مليكة النساء
حدثتهم عن لوعتي يا جرحي المخضل يا ذلي ، وكلهم مجروح
وعدت في جرابي بضعة من المحار.
أو يقول:
الليل يا صديقتي ينفضني بلا ضمير
ورحلة الضياع في بحر الحداد
الخمر تهتك الأسرار
ويضحكون ضحكة بلا تخوم
السندباد كالإعصار إن يهدأ يمت
وشاطيء البحار ما يزال يقذف الأصداف واللآل
أفتونا أيها العارفون بعلم العروض فان إهتمامنا اليوم بالوزن محض الوزن في شعر هذا الشاعر ، أما المحتوى فالحديث عنه طويل أليم .
وأخيرا لا يسعني أيها الأستاذ الكريم إلا أن أعرب لك عن عظيم حبي وإحترامي وإعجابي . كما إني أرى لزاما عليّ أن أشكر لمجلة الآداب رحابة صدرها ، وهذه الحرية التي تتيحها لنا فنناقش الآخرين ويناقشوننا في سبيل التوصل إلى الحقيقة التي لا نريدها أن تموت في مجال الأدب على الأقل"( ).
وكان من ذيول هذه المعركة ،إنها استعدت الشاعر المصري صلاح عبد الصبور فقد إحتدمت بينه وبين السياب معركة نقدية عنيفة ، أشتعلت على صفحات مجلة ( الآداب ) خلال عامي 1955 و 1956 م ، وقد ساند بدرا فيها عدد من الشعراء والكتاب العراقيين ، وساند صلاح عبد الصبور عدد من الشعراء والكتاب المصريين ، وقد تبادل الفريقان تهمة إحياء النزعة الإقليمية وتهمة اليسارية ، وكان ما تقدم من صفحات جزءاً من تلك المعركة ، وجاء دور صلاح عبد الصبور فرد قائلاً لبدر (( ليس لي شرف أولية استعمال الرجز ولم ينسب الأستاذ رئيف خوري ذلك الشرف لي ، وليس هذا الشرف لك أيضا فالرجز قديم كما تعلم ، أما استعمال مستفعلن شكلاً عروضيا حراً فقد سبقنا إليه الدكتور لويس عوض في قصيدته المسماة (كيرباليسون) المكتوبة سنة 1937م والمنشورة بعد ذلك بعشر سنوات في ديوان بلوتولاند ... وأخيرا إني شاعر مصري ولو كان عندي ما أقدمه خير من الشعر لقلت ولذلك أحبني مواطني فظنوا بي خيراً، ولا أريد من الشعر أكثر من هذا الوسام ، محبة الأصدقاء والشرفاء ..... ولست أول من رجز ، ولست أولا في شيء على الإطلاق ، فلا تشغل نفسك بي فإن فيك لطاقة على ما هو أجدى على أمتك ، وإن فيما ينشر في الصحف وتمتليء به المجلات وتهتز به الحياة ما هو أحق بانفعال مثقف واع ذي موقف من أن مستفعلن في قصيدة صلاح عبد الصبور تحولت إلى مفاعيلن( ) " وقد دخلت قصيدة في ( المغرب العربي ) في المعركة النقدية التي إشتعلت بين صلاح عبد الصبور ومؤيديه من جهة ، وبين بدر ومؤيديه من جهة أخرى ، حيث نقد الأول قصيدة الثاني قائلاً: في هذه القصيدة محاولة شكلية طيبة ، وهي المراوحة بين وزنين ، ولكن مما يعيب هذه المحاولة إنها بلا منهج ملتزم ، فقد كان الأوفق أن تثنى الأصوات في القصيدة ، فصوت ذو نغم يحكي الحاضر وصوت ذو نغم آخر يحكي التداعيات ..... وشيء آخر هو إني لم استطع أن أعرف وزن هذه الأبيات"( ).
ويلفت النظر في ردود السياب أمران:
الأول : إنه لم ينس أن يهاجم الشاعرة نازك الملائكة ، فيقول أن شعرها يأباه القرن الثامن عشر ،
ولا شك في أن وراء هذا القول دوافع نفيسة تأصلت من معركة الريادة .
الثاني : ورود ألفاظ عامة تفتقر إلى المفهوم الموضوعي المحدد مثل : الشعر الحق ، يأباه الشاعر
المبدع ، موفق كل التوفيق ، الشاعر الحق ..... الخ ، وهي مفاهيم عامة تفتقر إلى الدقة .

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:39 AM

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:40 AM
توطئة
( 1 )
دخل العراق القرن العشرين ، وهو يرسف في أغلال الحكم العثماني( ) ، الذي لم تفلح الأحداث التي وقعت في عاصمة حكمه ( ) في ان تغّير من أساليب حكم الولايات شيئاً " ولما بدأت النهضة في منتصف القرن الماضي [ يريد القرن التاسع عشر ] كان الأدب لايزال تقليداً للقدماء يتابعهم في أوصافهم وأساليب تعبيرهم ، ثم أخذ الامر يتغير ، فنشأ منذ أوائل القرن المذكور جيل يدعو الى التجدد ، وكما قام أبو نؤاس في أوائل العصر العباسي يدعو شعراء زمانه الى ترك الحياة الاعرابية والمثل البدوية كذلك قام المجددون في هذا العصر يدعون الى ترك الطريقة القديمة والاهتمام بما توحيه الحياة الجديدة …. " ( ) .
ومنذ أواخر القرن التاسع عشر " أخذت الثقافة الجديدة تنتشر في البلدان العربية التي أتيح لها الاحتكاك بالعالم الغربي ، فنهضت شعوبها بعد سبات عميق وكانت نهضتها ترتكز على أربع قوى رئيسة هي المدارس الحديثة والمطابع والصحف والجمعيات … " ( ).
واذا كانت أسباب النهضة في مصر ، وبعدها في بلاد الشام ( ) ، تعزى الى حملة نابليون وولاية محمد علي على مصر وحركة الإرساليات الدينية ، " فان مبدأ النهضة الحديثة في العراق انما هي سنة 1869 أي ولاية مدحت باشا على بغداد … ولكن على الرغم من ان المدة التي قضاها مدحت باشا في العراق تعادل المدة التي قضاها نابليون في مصر ، فان بذور النهضة التي غرسها مدحت باشا لم تجد لها من يرعاها من بعده ، ولهذا كان سيرها بطيئاً وتأثيرها ضئيلاً ، ثم بدأت بوادر الدستور العثماني الذي أعلن سنة 1908 " ( ) . بيد ان النظرة المدققة لبدء حركة النهضة في العراق لا يمكن ان تغفل أحداثاً سبقت التأريخ المذكور، اذ ان حقبة طويلة من الجهل والظلام لا يمكن ان تتجاوز بسهولة وبحدث مرتبط بشخص ما ، مهما بلغ هذا الشخص ، انما هي جملة من التراكمات الكمية التي تتحول الى تغير نوعي أسهمت المعارك التي درسنا بعضها في الفصول السابقة ، التي تسبق هذا التاريخ بنحو قرن من الزمن في إيجاد المهاد الملائم للنهضة ، ويشير ربط الدكتور البصير بدء النهضة بشخص مدحت باشا الى قصور في دراسة الحقبة أولا ، والى انسياق مع رؤية كتاب آخرين يرون ربط أي تطور بعوامل خارجية ، مع إهمال تام للعوامل الأخرى التي تتعلق بأبناء البلد وجهودهم " والانطلاق في كل نهضة ليس وليد العوامل الخارجية وحدها ، بل لابد من ان ينبع أولاً من دوافع داخلية . ولعل أهم هذه العوامل توفر النبوغ في عدد من مرافق الحياة ، فقد رافق أعظم النهضات في التاريخ فيض من نوابغ الرجال ، تحسسوا سوء ما هم فيه ، وأوجسوا شراً من استمرار وضعهم الراهن ، واستشفوا بصيص أمل في محاولة ما فهبوا للنضال من أجل تحقيقها " ( ) زيادة على انه " ليس من السهل استجلاء بواعث النهضات استجلاء تاماً ، ولا تعليل انطلاقها تعليلاً وافياً اذ ليست هي في الغالب ، نتيجة مباشرة لمؤثرات خارجية فحسب ، ولا هي ثمرة لطفرة داخلية مفاجئة لا غير ، بل لعلها متخلقة من تفاعل منتج بين طاقة كامنة في الداخل ، وحافز محرك من الخارج لذلك برغم من ان النهضة الفكرية في القرن التاسع عشر لم تكن وليدة البعثات التعليمية وحدها، فقد تعاقبت أجيال عديدة على قيام الصلة بين الشرق والغرب ولا سيما بين الشرق العربي وأوربا الوسطى من دون ان تتجاوب أصداء الفكر تجاوباً ملحوظاً ، وما هي إلا أن تفتحت الأذهان وتحفزت الخواطر ، حتى استجابت الطاقة للحافز وانطلقت الشرارة السحرية فإذا الفكر الناشئ ينمو ويترعرع ويغدو نواة لنهضة رائعة " ( ) " وللخطوة الأولى في كل حركة كبرى أهمية عظيمة ، لأنها تقرر نقطة الانطلاق ووجهة السير … " ( ) . ولا شك في ان سحابة الخمول أخذت " تنقشع عن الذهن العربي في غضون النصف الأول من القرن التاسع عشر ، فقد شاهدت البلاد ولا سيما في لبنان ومصر ، موجة من الإقبال على التماس المعرفة صادفت حملة مركزة لنشر العلم " ( ) .
أما في العراق فان الذي عرفناه من تاريخ القرن التاسع عشر " ان أكثر الشعراء – ومثلهم علماء الدين البارزون – عاشوا في ضيق ونكد " ( ) فيقول أبو الثناء الآلوسي بعد تخليه عن منصب الإفتاء وانصرافه الى إتمام تفسيره ( روح المعاني ) معبراً عن عوزه : " حتى كدت آكل الحصير واشرب عليه مداد التفسير " ( ) وكثيراً ما كان الشيخ عبد الحسين محيي الدين ( ت 1271 هـ ) يُسمَع وهو يقول متهكماً من يشتري شعراً بشعير ؟ ( ) لكساد بضاعة الشعر وتراجع سوق الأدب وكان بعضهم يعمل في الأسواق للحصول على رغيف خبز ( ) .
وقد دعا ذلك الأخرس البغدادي الى القول :
أسفاً للشعــر لاحظّ له في زمان الجهل والقوم اللئام
" على ان عملية الولادة الجديدة هذه قد بدأت بالفعل منذ قرن ونصف ، ومع ذلك فهي مازالت بعيدة عن مرحلة اكتمالها، اذ هي لم تزل – بعد قرن ونصف قرن – في حالة من العثار والفوضى" ( ) .
( 2 )
ولكن لا يمكن القول "ان العراق في القرن التاسع عشر لم يأت بجديد فقد كان حافلاً بعشرات من الفضلاء ، وكانت شهرته بعلمه وأدبه – ولا سيما الفقه والشعر – أوسع انتشاراً وذيوعاً منها في القرون السالفة التي خضع فيها للحكم العثماني " ( ) وكان ذلك القرن قد بدأ " بداية كريمة استطاعت فيها الخُطا ان تتسع وقد صادف هذا التقدم رعاية من بعض الولاة في بغداد ، وعناية من الولاة الجليليين في الموصل وتشجيعاً من أغنياء الشيعة ورؤسائهم في العراق وايران والهند لمدارس النجف وكربلاء والكاظمين …واستمرت مدارسهم معتمدة على الخيرات والحقوق الشرعية التي ترسل الى المجتهدين من داخل العراق وخارجه… [ و ] كان بعض رجال الدين في بغداد معرضاً للفاقة الشديدة وعندما يغضب عليه الوالي فيسلب منه الأوقاف ووظيفة التدريس أو الخطابة … ومثل هذا قلما يحدث للمجتهد الشيعي لانه غير خاضع لنصب أو عزل من قبل أية سلطة … وكانت النجف وغيرها من المدن الشيعية المقدسة مثابة لمئات الوافدين من داخل العراق وخارجه … " ( ) .
وظل يحكم موقف الشعر والشعراء من الدولة العثمانية ، خلال حقبة نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، عاملان : عامل التمسك بالخلافة العثمانية لطابعها الإسلامي ، وعامل التململ ضدها بسبب السلوك المعادي الذي طبع الخلفاء العثمانيين تجاه العرب وتطلعاتهم ( ) .
ومع باكورة القرن العشرين كانت نسبة المتعلمين تتراوح بين الخمسة والعشرة بالمئة ، وفي أحسن الأحوال فان ما تقوله المصادر الحكومية آنذاك يشير إلى ان ما يقرب من ثلثي الأهالي كانوا لا يعرفون القراءة والكتابة ، وكانت نسبة المتعلمين من غير المسلمين أعلى منها في المسلمين ، فأشاع هذا اللهجة الدارجة ورسخها بين الناس فأصبحت لغة التخاطب والحديث ، بل ان بعض المؤرخين والكتاب لم يتحرج من جعلها لغة الكتابة وكانت في بغداد وبعض المدن ممزوجة بخليط غريب من المفردات الأجنبية كالتركية والفارسية ، بل كانت اللغة التركية في بغداد " أكثر ذيوعاً من العربية العامية وان كان كل منهما رديئاً " ( ) .والى جانب ذلك لمع في أفق الشرق العربي ، رجال في الفكر والإجتماع والسياسة والدين ، تأثروا بما شاع في آفاق العصر من نور مصدره الغرب ، وبما في تراث العرب من خزين ثمين( ) .
( 3 )
ولم " يكد القرن العشرين ( ! ) ينبثق حتى كانت العاطفة القومية قد أخذت تحرك القلوب والأقلام . وكان لها في الأدب اتجاهات ظاهرة أظهرها تلك المفاخرة بالأمجاد السالفة ، وتلك الغيرة الملتهبة على اللغة الوطنية والتشكي من إهمالها " ( ) فقد امتازت بداية القرن العشرين بانها " عصر اليقظة في الفكر والشعور ، تفنن الخيال العربي فيه في التعبير عن هواجس النفوس الطامحة الى مجاراة الأمم الناهضة الراغبة في التخلص من عوامل الضعف والانحلال وحاول الأدب ان يمثل الحياة وذلك في مختلف صورها الضاحكة والباكية وشتى مظاهرها المشرقة أو الداجية "( ). وفي المقابل فان التغيرات التي حصلت في عاصمة الخلافة – مما أشرنا إليه سابقاً – لم تصل الى كل الأقطار التي تسيطر عليها الدولة العثمانية فلم تشهد هذه الأقطار بصيصاً من الحرية الفكرية أو السياسية بل " لم يقاسِ الفكر العراقي نقصاً في حرية الفكر في وقت من الأوقات أكثر مما قاسى منذ بداية القرن العشرين خاصة خلال الاحتلال وبعده ، فلا يسمح للشعراء ، مثلاً باسم القانون ان ينطقوا بأية فكرة حرة أو جديدة قد لا تتفق وأفكار الحكومة أو الحزب الرجعي في البلاد ومع ان حرية الفكر بدأت تظهر في المدن ، ولكن لايزال رجال القلم والشعراء مغللين بالقانون " ( ) .
وبالرغم من اننا لا نريد ان نستبق عرض المعارك التي وقعت في هذا القرن بأحكام سيكون مكانها ان تذكر مع آثار هذه المعارك( ) ، بيد ان هناك ملاحظة حرية بالتسجيل هنا ، تظهر في المعارك الأدبية في العراق خلال القرن العشرين ، تجعله يختلف عما حصل في مصر ، فقد شهدت مصر في القرن المذكور سلسلة معارك فكرية أدبية بين شعراء منظرين وأكاديميين يتمتعون بقدرات فكرية وتنظيرية عالية كان لهم الدور الكبير في هذه المعارك ، في حين لم نجد هذه الظاهرة في العراق ، وترك الامر للشعراء لكي يخوضوا معارك الشعر الحديث ، بلا أساس نظري واسع تشترك فيه طاقات تنظيرية واسعة الفكر والإطلاع إلا نادراً ( ) .
ولذلك نرى ان معارك المصريين كانت أكثر غنىً ونضجاً ، في حين اكتفت معارك العراقيين حول الشعر الحديث ، بإثارة زوبعة الريادة فحسب ، وهي لا تقدم شيئاً ، ان لم نقل انها كانت محاولة ساذجة ، اذا تبين لنا ان الريادة قد لا تكون لهؤلاء الشعراء ، بل لغيرهم في أقطار أخرى ، ولم يدعيها أولئك الا أخيراً ، لمعرفتهم ان طريق الشعر الحديث محفوفة بالمخاطر وان مستقبله لم يقر بعد ، فهناك كثير مما يعتوره من معوقات ، أما أصحابنا العراقيون ، فقد انهمكوا بسذاجة في المعركة من أجل إثبات السبق في ظاهرة قد تكون ولدت ميتة أو لم تستكمل شروط نجاحها بكل تأكيد ، وهذا ما كشفت عنه السنون الأخيرة ، اذ سرعان ما تشتت أصحابها في طرق ومجاهل شتى ، أوصلتهم الى فيافٍ لا ضوء فيها ولا دليل ، فتنوعت طرقهم ، وتبددت طاقاتهم .
" وفي العراق مايزال الشعر يحتل مكانة خاصة في دائرة الثقافة والفن ، ولعل ذلك راجع لضعف الحركة المسرحية ، ولعدم رسوخ تقاليد القصة والرواية ، لكن المهم ان الناس مازالوا يتذوقون الشعر فيقبلون عليه إقبالاً شديداً ، قراءة وسمعاً ونظماً ، بل مازالوا يختصمون حول الجديد والقديم فيه " ( ) .
ومن المعلوم ان تقييم القديم " بأكثر من قيمته … لا يقتصر على إشباعه لرغبة رومانسية في نفوسنا ، بل يقف في سبيل سيرنا عقبة تحول دون التقدم نحو ما نريد ان نتقدم نحوه من تغيير للفكر وتبديل لأوضاع الحياة " ( ) . وبالمقابل فان تقييم القديم بأقل من قيمته لن يكون مجدياً في التغيير والتقدم نحو التغيير المطلوب ، اذ انه يحجب عن أعيننا رؤية الجوانب الإيجابية في فكرنا وتراثنا ، التي يتطلب ترسيخها قيماً ورؤية تعزز توجهنا المطلوب ، لأن " ثبوت الروعة الأدبية لا ينفي ان يكون في الأدب عنصر آخر هو عنصر التغيير والتجدد " ( ) .
( 5 )
وعلينا ان لا ننسى ان جيل بواكير النهضة قد ورث " من أدباء الطليعة السالفة أدباً عابته الركاكة وشانته العثرات اللغوية ، وأفسدته صناعة التزويق والمجانسة : فكان همهم الأول ان يعملوا على إحياء اللغة وتقويم اللسان وتسديد القلم ، ولكن مهمتهم هذه كانت شاقة ، يتعذر تحقيقها دفعة واحدة وفي مدى قصير ، فالمدارس لم تكن ميسورة ، ولا كانت الكتب في متناول الأيدي ، فارتدوا في تحصيلهم الى الجهد الخاص … ولقد كانت مادة ثقافتهم أدب القدماء وأخبارهم وعلومهم من جاهليين وإسلاميين وعباسيين ، قرأوا ما وقع لهم من مؤلفاتهم في اللغة والأدب ، وتوفروا على الحفظ من روائع شعرهم ، وبليغ نثرهم ، ومأثور حكمهم وخطبهم ، والأدب القديم – كما هو معروف – أدب محافظ ، صحيح البناء ، بليغ التركيب ، شديد الأسر ، جزل اللفظ ، وعباسيه المتأخر كثير التزويق ، ظاهر التكلف ، فجاء أدبهم لذلك متصفاً بمتانة التركيب ، مشوباً بكثرة التزويق " ( ) " ولقد كانت جل عناية الرعيل الأول من أعلام النهضة منصرفة الى إحياء القديم ، فتميز بالأبحاث اللغوية ، وتوفر الرعيل الثاني على تحصيل علوم العصر ، فأضاف الى فضائل ما ادّخر من القديم ،شيئاً من معالم الجديد ، وجد الثالث في التملص من القديم البالي شكلاً وموضوعاً ، وجهد في طلب أجواء جديدة ، متلمساً سبلاً جديدة ، مندفعاً ( ! ) في آفاق جديدة " ( ) .
وكانت المعاناة التي يواجهها الشاعر العربي المعاصر " لم يعان مثلها الشاعر العربي المنبثق عضوياً من لحمة المشروع الثقافي ، والمتحد عضوياً وطوعياً مع لحظته التأريخية ، فالبحتري شاعر الإستعارة المبدعة ، استخدم بلاغتة حديثة … لقد أعادت بلاغة البحتري صياغة القصيدة العربية التقليدية بدلالات الصور اللفظية ، لكنها لم تعط الدلالة الصورية مجاناً ، بل جعلتها إمتداداً عضوياً لكينونة القصيدة ذاتها … فالبلاغة ( البحترية ) ليست عنصراً يضاف الى عمود القصيدة التقليدية ، ولكنه نوع من التنمية الذاتية لبنيتها ، بحيث تأتي البلاغة كاشفة بصورة أعمق عن دلالة البنية الشعرية العربية ، وليست مجرد إضافة تزينية ، والحقيقة فان البلاغة لم تسقط في اللفظية والتزينية إلا عندما غاض المشروع الثقافي العربي من القصيدة ، في عصر الانهيار الحضاري ولذلك ان ما يسمى بالقصيدة النثرية المعاصرة ليست في واقعها سوى نوع من البلاغة الجديدة المقطوعة عن كينونة القصيد العربي ، وذلك لأنها اعتمدت على اللعبة اللفظية فقط ، وعزلت نفسها عن الهم الإبداعي الكينوني ، احترفت صنعة اللفظ المبهم حتى تدمر العلاقات الذاتية للعبارة الشعرية" ( ) .
( 6 )
وفي هذا الباب نماذج مختلفة من المعارك الأدبية ، منها ما شاعت فيه روح المعارك الأدبية التي وقعت في القرنين السابقين ، وأسلوبها .ومنها ما حمل سمة الحوار الفكري الناضج المتعدد الجوانب ، وغلب على بعضها طابع الفكاهة ، وهذه كلها تعبير عن روح العصر ، وما أضفاه التغيير – مهما بلغت درجته – على الفكر وحركته ، والأدب وظواهره ومنها المعارك الأدبية ، أحسبها كافية لتعطي صورة واضحة عن معارك القرن العشرين .

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:42 AM
المعارك التي سترد في هذا الفصل يكاد يجمع بينها أمران :
الأول : انها دارت بين شعراء يتخاصمون أو يتساجلون حول قضية من القضايا .
الثاني : انها معارك أقرب الى الهزل والمتعة منها الى الجد والتطرق الى موضوعات ذات أسس نظرية.
وفي النجف – التي انطلقت من مجالسها أول معركة أدبية في العراق وهي معركة الخميس الأدبية – لم تخبُ ذكريات تلك المعركة ، ولم تنمح آثارها من فكر أجيال الأدباء والشعراء في النجف بالرغم من مرور ما يزيد على القرن ، وقد قامت معارك أدبية كثيرة تكاد تكون نسخاً مصغرة لتلك المعركة ، بروحها وتفاصيلها والأسباب التي دعت اليها.
فقد كان هناك في مدينة النجف الأشرف عدد من الشبان الذين لفتوا إليهم أنظار شيوخ الأدب فأدخلوا في أذهان الجميع – بما كتبوا ونظموا ونشروا – انهم سيكون لهم شأن كبير في مستقبل الأدب " وكان الشيخ محمد رضا الشبيبي والشيخ علي الشرقي في طليعة أولئك النفر من أدباء الشباب ، وقد اتسعت دائرة أفكارهم – وهم لا يزالون في أول مراحل الشباب – فاتصلوا بالعالم الخارجي ، وتتبعوا حركته الثقافية وعرفوا أخباره … والحق ان هذا النفر من الشباب هو الذي نقل النضج الفكري والوعي السياسي ، والآراء الحديثة الى النجف ان لم يكن الى العراق كله اذ لم يسبق لجماعة كبيرة في أية مدينة من مدن العراق ان تجاوبت مع الحضارة الحديثة والأفكار الجديدة مثل هذا التجاوب في مثل تلك الأيام العصيبة التي أناخ الاستعمار العثماني فيها بكلكله على العراق فأبعده عن فهم نفسه وفهم معنى الحرية ومضامين الثقافة" ( ) .
وقد ولدت في النجف الأشرف أفكار مبتكرة ، وبوقت مبكر فقد كان الشبيبي أول من فكر هو وزمرة من أنداده في النجف بإحياء التراث الأدبي وتأسيس جمعية تقوم بدراسة المخطوطات وتحقيقها وتولّي طبعها ونشرها على غرار لجنة التأليف والترجمة والنشر التي أسست بعد ذلك بزمن في مصر ، وقد باشر الشبيبي وجماعته حضور بيع الكتب بالمزاد الذي كان يجري في كل أسبوع في النجف … وعرف الشيخ محمد رضا الشبيبي وجماعته ومن بينهم الشيخ علي الشرقي بما عرف به السماوي ، ولكن السماوي كانت له شهرة أوسع في معرفة خصائص الكتب وأهميتها … " ( ) .
( 1 )
ومن مجالس النجف في تلك الحقبة مجلس الأربعاء ، الذي كان يعقد في نادي السيد مير علي الأدبي وكان من نتاج هذا المجلس " تلك الحلب الأدبية التي اشتركت فيها طائفة من الأدباء بالأراجيز حتى كانت منها مجموعة بلغت اثنتي عشرة أرجوزة طويلة وقد كتب لي أنا [ مؤلف هكذا عرفتهم ] ان أكون أحد المشتركين بها في وليمة غداء فاخرة أقامها الشيخ قاسم محيي الدين ( ت 1957 ) في بيته ، أقول لست أنسى تلك الحلبة الشعرية التي انتهت بمعركة أدبية اضطرت البعض الى اختيار حكم يضع حداً نهائياً لتلك المعركة ، فوقع الاختيار على السيد ( مير علي ) ورفعت إليه تلك الأراجيز ومعها كتاب موقع من قبلهم وهم يلتمسون صدور حكمه في هذه المعركة العنيفة ، وكان أن صدر حكمه في أرجوزة شعرية تجلت فيها قوة الشعر ، كما تجلت فيها خفة الروح والدعابة … وكانت أرجوزة بمثابة انتصار لامع للمشتكي المقهور ضد جميع مهاجميه ، ومن المؤسف ان تودع تلك المقاطيع والأراجيز عند الشيخ قاسم محيي الدين لسبب من الأسباب الخاصة فيحرص عليها الشيخ … " ( ) .
ولم تكن المعارك الأدبية في تلك المجالس وقفاً على النظم بالفصيحة وانما كانت تتخذ من الأدب ( العامي ) أحياناً وسيلة لها .




( 2 )
( معركة الجمعة )
ومن المعارك الأدبية في القرن العشرين ما دعي بمعركة الجمعة أو ( معركة المأدبة الماشيّة ) ( ) ففي ترجمة محمد طاهر الشيخ راضي قال صاحب شعراء الغري :
" ومن ألوان دعابته هذه الأرجوزة التي نظمها على أثر اختياره حكماً من قبل بعض أعضاء معركة الجمعة في المأدبة الماشيّة قوله :
حمداً لمن لا ينتهي عـــلاه لم يحص حق حمده ســــواه
ثم صلاة الله خالق الـــبشر على محمد وآله الغـــــرر
وبعد : شعري بقصور يعترف ان لا يطيق الشعر حتى من طرف
وهذه مجموعة من الرجــز حكمّ فيها نظري وان عــجز
وليس في الشعر قياس منطـقي وانما الأحكام للتــــذوقِ
فرب معنىً هو فحلٌ ينــفث قد كان في ألفاظه تخنـــث
وربما ألفاظه رشـــــيقه له معان عجز مطروقــــه
وربما ان فصّلا صحا مــعا ويفسدا في الذوق إمّا اجـتمعا
وما هناك جهة معيــــنة لكن تكون كتلة مستحــسنه
بعض مصاديق الجمال الشـعر وليس جفن وحـــده وثغر
وكلما هز الشعور أكــثر فذلك الشعر لدي أشـــعر
وانني أرسل حكم نظــرتي ويستجيز الحبط خطو فكـرتي
لم يكن الكمال من صفـاتي وكيف والنقص حــدود ذاتي
والرأي كالطبع فقد يخـتلف فميزوا ان شئتم واســـتأنفوا
لست محكما بما قد حكـموا وانما أنظر فيما نظــــموا
أميز المحكم من آياتــــه وأترك الرأي على عـــلاته
لا أتخطّى أدباً إلى النـسـب وقول لا أعلم من حسن الأدب
لا أتعدى من حدودي خطرا معرفة فكيف أنساب الــورى
فخذ إليك ما إليه أذهــب ولا أبالي أرضوا أم غضــبوا
إني رأيت رجزاً مستحــسنا لكنّ فيه حسناً وأحـســـنا
تجمعه الرقة وهو شـــتى وما تساوى جهة وســـمتا
تختلف الغصون في مهــواها وان جذراً واحداً حـــواها
رجز ( الجواد ) تحفة من تحفه وهذه بعض لئالي صـــدفه
قد راق لي كرقة الصــهباء في طرف المديح والـــهجاء
لكنه لقد أجاد حين قــصْ فانه قص فأحسن القصــص
أحصى فكان ريشة الـمصوّرِ أو ككتاب الله يوم المــحشرِ
أظنه من دقة الأوصـــاف إن يحك صوتاً فكفو نغــراف
وجاء ثالثاً كمن قد صــلّى أو كالذي من بينهم قد جـلّى
بينهما وبينه الفرق أختفــى يدركه الذوق إذا تفلســـفا
لم قال قد أخرس بعد نـادى وما أرى في هذه أجــــادا
قد فزع الخرس على النــداء في ظاهر السباق والانـــشاء
فكان تفريعاً لدي غامضــا وكاد أن يساوق التناقـــضا
والحكم هكذا أرى فيما نظـم ان بها الرابع شاعر العــجم
وكان ما يدور في خيــالـي ان المجلّي الشاعر الجـــمالي
وانه عندي لشاعر بحـــق لكنه في ذا السباق ما ســبق
أطال لكن لم يُجد هزلاً وجـد حبل تمام طال لا حبلُ مَســَدْ
وقد رأيت معجزاً محمـــدا يعالج الروح ويشفي الجــسدا
وان عندي النطس ( الخليلي ) طبيب نبضٍ وطبيب قـــيلِ
نظمها أرجوزة رصـــيفه رقيقة رشيقة لطـــــيفه
أرسلها مملوءة ترسّــــلا ترفع احساناً وتلقى مـــثلا
لم أر فيها مأخذاً له غــلط لكنها كانت من الشعر الوسـط
قد جاد سكيتاً وقد كان حسن فكيف لا وانه جد الــحسن
واعتزل الرضا بها التسابقــا والظن لو أتى لكان السابقا( )
وقرأ الشيخ قاسم محيي الدين منظومة نسبه ، ونشر جزءاً منها في ديوانه المطبوع ( الشعر المقبول في رثاء الرسول وآل الرسول ) ( ) وهو قوله :
يقول راجي ربه ذي الــمنن المذنب القاسم نجل الـــحسن
ان الذي إليه والدي انتـسب موسى الذي له الشريف خير أب
ابن محمد سليل يوســـفِ سليل جعفر عظـــيم الشرفِ
نجل علي فرع مـحيي الدين ابن الحسين نجل محيي الـــدين
والده عبد اللطيف بن عـلي سليل أحمد التقي الأفضـــلِ
الجامعي الحارثي العامـــلي ابن أبي جامع الحلاحــــل
ينمى لذاك الحارث الهمـداني ذي الدين والصــلاح والايمان
ذاك الذي ارتضى ولاه المرتضى مقرباً له وأولاه الرضـــــا
وقال لمّا ان له قد اشتــكى من الاهاويل غداً وقد بـــكى
بشراك يا حارث في ولاكــا لمن يقيك من لظى هــــناكا
يا حار من مات رآني جـزما وفيه أقضي ما أشاء حكـــما
من مؤمن برٍ ومن منافـــق وناكبٍ عن الولاء مـارقِ ( )
وقال الشاعر محمد كاظم الشيخ راضي مداعباً ومعقباً على المأدبة ( الماشية ) التي أقيمت في معركة الجمعة عقيب قراءة الشيخ قاسم محيي الدين لمنظومة نسبه:
الحمد لله العليّ الأكــــــرمِ ومنشئ الوجود بعد العــــَدَمِ
ثم الصلاة أبد الآبـــــــاد على النبي العربي الهـــــادي
وآله الغر مصابيح الدجـــــى ما أسفر الصبح وما اللــيل دَجا
وبعد: اني ناظم أرجـــــوزة معدودة أبياتها وجيــــــزه
أودعت فيها كل معنىً بــــكر وهو – لعمري – من نتاج الفـكر
لم يك فيها كذبٌ ولا مــــرا ولم تكن تحوي حديثاً مفــترى
لكنها حقايق مــــــجرده ثابتة عند الأنام مســـــنده
تثبت ان قاسماً نجل الــــحسن ما بيننا الغرّة في وجه الزمـــن
فاق الأنام بعلوّ الــــــهمّه وامتاز فيهم بعلوم جمّـــــه
من أدب ســــامٍ ومن معارفِ يقصر عنها وصف كل واصــف
و( شعره المقبول ) أقــوى حجه لمن أراد واضح المحّـــجه( )
مُسَلَّمٌ بين الورى تفـــــضيله لذاك عزّ عندنا مثيــــــله
بفكره الثاقب كم من مشـــكله أوضحها وكم أبان معـــضله
نداه ما بين الكرام شايـــــع وصيته بالمكرمات ذايـــــع
المجد عند الناس صـــعب المرتقى لكنه اليه بالجد ارتــــــقى
وان حب الخير فـــــيه ذاتي وهو له من أجمل الصــــفات
يروي حديث الفضـــل عن أبيه وعن إمام البر ما يـــــرويه
آباؤه الغر هداة الأمــــــمِ وهم مصابيـــح دياجي الظلم
هم حجج الله على الـبــــريّة وهم شموس في الورى مضـــيّه
ان حسدوه في مزاياه الــــغرر وهو - لعمري – شّر عادات البشر
فالفضل ما بين الورى محــسود وذو المعالي حظه الجــــحود
يا من سرى مقتفياً آثـــــاره قصّر فلست لاحقاً غــــباره
لا يدرك الضليع شأو الســـابق وليس كل من جرى بلاحـــق
إنّي سمعت ما دهاني سمـــــعُهُ من حادث عزّ عليّ وقــــعهُ
ان هناك من بني الفــــضل فئه سعت لنور ( شالخ ) ان تطــفئه
فلفّقوا ما استحسنوا تلفيــــقه والناس تابى ذاك والحقــــيقه
كأنهم لم يقرأوا علم النــــسب ولم يطالعوا سبائك الذهـــب
وهو – لعمري – خير تأليف ظـهر يفوق في تحقيقه كتـــب السيرْ
فأنكروا ما أثبت التـــــاريخُ بان سيد الورى ( أخـــنوخُ )
وان ( متشولخ ) من ذريــــته معجونة طينته بطــــــينته
وان ( شالوخ ) أخو ( ارفخـشد ) والكل منهم سيد ابن ســــيد
وانهم أولاد آدم أبـــــــي وكل من ينكر ما قلت غـــبي
هذا – لعمري- نسب صـــراح ينحط دون قدره الضــــراح
كفاك يا قاسم عندي مفـــخرة ان قريشاً فرع تلك الشـــجره
وهم -كما علمت – سادات العرب انت واياهم سواء في النســـب
فأفخر به ودم بعيش أرغــــد رغم أنوف الشامتين الحسـّد( )
وللشيخ مسلم الجابري ( ) مشاركاً بالدعوة الماشّية التي صنعت بمناسبة قدوم الشيخ محمد الشريعة من كراﭼــي الى النجف ، وقد نظم فيها على روي واحد وقافية واحدة فريق من شعراء النجف ، وقد مزج الجدّ فيها بالهزل وفيها من المصطلحات الشعبية كلمات كثيرة:
لأبي هاتف بعثت التحــــــيّه قرنت بالعواطف الأخـــــويّه
فتقبل أُخيّ دعوة شــــــعر نظمتها المشاعر الجابــــــريّه
ليس فيها من المكارم شـــــيء لا ولا من روائح الأريـــــحيّه
غير ان الطبيخ كان مــــن الارز الذي ينتمي إلى (الشـاميَّه) ( )
فوقه الزعفران ينفح عطـــــراً فاق تلك الروائح العـنـبريّه ( )
فوقه ( الماش ) فوقه اللحم فوق اللحم لوز وكشمش فــوق (لِـيّه) ( )
قد ملأنا به صحوناً صغـــــاراً وجعلنا في وسطها (ﭼـــرنيَّه )( )
وأضفنا له ( مناﭼيس ) لــــكن هذه ( صلية ) وتلك ( رثيّه ) ( )
وكذا شربة العصير ادخــــرناه لكم سابغاً بــــــديل الحميّه
ليكون الشراب منه ( مدﭼّــــا) دافعاً تلك شيمة البنــدقيه ( )
واصبروا اخوتي فثمة مـــــوز معه برتقالة نومـــــيّه( )
ثم لا تعجلوا وأنتم جلـــــوس فستأتي إليكم ( العنـجليه ) ( )
كل هذا أعددته غير انــــــي في خيالٍ يدني البعــــــيد اليّ
هي أقوالنا مواعيد لكــــــن ذهبت بين صحوة وعشـــــّيه
وسئمنا من الوعود اللـــــواتي لم تحقق لنا بها أمنـــــــيه
اترانا نحطم القيد يومـــــــاً أترانا نستنشق الــــــحريّه
أترى للعراق يومـاً وجــــوداً مستقلاً في دولة وطـــــنيّه
نحن نرجو بأن نجدد للشــــرق كياناً في نهضة عـلــــــميه
ونعيد التاريخ في ذمة الاســـــ لام نجري أحكامه الــشـــرعيّه
حيث لا سلطة الأجانب تمـــشي بقوانا الى لقاء المــــــــنيّه
حيث لا مجلس يدير فلسطــــين ليطوي الجرائم الأجــــــنبيه
حيث لا اللاجئون من آل قحطــان ترامى بها الفيافي القصــــــيّه
صدقات السكسون تُجبى إليهــا خرقاً ملؤها الشقا والدنيـــــّه
ولها الأرض والسما بفلسطيـــن وفيها المذاخر الحيويـــــــه
أترانا نعيدها أم ترانـــــــا نكتفي في وعودها الذهبـــــيّه
أترانا نبني الأمانيّ الحـــــــا ناً تثير النبوغ والعبقريّــــــه
أترانا تضمنا ليلة العمــــــر وترعى شعورنا الصحفـــــيه
يا أحباي هاكموها وهـــــذي هي مني بطاقة دعوتيّــــــه
لكم هذه البويتات جـــــاءت في معانٍ دقيقة عاطـــــفيّـه
قد أتتكم ما بين جد وهــــزل ربَّ هزل أغراضه جـــــديّه
فهي هزليه ولا هَزَليّـــــــه ضبطتها القواعد اللـــغويه ( )


وللشيخ قاسم محيي الدين هذه القصيدة التي ( جمع فيها بين الجد والهزل ) مساجلاً فيها الشيخ محمد رضا الزين بعد عودته من لبنان وقد بعثها إلى السيد محمد حسن بن يوسف :
قد عرفنا المهابة العلويّــــــه مذ سبرنا المواقف الأحديــــه
بطل الحرب في مواقف صفيـــن مبيد القروم بالمشرفيــــــه
عجز الفكر عن حقيقة ذاك الحــ ـدّ فيه وجوهر الماهيّـــــه
هو نبراس أحمد في جــــلالٍ ما أحيلى جلاله والهويّـــــه
همت في قدس ذاته حيث أكبـــر ت لديه أواصر الذاتيّـــــه
ورأيت الأنواع والجنس فيــــه صمد في الأنواع والجنسيّـه( )
وتحققته القياس لشكل الـــــ ـدين كبرى موضوع كل قضيّه
فملاك الناسوت منه وهيــــو لاه نور الحضائر القدسيّــــه
حيث نفسي تهفو ولاءً ولــــو لاه عدمت الوجود والحينيَّـــه
ولو اني قطعت من حرم الوصــل ففصلي مساوق للمنيّـــــه
وكأن الصفيح فوقي يزجــــي زجل الصور بكرة وعشيّــــه
وكأن الشهاب يشرع رمـــحاً من شعاع أو صعدة فضيّــــه

أو كأني بأرض لبنان مهــــزو
ماً غزتني قوارص ( الغازيّـــه )
وهي تكتظ في براغيث جاشــت بحدود الوشائج اللهذميّـــه( )
ضقت ذرعاً حتى انتهيت ( لـحارو ف ) مروعاً وواجم النفسيَّـــه
فتولت حاروف جسمي فأضنـــ ته بعقص يصول في مقضبيّـــه
فخراطيمه سهام وقد ســـددن نحوي فعدت منها رميّـــــه
لا رشاً لي كيلا أمر ( بجب شيت ) فادلي الذنوب في الزينيّـــه( )
كيف أرمي في البئر نفسي فأغـدوا - واطئ الرأس – صحتي سلبيّــه
لم أجد من يجيرني غير قــــومٍ أنجبتهم فطاحل ( النبطيّــــه )
هم هداة أئمة علمـــــــاءٌ قادة في المعارف الدينيّـــــه
كل ندب منهم بافق عــــلاه تتجلى أنواره القمريّــــــه
أنا إن عنّ لي تذكر مبســــو ط بسطت الثناء في العامليّـــه
أو تصورت – يا لطيف – تعجبـ ت لهجر القواعد النحويّــــه
أو تعطّرت في أبي الحسن الزاكــي زكت لي اللحوم في الأكل نيّــه
قد حباني الزيتون وهــــو أدام ظنه كالحلاوة السكريّـــــه
فتذوقته فكدت من الصــــاب أقيء الأحشاء في الصينيّــــه
سيد جاءنا بـ (بـدّ ) و( هيـك ) فسمعنا رطانة أعجميّـــــه
وكمان وطرطـش لأواعيـــك يعّدونها من العربيّـــــــه
ربي رحماك من تراكيـــب عُرب بالغوا في فجاجةٍ هنديّـــــه
ذالهم يقلبونها الزاي في النطـــق كأنهم فوارس الفارسيّـــــه
ربي رحماك من مصاليت قد شنّـوا على اللفظ غارة حربيّـــــه
فهجوا منه كل حرف هجـــاءٍ ونفوا لفظه عن السنخيّـــــه
قلبوا السنخ من حروف الهجــاء فالقاف همز وتاؤهم طائيّــــه
لست أنسى أبا سليمان إذ جـــا ء يقود الأعشى إلى الحنفيّــــه
ثم ناداه باحتدام – أوامــــا - لا تطرطش منك الأواعي النقيّــه
فحسبت السماء ترسل صوت الرعـ ـد فوقي بلهجة وحشيّــــه
جوهر كيف ظلّ يعرض عنـــي ربي اغفر ذنوبه العرضيّـــــه
مخلفاً وعده – بمأذنة – فيــــ ها ابتهاجي ومعظم الأمنيّــــه
ان قاض لم يقض عدلاً لأشكــوه الى – احمد الرضا – في القضيّه ( )
أنا أرجو أن لا يعدّ نظامــــي عنده كالقصيدة الهزليّـــــه
( يابن زين ) والبارع الناقد الفحـ ـل ضليع الشعور والشعريّـــه
شعرك الروض في ( جباع ) فمــا أجمل تلك الخميلة الذهبيّــــه
حي ذاك النضار والميع في الأزهــ ـار تعلوه نفحة ذفريّـــــه
وترى الماء في الزهور ككافـــو ر جرى من سحابة كوثريّـــه
فهو ينصب من سماء قبّــــيٍّ ثم يذكو في ساحة ( المرجيّــه )
كمذاب اللجين فــوق دراريً الأ فق فوق الأشعة العسجديّــــه
فتقبل يائيةً من محـــــــبٍّ منك لا يرتضي سوى يائيّـــه
وسلام على الذي يسجد المجـــ ـد لعلياه والنفوس الزكيّـــه
( يوسف الزين ) فخر لبنان طــراً وزعيم على حمى سوريّــــه
أنا لو عدت في ثناه لسانـــــاً لم أقابل من فضله جزئيّــــه
أنا من عظم ما أراني أكبــــر ت جلالاً يزينه في البريّـــــه
وتحققت انه المصلح الأكبــــر قطب السياسة الدوليّـــــه
نَفَسَ الدهر فيه قلت فشمــس الأ فق عزت عليّ في النظريّــــه
أغرقتني آلاؤه ويد الاسعـــاف مدت على حياتي الحميّـــــه
فحديث العلاء يسند عنـــــه حيث فيه طهارة العنصريّــــه
لا يليق الثناء الا لمجـــــــدٍ ضم تلك النقيبة الزينييّـــــه
وله المكرمات تنسي البرايــــا حاتماً والعدالة الكسرويّـــــه
طفح الدست في جلال معاليـــ ـه وفاضت أخلاقه المرضيّـــه
وله عزمة إذا حركتـــــــه خلت بحراً أراك في شخصيّـــه
إن ( سلمان ) ذا الذخيرة ذاك الـ حبر رب المعارف الدينيّــــه
فنظامي يرق فيه مديـــــحاً فهو نور أو نسمة سحريّــــه
فسلام على دمٍ عربــــــيٍّ حلّ في قدس ذاته الجوهريّـــه
وعلى ( أحمد الرضا ) جهبذ التــأ ريخ حبر التنقيب في اللغويّـــه
فضله سار في السمـــاء وفي الأر ض وحفّت علياه روحانيّــــه
هش سمعي إليه من قبل مـــرآه سلام على كريم السجيّـــــه
وسلام على ( محمد الزيــــن ) وقاضي المسائل الشرعيّـــــه
ذاك شمس العلوم والنابغ الــــ مصقع ضاعت بشعره العبقريّــه
يا عليَّ الزين الذي عدت فـــذاً في علوم الأصول والفقهيّــــه
ذكرتني ( بنت الجبيل ) وتعقيــد ك تلك الصياغة اللفظيّـــــه
عجباً انت شاعر العرب وابن الــ زين فاتتك نكتة أدبيّـــه ( )
ورد الشيخ ( محمد رضا الزين ) ( ) على الشيخ قاسم محيي الدين بقصيدة على الروي نفسه عنوانها – بين فاضلين – وقد حفلت بوصف لكثير من العادات والتقاليد وبعض الكلمات الشعبية" ( ) قال فيها:-
هاك مني قصيدة زينيّـــــــه ملئت حكمة وحسن رويّـــه
تنظم الدر في مديح امــــــام صاغه الله حكمة للبريّـــــه
نفس طـه وصهره وأخـــــوه خير من قام بعده بالوصيّــــه
علم العلم والبلاغات تعـــــزى لمثاني آياته القدسيّــــــه
فاخرت في صفاته العالم العلـــــ ـويّ هذي العوالم السفليّـــه
من يباري أبا الأئمة فضــــــلاً وهو فصل القضا بكل قضيّـــه
ان من خصّه المهيمن بالمدحـــــ ـة في آي ذكره العلويّـــــه
ورمى بالقصور والعجز من مــــد ح علاه القرائح ( النجفيّـــه )
لغنيّ عن أن تصوغ به المدحـــــة دراً خواطر ( النبطيّـــــه )
جئت يا قاسم بغر معــــــان افرغت بالقوالب العسجديّـــه
شربتها الأذهان أن تشـــرب الأ ذهان بنت السلافة العنبيّــــه
قد قرأنا أبياتها فرأينــــــــا ها كمثل المشاهد السحريّـــه
وتلطفت في نظامك لكــــــن لم تصنه عن خطة العنجهيَّـــه
قد عرفناك منصفاً فلمــــــاذا لم تراع ما تقتضيه السجيّـــه
ان تقايس بيتي ببيتك قست الــــ ليل في طلعة الصباح المضيّـــه
ان بيتي روض تحف بـــــه الأز هار ذات الروائح العطريّــــه
فيه ريّا الورود فاح ولكــــــن فاقد الشم لا يراها ذكيّــــه
لك بيت تعافه النفس لــــــولا انه فيك موطن الأريحيّـــــه
فيه عتم المجاز عتم العلالــــــي عتم سردابه كعتم العشيّــــه
ظلمات تتابعت في مضيــــــق فيه للعنكبوت أوهى بنيّــــه
بنت وردان والخنافس فيــــــه سارحات نغصن كل هنيّـــه
والجراذين والعقارب تجـــــري فيه جري السوابق الاعوجيّـــه
ولكم بينها طنين ذبـــــــاب كرنين اللهام في دويّــــــه
أنت جسم الكمال روح المعالـــي وسجاياك كالزهور الشذيّـــه
عجباً كيف يرتضيها سميـــــراً لك طبع قد رق كالصرخديّــه
زرت صحبي وزرتني في بــــلادٍ أنت فيها من اسرة جامعيّــه( )
بيت محيي العلوم والدين والفضـــ ـل وبيت العلاء والعبقريّـــه
ذاده قادة نمتهم رجـــــــالٌ من كرام العناصر العامليّــــه
ان بيتاً يزينه حوض مـــــــاءٍ فيه يجري سبايكاً فضيّـــــه
هو بيت يخاله مـــــــن رآه جنة الخلد لا كبيتك ( جيَّـــه)
سال سلسال مائة كعطايــــــا حاتمي النوال جم العطيّــــه
يوسف الزين يوسفيّ خـــــلال جامع العلم والندى والحميّـــه
رقَّ مثل النسيم طبعاً وعنـــــه أخذت لطفها ابنة الكرميّـــه
عم مثل الغمام نفعاً ولكـــــن بذّ صوب الغمام بالأريحيّــــه
كل فضل مفرق في ســــــواه كان جمعاً بذاته الخزرجيّــــه
عبت ( هيكي ) وان هتشي و(دبشي ) مثل طرطِشْ سماجة لغويّــــه
كل قطر تراه يخلق لفظــــــاً قد تعدى المناهج العربيّــــه
كيف تنسى ( منـﭼاسة ) فوق ( قابٍ ) فوق ( رازونة ) بصدر البنيّـــه
ان ألفاظكم كـ ( عتوي ) و( شنهو ) مثل ( اشلون كيفكم ) همجيّــه
( لغة تنفر المسامع منهــــــا ) وكذاك الطبايع البشريّـــــه
عفت زيتونها وأكل طعــــــامٍ هو أشهى الطعوم كبة نيّــــه
ان من يجعل الجراد طعامــــــاً كيف يقلي اللحوم وهي شهيّــه
( لست أدري ولا المنجم يـــدري) ( شنهي هذي ) المآكل البربريّـه
أنسيت الكروش وهي وعـــــاء ملؤه الفرث أكلة وحشيّــــه
عبت وزناً لبيت شعر حبتـــــه رونق السبك فطنة زينيّــــه
نال منك الهجا فحولت منـــــه صيغة النظم صيغة نثريّـــــه
ورد البيت هكذا فاستمعــــــه ان خير الرجال أصدق نيّـــه
ان قاذورة بدار لعمّـــــــي من شميم القاذورة القاسميّــــه
قد دعوناك مرة لغـــــــداء في مكان رحابه عاديّـــــه
يجمع الماء والصفا وهــــــواء طاب مثل الخلائق النجفيّــــه
ورجالاً تفوقوا بعلــــــــوم وعقول وفطنة ورويــــــه
حاربوا الجهل باليراع وشــــادوا يوم قاموا ( المقاصد الخيريّـة )( )
أيدوا الدين بالكتابة فاســـــأل صحف القوم بالبلاد القصيّـــه
هي تتلوا آيات ذكر حـميــــد لسليمان ذي العلا والحميّـــه
شيد الدين والذخيرة منــــــه شاهد ناطق بحسن الطويّــــه
هي تنبي بأن أحمد فيهـــــــا حاز سبق الرهان بالألمعيّــــة
عالم فاضل لبيب أريـــــــب فاق كل الورى بحسن الرويّــه
ان فصحى اللغات تنطق حقــــاً مالعرفان ( عارف) في البريّـه ( )
شمس ( عرفانه ) بكل بـــــلاد مثل شمس بكل افق مضيّـــه
ينصر الحق عارف فهو حـــــق فيه تلغى الحقائق الجوهريّــــه
لست تلقى مثالهم في البرايـــــا سادة قادة أباة الدنيّــــــه
غرة الدهر في جبين المعالـــــي قادة الرأي في الأمور العصيّـــه
سل بلاد العراق عنهم فكم قــــد بيضوا فيه صفحة وطنيّــــه
هي تنبي بما لهم من مزايــــــا عن مداها تنحط كل مزيـــه
صافحتهم انامل من مليـــــك هي أندى من الغمام عطيّـــه
لم نوفق يا صاحبي لوفــــــاءٍ فاتنا اليوم فالفصول بـــهيّـه
ان فصل الربيع فصل زهـــــورٍ البسته السما بروداً سنيّـــــه
جللته السماء ورداً ورنــــــداً وأقاحاً وزهرة سوسنيّـــــه
أكسبته يد الطبيعة نقشــــــاً مثل نقش السجادة الأعجميّــه
لا تخلني أخلفت وعدك بخـــــلا انا من بخل الغوادي السخيّـــه
إن بخلاً أعده في الدنايـــــــا جل قدري عن ارتكاب الدنيــه
أنا من أسرة العلاء وليــــــد أنا من علَّم الوفاء البريّـــــه
أعرف الحق للصديق وانـــــي من أباة الهوان نفسي أبيّــــه
إن قومي وحق عينيك قـــــوم اشرف الخلق ماعدا الفاطميّـــه
ان تكن مفلساً فزرني تجدنـــــي مثل سيل الغمام كفي نديّـــه
أصدق الوعد والوفاء زعيمــــي بغداء على المياه النقيــــــه
وأمد السماط فوق ســــــواقٍ لمياه المآذن اليوسفيّــــــه
وأصب الطعام وسط جفـــــان هي في الشكل هالة قمريــــه
كل لون من الطعوم بصحـــــن وعداد الصحون ألف وميــــه
قد تهيا غداؤكم فتهيـــــــا نحو داري بسرعة البرقيـــــه
اجهد النفس ان تكون بـــــزيٍ مثل زي المشايخ الصوفيــــه
فتوكأ على الهراوة واختــــــر أن تكون الهراوة القحزنيــــه
وتمايل على العصا لا تفخـــــج وتعارج شويّهً فشويــــــه
وتفضل الى السماط بشكـــــل مثل وصفي وهذه الكيفيّــــه
ارفع الكمّ للسواعد وانـــــزعْ قبة الرأس والبس الطاقيّــــه
دلّع الصدر للهواء وكنفـــــش وتنحنح وارم العبا في الزويّـــه
واترك الأكل بالملاعق وانســــف بلطاف اليدين عشراً سويّــــه
واضرب الكف بالمشاقيب وانشــد شنهو هذي وشنهي هذي القضيّه( )
ان رزاً مطبقاً بزرشـــــــك ودجاج لأكلة عجميّـــــه
واملأ القاب بالجراد وكلــــــه وكل الكرش واترك الكبّة نيّــه
واشرب الماء بالمناﭼيس واحــــذر لا تطرطش زيناتك القطنيّــــه
ان تزرني أطعمك كل لذيـــــذ من قوازٍ وكبّةٍ محشــــــيّه
ويخان وبصمة بلبــــــــاء ولذيذ سفيحة مقليّــــــه
انحر البدن اذبح الكبش آتـــــي من خوابي زيتوننا بشويّــــه
مرمر الحلق فالمرارة منـــــــه بعد زاد حلاوة ذاتيّــــــه
ان ترد قيمراً فعندي هـــــوش مثل هوش المعدان كرّاديّــــه
أنت ( ملا ) وأنت شيخ كبيــــر من شيوخ المشخاب والهنديّــه
انا سبط النوال مهما أقــــــدم من طعام أعده ثمنيــــــه
كل هنيئاً بسرعة ثم غسّــــــل بعد أكل الطعام كالعربيّــــه
اضرب الكف بالتراب وفرفــــك ثم مسح يديك بالخاشيّـــه( )
ثم مسّد ببلة الماء وجهـــــــاً وبباقيه ان ترد فاللحيّـــــه
وتصدر في مجلس الشاي وافـــرح فقليل المزاح أحلى سجيّــــه
لاتغمج بمزحة مع صديــــــق رب مزح يجر كل بليّـــــه
واشرب الشاي بالكلاص ودعنـــي بالفناجين أحتسي العدنيّــــه
هي روح وراحة لفــــــؤادي لست أختار عندها العندميّـــه
قد تحديت ماجداً لم يرعْــــــه وقع بيض السيوف والسمهريّــه
قلتَ شعراً وقلتُ شعراً فميـــــز أي شعر أحق بالاولويّـــه ( )


( 3 )

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:43 AM
( 3 )
وأثار نشر كتاب ( شعراء الحلة ) لمؤلفه علي الخاقاني معركة أدبية من نوع آخر ، انصبت على الكتاب من وجهتين :
الأولى: ما أثاره ( باحث كبير ) في كتابه الذي نشر بعنوان نقد كتاب شعراء الحلة ( ) فقد قال في مقدمته :" كنت وجماعة من الأصدقاء الأدباء عند صديق أديب ببغداد في زيارة خاصة قبل شهرين، فعرض علينا كتاباً اسمه ( شعراء الحلة ) لمؤلفه علي الخاقاني ، وهو يقع في خمسة أجزاء ( ضخام ) – على حد تعبير المؤلف – وقد أخرجته إحدى مطابع النجف سنة 1372 ، وحين أخذنا الكتاب المذكور لنطلع على ما فيه وجدناه عند أول نظرة مليئاً ( ! )[ مملوءاً ]بالأخطاء النحوية والعروضية ، مشحوناً بالهفوات التأريخية ، طافحاً بالتطاول والتحامل على عدد كبير من رجالات الأدب والفضيلة ، بحيث لا يستطيع باحث أو مؤرخ ان يعتمد عليه ويتخذه مصدراً وثيقاً يستند إليه لما فيه من التضارب والتناقض والتحريف والتشويه" ( ) .
ويرى ( الباحث الكبير ) ان الكتاب صار ضخماً بما خرج فيه مؤلفه عن الموضوع " اذ ملئت حواشيه بتعليقات كثيرة ترجم فيها لجماعة من رجال سوريا ولبنان ومصر واليمن وإيران ، إلى غير ذلك من الحوادث والوقائع التي لا تزيد القارئ الا ضجراً وسأماً ، ولو انك جردت تلك الحواشي وحذفتها من الكتاب لما زاد الكتاب على ثلاثة أجزاء فقط ، ثم لو حذفنا منه ما تكرر من القصائد والمقاطيع مما انتحله المؤلف واستله من المصادر المخطوطة أو المطبوعة ونسبه لغير ذويه ، أو أعاد نشره ( عن نسيان أو سهو ) مضافاً الى ذلك تراجم جماعة عدّهم من شعراء الحلة وهم لا يمتون إليها بصلة قط ، أجل لو حذفنا ذلك كله لأصبحت تلك الأجزاء الخمسة ، جزءاً واحداً ، يستغني فيه القارئ عن الأجزاء الخمسة ( الضخام ) " ( ).
وطلب جماعة من ( الأساتذة والأصدقاء ) من ( الباحث الكبير ) ان يدون تلك الملاحظات ككتاب مستقل بذاته " وتبرعوا بنشره ليكون سادساً لتلك الأجزاء الخمسة ، مكملاً لنقصها ، مصححاً لأخطائها ، منبهاً الى هفواتها ، ولم يكن لنا ولهم من غرض في ذلك إلا خدمة البحث والتأريخ والأدب وصيانة الحقائق عن العبث والتشويه وتنوير أفكار المغفلين ( ! ) من القراء ممن تقع أيديهم على هذا الكتاب الذي جنى على شعراء الحلة وشوّه أدبهم وحرّفه الى درجة تدع القارئ يأخذ عنه صورة سيئة هي أبعد ما تكون عن الأدب الحلي " ( ) .
ووجد ( الباحث الكبير ) انه بما " أن الخاقاني لم يقتصر في كتابه المذكور على الروايات المتناقضة ، بل ملأه بالشعر المحرف والأخطاء النحوية والعروضية " ( ) لذلك ان أول مصادره وأهمها في نقد الكتاب هي " الذوق الأدبي الذي فقده المؤلف [ ويعني به الخاقاني ] ويأتي بالدرجة الثانية علم النحو والعروض ثم المجاميع المخطوطة التي تفضل باطلاعنا عليها ثلة من الأساتذة الأفاضل مضافاً إلى ذلك ما رجعنا إليه من الكتب الأدبية والتأريخية مما سنشير إلى كل منها في محلّه من هذا الكتاب " ( )
وقد تتبع مؤلف النقد أجزاء الكتاب والشعراء الذين ترجم لهم صاحب شعراء الحلة على وفق تسلسلهم ، مبدياً ملاحظاته عليهم ، وجلّ هذه الملاحظات يمكن حصره بالنقاط الآتية :
1- تكرر نسبة بعض القصائد إلى أكثر من شاعر ، أو نسبتها إلى غير أصحابها" ( ) .
2- الأخطاء النحوية والعروضية وغيرها( ) .
3- التناقض في التواريخ ( )
4- عدم ذكر المصادر التي ينقل عنها( ) .
5- إدخال شعراء من غير الحلة في تراجمه ( )
6- نقل تراجم بنصوصها من كتاب البابليات لليعقوبي ،ويؤيد ( الباحث الكبير ) ان يكون الخاقاني قد أفاد من تراجم اليعقوبي( ) .
وبعد هذا العرض لما ورد في ( نقد كتاب شعراء الحلة ) لا بد من الإشارة الى الملاحظ الاتية التي ترد حوله:
1- ان ما دعا الى الإشارة الى هذا الكتاب ، نسبته إلى الشيخ اليعقوبي ، فهو جزء من المعركة التي وقعت بين اليعقوبي والخاقاني ، وسترد في الصفحات الآتية .
2- لماذا لم يذكر مؤلف الكتاب اسمه الصريح ؟ وإذا كان هدفه علمياً بحتاً فلم ينـزل عن هذا الجهد الكبير الذي بذله في تتبع ما ورد في الكتاب؟.
3- ما يدفع هؤلاء ( الأساتذة والأدباء ) إلى التبرع بطبع الكتاب؟
4- أُدرجت ضمن المؤاخذات كثير من الأخطاء الطباعية ، وهو ما لا يسلم منه أي كتاب اذا كان بخمسة مجلدات ، وبهذا العدد الكبير من التراجم.
5- لا شك في ان كثيراً من المآخذ على الكتاب صحيحة تماماً ، بل ان أسلوب الخاقاني في تقديم كثير من الشعراء لا ينطلق من رؤية نقدية واضحة ، انما هو فذلكة لفظية تتكرر كثيراً ، وكيل للمدح لا موجب له .
6- يفصح مؤلف كتاب النقد ، عن قدرة على التتبع الدقيق ، والنظرة الصائبة ، بيد ان النقد لا يخلو من نوع من التحامل الذي لا يمكن تفسيره ولا أستبعد ان ذلك ناشئ من آثار الحملة التي أثارها الشيخ اليعقوبي حول صدور كتاب ( شعراء الحلة ) . وهو ما سنقرؤه في الوجه الآخر لهذه المعركة الأدبية.
أما الوجهة الثانية من النقد التي انصبت على كتاب ( شعراء الحلة ) للخاقاني ، فقد جاءت من الشيخ محمد علي اليعقوبي صاحب البابليات ، وقد أوردها في آخر كتابه المذكور فقال بعنوان : للتأريخ كلمة لا بد منها … " لقد وقعت لكتابنا هذا قصة تناولتها أقلام الكتاب والأساتذة بالتعليقات الطريفة والكلمات التي افتضح بها أمر سرقة أدبية قام بها متطفل على البحث والأدب ، إذ انتحل فصولاً كبيرة وتراجم عديدة ( ! ) – بعد ان وصلت إليها يده عن طريق سيقف عليه القارئ – وأثبتها في كتاب أسماه ( شعراء الحلة ) فكان بعضها صورة طبق الأصل وبعضها الآخر محرّفاً ومشوهاً بصورة لا تخفى على الفطن اللبيب .
وقد أحببنا أن نثبت هنا قصة ذلك الانتحال كما افتضح أمرها على صفحات الصحف وغرضنا من ذلك نشر تلك الحقائق وحفظها مع التأريخ . معتزين بعواطف أولئك الأفاضل الذين يثأرون لكرامة البحث والأدب فيعطون الحق لأهله ، على اننا لا نريد ان نثبت هنا كل ما نشرته الصحف حول ذلك الموضوع بل نكتفي بكلمات سعادة الأستاذ الكبير توفيق الفكيكي و ( دعبل ) و ( ابن الفيحاء ) فان فيها تأديةً للغرض " ( ).
1- " كلمة الأستاذ توفيق الفكيكي
المنشورة في جريدة الاستقلال البغدادية في العدد ( 4287 ) في سنتها الثانية والثلاثين بعنوان :
( قصة تبحث عن مقدمة )
هذا عنوان صحيح غير مغلوط كما عبر الأديب اللامع الأستاذ سعيد تقي الدين عن عنوان قصته المنشورة في جريدة ( الاحد ) البيروتية الغراء بعنوان ( قصة تبحث عن خاتمة ) ومن غريب الصدف ان تكون العلاقة بين القصتين وثيقة الأسباب تجمعها جامعة أدبية واحدة وتدوران حول واقعة متشابهة يربطهما من حيث النتيجة رباط الاعتداء على ثمرات الفكر لشاعرين مشهورين هما : عمر أبو ريشه واليعقوبي .
وخلاصة قصة الأديب البيروتي التي فكر بألف خاتمة لها فلم يجدها هي : ان الشاعر عمر أبو ريشه قد نظم من أبيات الشعر وعرائسه قصيدة عالية رائعة بمناسبة عيد الاستقلال ، وكان اليوم شديد البرد ولم يملك الشاعر المشهور سوى بدلة بالية وعندما اقتربت ساعة الحفلة وأراد الذهاب ليلقي قصيدته وجد بنطلونه يحتاج إلى الإصلاح فأرسل بدلته إلى ( المكوي ) فعثر هذا على القصيدة اليتيمة وكان ممن يدعي قول الشعر فاستهوته القصيدة ، ولما ضاق وقت الشاعر عمر أبو ريشة طلب بدلته من المكوي فامتنع من تسليمها له الا بعد قبضه أجرة التنظيف وبالرغم من إلحاح الشاعر بإرجاء الأجرة إلى الغد لم يفلح وأخيراً اقنع المكوي نفسه بانه محق ان ينتحل قصيدة الشاعر البائس وفعلاً أقفل دكانه وذهب إلى الحفلة فألقى القصيدة على الناس وعمر أبو ريشة يستمع إلى شعره المغصوب من قبل المكوي وفي صباح اليوم الثاني نشرت الجرائد صورة المكوي وقصيدته المنتحلة ونبأ إعطائه جائزة حكومية ووساماً .
وهذا ما جعل صاحب القصة حائراً مستنجداً بالقراء لإيجاد خاتمة لقصته.
وأما قصتي التي لم أجد لها مقدمة فلا تقل غرابتها عن قصة الأديب البيروتي وعما وقع للشاعر أبي ريشة وخلاصتها:
في عام 1938م كنت حاكماً في كربلاء وقد عهد إليّ زيارة محكمة النجف لانجاز الدعاوى فيها وبعد الفراغ منها كنت أتردد الى مكتبات النجف الأشرف وسمعت كثيراً عن نوادر الخزانة اليعقوبية لصاحبها الأستاذ الكبير والشاعر المطبوع الشيخ محمد علي اليعقوبي وبما في صندوقه من النفائس الأدبية وأكثرها خطيّة قديمه وحديثة ودفعني حب الإطلاع ان انزل عليه ضيفاً وبعد التماس كثير أطلعني على ذخائر صندوقه فرأيت من الواجب في حينه التنويه عن تلك الآثار النادرة فكتبت في مجلة الهاتف الغراء عدة مقالات حول ( صندوق اليعقوبي ) وقد علق عليها بعض الأفاضل من الكتاب والشعراء وكان من جملة تلك الآثار الثمينة كتاب اليعقوبي القيّم ( البابليات ) الذي ألّفه في تراجم شعراء الحلة من القدامى والمعاصرين ويحتوي على ترجمة ( 130 ) شاعراً ، وكان مؤلفه مشغولاً في ترتيبه وتبييضه وقد رجوته بأن يسمح لي بمطالعة هذا القسم من كتابه فتكرم عليّ بذلك ثم أحببت استنساخ نسخة منه أضمها إلى مكتبتي فوافق المؤلف وهي لا زالت ( ! ) عندي وتضم ترجمة ( 43 ) شاعراً من شعراء الحلة .
وفي أيلول المنصرم زارني الأديب علي الخاقاني صاحب مجلة البيان ليلاً في داري وطلب إلي مساعدته بالسماح له بمراجعة ( البابليات ) ليقارن بين شعرائها وبين الشعراء المعاصرين لهم وبعد إصراره الطويل دفعتها إليه على ان تبقى لديه تلك الليلة فقط وقد أخذتُ عليه عهداً وميثاقاً غليظاً على ان لا يقتبس أو ينقل من تراجم شعرائها ولا من مختارات أشعارهم شيئا.
وقبل أيام وردني كتاب كريم من الأستاذ اليعقوبي يلفت به نظري إلى ما نشره الخاقاني في مجلته البيان في تراجم البابليات ونسبه إلى نفسه ومن ذلك ترجمة الشاعر الشيخ ( علي بن الحسين العوضي ) وعند مراجعتي ترجمته الشاعر المذكور المنشورة في البيان ومقارنتها مع ما في مجموعتي من البابليات وجدتها مطابقة تمام المطابقة في التعبير والأسلوب مع تحوير طفيف ببعض الألفاظ ، مما تأكدت منه بأن الخاقاني قد عمد بنقض ( ) ( ! ) ميثاقه الغليظ وخان عهده الوثيق وهو فوق هذا قد أخذ يعلن في مجلته وفي الصحف المحلية عن اعتزامه بطبع ( ! ) كتابه البابليات مع علمه وعلم أكثر أدباء العراق في ان هذا الكتاب من أشهر مؤلفات الأستاذ اليعقوبي وقد ألّفه قبل عدة أعوام ونشر بعض فصوله في مختلف المجلات وربما كانت مجلة البيان من جملتها .
ولا أدري بعد هذا هل يريد الخاقاني ان يمثل الدور الذي لعبه المكوّي مع – أبي ريشة – المسكين ؟ وهل فكر قليلاً قبل ان تدفعه جرأته بما سيحرجنا به غداً وكلّنا في قيد الحياة ؟
وأخيراً أترك هذا لتقدير القراء لعلهم يجدون لهذه القصة مقدمة .
بغداد توفيق الفكيكي " ( )
2- " كلمة الأستاذ ( دعبل ) ( ) المنشورة في جريدة النبأ بعددها ( 742 ) من سنتها الثالثة بعنوان بابليات اليعقوبي
شيخنا اليعقوبي – حفظه الله – من العلماء الأعلام واحد رموز ثروتنا الأدبية العظيمة ، وقد امتاز من بين فضائله الكثيرة ، بفضيلة التتبع الأدبي والاحتفاظ بمعالم الحياة الأدبية للعراق خلال عهود طويلة جديدة .
ومن بين أبحاثه التي امتاز بها بحث مفصل عن شعراء ( الحلة ) حفظ فيه آثار نفر كبير من شعراء العراق في الفترة التي سبقت عصر النهضة الحديثة سماه ( البابليات ) ولم يؤثر نشره في الوقت الحاضر ؛ وقد حدثني فضيلته عن ذخيرته هذه بفتون واعجاب هما فتون واعجاب كل باحث مجتهد ، فخور بثمرات بحثه وجهده .
كما ( ! ) أن فضيلته حين نشر ( الجعفريات ) في الصيف المنصرم ، وهو الكتاب الذي اشتمل على عشرٍ من مراثي المرحوم السيد ميرزا جعفر القزويني المتوفى سنة 1398 هجـ في رثاء جده الإمام الشهيد أبي الشهداء ، أشار فضيلته في صدر ذلك الكتاب إلى أن ترجمة الشاعر مقتبسة من كتاب ( البابليات ) الآنف الذكر ، كل هذا مضافاً إلى جملة اعلانات عن الكتاب المذكور رافقت كتب شيخنا اليعقوبي كـ ( الذخائر ) و ( الجعفريات ) وغيرها ، تلك قصة ( البابليات ) بإيجاز ، وكل الذين وقفوا عليها يعرفون من هو مؤلف ( البابليات ) الاّ الأديب علي الخاقاني صاحب مجلة البيان النجفية الذي لم يعرف مؤلف ( البابليات ) فنشرها باسمه مقتبسة عن مذكرات أحد المحامين المشتغلين في الأدب .
أنا لا أعرف – بالضبط – الظروف أو المبررات ( ! ) التي أغرت الخاقاني باستباحة أثر فكري من آثار رجل لا يزال في قيد الحياة والكل يسألون الله ان يمد في عمره . كما ( ! ) إنني لا أعرف ما إذا كان الخاقاني يحسب الناس أو القلة المتتبعة من الناس على الأقل من الجهل والغفلة بحيث يفوتها مثل هذا الحدث الأخلاقي المؤسف ، وما يدريني فقد يكون قصد إلى غير هذا وذاك ، ولكن شيئاً واحداً أود أن أشير إليه في مثل هذا المقام ، هو إلامَ نبقى نستحل جهود الغير في ميدان كهذا الميدان الشريف؟ وما الفرق بين قصيدة أو مقالة أو بحث يكتبه كاتب فيكون حصيلته من جهده وبين تمثال ينحته نحات أو حلية يصنعها صناع ماهر؟ وماذا نسمي الذي يسرق تمثال النحات وحلية الصانع وأثر الكاتب أو الشاعر؟ أليسوا جميعاً شركاء في نوع واحد من العمل؟ فلماذا نسمي سارق التمثال أو الحلية لصاً ولا نسمي منتحل الأثر الأدبي كذلك ؟ولماذا تسن الدولة القوانين لعقوبة الأوّلَين وتترك الآخرين مادام كل منهم في عرف المنطق والأخلاق قائماً بعمل واحد؟

اننا كنا ننقم من أدبائنا النجفيين ( تصرفهم ) في جداول أبي ماضي واستباحتهم ثمرات شاعرية الرجل . فكان يقال لا بأس في ذلك ما دام بينه وبينهم بحرٌ لا يركب ، وسماء لا تطوى فماذا عسانا ان نقول في مقام كهذا المقام ؟ وهل ان اليعقوبي كأبي ماضي بينه وبين مستبيحي جهده بحرٌ لا يركب وسماءٌ لا تطوى ؟.
مهما يكن من شيء ، فأننا حين كتبنا هذا لم نقصد إلا إلى الحقيقة الأدبية التي يجب ان تسجل ، وحق شيخنا اليعقوبي الذي يجب ان يعرفه الناس له ، ولكن هذه الحادثة كانت أكثر من هذا ، اذ أثارت بين أيدينا معضلة أخلاقية من أشد معضلاتنا الأخلاقية خطراً وخطورة هي لصوصية الأدب " ( ) .
( دعبل )
3- ونشر ( الأستاذ ابن الفيحاء ) كلمة بعنوان ( قصة البابليات ) أو صندوق اليعقوبي قال فيها ( ) : " هذه قصة أدبية ظريفة أرى الواجب الأدبي يحتم عليّ نشرها للأدباء كي يطلعوا على ما فيها من حقائق وطرائف عن الكتاب الأدبي القيم ( البابليات ) لمؤلفه الباحث الجليل فضيلة الشيخ محمد علي اليعقوبي حيث أثيرت أخيراً حول هذا الكتاب ضجةً تتلخص في ان أحد الكتاب قد أغار على الكتاب المذكور وانتحله أو انتحل القسم الأكبر منه – على الاصح – وادعاه لنفسه مما دعا جملة من الكتاب ان يكتبوا حول الموضوع ويعلّقوا على البابليات بعض التعليق وقد أحببت ان أسجل في هذه الكلمة كل ما يتعلق في خاطري حول الموضوع.
كنت قرأت قبل بضع سنين في جريدة ( الهاتف ) الأدبية التي كانت تصدر في النجف بالعدد ( 139 ) من سنتها الرابعة الصادر في رجب سنة ( 1357 ) مقالاً بقلم الأستاذ الكبير ابي أديب توفيق الفكيكي المحامي بعنوان ( صندوق اليعقوبي ) افتتحه بوصف اليعقوبي وصفاً رائقاً أعطى فيه صورة للقراء تغنيهم عن ريشة الرسام ثم تحدث عن ( صندوقه ) القيم – الذي لا أظن ان هناك أديباً من أدبائنا لم يسمع عن نفائسه وآثاره الثمينة شيئاً – فأشار الى ان ذلك الصندوق ليس من نوع صناديق الأثرياء وذوي اليسار الزاخرة بالمال بل ان محتويات هذا الصندوق أثمن من تلك بكثير لأنها مجموعة من الكتب المخطوطة النفيسة والدواوين الشعرية الرائعة غير المطبوعة ، فشبه الأستاذ الفكيكي هذا الصندوق بالمقبرة لتلك الطائفة من رجال الفضل والأدب الذين منع اليعقوبي تراجمهم وآثارهم ان تنشق الهواء الطلق وتنعم بالحرية.
وفي العدد الذي يلي ذلك العدد من الهاتف نشر الفكيكي تتمة لحديثه عن صندوق اليعقوبي بنفس ( ! ) العنوان المتقدم تحدث فيه عن الاستبداد ثم تخلص إلى مداعبة اليعقوبي حول استبداده وظلمه لجماعة من نوابغ الشعراء والأدباء وخنق أنفاسهم في صندوقه ، ثم يحتكم في ذلك عند فضيلة الشيخ جعفر النقدي ليحكم على اليعقوبي حكماً أدبياً إزاء فعلته تلك.
ويعود الأستاذ الفكيكي فيختتم حديثه عن صندوق اليعقوبي في عدد ثالث من الهاتف يتناول فيه الحديث عن [ بابليات ] اليعقوبي ويجعل الكلام عنها خاتمة لما كتبه عن ( الصندوق )فيستعرض شيئاً وافياً من هذا الكتاب الخالد والسفر التاريخي الجليل الذي جمع فيه ما يزيد على ترجمة مئة شاعر من الفحول أمثال السنبسي ، وراجح ، وابن حبا ، وابن بطريق، والبرسي ، وابن وشاح ، وشميم النحوي ، وصفي الدين الحلي ، والخليعي ، وابن حماد والشيخ حمادي نوح ، والكواز ، وشعراء آل القزويني ، وآل السيد سليمان ، وآل النحوي وغيرهم .
وقد سرد الأستاذ الفكيكي في مقاله هذا ما يتجاوز الستين اسماً لجملة من كبار الشعراء المترجمين في البابليات كان من بينهم الشعراء الذين اشرنا إلى أسمائهم . ثم يسجل بعد ذلك روائعهم الشعرية التي احتكرها اليعقوبي في صندوقه.
وحين ما ( ! ) انتهى ما كتبه الأستاذ الفكيكي أعقبه الأستاذ جعفر الخليلي – صاحب الهاتف - بافتتاحية في جريدته بنفس ( ! ) العنوان المتقدم علق فيها على ما قدمه أبو أديب تعليقاً ظريفاً ، وطالب اليعقوبي فيها بالحاح ان يخرج الكنوز من مكمنها للملأ ، وان لم يمكنه نشرها مرة واحدة فلينشرها على صفحات الجرائد كفصول أدبية مجزأة أو متتابعة . ثم أعقبه الأستاذ محمد الخليل في الهاتف أيضاً حول صندوق اليعقوبي بمقال تكلم فيها عن ( ! ) السر الذي أذاعه الأديب أبو أديب بكسر صندوق اليعقوبي والإعلان عما احتوى عليه من الآثار الأدبية النفيسة . ونراه يستغرب في مقاله من كتمان اليعقوبي لهذا السر ، وصبره على عدم إظهار ما في صندوقه من التراث الغالي ، وسرعان ما يزول استغرابه فيجيب نفسه ويعلل كتمان ذلك السر بانه نتيجة لكساد سوق الأدب ، وعدم تلبية الموسرين والمسؤولين لندائه فيما لو باح بأسراره الأدبية ولأنه أرفع من أن ينشر آثاره بطريق الرجاء والاستجداء ، وبعد ذلك كله يستحث الموسرين ومحبي الأدب لنشر هذا الكنـز اذ لم يبق لهم عذر بعد انكشاف ذلك السر.
وجاء دور سعادة الأستاذ المرحوم الشيخ محمد حسن حيدر فنظم قصيدة رائعة في نفس ( ! ) الموضوع ، صدرها بكتاب إلى الأستاذ الخليلي – وقد نشرتهما معاً جريدة الهاتف – وقد أشار في كتابه إلى تلك التعليقات الادبية حول الصندوق ، وأشاد في قصيدته بذكر ( أبي أديب ) لأنه قد كشف ما خفي من أمر الصندوق ويحتكم في آخرها إلى فضيلة المرحوم الشيخ جعفر النقدي ليفرض على ( اليعقوبي ) ما يستحقه من العقوبة الأدبية .
وأخيراً انتهى الأمر إلى فضيلة المرحوم النقدي حيث ( ! ) كتب في ( الهاتف ) مقالاً مسهباً حول ( صندوق اليعقوبي ) تعرض فيه الى ما نشره أبو أديب وأصحابه حول طلب الفتوى منه والحكم بين الأدباء وبين اليعقوبي لأنه أخفى عليهم تلك الجواهر القيمة في صندوقه . فذكر ان ذلك وحده لا يكفي في إصدار الحكم بل الأمر يحتاج إلى إحضار الخصم للاستماع إلى دفاعه ان كان لديه دفاع فيقول في ذلك : وأنى لي بإحضار أستاذ كبير كاليعقوبي حفّت به طائفة من رجال العلم والأدب ، ويذكر انه اجتمع بعد حين باليعقوبي ففاوضه بأمر الصندوق ، وطلب منه أن يدافع عن نفسه والا فانه سيصدر عليه الحكم وينفذ في حقه من قبل ( القاضي ) الذي ارتضاه الأدباء حكماً في هذه المهمة فيجيبه اليعقوبي بأنه سينشر ما يختاره من خزانته على صفحات الصحف ، فيؤكد عليه النقدي بأن يبرَّ بهذا الوعد بعد فضح أبو أديب أمره ،وكشف سره ، فيجيبه اليعقوبي مرتجلاً :
قالوا أذاع الذي ما زلت تـخبؤه ( توفيق ) قلت لهـم من حسن توفيقي
قد جاء يبحث عن صندوق مكتبتي وان في الصدر عندي ألف ( صندوق )
ويفارقه النقدي ويقول : بقيت انتظر وفاءه بعهده فلم أجد لذلك أثراً وهممت ان أصدر الفتوى التي تقتضيها شرعة الأدب في حقه لولا نشر صحيفة الهاتف لتراجم أدبية من ذلك الصندوق ، وكأن هذه الصيحة التي بعثها جماعة من الأدباء دفعت اليعقوبي إلى إزاحة الستار عما يحويه صندوقه الثمين . بهذا تنتهي تلك التعليقات حول صندوق اليعقوبي في ذلك الحين ، ومنذ تلك السنة – 1357 – عرفت كتاب البابليات وموضوعه ومؤلفه وبقيت أتعرف منذ ذلك الحين الى أدباء منسيين قام الأستاذ اليعقوبي ببعثهم إلى العالم من جديد . وفي سنة ( 1360 ) قرأت في الجزء الرابع من ( الذريعة ) – ص 57 - عن البابليات ما زادني إيضاحاً حول الكتاب اذ جاء فيه ما نصه : ( البابليات في ذكر شعراء الحلة الفيحاء قديماً وحديثاً للخطيب المعاصر الشيخ محمد علي بن الشيخ يعقوب بن الحاج جعفر بن الحسين النجفي الشهير بالشيخ محمد علي اليعقوبي المولود سنة 1313 ، وقد خرج منه حتى اليوم سبعون ترجمة مفصلة ) 1هـ . وهكذا بقيت أقرأ بين آونة ( ! ) وأخرى مقتطفات من تراجم ذلك الكتاب على صفحات أغلب المجلات لا سيما النجفية منها كالهاتف والاعتدال والغري والبيان وغيرها ، ومما يدلنا على قيمة هذا الكتاب انه بالرغم من كونه لا يزال مخطوطاً فقد رجع إليه جماعة من المؤلفين اذ رايت في الجزء السابع من ( الغدير ) لسماحة الشيخ الأميني ، انه ذكر ( بابليات ) اليعقوبي أكثر من مرة ، وجعلها من بين مصادره في تراجم ابن عرندس وابن داغر ورجب البرسي وغيرهم ، وهناك جماعة آخرون أشاروا إلى رجوعهم للبابليات في نفس ( ! ) كتبهم ( كمعجم أدباء الأطباء ) و ( العباس ) و ( محمد بن الحنفية ) وغيرها.
هذا ما عرفته شخصياً عن كتاب البابليات وعن مؤلفه الأستاذ اليعقوبي ولكن الذي استدعاني لاستحضار ما في ذهني عن هذه المعلومات هو ما رايته أخيراً في مجلة ( البيان ) النجفية لصاحبها علي الخاقاني : بانه سيمثل للطبع كتاب ( البابليات ) في تراجم شعراء الحلة بقلم الخاقاني نفسه ، فرحت استعرض هذه الخواطر والذكريات واذا بالأستاذ أبي أديب توفيق الفكيكي الذي كشف لنا عن سر صندوق اليعقوبي يطالعنا في جريدة الاستقلال الصادرة بتاريخ 1 / 1 / 1951 والمحتجبة اليوم بالخلاصة التالية " ولخص ما ورد في مقال الأستاذ الفكيكي الذي تقدم ثم قال : " وقد رد الخاقاني في ( الاستقلال ) على ما كتبه الأستاذ الفكيكي ولم يستطع ، في ضمن الرد ، إلا ان يعترف بأخذه ( بابليات ) اليعقوبي من الأستاذ أبي أديب ، وهنا ينبري الأستاذ ( دعبل ) فيكتب في جريدة النبأ بعددها الصادر في 8 / 1 / 1951 حول هذا الموضوع ويذكر شهرة بابليات اليعقوبي ويشيد بذكرها ويستغرب من هذا الانتحال الفاضح ، ثم يعجب من كون القوانين لا تضع عقاباً لمثل هؤلاء اللصوص في حين ان خطورتهم لا تقل عن خطورة سرّاق الدمى والحلل.
ويعلق على ( دعبل ) في اليوم الثاني الأستاذ السيد موسى بهيه بكلمة طريفة يجيبه فيها عن عجبه ويقول له : ان لم تضع القوانين عقاباً لمثل هؤلاء السرّاق فيجب علينا معاشر الأدباء ان ننتقم منهم وننزل بهم العقاب الصارم وما هو إلا ان نخرجهم من قوائم الإنسانية والكرامة .
هذه قصة البابليات التي أردت عرضها على القراء الكرام ليقفوا على ما فيها من حقائق وطرائف ، ففي عرضها بعض المتعة وفيه الحق الذي يطالبنا الأدب بتسجيله لأستاذنا اليعقوبي "

ابن الفيحاء( )
5- وقال الخليلي في هذه المعركة :
" ... ووجدت انا في كتاب الخاقاني وكتاب النقد والتفنيد والأخطاء الفظيعة ( ! ) التي أخذها عليه اليعقوبي بتوقيع مستعار موضوعاً طريفاً أعالج به نوعاً من أدب التهكم أو ضرباً من ضروب البديع على طريقة ( الهجاء في معرض المدح ) أو ( المدح في معرض الهجاء ) وكتبت خمساً وعشرين مقالة على ما أظن في الهاتف مدافعاً فيها عن الخاقاني باسم ( الهنداوي ( ) للفصل بين اليعقوبي والخاقاني ) وناقشت اليعقوبي مناقشة طويلة طالما شرق فيها الأدباء بالضحك حتى كتب لي الصافي النجفي من لبنان يقول عني يوم أنهيت تلك المقالات المشبعة بالتهكم والضحك ما مضمونه : ( بانه ما ساءه شيء كما ساءه ان يقطع الهاتف هذه السلسة ويحرم قراءه من هذه اللذة ) .
وأذكر مرة [ والحديث مازال للخليلي ] وأنا أدافع ( ! ) في هذه المقالات عن الخاقاني الذي أورد ترجمة شاعر كان يكبره أبوه بسنتين على ما سجل الخاقاني وكان هذا من مآخذ اليعقوبي عليه ، واذكر اني دافعت ( ! ) عن الخاقاني ورددت على اليعقوبي بان المراسيم في الهند كثيراً ما تحمل الآباء الى تزويج أولادهم وهم صغار فيحتفون بهم ويزفونهم وهم دون الخامسة أو الرابعة وقلت في ردي وانا أخاطب اليعقوبي قلت ( ! ) : ومن يدريك ان لا يكون هذا الشاعر الذي يكبر ابنه بسنتين قد تزوج في الهند وهو صغير فولد ابنه الشاعر وكان الفرق في العمر بينهما سنتين ؟ ! فكتب أحد مدرسي اللغة العربية في إحدى المدارس الثانوية يستنكر هذا المنطق ويعجب من عقلية الكاتب الذي يصدق بهذه المزاعم فنشرت استنكاره هذا مع حفظ اسمه فكان ذلك داعياً آخر للضحك لأن مدرساً يدرس اللغة العربية لم يميز بين الجد والهزل، وأدب التهكم "( ).
6- ووصف الخليلي رد الخاقاني على ما أثير حول كتابه ( شعراء الحلة ) فقال : " وحين أشرت إلى هذه القصة باقتضاب في جريدة ( البلد ) قامت قيامة الخاقاني وأنكر ذلك وعزاه في الى الكذب والتلفيق ناسياً ان الشيخ اليعقوبي هو الذي أورد قصة هذه السرقة مطبوعة في آخر كتاب ( البابليات ) ، وان الفكيكي نفسه قد أيد اليعقوبي على ما ورد من حديث السرقة ، واندفع الخاقاني يقول في تعليقه على موجز ما أوردته أنا عنه : ( ان الأستاذ الفكيكي المعروف بسلامة قلبه وحبه للعلم والعلماء والأدب والأدباء كان يحرص على دفع الشيخ اليعقوبي لابراز ( بابلياته ) وما في صندوقه بمختلف الاساليب ، وانه كتب في جريدة الهاتف وغيرها( ) المقالات المتعددة لهذا السبب ، وأخيراً بعد ان عرف اني عزمت على اخراج موسوعتي ( شعراء الحلة ) في خمسة أجزاء ذكر لي ان لديه دفتراً صغيراً اشتمل على أربعين ترجمة أو أكثر فاطلعني عليه ، وعندما قرأته رأيته يشبه ما مرّ علي خلال قراءتي ونقلي من الموسوعة الكبرى ( الحصون المنيعة ) للشيخ علي كاشف الغطاء والد الحجة الأكبر الشيخ محمد الحسين ، فأرجعته له ، وطلبت منه – أي من الفكيكي – ان يكتب مقالاً يتهمني فيه لأجيب عليه ، وبذلك يجد المرحوم اليعقوبي نفسه تجاه الأمر الواقع فيضطر لاخراج ما عنده ، ويبعث ببابلياته التي ألّفها خلال ثلاثين عاماً كما كان يقول .وفعلاً طلع الفكيكي علي بمقالة نشرها في جريدة الاستقلال – لا في جريدة الاخبار كما قال الخليلي – وفيها يقول بان الشيخ الخاقاني غار على بابليات اليعقوبي وانتحلها ... الى اخر المقال الذي كتبه الخاقاني في جريدة البلد "( ) .
7- و" لم تمر أربعة أيام ، أربعة أيام فقط حتى طلع علينا الفكيكي بتعليق على كلمة الخاقاني ضارباً بالصداقة عرض الحائط في سبيل دعم الحق ونصرة الواقع ... وهذا هو نصه :
حول الوساطة بين الأستاذ الخليلي والشيخ الخاقاني
" الأستاذ الخليلي من أخلائي ، كما ان الخاقاني من أصدقائي ، وقد قرأت من قريب تعقيب الخاقاني على مقالات ( أبي فريدة ) الخليلي ، حول قصة صندوق اليعقوبي رحمه الله ، تلك القصة التي كنت اثرت فيها معركة قلمية بشأن ذخائر ومآثر ( أبي موسى ) الفقيد الغالي في جريدة الهاتف المحبوبة ، وجرى حولها تعليقات أدبية من المنثور والمنظوم ، وليتها تطبع الآن ، لما تضمنت من الظرافة والطرافة .
ولأجل الحق والتاريخ أقول : ان الأستاذ الخليلي لم يغمط الحق والحقيقة فيما كتب عن تلك المعركة ، ولم يتعمد اتهام الصديق الخاقاني بسرقة مجموعة البابليات الخطية ، وكانت – أي البابليات – تقتصر على ترجمة 60 شاعراً من أصل 120 ، وانما حكى – أي الخليلي – ما وقع من استعارة أبي بيان ( الخاقاني ) لتلك المجموعة لتكملة ترجمة الشيخ علي عوض فأخذها ليلاً وأعادها لي صباحاً ، ولا أدري بعد هل قام باستنساخ المجموعة كلها أم اقتصر على حاجته منها ، بيد ان المرحوم اليعقوبي بعد ان اطلع على ما نشره الخاقاني عن حياة الشيخ علي عوض في مجلته ( البيان ) ثارت ثائرته حيث ( ! ) وجد الترجمة منقولة بنصها من مجموعة البابليات دون ( ! ) الإشارة إلى ذلك ، وقد عاتبني رحمه الله بكتاب فأجبته عليه ، وشرحت له حقيقة الحال ، وعلى أثره كتبت مقالاً استنكرت فيه عمل الصديق الخاقاني .
ولم يكن ما أقدم عليه ( الخاقاني ) نتيجة اتفاق ومؤامرة بيني وبينه لتحريك ( ! ) اليعقوبي على نشر ذخائر صندوقه كما ذكر الخاقاني في ردّه على الخليلي وهو واهم كل الوهم ... الى آخر المقال الذي تناول موضوعات أخرى غير ذات علاقة بهذا الموضوع " ( ) .
ولابد من الإشارة هنا إلى بعض الملاحظ حول نصوص المعركة المتقدمة منها :
1- من الواضح ان الخاقاني قد أفاد من أوراق اليعقوبي ، من دون ان يشير الى ذلك ، وهو ما يتنافى مع الأمانة العلمية ، ولم يستطع نفي ذلك بصراحة ، أما لجوؤه الى الادعاء بانه طلب من الفكيكي ان يتهمه بالسرقة لكي ( يحرك ) اليعقوبي لإخراج ما عنده فيبدو عذراً متهافتاً .
2- ويلحظ اختلاف كبير بين مقالي الفكيكي الأول والأخير ، فهو في الأول يؤكد ان الخاقاني " قد عمد بنقض( ! ) ميثاقه الغليظ وخان عهده الوثيق " ، واتهمه بالسرقة بوضوح في حين عمد في مقاله الثاني الى تخفيف لهجته ، فوصف عمل الخاقاني بانه " استعارة ... لتلك المجموعة لتكملة ترجمة الشيخ علي عوض " وهو – أي الفكيكي – لا يدري " هل قام باستنساخ المجموعة كلها أم اقتصر على حاجته ( ! ) منها ".
3- لابد من الإشارة إلى ان مقال الفكيكي الأول كان رداً على رسالة الشيخ اليعقوبي ونشر في حياته ، أما المقال الثاني فقد نشر بعد وفاته ، فهل لذلك علاقة باختلاف لهجة المقالين ؟ .

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:45 AM
( 4 )
" والمناسبات التي تهيج قرائح الشعراء وتشيع السرور في نفوسهم كثيرة في النجف واذا عز وجود المناسبة التي تستدعي المساجلة والمباراة الشعرية والسلوان ، فان الشعراء هم أنفسهم يخلقونها خلقاً ، ويوجدون لقول الشعر دواع متعددة" ( ).
ولعل النموذج الآتي من المساجلات فريد في بابه في مساجلات القرن العشرين وخصوماته التي سادت في بيئة النجف. قال الخليلي : " في تاريخ الشبيبي ( ) الأدبي كثير من هذه المناسبات العامة والخاصة التي جلّى فيها ، وكان له القدح المعلّى ، واني لأروي ان رهطاً من الأدباء كان بينهم السيد جعفر الحلي والشيخ جواد الشبيبي ، والشيخ أغا رضا الأصفهاني ، والشيخ هادي الشيخ عباس كاشف الغطاء ، وكانوا قد اجتمعوا في بيت السيد باقر الهندي في النجف وقرروا هناك خطف خروف لعمي الشيخ إسماعيل الخليلي كان قد عني به وأعده إعدادا خاصاً لعيد الأضحى وكان الفصل خريفاً ، والهواء عليلاً ، يساعد على نشاط النكتة وهياج القريحة ، وقد تم لهم خطف الخروف من بيت الشيخ إسماعيل بطريقة خاصة ، وجاءوا به الى بيت السيد باقر الهندي وذبحوه هناك ودعوا عليه صاحبه وبعض الرفاق الآخرين ثم رثوا الخروف ، ورثوا لحال عمي الشيخ إسماعيل وهو يرى خروفه مجندلاً فوق خوان الرفاق ، واشترك في هذا الرثاء كل أولئك أو معظمهم ، ومن المؤسف أني لم أحتفظ بأكثر من هذه الأبيات من تلك القصيدة التي قيل انها كانت كبيرة ولم أستطع تبين ما يعود للشبيبي ولغيره منها وهذه هي الأبيات :
قف برمل الحمى وروّ الطلـولا بدموع تحكي السحاب همــولا
رحل القاطنون عنها وقلبــي شاء في ساعة الرحيل الرحيــلا
أي بدر للمجد كان ضئيــلا وبليل التمام شاء أفـــــولا
يا لفصل الخريف أي خـروف فيه أمسى مجندلاً مقتــــولا
هو فصل ، أهل العراق نفاقـاً ذبحوا فيه كبش (إسماعيـــلا )
فتمنى الذبيح لو يقبل الحتــف بديلاً بان يكون بديـــــلا
يا سليل الخليل صبراً وان كـان عزيزاً فقد( الخليل) خليــلا( )
وكأني به يقول دع العــذل فلن يسمع المشوق عـــذولا
( وخلاف الجميل قولك للذاكر عهد الأحباب : صبراً جميلاً ) ( )
لهف نفسي ليوسف وهو يبكي ويطيل الشجا ويندي العويلا( )
( 5 )
ومن معارك القرن العشرين الأدبية ، التي ما تزال تحمل نكهة معركة الخميس بروحها وأسلوبها وطبيعة شخصيات أصحابها ، ما وقع منتصف القرن ويصفه الخليلي بقوله :
" وأذكر مرة انقسم فيها أدباء النجف إلى صفين : صف الشيوخ وكان من بين زعمائه الشيخ كاظم السوداني ، وصف الشباب وكان يمثله الأستاذ صالح الجعفري وجواد السوداني ( ابن الشيخ كاظم السوداني ) وعبد الرزاق محيي الدين ( الدكتور محيي الدين اليوم ) وغيرهم وقد وقعت في تلك الأيام معارك أدبية بين هذين الصفين تجلت في القصائد التي كانت تنشد في حفلات العرس وسائر المناسبات ثم توسع الخرق حتى انبرى صف الشيوخ إلى إبداء آراء يغلب عليها عدم التروي وعدم النضج فضلاً عن الغرور ، وكان من بين تلك الآراء نقد المتنبي والطعن في مكانته الأدبية من قبل الشيخ كاظم السوداني الذي راح يتناول بعض أبيات المتنبي بالإستهجان والتفنيد ، ولقد تناول الشعراء ( السوداني ) بالهجاء المر على هذا الرأي وسائر الآراء الأخرى ، أما اليعقوبي فقد كان تعريضه حلواً كطبيعته ، لطيفاً كخلقه خفيفاً على قلب السوداني اذ قال يخاطب المتنبي :
يا ابن الحسين وقد جريت لغايـةٍ قد أجهدت شعراء كل زمـان
لكنما ( السودان ) حين هجوتهم ثارت عليك ضغائن ( السوداني) ( )
والمقصود بالسودان القوم الذين استعدوا عبيدهم ( السودان ) على المتنبي لقتله في طريق سوريا فنجا ، أو ان المقصود به ( كافور الإخشيدي ) وآله من السودان أما السوداني فهو الشيخ كاظم السوداني " ( ).
وزار السوداني الأستاذ أكرم أحمد ( وكان قائمقام أبي صخير ) وقد لقبته الصحافة العربية بشاعر الشباب وذلك عام 1943 فقال :
أشاعر الشباب فيه تدّعي وشاعر الشيوخ أدّعـي أنا
أنا وأنت كل يدّعــي فمن ترى يحكم بالفضل لنا( )
فأجابه القائمقام على البديهة :
حكومة الفضل أتت قائلة وهذه لي ولكم فيها غــنى
الفضل للاثنين فيما قصدا أنت الذي أسست والباني أنا( )
( 6 )
ولم تقصر همة الأدباء والخطباء في النجف عن جعل الشعر طرفاً في معاركهم ذات الابعاد الدينية والفقهية ، فكانت ألسنتهم تتخذ من الشعر وسيلة لمناصرة طرف على آخر فيشتد الصراع ، وتزداد ناره اشتعالاً بما يلقيه عليه هؤلاء الشعراء من زيت . ففي الخصومة التي وقعت أواسط القرن الماضي ( العشرين ) في النجف الأشرف حول موكب العزاء بيوم عاشوراء ، وما يجري فيه من طقوس تصدى بعض المتنورين لانتقادها ، وتصدى آخرون للرد عليهم ومناصرة ممارسي تلك الطقوس .
وليس يهمنا هنا عرض آراء الطرفين بقدر ما يهمنا الإشارة إلى دور الشعر في تلك الخصومات ( ) .
فقد قال أحدهم في السيد محسن الأمين ( ) قولته المنكرة :
يا راكباً أما مررت بجلّـــق فأبصق بوجه( أمينها ) المتزندق
فرد عليه الشيخ مهدي الحجار مواسياً للسيد ( محسن ) :
تأس يا ( محسن ) فيما لقيت بما لاقاه جدك من بغي ومن حسد
ومن صور النثر الذي شاع في تلك المعركة قول أحدهم :" ومن فواجع الدهور ، وفظائع الأمور ، وقاصمات الظهور ، وموغرات الصدور ، ما نقلته بعض جرائد بيروت في هذا العام عمن تحترم أشخاصهم من المعاصرين الوطنيين ( يريد به السيد محسن الأمين ) من تحبيذ ترك المواكب الحسينية ، والاجتماعات العزائية بصورها المجسمة في ( النبطية ) وغيرها ، فما أدري أصدق الناقل أم كذب ؟ فان كان صادقاً فالمصيبة على الدين جسيمة عظيمة … " .
وقد راعى السيد محسن في رده أسلوب منتقده في سخرية مؤدبة جميلة اذ قال :" ان هذا التهويل وتكثير الأسجاع لا يفيد شيئاً ، ولو أضيف إليه أضعافه من قاطعات النحور ومجففات البحور ، ومفطرات الصخور ، ومبعثرات القبور ، ومهدمات القصور ، ومسقطات الطيور ، بل من فجائع الدهور وفظائع الأمور ، وقاصمات الظهور ، وموغرات الصدور ، اتخاذ الطبول والزمور ، وشق الرؤوس على الوجه المشهور ، وإبراز شيعة أهل البيت وأتباعهم بمظهر الوحشية والسخرية أمام الجمهور ، مما لا يرضى به عاقل غيور " ( ) .
ولعل أبرز ما يمكن استنتاجه من هذه الخصومة هو ان الشعر كان لصيقاً بالقوم معبراً عن آرائهم ، وان الأدب لم يكن معزولاً عن ذلك الواقع بكل ما فيه من تناقضات وهموم ولعل ذلك أولى علامات الاتجاه نحو دخول الأدب في معترك حياة الناس .

( 7 )
وقد تكون أسباب المعركة تافهة جداً ، ولكن المتخاصمين يريدون ان يجعلوا منها معركة أدبية طاحنة تتبارى فيها الأقلام ، وتتجلى فيها المواهب ، فقد كان الشيخ محمد حسن حيدر ( ) عندما يكون في البصرة " يحاول ان يبني من الحبة قبة في مزاحه فيهيج طائفة من العلماء والفضلاء وفي مقدمتهم السيد عباس شبر والسيد محمد علي الكاظمي من أجل ( عصا ) أضاعها عندهم ، لا أظن قيمتها كانت تبلغ ثلاثة دراهم أو أكثر قليلاً ، ولكنه أنزلها منـزلة عصا موسى وأكثر ، فنظمت الأراجيز والقصائد ، وتناولتها بعض الجرائد واشترك في تلك المعركة آخرون من مدن أخرى وفي طليعتهم كان الشيخ جعفر نقدي من العمارة " ( ) .
" … ولقد وقفت ذات مرة على مراسلات شعرية له تناول فيها الشيخ عبد الغني الخضري بهجاء غاية في الضحك ، وغاية في الدعابة ، وذيلها بتوقيع رمزي وأتخذ له رسولاً أميناً على سره ، فكان هذا الرسول ينقل قصائده الشعرية إلى الشيخ عبد الغني ، ويجئ منه بالردود دون أن يعرف الشيخ عبد الغني مهاجمه ، ودون أن يدري من أين يأتي هذا الرسول الذي أقسم أن يظل حافظاً لهذا السر حرمته إلى الأبد … " ( ) .
( 8 )
وظلت الرغبة في خوض معركة وإختراع الأسباب التي تؤدي إليها ، ديدن أدباء النجف الأشرف إلى حقب متأخرة ، فكانوا يبدعون في إبتكار أسباب الخلاف الأدبي واختلاقه، ويتفننون في تهيئة أسباب الخصومة الأدبية ، حتى لكأنها أصبحت جزءاً من طباعهم وتصرفاً مألوفاً لديهم .
فقد حضر الخطيب الشيخ محمد علي اليعقوبي مرة " حفلة أقامها وجوه أهل الكوفة وأدبائها لقائمقام النجف ، وكان القائمقام يومذاك السيد حسن جواد وهو علوي هاشمي ، وفي هذا الاحتفال طالب خطيب من أهل الكوفة القائمقام بوجوب السعي في إنجاز مشروع إسالة ماء الكوفة وما كاد الخطيب يتم خطبته حتى قام اليعقوبي وارتجل البيتين التاليين على سبيل الدعابة قائلاً :
لا تعر أهل كوفة الجند سمــعاً ودع القوم يهلـكون ظماءَ
كيف تسقي يا ابن الجواد أناسـاً منعوا جدك الحسـين المـاء َ
وكان للبيتين رنة استحسان كبيرة وقد تناولهما عدد كبير بالتشطير وكان من بينهم الشاعر السيد محمد سعيد الحبوبي … " ( ) وما زال النجفيون يتذكرونها لحد الآن ويتندرون بها بالرغم من مرور كل هذه السنين .



( 9 )
ومن المعارك التي جرت مجرى المعارك المتقدمة وان لم تكن على سعتها ، وهي أقرب إلى النادرة منها إلى المعركة ما نقله صاحب ماضي النجف وحاضرها في ترجمة الشاعر والخطيب كاظم سبتي ( 1258 – 1342 هـ ) حين حضر الشيخ محمد حسن سميسم في أحد الأيام مجلس " السيد حسن والد الماجد السيد عبد المهدي المنتفكي ، وكانت الدار حاشدة بأهل العلم فجلس السيد واتكأ على عصاه فانكسرت ، فأتاه الشيخ محمد حسن بعصا عوضها كانت لأبيه وكانت له أيضاً امامه ( ) كهرب فأرادها منه المترجم فأعتذر الشيخ محمد حسن بانها ليست الان تحت [ يده ] فأنشأ المترجم له مرتجلاً :
نبئت ان عصى موسى لقد وهبـت بداركم وهي دار بالندى عمــرت
فظِلْت أعجب هل عين بها انفجرت لكم وكم من عيون بي قد انفجـرت
بانت نبوتكم للناس أمس فســل عن ( الامامة) هل للصاحب ادخرت
فقال الشيخ محمد حسن ( ره ) الجواب تسمعه غداً فلما صار اليوم الثاني وجاء المترجم جاءه الشيخ محمد حسن بالأمامة وهذه الأبيات :
أبت امامتنا الا أبا حســن أهلاً لها فلذا عن غيره ستــرت
وقد رأت كفه البيضاء ساطعة جاءت تقبل تلك الكف وافتخرت
قالت أبو حسن نعم الإمام فها امامة الحق في كفيه قد ظهرت( )
وكان الشيخ عباس قفطان الأصم حاضراً فلما سمع الأبيات خمسها .

( 10 )
وأغرى احدهم الأستاذ محمد صالح شمسه في الدكتور عبد الرزاق محيي الدين على الرغم مما بينهما من صداقة متينة لم تنقطع أواصرها حتى أيام الدكتور الأخيرة فقال :
أبو زهير زهـرةٌ قد نبتت على قذى
لا نفع فيها يرتجى ولا سنا ولا شذا ( )
ثم قال مرة أخرى " مداعباً له " ( ):
من يشتري مني إخا ء أبي زهير منعمــا؟
أم من يريد إخـاءه هبةً ويأخذ درهمـا؟
أم من يخلصني لوجه الله منه تكرمـــا؟
فلقد برمت به وسدّ عليّ آفاق السمــا
صاحوا عليه بالمزاد فلم أجد متقدمــا
إلا شقياً حظه أكـ ـدى فبادر مقحما
فرد عليه الدكتور بقصيدة قدم لها بقلمه قائلاً:
" أرسلها لصديقه الحميم الأستاذ محمد صالح شمسه وقد بلغه انه يهجوه فآثر ان يكون رده على هذا النحو الباعث على الإنابة، وهي مما لم ينشر ومما نظم سنة 1953 م " ( ) والقصيدة :
( بين العتب والتقريع )
ابا المهدي يا أكـــر مَ من صافيتُ من صَحْبي
ويا أقربهم للنفـــس من نفسٍ الى قلبـــي
ويا أحفظهم للغيــب في بعدٍ وفي قــــربِ
ويا أصفى على الغيـظ من الخمرة للشـــرب
لقد حدثني سمعـــي بما أنكره لبـــــي
وما نغص من طعمـي وما كدر من شربـــي
وما أجفل من سرحـي وما اذعر من سربـي ( )
وما يشجي على الحالين من صدق ومن كــذْب
أتاني أ نك استمــر أ ت من نقصي ومن ثلبـي
فهل ساء (جميلاً ) مـن (بثين ) بالغُ الســـبِِ
لئن رمت بديلا بــي فاطلبه لدى الشُّهْــبِ
فان أقعدك التحليـــ ـق عن عالمها الرحـبِ
فخذ قادمتي جنحـيّ واصحبني وحلق بــي
تجدني مفردا لكـــن ستلقاكَ إلى جنبـــي
( 11 )
ومن المساجلات التي دارت ، بُعيد منتصف القرن العشرين ، ما دار حول شاعرية الأستاذ محمد مهدي الجواهري " فقد نشر الأستاذ هاشم عبد الجليل مقالاً بعنوان ( هل فقد الجواهري مجده الأدبي ؟ ) تحدث فيه عن تقلب الجواهري وانصرافه إلى غير رسالته التي كان يحيا من أجلها ، فأضاع مجده الأدبي وهوى إلى الحضيض ومات قبل أن يطويه الثرى ، وأثارت هذه الكلمة الأدباء فانحاز بعضهم إلى جانب كاتب المقال . ووقف الآخرون يدافعون عن الجواهري " ( ) وقد نقلت الصحف في حينها هذه المعركة وتحدثت عن الجواهري بين خصومه وأنصاره ( ) .
( 12 )
" وأثار الدكتور يوسف عز الدين مساجلات بمقاله ( الشعر العراقي المعاصر ) وبدت طلائعها في الصفحة الأدبية من جريدة اليقظة عام 1953 و1954 وكتب الأستاذ علي الحلي ينقد هذا المقال ويتهم صاحبه بعدم التجريد ،ويقول : كان أولى به أن يتجنب المجاملة التي دفعته إلى ذكر أسماء [ شعراء ] ما يزالون في أول الطريق ، وإهمال شعراء مشهورين لهم مكانتهم وقيمتهم الأدبية في العراق .ورد الدكتور يوسف عليه ووعد بأن يضيف في كتاب ينوي طبعه عن الشعر العراقي المعاصر أسماءً لم يذكرها في مقاله ، وأخذ على الأستاذ الحلي انه يكيل التهم جزافاً ويخرج عن جادة البحث العلمي النـزيه ، وأرجع حملته إلى انه لم يدرج اسمه في قائمة الشعراء … بيد ان الحلي نشر تعقيباً على هذا الرد هاجم فيه الدكتور يوسف ، وأخذ عليه ضآلة اطلاعه على النتاج الشعري المعاصر في العراق " ( ) .
( 13 )
" ومن المساجلات الطريفة ما أثارته قصيدة الشاعر حافظ جميل التي مطلعها :
بله النساء وذكرهنّ شرّ الحديث حديثهن
فقد انبرى الشعراء ينظمون على وزن هذه القصيدة ورويها مؤيدين الشاعر مرة ومدافعين عن المرأة تارة أخرى ، واشتبك الأستاذ عبد الكريم الدجيلي مع الآنسة أمل الخطيب في معركة حامية الوطيس بعد ان كتب مقاله ( حلب أدبية في وزن واحد وقافية واحدة ) تحدث فيه على القصائد التي على هذا الوزن وتلك القافية وذكر ان عبيد الله بن قيس الرقيات وحافظ إبراهيم وإبراهيم طوقان وحافظ جميل ويحيى الصافي ومحمد جواد خضر النجفي وعبد القادر رشيد الناصري وأمل الخطيب نظموا على هذا الوزن وتلك القافية ووقف عند كل قصيدة من هذه القصائد وقفات قصيرة وأطال الوقوف عند قصيدة أمل الخطيب وذكر بعض العيوب فيها ومن ملاحظاته ( ! ) التي سجلها في مقالاته :
1. ان بحر المقطوعة من مجزوء الكامل بتفعيلات أربع غير انه وجد البيت
فاترك لعنتك ما الشرور طباعهن
بثلاث تفعيلات ، ومثل هذا النبو عن الوزن لا يرتضيه الأستاذ الدجيلي لأديبة مثل أمل الخطيب . يقول : ولعلي أجد عذراً لها في هذا الخروج عن الوزن اذا عرفنا ان الطباعة في العراق قد تزيد وقد تنقص فيما ينتج المرء فكرياً ..
2. في قافية البيت :
والغدر من شيم الرجا ل غريزة لا شيمهنه
غلط غير مغتفر اذ أسكنت الياء من ( شيمهنه ) فخرجت الكلمة عن معناها والاصل فتحها ومع فتحها خروج على الوزن .
3. وفي كلمة ( على الارّم ) من البيت :
واحرق على الارم الضرو م اذا تشابكت الأسنه
غلط نحوي ، و ( الأرّم ) بتشديد الراء هي الاضراس ، يقال : فلان يحرق الأرّم – بتشديد رائي ( يحرق ) و ( الأرّم ) – يحكها بعضها ببعض من غيظه ، ومع هذا كله فالبيت بحد ذاته غير مفهوم المقصد ، والظاهر ان ألفاظه غير ناهضة بالمعنى الذي تريده الآنسة.
4- في كلمة ( فاعو ) من البيت :
ان كنت تطلب متعةً خرساء فاعو ويلكنّه
غلط نحوي ، وكلمة ( اعو ) فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وحرف العلة هنا الياء ، والحرف في البيت محذوف شكلاً أما في المنطق فهو موجود والا فالبيت فيه عيب عروضي .
وردت أمل الخطيب على مقال الأستاذ الدجيلي ، وذكرت ان قصيدتها التي نشرت ليست أول قصيدة لها ، بل سبق أن نشرت غيرها في صحف عراقية وعربية وصححت البيت الناقص ، وهو :
فاترك – لعنتك – ما أتيت ، فما الشرور طباعهن
وذكرت ان ما عده الأستاذ غلطاً من الضرورات الشعرية الجائزة ، ولكن الدجيلي ذكر في مقال آخر ، ان للضرورات الشعرية مجالات ومواطن ، وان الشعر الحديث اذا بلغ به المطاف ان يكون محشواً بالضرورات ومملوءاً بالنادر والشاذ فعليه العفاء ، وإذا وجد من هذا القبيل قديماً فلا يصح أن يكون في الشعر الحديث .
وردت عليه الخطيب رداً رقيقاً ، وختمت كلمتها بقولها : " بعد ذلك اقدم لك وافر إجلالي واحترامي ، وأرجو ان ألقاك قريباً لتتعرف عليّ( ! ) وأتعرف عليك( ! ) . ما هذه المساجلة الا روح تبعثها في نفسي فأحدثك حديث الطالب لأستاذه لا حديث الند للند ، ودم مخلصاً للأدب ونبراساً ينير دياجير العقول" ( ) .
ويعلق عليها الدكتور أحمد مطلوب قائلاً : " وهذه المساجلة من أطرف ما رأيناه في هذه المرحلة " ( ) ولعله أراد بتعليقه ختام ردّ الشاعرة بالدعوة إلى لقائها .
( 14 )
وعندما انتخب الأستاذ عباس العزاوي عضوا في المجمع العلمي العربي في دمشق ، أقامت له نقابة المحامين حفلة تكريم عام 1943م في نادي المحامين حضرها فريق من الشخصيات وكان إبراهيم الواعظ ( 1312 – 1378 هـ ) أحد خطباء الحفلة ، فداعب العزاوي بقصيدة مطلعها :-
خليليّ خلّياني أقاسي من غزال فقدت فيه حواسي
وعندما نشرت في جريدة الزمان ، واطلع عليها الأدباء صاروا يتبارون بينهم في النظم على منوالها فقد خاطب الأستاذ محمود الملاح الواعظ قائلاً :
أيها الواعظ الذي يضحك النا سَ ويأتي بالهزل للإيناس
كيف تأتي من الخفيف بـمدحٍ لثقيلٍ تضج منه الرواسي
فشطرها الواعظ بقوله :
ايها الواعظ الذي يضحك النا سكين فاقدي الاحساس
وبجّدٍ أضحى يداعبه النـــا س ويأتي بالهزل للإيناس
كيف تأتي من الخفيف بمدحٍ مستمد من وخزة الخنّاس
وتكيل المديح جدّاً وهــزلاً لثقيل تضجّ منه الرواسي
ثم أتبعه الملاح ببيتين أوردهما عن لسان الواعظ :
ان مدحي الثقيل كان لردفٍ في قوام مهفهف ميّاسِ
تحت خصرٍ مزنرٍ بيد القدرة لا يحكيه خصر انستاس( )
ونظم الملاح على لسان اخ الممدوح علي غالب العزاوي المحامي :
لي شقيق كأنه بدر تـــمٍّ هو لي في الظلماء كالنبراس
صرت أخشى عليه نار خليل قد رماه الأله بالوسـواس
ثم انبرى الأديب مير بصري فقال :
قد أتانا من الشآم حديــثٌ شاع ذكراً على لسان الناسِ
ان غيد المرج البضاض جسوماً قد تولّهْنَ في هوى ( عباسِ )
خلنه اذ سمعن فيه قصيـــداً مستطاباً لواعظٍ حسّــاس
يوسفاً في الدلال والحسن حقاً ورشيقاً في قده الميـــاسِ
يا مليحاً قد هام فيه الغوانـي حسبك الصد والجفا والتناسي
فاتق الله في الحسان وأسفـر عن جمال بدا خلاف القيـاس
ونظم الملاح عن لسان الممدوح العزاوي:
ما لناسٍ تداولوني بشعــرٍ إنني عائذ برب النــاسِ
سوف أجزيهم بحرمانهم من قبلةٍ تحيي الميت في الأرماس
وفاجأ الشيخ محمد حسن حيدر ( ) الواعظ معقباً على المساجلة برسالة ختمها بقوله:
( يا خليليّ خلياني أقاســـــي) ما أقاسي من الهوى بحواســي
لست ( كالواعظ ) المعنى بظبـــيٍ هو صعب القياد ، صعب المراسِ
( لا ولا مثله أحوم كطيــــرٍ ) فوق غصن من قدّه الميـــاس
ذقت طعم الهوى به فأرانـــــي لذة الحب في هوى ( عبـاس)
قد أقمتم له احتفالاً مهيبـــــاً ذكره سار في جميع النـــاس
ان تكريمكم له بخطــــــابٍ أو بشعر ينم عن إحســـاس
لدليلٌ بان ( عباس ) أضحــــى بعلاه يشعّ كالنبـــــراس
فهنيئاً له بكم ، فهو منكـــــم حاز ما لم يحزه كل سياســي
هو من أفضل الرجال كمــــالاً وهو أذكى بفهمه من (إيـاس )
( تلك آثاره تدل عليــــــه ) ووجود الآثار خير قيـــاس
وعلى اثر ذلك نصب الملاح نفسه حكماً بين الممدوحين والمادحين فاصدر حكمه قائلاً :
ان حكمي اذا أحكّم فيمن أصبحوا هائمين فـي ( عباس )
قبلةً ، قبلةً يؤدي إليهــم وهو حكم فيه ختــام المأسي
ثم قدم اعتراضاً على هذا الحكم عن لسان العزاوي قائلاً :
انا أخشى اذا همو قبلونـي ان يعضّوا خدّيّ بالأضــراس
سوف أستأنف القضية إني حكماً أبتغي خلا من مسـاسِ
ثم أستأنف الحكم بقوله :
" قبلةً قبلةً يؤدي إليهم " هو حكم مشوش ذو التباس
أفمن خدّه يؤدي إليهم قبلاً أم من فيه بالانعكـاس؟ ( )
ثم ميز الحكم بقوله:
ان شرعَ الهوى اذا رمت جدّا هو شرع فيه ضياع القياس
فتواسوا ما بينكم وتعاطـوا كل معنى يتم فيه التواسـي
وأجاب الواعظ الشيخ محمد حسن حيدر برسالة ختمها بقوله:
يا سميّ المختار اني غريـــق في خضم طامٍ كثير المـراس
أنت بحر وفي الفضائل طـودٌ علم شامخ متين الأســاس
صغـت دراً من المعاني بديعـاً فاق نظماً على عقود المـاس
ان ما زدت من قريض لشعري هو حلي يضاع في الأعـراس
ذقت طعم الهوى بذوقٍ سقيمٍ مثلما ذقته بلا إحســـاس
هو حب قد ابتلانا جميعــاً ابتلاءً على خلاف القيـاس
ارفع الشك واعتقد بوقوعـي ( بغرام أفضى إلى الإفـلاس)
من يعانق ( عباس ) يفقد نهاه ثم يغدو توّا الى الأحبــاس
ان ما شرت في الكتاب اليـه سوف أرعى تمامه بحواسـي
ثم نظم " الشاعر القانوني الأستاذ إسماعيل القاضي قصيدة أهداها للواعظ والعزاوي قائلاً :
حيّ يا وحي ندوة الجــلاّس واصغ تسكر بمتعة الإينــاس
وتأمل فقد ترى عامريّــــاً يقرظ الشعر في هوى ( عباس)
اطلع الحفل شخصه حين أفضى بحديث مرّ الجوى للنـــاس
راح يشكو مستعطفاً يتغنــى ( بغرام أفضى الى الإفـلاس)
لا تسل عنه فهو واعظ قلـب هام فيمن يضيء كالنبــراس
ضيّع الرشد حين هام فألفــى انه صار ( شارة الجــلاّس )
لم نكن نحسب النحافة فيــه أثراً من يد الغرام القاســي
ليس عباس كاسمه ذا عبــوسٍ اذ مجيء الأسماء غير قياســي
بل لما فيه من طباع رقـــاق كان يحظـى برقّة الإحسـاس
* *
ايه مسكين ضاع حبك لـمّـا أظهر الحب مجمع ذو اقتبـاس
مجمع العلم يا متيم أمســـى لك خصماً فهل ترى من باس؟
فيه من قد هويت ألفى منـاه اذ رأى فيه خيرة الحـــرّاس
وكما قلت حين رشّح عضواً ( أعطي القوس باري الأقواس)
وعجيب ان قلت وعظي عقيم فشرار الحصاة من ضرب فاس
×××
ايه يا واعظ الورى جد واسهـب فلكل الجروح وعظك آســي
أسكرت منتدى المحامين منـــه نغمة من فؤادك الحســـاس
فسمعنا وصفاً لعباس فيــــه رفعة الشمس ذا سنى وانعكاس
لست الا كملهم منه اذ كـــم توهب الأنس رؤية الأعــراس
×××
رفّ في الذهن خاطر الوحي يبغي من رياض الشعور باقـة آس
فجناها من كل زهراء تحيــي كل ود بعد الجفا والتناسـي
ولعباس ، والمتيم فيـــــه راح يهدي بنفحها ما يواسي
علّ ان يصلح الاله ويجلـــي ما يعنّي بأطيب الأنفاس( )

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:46 AM
تحليل بعض النصوص الواردة في هذا الفصل :
( 1 )
نصوص معركة الجمعة :
1- قصيدة الشيخ محمد طاهر الشيخ راضي في التحكيم في المعركة :
أ‌- جاءت القصيدة على شكل أرجوزة وهو ما أتاح للشاعر استيعاب الأفكار التي يرمي إلى إيصالها بحرية أكثر ، يعينه عليها تنوع القافية ، وانسيابية الوزن ، وهي مزية أتاحت للشعراء العرب نظم الارجوزات الطوال في الأغراض المختلفة .
ب‌- في قوله : وربما ألفاظه رشيقه له معان عجز مطروقه وهذا تعبير عن رؤية الشاعر ( الذي اتخذ مجلس الناقد هنا ) المتأثرة بنظرة أولئك النقاد الذين يرون الفصل بين اللفظ والمعنى ، وهو أمر حسمه الجرجاني في نظرية النظم ، ولم يعد القول بالفصل بين اللفظ والمعنى مقنعاً .
ت‌- قوله : والرأي كالطبع فقد يختلفُ فميزوا إن شئتم واستأنفوا
ويلحظ عليه : استعماله لألفاظ القضاء ( التمييز والاستئناف ) ولعله استأنس بها لانه جعل نفسه حكماً بين أطراف المعركة .وقد تسللت ألفاظ الفلسفة والعقائد إلى شعره ، وهذا أبرز مظاهر شعر الحقبة المذكورة ومنه قوله : لم يكن الكمال من صفاتي وكيف والنقص حدود ذاتي
ث‌- وتسللت لشعره ألفاظ المخترعات الحديثة ( فونوغراف ) ، ويلاحظ استعماله الكلمة الأجنبية بحسب بنيتها من دون ان يبذل الشاعر جهداً في إخضاعها لأسلوب الأداء اللغوي العربي ، وقد بدا يقوله : لم قال قد أخرس بعد نادى وما أرى في هذه أجادا
وهو نقد تحليلي للنصوص التي دعي للحكم عليها ، ثم جرى على ذلك في الأبيات التي جاءت بعده . ولم يفته إصدار حكم عام على النص ، وان كان حكمه بلا تعليل فقد حذا حذو النقد القديم الذي كان يبنى في مجمله على الذوق من دون الخوض في تعليل لذلك الحكم والكشف عن مسوغاته فالرجل هنا شاعر وان نقد وميّز ، يبقى شاعراً نظم نقده شعراً .
2- أرجوزة الشاعر محمد كاظم الشيخ راضي :
أ‌- بدأ بحمد والصلاة على نبيه وآله عليهم الصلاة والسلام ، واستغرق ذلك الأبيات الثلاثة الأولى منها .
ب‌- ذكر انه أودع في أرجوزته كل معنىً بكر ( ! ) وكل الأوصاف التي ساقها في الأبيات : 4- 8 .
ت‌- ودخل الغرض من الأرجوزة في الأبيات التاسع وما بعده ، ليتحدث على قصيدة الشيخ قاسم محيي الدين التي ضمنها شجرة نسبه وأوصلها إلى أدم أبي البشر وهو ما فتح باب هذه المساجلات بين الشعراء ، الذين اتخذوها مسوغاً لتوجيه النقد للشيخ . ولم ينس الراجز ان يكيل المدحَ بالطريقة المعهودة في ذلك العصر التي تتسم بروح المجاملة أكثر مما تعبر عن واقع .
ث‌- وهكذا أنهى القصيدة بالحديث عن قصيدة الشيخ قاسم والأسماء التي وردت فيها ( شالخ ، ارفخشد ، متشولح … الخ ) .
ج‌- والأرجوزة بمجملها لم تحو الا معاني مكرورة ، تفتقر إلى اللمحات الفنية ، أو الومضات الذكية.
3- قصيدة مسلم الجابري :
أ‌- يمكن عدها – بوجه عام – جزءاً من المعارك الهزلية التي شاعت في تلك الحقبة ، لتزجية أوقات الفراغ .
ب‌- كثر فيها استعمال الألفاظ العامية ، ولاسيما في أسماء بعض الأدوات المتصلة بالطعام وإعداده ( مناجيس ، صليه ، جرنية ، نوميه ، عنجليه … الخ ) .
ت‌- نلمح فيها توجهاً الى أمور وطنية كالدعوة الى حكومة وطنية ، وقضية فلسطين التي بكّر الشعر النجفي الى ذكرها وتجد الشاعر يشير الى أمنياته ، بعد وصفه للوليمة التي أعدت ( الماش ) والأواني التي استعملت فيها ، نراه يتسلل على جناح خياله ليصور لنا عالماً يتمناه ، خالياً من الوعود الكاذبة التي يكيلها الأجانب المتسلطين على مقدرات الوطن ويسأل :
أترانا نحطم القيد يوماً أترانا نستنشق الحريّه
ثم يتمادى في أمنياته فيقول :
أترى للعراق يوماً وجوداً مستقلاً في دولة وطنيه
وتتصل أسئلته ليشير إلى ( صدقات السكسون ) التي تأتي خرقاً ملؤها الشقا والدنيه.
ويختم قصيدته بوصفها ، فيبعثها إلى أصحابه ويبعث بطاقة تحمل كل الأماني وتكشف عن صورة الواقع القاتمة ويقول في وصفها :
لكم هذه ( البيوتات ) جاءت في معان دقيقة عاطفيـه
قد أتتكم ما بين جد وهـزل رب هزلٍ أغراضه جديه
فهي هزلية ولا هزليـــة ضبطتها القواعد اللغويه
فهو يشير إلى ان قصيدته ، وان كان فيها الهزل لكنها جدت في التعبير عن أماني الناس والوطن، ولا تفوت الإشارة – هنا – الى جمعه البيت على بيوتات.
ج - وما قيل في هذه القصيدة ، يصدق على مجمل القصائد التي بعدها فهي لا تكاد تختلف في معانيها على ما مر من معان في قصيدة الشيخ مسلم الجابري ، فقصيدة الشيخ قاسم محيي الدين ، التي جمع فيها بين الجد والهزل أيضاً لا تختلف الا في نقد العاميّة في لبنان والألفاظ التي ترد فيها مما استهجنه ( بد ، هيك ، طرطش ، اوام … الخ ) وكذلك انتقاده لبعض العادات التي وجدها لديهم ، كتقديم الزيتون أداماً بطعمه المر ، واللحوم التي تقدم نيئةً .
ومن اللفتات البارعة في القصيدة ما ورد في قوله :
لست أنسى أبا سليمان اذ جا ء يقود الأعشى الى الحنفيّه
اذ من المعروف ان الشيخ قاسماً كان أعشى الليلي ، وقد استطاع – وهو شاعر – ان يوظف هذه الحقيقة فيه ، ليقتنص لقب الأعشى الشاعر الكبير، ويلحظ الأدب الجم يبدو مع روح الفكاهة والدعابة والانضباط عن ان تميل عن جادته وروحه .
ولا تفوتنا الاشارة الى كثرة أسماء المدن العاملية التي وردت في القصيدة وهي مدن شيعية رسخ التشيع فيها، أنجبت علماء وفقهاء كثر، وآل الزين – ممدوحو الشيخ قاسم ومضيفوه – من أبرزهم علماً وشهرة ، وقد أعطى الشيخ كل مدينة سمة غالبة عليها ، وهو ما يشير الى انه قد نعم حين إقامته في تلك الديار بصحبة وإكرام لا تنسى.
4- وجاءت قصيدة الشيخ محمد رضا الزين رداً على قصيدة الشيخ قاسم محيي الدين ، فدارت حول المعاني نفسها التي جاءت في قصيدة الشيخ قاسم وان كانت أكثر حدة أحياناً ولاسيما في وصفه دار الشيخ قاسم بقوله:
لك بيتٌ تعافه النفس لولا انه فيك موطن الاريحيّـه
فيه عتم المجاز عتم العلالي( ! ) عتم سردابه كعتم العشيّه
بنت وردان والخنافس فيه سارحات نغّصْنَ كلَّ هنيّه
وقد أفرط في طول القصيدة ولكن من دون اسفاف .
5- تحليل نصوص المساجلة بين الأستاذ صالح شمسه والدكتور عبد الرزاق محيي الدين :
1- ان المساجلة (المعركة الصغيرة هذه ) لا تخرج عن حدود الاخوانيات التي قد تصل أحياناً الى اللوم الذي يشوبه العتب.
2- قد يكون الأستاذ قد تجاوز حدود اللياقة بقطعتيه ولاسيما الأولى منهما ، التي قال فيها:
أبو زهيرٍ زهـرةٌ قد نبتت على قذى
لا نفع فيها يُرتجى ولا سنا ولا شذى
بيد ان ذلك لم يبلغ بالامر بينهما حد القطيعة ، ولعل ذلك راجع الى تلك الروح السمحة التي يتحلى بها ذلك الجيل الفذ ، الذي تتجسد فيه صفات الصلاح والتقوى بأجلى مظاهرها.
3- لم يخل رد الدكتور من إشارات ذكية لا تخفى ، ولعلها لا تخلو من تعريض قد يصل حد أبيات الأستاذ فهو يشير في رده إلى:-
أ‌- إقرار أولي بصفاء الأستاذ في نظر الدكتور ، وقربه إلى نفسه بصيغة التفضيل التي وردت في الرد .
ب‌- تعريض غامض وبليغ في البيت الثالث من الرد اذ يقول الدكتور :
ويا أحفظهم للغيب في بعد وفي قربِ
فأي حفظ للغيب يتجلى في موقف الأستاذ ؟ثم الا يلمح القارئ ذماً مبطناً ، من قبيل ذكر الشيء وإرادة ضده؟
ت ـ في البيت الخامس الذي يقول فيه الرد :
لقد حدثني سمعي بما أنكره لبّي
أقرأ إشارة إلى ان الدكتور ينسب ما وصل إليه من كلام ( هجاء ) إلى السمع ، وفي الاثر ان السمع والنظر يمثلان الباطل والحق ، فهو هنا يحمل ما وصل إليه على محمل عدم القطع بصدوره لانه سمعه، ولاسيما ان اللب قد أنكره ، وهو ما يوحي بعدم التصديق ، وعدم التصديق يزيد من استهجانه ما وصل إليه.
ث- وفي قول الدكتور :
أتاني انك استمرأ ت من نقصي ومن ثلبي
عتب ومؤاخذة فهو يقول له اتاني أنك رضيت والتذذت بنقصي وثلبي .
ح- اما المقطع الثاني فهو قمة ما وصل إليه الرد من ( قسوة مهذبة ) مغلفة بظرف لا تخفى قسوته على النظرة المحللة وفيه :
- انك لن تجد بديلاً بي في الأرض ، وانما في الشهب .
- انك قاصر عن التحليق للحاق بي ، في ذلك العالم الرحب ( وفيه تعريض ) بما تسببه بيئة النجف الضيقة من آثار في تلك المهاجاة )
- انك تستطيع ان تستعين بقادمتي جنحيّ لكي تصطحبني ( وفي ذلك نسبة فضيلة القدرة على التحليق لصاحب القادمتين اللتين بدونهما يعسر التحليق ، والخوافي لا تعين على الطيران ، زيادة على ما يشير إليه عدم تملك القوادم من صغر في العمر يصاحبه صغر في الشأن ).
أما من الناحية الفنية فأبيات الأستاذ :
1- ان البيتين الأولين لا يخرجان عن حدود النظم ويخلوان من أية صورة فنية تلفت نظر المتلقي.
2- أما القطعة الثانية ، فقد أراد الأستاذ ان يصبها في صورة فنية ، ولكنه لم يستطع الخروج على الصورة الفنية المألوفة في مجتمعه ولم يأت بصورة ذات سمات تجديدية مبتكرة.
3- أما الرد فقد كان :
أ‌- يملك سمات القصيدة المتكاملة التي بدأت هادئة رصينة ثم تصاعدت ببطء ، ولكن بجدية وتصميم ، واستوعبت معنى كاملاً مسبوكاً بصورة فنية تتجانس أركانها ، يسهم في صنعها خيال خصب ولغة معبرة ، وقد بدأت بنقرات خفيفة لم تلبث ان تصاعدت لتكون وخزات ذكيّة ، تستوعب الواقعة بتكامل وتناغم ، لكي تصل إلى النهاية المطلوبة بتأكيد حقيقة لم تخل من نسج استطاع ان يدفع الصورة الفنية الى التكامل للتعبير عن المدلول .
ب‌- لغة النصوص:ان مقارنة بسيطة بين النصوص تكشف عن ان ألفاظ قطعتي الأستاذ هي إلى النثر أقرب منها إلى لغة الشعر بما ينبغي ان تحمله من إيحائية ولمح ، فالمفردات تفتقر الى الدقة ، ولغة الشعر تقوم على الاختيار الأمثل للمفردة المعبرة تعبيراً غنياً .
أما في القصيدة الرد فنجد المفردات قد اختيرت بعناية للتعبير عن خصوصية المقصود في المعنى .
فكلمات مثل ( صافيت ، أحفظهم ، اصفى على الغيظ ) وبعدها ( أنكر ، نغص ، أجفل ، أشجى ، أذعر ) وأخيراً ( استمرأت ، أقعدك ، اصحبني ، تجدني ..… ) في المقطع الأخير ،
مفردات تتسم بحسن الاختيار وغنى الدلالة ، والإيحاء اللّماح الذي يكشف عن قدرة في تطويع اللغة لقدرات الشاعر الفنية ، وسلاسة التعبير المتناغم بتصاعد هادئ ، وخاتمة موفقة ، يستطيع المتلقي معه متابعة أنفاسه ، وإدراك المعنى ثم التحليق معه بلا قاد متين .

آثار هذه المعارك في الحركة الأدبية :-
يمكن إجمال ابرز الملاحظ على معارك هذا الفصل بالآتي :-
1- الشبه الكبير بين أكثرها ومعركة الخميس من حيث موضوعها الذي لا يخرج عن الخصومات ( الاخوانية ) التي تثار حول قضية بسيطة يراد لها ان تكون موضوع اهتمام المتعاركين.
2- اختيار المشاركين في المعركة الأدبية أحد الأشخاص – شاعراً أو غيره – حكماً يرتضون حكمه ليفصل في ( نزاعهم ) .
3- ظهور المعارك ذات الطابع الذي يمزج بين الجد والهزل ، ولعل لطبيعة المدينة – النجف الأشرف التي وقعت فيها معظم هذه المعارك - وسمات المجتمع أثرا في ذلك ، اذ لا وجود لوسائل الترفيه أو النوادي الأدبية العامة ، ليشغل الناس ، وهو ما يدفع هؤلاء الشعراء إلى البحث عن وسائل للترفيه والتسلية في إثارة مثل هذه المعارك والمساجلات.
4- الأثر الكبير الذي تركته معركة الخميس ، الذي استمر رغم مرور حقبة طويلة ، وهو ما يشير إلى ان القوم مازالوا أسرى ذلك الفكر الذي يسيطر عليهم ، بكل ما فيه من مزايا ( اخوانية ) تمتلئ باللطف والرقة المختلطة بالرغبة في قراع الخصوم وقهرهم .
5- ولا يمكن إغفال عامل آخر يدفع إلى مثل هذه المعارك ، وهو وجود الإهمال السياسي ، والعزلة التي تحيط بالقوم في مدينتهم بحيث لا يجدون ما يشغلهم فيلجأون إلى هذه الأساليب لإظهار قدراتهم.
6- ظهور بوادر الاهتمام بالأمور السياسية ، الداخلية والخارجية ،وظهر هذا في قصيدة الشيخ مسلم الجابري ، التي أشار فيها إلى أمانيه في إقامة وطن حر في العراق ، مثلما أشار إلى قضية فلسطين وكشف عن موقف واع وملتزم منها .
7- وتبقى النزعة الأدبية من أبرز عوامل إثارة هذه المعارك ، وهو ما يدفعهم إلى تحريك الجو الأدبي ، وإشاعة النشاط فيه ، زيادة على ما يوفره من المتعة والشهرة لأطراف المعركة .

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:47 AM
ملخص الأطروحة
موضوع الأطروحة هو ( المعارك والخصومات الأدبية في العراق في القرون الثلاثة الأخيرة وأثرها في الحركة الأدبية )…. والمعارك والخصومات الأدبية قديمة جدا في الأدب العربي ، ترافق أوائل المروي منه ، اذ نجد بداياتها في المنافرات والمفاخرات التي كانت تقوم في عصر ما قبل الإسلام وما لبثت أن تطورت إلى ما سمي بالنقائض التي نشطت في العصر الأموي بسبب عوامل سياسية وإجتماعية ودينية … ولم يخل العصر العباسي من أمثلة للخصومات الأدبية منها ماحصل بين بشار بن برد وحماد عجرد ، وصراع الطبع والصنعة ، وجاء بعده ما نشب من صراع بين المتنبي وخصومه .
ومما تقدم يمكن القول أن المعارك الأدبية التي وقعت في العراق قبل غيره من الأقطار العربية كانت الامتداد الطبيعي لذلك التراث الأدبي الكبير الذي يتصل بعصور الأدب العربي الأولى.
وإن كثيرا ممن ورد ذكرهم في هذه الدراسة لم ينالوا حقهم من الشهرة والذيوع لأسباب سياسية أو لعوامل تاريخية .
وقد توزعت الدراسة على مقدمة وبابين :
الباب الأول : المعارك الأدبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وقدم له بتمهيد لإلقاء الضوء على ظاهرة المعارك الأدبية وبداياتها وصلتها بالتاريخ الأدبي السابق لها.وكان الفصل الأول منه لمعركة الخميس الأدبية ، وهي أسبق المعارك الأدبية في العراق . وقد سبقت ومثلت أولى بوادر النهضة الأدبية فيه.
وكان الفصل الثاني في معركة القصيدة الخالية التي شهدت مشاركة واسعة لشعراء عراقيين ومن بلاد الشام.أما الفصل الثاني فقد عرض لمعارك وخصومات متفرقة يجمع بينها وقوعها في القرنين المذكورين آنفا . وكان الباب الثاني في المعارك التي وقعت في القرن العشرين، وتقدمه تمهيد تاريخي لإضاءة أحداث الحقبة التي هيأت للقرن العشرين كان الفصل الأول من الباب الثاني في المعركة الكبيرة التي دارت حول حركة التجديد في الشعر العراقي ، وهي في الحقيقة سلسلة من المعارك وليست معركة واحدة يجمع بينها أنها دارت حول الشعر الحديث في العراق ، وكانت خليطا من معارك تنظيرية للحركة التجديدية، ومعارك بني رواد هذه الحركة أسهم فيها شعراء وأدباء وكتاب من أقطار عربية أخرى كان لزاما عرض آرائهم لصلتها المباشرة بالموضوع .
وكان الفصل الثاني في معركة أسميتها ( معركة الأدب الرفيع ) وهي معركة تنوعت موضوعاتها وتشعبت ، بيد انها كانت تدور حول قطب رئيس هو الأدب والأدباء والشعراء ، وقد دارت بين الدكتور الوردي والدكتور عبد الرزاق محيي الدين وأسهم فيها كتاب وأدباء عراقيون اخرون .
أما الفصل الثالث من الباب الثاني فقد عرض مجموعة من المعارك الأدبية والخصومات والمساجلات التي وقعت في القرن العشرين ، ودارت بين ادباء وشعراء عراقيين كان منها التقليدي الذي حذا حذو معارك القرنين السابقين ومنها ما انتهج خطاً خاصاً.
وقد اكتفت الأطروحة بعرض نماذج لأشهر المعارك واتبعت الترتيب الزمني ولم تكتف بالعرض فقط وانما حللت النصوص لتلمس الأهداف التي كانت في ذهن ( المتعاركين ) ثم أعقبت كل معركة بذكر اثارها في الحركة الأدبية ، وكان العرض أقرب الى التوثيق، وان لم يخل من دراسة تهدف الى ان تعرض للجيل صوراً من ماضيه ظلت مطوية ، لكي يعرف ان الأعمال الكبيرة لا تولد بين عشية وضحاها من دون ان يسبقها مخاض عسير تتحمل اعباءه اجيال لها رؤية مستقبلية ، وحملة للفكر في كل زمان ومكان .
واعتمدت الأطروحة على المنهج التاريخي الذي يقوم على التوثيق والمنهج الاجتماعي لأن للمجتمع أثراً في الظاهرة ، ومن أبرز النتائج التي توصلت اليها الدراسة :
1- ان بوادر النهضة الأدبية في العراق قامت على عوامل داخلية كان للمعارك الأدبية دور فيها.
2- ان المعارك والخصومات موضوع الدراسة تفصح عن تغيير جذري واضح وتطور في سمات هذه المعارك ، فبعد ان كانت فردية انية أصبحت معارك فكرية ذات طابع شامل وأهداف أوسع ومواضيع مختلفة.
3- يمكن عد المعارك الادبية – على الرغم من الجذور الاولى المشابهة لها – فنا جديداً انمازت به هذه الحقبة ، وموضوعاً جديداً بدأ بمعركة الخميس ، اتخذت مساراً مميزاً في الأدب العراقي.
4- اظهرت الدراسة ان تأريخ ادبنا يجب ان يعتمد البحث فيه على مصادره الأصلية التي تستوعب نتاج ادباءه وعدم الركون الى نتائج توصل ايها اخرون.
5- ان النهضة الادبية في مصر وبلاد الشام تنسب الى عوامل خارجية ، في حين نجد ان العراق لم يتعرض لمثل هذه العوامل بوضوح ، ولذلك كانت بواكير النهضة فيه بعوامل داخلية .
6- ان المعارك الأدبية في العراق تشير بوضوح الى امكان نهوض الأدب بعيداً عن الأوساط الحكومية وأوساط دواوين الدولة وان النهضة الادبية في العراق مدينة للدراسات الدينية وللمدن التي كانت مركزاً لها.
7- حسمت معركة الخميس الأدبية موقف الفقهاء من الشعر ومالت الكفة بعدها لمصلحة الداعين له.
8- صورت لنا هذه المعارك عقليات أبناء ذلك العصر ، وارخت لنفسية الانسان الذي عاش في تلك القرون ، ومستواه الأدبية ، ونوع تفكيره.
والحمد لله رب العالمين
محمد حسن محيي الدين

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:48 AM
الخاتمة
لم تحظ المعارك والخصومات الأدبية في العراق ، على كثرتها وأهميتها وسبقها التاريخي ، بمثل ما حظيت به المعارك التي دارت في مصر ، فلا يجد المتتبع للدراسات الجامعية في هذا الموضوع الاّ رسالة ماجستير واحدة حددت الحقبة بين الحربين العالميتين زمناً لها ، والشعر وحده مداراً لاهتمامها ، أما المؤلفات الأخرى التي دارت حول المعارك فلا تجد سوى كتاب الأستاذ عبد الرزاق الهلالي ( الزهاوي في معاركه الأدبية والفكرية ) في حين صدرت كتب كثيرة في مصر حول معارك قادة الفكر فيها .
وبالرغم من ان كل فصل من فصول هذه الدراسة ختم بعرض لنتائج المعركة التي درسها وآثارها يبقى من الضروري الإشارة إلى أمور تتعلق بهذه المعارك بوجه عام منها :
1- ان المعارك والخصومات موضوع هذه الدراسة ، بدءاً من معركة الخميس الأدبية ( وقعت في القرن الثامن عشر الميلادي ) وانتهاءً بمعارك القرن العشرين ، تفصح بوضوح عن تغيير جذري واضح في سمات هذه المعارك ، فبعد ان كانت فردية آنية ، تجزئ الحياة والفكر ، أصبحت معارك فكرية ذات طابع شامل ، وأهداف واسعة ، ومواضيع مختلفة تتغلغل في صميم الظواهر وتحللها ، لتتجه نحو تطوير الحركة الأدبية ، واغناء الحياة بصيغ جديدة ، والفن أول جوانب الحياة حاجة إلى إعادة الصياغة ، ولاسيما انه من البنى الفوقية التي لابد لها من ان تتأثر بالبناء التحتي ( المادي ) للمجتمع شكلاً ومحتوى .
2- ان بوادر النهضة الأدبية في العراق قامت على عوامل داخلية ، كان للمعارك الأدبية دور فيها ، ولم ترتبط بعوامل خارجية مثلما حصل في أقطار عربية أخرى، كمصر مثلاً ، إذ يرجع كثير من الدارسين نشوء النهضة فيها إلى حملة نابليون وبلاد الشام التي يرجع دارسون آخرون نشوء النهضة فيها إلى البعثات التبشيرية والمدارس النصرانية فيها .
3- ويمكن عد المعارك الأدبية ، بالرغم من الجذور الأولى المشابهة لها في أدبنا العربي على طول تاريخه ، فناً جديداً تميزت به هذه الحقبة أو موضوعاً جديداً بدأ بمعركة الخميس التي فتحت باب هذا الفن ، فاتخذ مساراً مميزاً في الأدب العراقي ، لم نجد له نضيراً في الأقطار العربية الأخرى في الحقبة ذاتها ، جعل الأدب في العراق يتخذ طريقه الخاص ، من دون تأثير خارجي مهما قل.
4- ان معركة الخميس الأدبية ، بقيت ذات تأثير واضح في شعراء القرن العشرين ، ظهرت ملامحه في المعارك التي أشبهت إلى حد كبير تلك المعركة .
5- وتظهر الدراسة ان تأريخ أدبنا العربي يجب ان يعتمد البحث فيه – أساساً - على مصادره الأصلية التي تستوعب نتاج أدبائه ، وعدم الركون إلى نتائج توصل إليها آخرون ، قد يظهر تهافتها ، ولاسيما تلك الآراء ذات المنطلقات الأيدلوجية المقنّعة بالموضوعية . وليس المراد من دراسة هذه الظواهر ردّ الاعتبار لها في مجال تاريخ أدبنا المعاصر أو القريب ، بل المراد تفسيرها أيضاً تفسيراً عميقاً يرسم الخط التاريخي الذي سارت عليه ، والظرف الذي تأثرت به وأثرت فيه ، وقد شغل هذا جانباً كبيراً من هذه الدراسة .
6- ومن ملاحظة ان المعارك الأولى كانت تتخذ من الشعر وسيلة لها ، ومن المجالس الأدبية مكاناً ، في حين اتخذت المعارك الأدبية المتأخرة ( في القرن العشرين ) الصحف ميداناً لها ، يمكن القول ان الشعر والمجالس الأدبية كانت تقوم بالدور الذي تقوم به الصحف اليوم .
7- وتأسيساً على الفقرة السابقة ، يمكن ملاحظة ان دور الجمهور في معارك القرنين – على الرغم من محاولات توسيعه وإشراكه – أضعف من دوره في معارك القرن العشرين لتوسع سبل الاتصال بالجمهور ، والانفتاح الواسع أمام الآخرين للإدلاء بآرائهم .
8- وإذا كانت معارك القرنين قد اتخذت من الشعر وسيلة ، فقد كانت معارك القرن العشرين ( عدا معظم ما ورد في الفصل الثالث من الباب الثاني ) تتخذ من النثر وسيلة لها ، مما يتيح لها ان تتسع لمضامين فكرية أكثر غنًى وأوسع مدًى وأهمية ، واشد صلة بأمور الحياة وتبني الآراء لتغييرها نحو الأفضل ، ثم انها تتيح مناقشات هادئة ورصينة تتسم بالموضوعية ، بعيداً عن التأثير العاطفي الذي يرافق الشعر عادة .
9- ويمكن تسجيل ملحظ مهم في أحدى معارك القرن العشرين ، يتمثل في ظهور الطابع القومي السياسي الذي تفصح عنه الدعوة – من خلال معركة تتخذ طابع الفكاهة – إلى قيام دولة وطنية في العراق ، وتخليص فلسطين من الانتداب البريطاني وبدايات السيطرة الصهيونية عليها، مما يشير إلى وعي مبكر وإحساس وطني واضح ومتأصل .

محمد علي محيي الدين
03-11-2008, 02:49 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
( 1 )
الصراع سبب ليتسم العصر ، كل عصر ، بالفكر ، ولا شك في ان التاريخ شهد ان حركة الفكر قائمة ، في تطورها ، على الصراع ، وقد روي ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال : ان اختلاف أمّتي رحمة .وقد طاف سقراط في أسواق أثينا وهو يحاور الناس ، وساق أفلاطون لنا أفكاره في حوار ، ولا شك في ان الحوار وجه من وجوه الصراع ، وفي الحالين كان هذا أمراً مدبراً مقصوداً ، وكان بمثابة إعلان للفكر في أولى مراحله بأنه يريد ان يكون سؤلاً وجواباً ، أخذاً وعطاءً .
ان التاريخ البشري – ومنه التاريخ الأدبي – معركة تتفاعل فيها المادة والفكر ، لا ينفرد احدهما بتحديد ماهيته ، وبهذا فنحن نستطيع تشخيص العلاقة الجدلية الواضحة من التأثير والتأثر في حركة التفاعل هذه ، التي تمثل الخصومة جانباً مهماً منها ، لذا ان أحداث التاريخ الأدبي تشكل أساس هذا التاريخ ومظهره . والذي يعنينا من مظاهر هذا الصراع ذلك الذي يقوم بين طبقات الكتاب والشعراء الذي يبدو عادة فيما يقع بينهم من جدل وحوار يتمخض عنه انتعاش قوي للقديم ، وبعث له ، ليكون بعد ذلك بيئة تحرك الحياة نحو التجديد والتجدد.
( 2 )
ولعل بعضاً مما تناولته هذه الدراسة من معارك أدبية حظي بدراسات سابقة ولاسيما المعارك التي دارت في القرن العشرين ، وقد كانت تلك الدراسات دقيقة وجدية في كثير من جوانبها ، ولم تخل من الوصول إلى نتائج مهمة ، بل ان بعضها كانت في خضم عملية الجدل والمساجلة فجاءت أحكامها لصيقة بتلك الأحداث ومتأثرة بها ، بيد ان مما يحسب لهذه الدراسة انها جاءت بعد مرور حقبة طويلة على تلك المعارك فلم تشغل بجزئياتها ولم تتأثر بأجوائها وهذا وسمها بالحياد وعمق التحليل . وليس ما يقدم هنا مسحاً تأريخياً ، بل رصد أدبي تحليلي لظواهر أدبية ، قدم أمثلة حاول ان تكون معبرة عن أهم تلك المعارك موفية بأبعاد الصورة الشاملة لها.
ان المعارك الأدبية كمصطلح قامت عليه الدراسة ، يضم بين دفتيه ألواناً بعضها يختلف عن بعض ، بيد انها في النهاية ، ترتبط بخيط يجمع بينها ذلك انها وقعت بين أدباء وشعراء ، وأنها قامت على المساجلة التي تحمل الخصومة حيناً ، والوداد والفكاهة أحياناً أخرى .
ولم تعرض الدراسة للمعارك الأدبية التي وقعت في الحقبة الممتدة من أوائل القرن العشرين حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وأبرزها معارك الزهاوي والرصافي الأدبية ، وذلك لأنها كانت موضوع رسالة ماجستير بعنوان ( المعارك الأدبية حول الشعر في العراق بين الحربين العالميتين تقدم بها صلاح خضير بني إلى كلية الآداب الجامعة المستنصرية ( 1406 – 1986 ) ( ) .
ان أهم الملاحظ التي يخرج بها قارئ تلك الرسالة ، ومثلها كتاب الأستاذ عبد الرزاق الهلالي الموسوم ( الزهاوي في معاركه الأدبية والفكرية ) ( ) هي ان هذين الخصمين ( الزهاوي والرصافي ) قد هبطا إلى الدرك الأسفل من التهاجي ، واستعملا ما لا يليق بالأديب ، وكان تبادل الكلام غير اللائق والنقد الذي لا يقوم على أسس موضوعية ، السمة الغالبة على معاركهما ، وهو أمر لا نجده عند أدباء معارك القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من أبناء النجف الأشرف وشعرائها ، ولا نجده في أدب من كانوا امتداداً لأولئك من أدباء القرن العشرين ، إذ كان منهم من يلجاً إلى الرد على سبيل الإنابة ، ذلك الرد الذي يبدو أنه للعتاب أقرب ، وكان أدباء النجف الأشرف وما جاورها وطول الحقبة التي امتدت عليها أبحاث الدراسة يحسّون انهم يصدرون عن مورد واحد ، ولا شك في ان ذلك نابع عن الورع والتقوى ، ونبل الهدف والغنى الفكري والروحي الذي ميّز هؤلاء من أولئك ، وتلك قضية تستحق التسجيل . ثم ان الخلاف الذي اشتجر بين الزهاوي والرصافي قد أسهم جلساء الطرفين في تأجيجه بتلقف ما يقوله أحدهما ونقله إلى الثاني ، ولو قيض لذلك النقد ان يبنى على أسس موضوعية رصينة لأغنى الحركة الأدبية في الحقبة المذكورة والحقب التي بعدها ، ولأمكن ان يسهم في تطوير الأدب ، بيد ان النهج الذي سارا عليه ، والإيقاع بينهما ، أفرغ تلك الخصومة من محتواها وأحالها إلى هذر وإسراف وتجنٍّ ، وأميل إلى ان الزهاوي قد تنبه إلى ما يتسم به النقد الموضوعي حين خاطب الرصافي بقوله : " ألم يكن أقرب إلى النزاهة ان تكتب نقدك شريفاً وتنشره باسمك ، فارد عليك بما يعنّ لي باسمي رداً كريماً ، ان وجدت الحق بجانبي فيستفيد ( ! ) الناس ، ولكنك ما فعلت ذلك بل شتمتني باسم غيرك مؤملاً ان تبقى في نجوة عن الجواب الذي تستحقه " . لقد كانت تلك فرصة ضائعة لأن تنشاً مدرسة نقدية أدبية عراقية مبكرة تسهم في دفع الحركة الأدبية .

( 3 )
وقد تجنبت الدراسة ما اتصل من جدل بين اللغويين والنحويين ذلك لأنه جانب أقرب إلى العلم منه إلى الأدب ، وتجنبت الجدل الدائر حول الدعوة إلى العامية والدعوة إلى تغيير الحروف العربية واستعمال الحرف اللاتيني.
( 4 )
وقد توزعت الدراسة على مقدمة وبابين :
الباب الأول : المعارك الأدبية التي وقعت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أفردت الفصل الأول منه لمعركة الخميس الأدبية ، وهي أسبق المعارك الأدبية في العراق ، وقد سبقت ومثلت أولى بوادر النهضة الأدبية فيه ، بعيداً عن التأثيرات الخارجية ، التي كانت حافزاً للنهضة الأدبية في أقطار عربية أخرى . وكان الفصل الثاني في معركة القصيدة الخالية التي شهدت مشاركة واسعة لشعراء عراقيين ومن بلاد الشام .
أما الفصل الثالث فقد عرض لمعارك متفرقة يجمع بينها وقوعها في القرنين المذكورين .وكان الباب الثاني في المعارك التي وقعت في القرن العشرين ، وقدمت له بتمهيد تاريخي وجدت انه ضروري لإلقاء الضوء على الحقبة التاريخية التي هيأت للقرن العشرين توخيت فيه الإيجاز بحسب الامكان .
تضمن الفصل الأول منه المعركة الكبيرة التي دارت حول حركة التجديد في الشعر العراقي ، وهي في الأصل سلسلة من المعارك وليست معركة واحدة يجمع بينها انها دارت حول الشعر الحديث في العراق بعد الحرب العالمية الثانية ، وكانت خليطاً من معارك تنظيرية للحركة التجديدية ومعارك بين رواد هذه الحركة ، أسهم فيها شعراء وأدباء وكتّاب من أقطار عربية أخرى ، وكان لزاماً عرض آرائهم لصلتها المباشرة بالحركة التجديدية .
وكان الفصل الثاني من هذا الباب في معركة سميتها ( معركة الأدب الرفيع ) وهي معركة تنوعت موضوعاتها وتشعبت ، بيد انها كانت تدور حول قطب رئيس هو الأدب والأدباء والشعراء ، وقد دارت بين الدكتور الوردي والدكتور عبد الرزاق محيي الدين وأسهم فيها أدباء وكتاب عراقيون آخرون .
أما الفصل الثالث من الباب الثاني فقد عرضت فيه لمجموعة من المعارك الأدبية والخصومات والمساجلات التي وقعت في القرن العشرين ، ودارت بين أدباء وشعراء عراقيين كان منها التقليدي الذي حذا حذو معركة الخميس ، ومنها ما انتهج لنفسه خطاً خاصاً .
ووجدت انه لا ينبغي للدارس الجاد ان يقف عند حدود العرض التاريخي الأدبي ، فذلك تسجيل للأحداث من دون رصد للبواعث وتحليل النتائج .
ويدور موضوع الدراسة في حقبة طويلة تكتسب أهميتها من انها أسست للنهضة الأدبية المعاصرة في العراق ، زيادة على ان هذه المعارك واسعة الأطراف ، متنوعة الأهداف مختلفة المواضيع ، وبعضها وقع في حقبة تندر مصادرها ، فمازالت مخطوطة يصعب الوصول إليها ، وهي تمثل جيلاً أو أجيالاً تضم عدداً كبيراً من الأدباء والشعراء والعلماء اختلفت مصادر ثقافتهم ، وتحليل ذلك كله يرسم ملامح الطابع الأدبي والنفسي لجيل حافل بالأفكار .
ومهدت لكل فصل بعرض تحليلي تاريخي محاولاً تلمس الأهداف التي دعت إلى المعركة ، ثم أعقبت كل معركة بالحديث عن آثارها في الحركة الأدبية ، وإذا كان البحث المنهجي يقتضي التقديم لكل باب بتمهيد ، فان تنوع معارك الباب الواحد وتجزؤها ، سوغ لي إفراد كل فصل بتمهيد يناسب ويلقي ضوءاً على موضوعه .
وقد اكتفيت في دراستي بعرض بعض النماذج لأشهر المعارك متوخياً ان أعطي الملامح النهائية للقضية التي دارت المعركة حولها ، فليس المراد الاستقصاء إنما المراد الرصد والتحليل ومعايشة نبض المعركة وأسبابها الخفية والظاهرة .واتبعت الترتيب الزمني لأنه ضروري لرصد تطور هذه المعارك.
ولعل العرض الذي سارت عليه الدراسة، في غالبه، هو أقرب إلى التوثيق ، وان لم يخلُ من دراسة تهدف إلى ان تعرض للجيل صوراً من ماضيه ظلت مطوية لكي يعرف ان الأعمال الكبيرة لا تولد بين عشية وضحاها ، من دون ان يسبقها مخاض عسير تتحمل أعباءه أجيال لها رؤية مستقبلية ، زيادة على ان هذا العرض يكشف في جانب منه ، عن أهمية وجود حملة للفكر الحر ، في كل زمان ومكان ، ممن تهيأ له ان يكون ذا قدرات فريدة مميزة ، إذ ان الظواهر الأدبية لا توجد باعتبارها مظاهر مادية خالصة ، وان العبقرية الأدبية ، يبقى لها مع كل تعميم في الحكم خصوصيتها وتميزها ونمط تجاربها مع الحياة الاجتماعية والأدبية . ولا تزعم هذه الدراسة انها غطّت كل المعارك الأدبية ، وإنما ابرز المعارك كأمثلة ، أما الوفاء بها جميعاً فيفضي إلى الإطالة ، وسوق الأمثلة قد يغني عن ذكر مثيلاتها ولاسيما في حقبة ثلاثة قرون .
( 6 )
وقد واجهتني في الدراسة مشاكل كثيرة منها : الأخطاء اللغوية الشائعة في معظم النصوص التي يتوجب علي استشهادها والصعوبة ناشئة عن أمرين :
الأول : تشديد أساتذتنا في العراق على ان تكون الدراسة خلواً من كل تعبير لا يستقيم واللغة المثلى ، ولا تساهل في ذلك ، والاّ فكيف نفسر ورود كثير من التعبيرات التي لا تتوافق والتعبير الامثل في كتابات أساتذة ذوي باع طويل في البحث والتدريس والكتابة ؟
الثاني : التصحيح ، وهذا يثقل الهوامش فاخترت الإشارة إلى الخطأ وتصحيح ما أمكن .
( 7 )
واستفدت من المنهج التاريخي الذي يعتمد على توثيق النصوص وذكر الحوادث التأريخية لما لها من قيمة ، فلم تخل الدراسة من الجانب التأريخي لأن الظاهرة حدث متصل بما حوله واستفدت من المنهج الاجتماعي لان للمجتمع أثراً في الظاهرة ، وان أي صراع أدبي لا يحدث الاّ في ظل تحول اجتماعي أو تطور فكري يستتبع تحولاً في الوعي الأدبي ، كالذي حصل في حقب انتقالية حضارياً أو ثقافياً في تاريخ الأدب العربي القديم ، ومثله يصدق في معارك القرن العشرين ولم تغفل الدراسة تحليل النصوص ، وهو ما أتاح لها نظرة أعمق لأسباب هذه المعارك ونتائجها .
( 8 )
وانني إذ اشكر كل من آزرني بالقول والعمل – وهم كثر والحمد لله يستحقون مني كل ثناء وتبجيل – فاني أسجل أسفي الشديد لفعل بعضٍ وضعت الأقدار بأيديهم بعض المعلومات والآثار التي تتعلق بموضوع الدراسة فآثروا إبقاءها بعيداً عن الإفادة منها ونشرها خدمة للأدب ، آمل ان يجد الباحث في المستقبل غير ذلك .
وأسجل شكري الجزيل للجهد الكريم والمتفاني للأستاذ الدكتور علي كاظم أسد ، لإشرافه على هذه الدراسة بالقراءة والتعقيب والتصحيح ، وهو ما كان له الأثر الكبير في تجاوز كثير من الهنات فيها.
وأشكر القائمين على مكتبات : كلية الآداب ، جامعة الكوفة ، ومكتبة أمير المؤمنين العامة ، ومكتبة الحكيم العامة ، ومؤسسة كاشف الغطاء ، والمكتبة العامة في مدينة الحلة ، على العون الكريم الذي بذلوه ، داعياً لهم بالتوفيق في مهمتهم خدمة للعلم وأهله .
وإذا كنت قدمت برسالتي شيئاً نافعاً ، فتوفيق من الله وهو حسبي ونعم الوكيل ، وان كنت أخفقت في ذلك فبتقصير أقر به على نفسي .
والحمد لله رب العالمين

محمد حسن محيي الدين
بابل – القاسم

ليل حسن
19-11-2008, 09:48 PM
اشكر لك بديع طرحك القيم
بارك الله فيك على هذا المجهود الكبير
واتمنا ان تعم الفائده على الجميع
تمنياتي لك بدوام التألق والرقي
دمت في حفظ الرحمن ورعايته

محمد علي محيي الدين
19-11-2008, 10:21 PM
شكرا للزميلة الحورية وتمنياتي لها بالتوفيق والصحة الدائمة