راشد الزهراني
16-10-2008, 07:50 AM
هذه القصة لم تكن خيالاً بل حقيقة عشت معاناتها وكتبت وقائعها بسيناريوا قصصي بسيط وهناك نماذج غيرها من الفتيات يعيشن تحت وطئت هذه الظروف ولكنها أزمة الضمير 0
الحسناء اليتيمة تسيل لعاب الذئاب البشرية
لم تكن أزمة الضمير غائبة حتى تعيش بين فئة من ذوي الظروف الخاصة، فلم يستيقظ ذلك الضمير حتى يقول لمن في قلبه مرض: اتق الله! واعلم بأنك ملاقيه، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره.. فتلك الحسناء اليتيمة التي تطاردها الذئاب البشرية يريدون عرضها وشرفها إلا أن الفطرة الإيمانية التي تتمتع بها تلك الفتاة خلقت عندها القوة على تحمل البلاء والنضال ضد الأشرار، فدافعت عن كرامتها وجوهريتها رغم مرارة الفقر وتعاسة الأيام وألم الجوع وحاجتها للمادة ،حيث كتب لها القدر بأن تكون يتيمة ، ولكن ضعفاء النفوس تجردوا من الضمير والإنسانية، فأرادوا تغريرها بأموالهم الباهظة.. فعندما كانت طفلة رضيعة قدر الله لوالديها بحادث، وقد توفيا في الحال، ونجت هذه الصغيرة، فأخذوها إلى دار الرعاية، فنالت التربية في الدار، وتعلمت الحياة وأصولها..
وبعد أن بلغت الرشد أدركت كيف تسير الحياة وكيف تصان كرامة الإنسان وكيف تحافظ على حقوقها، فأخذت تفكر في سبب دخولها إلى الدار لاسيما وأن أغلب نزيلات الدار من الأطفال اللقطاء وقلة من الأطفال الأيتام، لا يُعرف هذا من ذاك.. وهذه من هاتيك إلا المشرفات اللاتي يعملن في الدار. تقول هذه الفتاة: لقد تفتحت عيني على الدنيا وأنا في دار الرعاية، فلم أكن أعي ما يدور حولي، وكنت أسأل: أين أبي؟ وأين أمي ؟
وكنت أسأل المشرفة عن قصتي، فشرحت لي حقيقتي وهويتي بعدها استسلمت لأمر الله وقضائه، فعشت مع غيري من الأطفال الأيتام واللقطاء، ولكن عندما فهمت الفرق بين اليتيم واللقيط أخذت أتضجر من بعض المشرفات عندما ينادونني ( ببنت الحرام ) ، فتأثرت من ذلك النداء، وكان يصيبني البكاء كثيرًا من هذه الألفاظ غير اللائقة في مجتمعنا.. ولكن من يردع هؤلاء النسوة ؟ لاسيما وهن يدركن تمامًا بأنه ليس لنا عائل أو رقيب يأخذ بحقنا . فالصبر والصمت حليفنا والعيش في كنف الذل حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.. ومع الأيام والسنين كبرت في عمري، وأصبحت أفكر في العيش وفي مستقبل أفضل من هذا السجن الكئيب، فطلبت من مديرة الدار المساعدة في البحث عن عمل في الدار، فكان لي ذلك فأخذت بزمام العمل بمثابرة واجتهاد كمشرفة إدارية ولكن أعداء النجاح لم يقدرن وضعي، فأخذن يسعين خلفي بالقيل والقال والنفاق حتى أطاحوني، فقدمت استقالتي، وخرجت من الدار إلى شوارع المدينة بحثًا عن ملجأ أستر نفسي فيه .. فتذكرت فتاة كانت معي في الدار صديقة حميمة تكبرني سنًّا حيث خرجت هي الأخرى منذ زمن، وأعطتني رقم جوالها حتى أتصل عليها للسلام عليها والاطمئنان عليها أو أذهب إليها وقت حاجتي لها .. وبالفعل عندما خرجت اتصلت عليها، ووصفت لي عنوانها، وذهبت إليها، وعشت معها في شقة صغيرة، وكانت معها ابنتها الصغيرة ..
فصديقتي هذه قد تزوجت وهي في الدار، فأنجبت طفلتها، وطلقها زوجها، وقذفها وابنتها في الشارع، فوجدتها المسكينة مريضة بأنواع المرض وحياتها أصبحت مهددة بالموت من جراء هذه الأمراض، فكانت توصيني دائمًا بابنتها التي لم تتجاوز الـ10 سنوات، فعشت معهن وكأننا أسرة واحدة.. نداوي بعضنا بعضًا، ونونس وحشتنا، ونفضفض لبعضنا البعض، وكنت أعطف عليها وأحزن على مرضها عندما تشتد أوجاعها فأفزع لها بحثًا عن من يتصدق عليها بدواء، فلم أترك تاجرًا أو رجل أعمال أو مسؤولاً إلا وطرقت بابه، وأحكي لهم قصتي وقصتها، وكنا نتوجع من بعض ردة الفعل القاسية لدرجة الملل حتى زهقت من هذا التسول، فصرت أبحث عن عمل استقي منه الكفاف والعفاف، فكلما أذهب إلى شركة أتعرض لبعض التحرشات والمناوشات الجارحة، فأخذت أبكي على حالي في هذا المجتمع الذي لا يرحم عزيز قوم ذل، ومن الذئاب البشرية المفترسة التي تجردت من الإنسانية. وفي يوم من الأيام كنت راجعة إلى بيتي أتصبب عرقًا من طول المشوار وقهر الحياة، وإذ بذاك الشاب يوقف سيارته بجواري، ويعرض عليَّ المساعدة، فوقفت أستمع إليه لعل الخير قادم، فقال: يا أختي أنتِ فتاةٌ في ريعان شبابك.. حرام عليك تهدرين حياتك تحت أشعة الشمس الخارقة، فتعالي أوصلك إلى بيتك، فقلت له: أنا فتاة يتيمة وشريفة، فإذا كنت تريد مساعدتي فأعطني مما أعطاك الله .. أما أن أركب معك فهذا مستحيل.. فقال: خلاص.. أنا سوف أوصلك وأعطيك ما يقدرني الله به.. فرفضت الركوب معه قطعيًّا، فقال: أعطيني عنوانك وأنا سوف آتي بالأرزاق إلى بيتك بعد صلاة مغرب ذلك اليوم، فأعطيته عنواني ورقم هاتفي ، فذهب ..
وبالفعل جاء وقت المغرب وإذ بهذا يطرق باب الشقة.. فوالله العظيم لم أخف في حياتي مثلما خفت من هذا الرجل لدرجة أني حدثته من خلف الباب، فقال: افتحي حتى أدخل الخيرات.. وأنا أنظر من عدسة الباب لم أر شيئًا، ولكن كنت أقول لربما كان الخير في سيارته، ففتحت الباب برواده بسيطة، وما إن أحس بفتحة الباب إلا وأخذ يدفعه بقوة يريد أن يكسره ويدخل علينا، فأخذت أصرخ حتى فزع الجيران وأمسكوه، فقال لهم: أقصد الخير.. وعندما سألوه عن الخير لم يجدوا معه إلا نواياه الخبيثة، فهَمُّوا أن يسلموه للجهات الأمنية، ولكني تنازلت عن حقي، فذهب في حال سبيله، فرجعت أبكي في حضن صديقتي، فلم تمض ساعة إلا وجرس الباب يرن، وإذ بابن الجيران يطرق الباب، وترك لنا أرزاق الله خلفه، فأخذناها، وشكرنا الله عليها.. وفي اليوم الثاني في المساء وأثناء خلودنا إلى النوم إذ بصديقتي تصرخ ألمًا من أزمة المرض الذي تعاني منه وكأنها تودع الحياة، وتوصيني على ابنتها، فلم أحتمل مشاهدة منظرها وهي تتجرع آلام المرض، وكان الليل دامسًا، والشوارع خالية، والخوف ينبض في داخلي، فذهبت إلى أقرب مستوصف، وأحضرت الطبيب ليكشف عليها، فعندما جاء الطبيب وكشف عليها قال: إن حالتها خطيرة وتحتاج إلى دواء خاص، فكتب لنا نوع الدواء بعد أن وعدته بأنني سوف أعطيه أجرته حال توفر المبلغ، فتعاطف مع حالتنا، وتنازل عن المبلغ .. أما الدواء فلم أستطيع شراءه لأنه غالي، ولا نملك سعره، فجاء فاعل خير وأعطانا الدواء. وتكمل الحسناء حديثها عن الواقع الذي تعيش فيه فتقول: أعرف فتيات من اللقيطات والأيتام هربن من الدار لم يتركن حال سبيلي، فعرفوا عنواني وجاؤوني يطلبن العيش معًا، ولكني رفضت ذلك وبقيت مع صديقتي المريضة التي أعدها كأختي الكبيرة.. وبعد فترة عرفت بأن البنات الرفقة لم يتحملن عذاب الفقر والجوع، فانقسمن إلى قسمين:
الصالحة والطالحة. الصالحة هي التي أكملت حياتها والتحقت بالجامعة بعد تخرجها من الثانوية في الدار وأنهت دراستها الجامعية، ولكن لم يستفدن من شهادتهن فكانت إحداهن تبحث عن عمل حتى ولو فرَّاشة في إحدى المدارس رغم حصولها على الشهادة الجامعية ومحاولاتها مع الجهات المعنية تطلب مراعاة ظروفها الاجتماعية، إلا أن الوضع لا يهم طالما كونها يتيمه . أما القسم الآخر من البنات فأخذن يسلكن الطرق الوعرة ونزع الحياء، فأصبحن يعشن في أزمة ضمير، فخرجن إلى المجتمع يبعن أعراضهن وشرفهن بعرض من الدنيا حتى ألبسهن الشيطان بردة سوداء مليئة بالعفن والشر رغم أني رأيتهن يلبسن أحلى الحلي والزينة والعيش والرفاهية والضحكات المتعالية، إلا أنني عندما أنظر إليهن وأتمعن في إحداهن أجد هذه الضحكات مجرد علامة على قناع مغطى على الوجه، غير أن الحقيقة نار تحرق في أحشائهن.. كيف لا وهن ينظرن إلى من حولهن من الفتيات ممن يعشن في حياة كريمة وزهد مع أزواجهن وأطفالهن يمشون في طريق الخير والسعادة وهن كل يوم في مكان ومع أوجه جديدة؟! كما أنني أعلم يقينًا بأن هؤلاء الفتية غير راضين على الوضع الذي هن فيه، ولكن ضعف الوازع الديني وأزمة الضمير المفقودة ولعب الشيطان على عقولهن وطلب الحاجة والهروب من جحيم الفقر مهد لهن ذلك.. وتضيف الحسناء قولها: إنني عندما أخلد إلى النوم تأخذني الأفكار، تسرح
بي في فلك هذه الحياة وعذابها الذي لا يرحم. فالناس الذين تحولوا إلى ذئاب مفترسة كل يريد أن ينهش فريسته ثم يرمي بها لغيره حتى تصبح جثة هامدة تشم رائحتها من بعيد، فيمشون من جنبها ملثمين بعمائمهم، فهؤلاء الفتيات لم يفكرن في حقيقة هذه الحياة وحقيقة هذا الكون وحقيقة هذه المرأة التي كرمها الله وأعلى شأنها، فكنت أفكر في منزلة الصبر على هذا البلاء والرضا على هذا القضاء الذي هو في الحقيقة نعمة كبيرة ينال صاحبها الدرجات العلى في الجنة، وهذا الذي جعلني أصبر على هذا البلاء.. فكنا نأكل العيش اليابس على شربة من الماء والسكر ونتلحف البساط الذي نجلس عليه ، ومع صبرنا هذا لوجه الله إلا أن الله يكرمنا بأن لا يحسسنا بالجوع المميت وكأن بطوننا مليئة بالزاد، وكأن الرزق يطرق بابنا في بعض الأيام . إلا أن هناك ما نغص حياتنا.. إيجار المنزل الذي نسكنه كيف نأتي بقيمة إيجاره ؟ وهذا الذي جعلني ألجأ إلى الصحف لكي أنشر قصتي وأجد العون من عباد الله.. اتصلت بأحد المحررين وأخبرته بقصتي، وقد زودته ببعض الأوراق والمستندات التي تثبت حالتي .. وبعد فترة نشرت الصحيفة قصتي، فصاحت تلك الضمائر الحية ملبية، وكانت ذا صدى واسع، فقد توافدت الاتصالات علينا .. كلٌّ يمد بما تجود به نفسه، فهناك من تبرع لنا بدفع إيجار الشقة مدى الحياة وآخر تبرع بجلب الأرزاق، وقد كان من ضمن المتبرعين سيدة تبرعت حيث طلبت مني أن أسكن معها في قصرها ( لي ما لها وعلي ما عليها ) وأن تمدني بكل شيء .. فزوجها –دائمًا- مشغول، ولا يسكن قصرها سوى هذه السيدة وأطفالها والخدم والمربيات ، وطلبت مني أن أكون لها بمثابة الأخت رغم وجود الفارق الطبقي بيننا ، ولكني رفضت ذلك حتى لا أبتعد عن صديقتي اليتيمة وأكون ناكرة للمعروف.. وذلك التاجر الذي طلبني للزواج السري ولكن رفضته خوفًا من مشاكل قد لمحتها على بعض صديقاتي عندما تزوجن وبعد أن رزقهن الله بخلفة تطلقن وأصبحن يحملن بدل الهم همومًا، فتخيلوا هناك مطلقة وأولادها دون مأوى ولا عيش، وهذا الذي سبب لي هذا العزوف عن الزواج؛ لأن بعض الرجال يكون ذا لهف وشغف قبل الزواج وبعد أن يقضي نزوته يبدأ بالمضايقة، بعد ذلك يكون الطلاق، فيرميها ، ويطوي صفحاتها؛ لذلك قررت أن أعيش وحيدة بنت العفاف والكفاف أعيش في الدنيا بسيطة وأموت دون أن أخلف ورائي ظالمًا أو مظلومًا.
ملاحظة بسيطة وهامة
السادة والسيادات الأفاضل اسمحولي بأن اجعل جميع تعليقاتكم حول هذا الموضوع في كتابي النسخه الثانية في آخرة وباسماءكم حيث خصصت في آخر الكتاب ملحق خاص لنشر تعليقاتكم حول هذه القصص التي نشرتها لذا آمل تكرمكم بالموافقة والله يحفظكم
الحسناء اليتيمة تسيل لعاب الذئاب البشرية
لم تكن أزمة الضمير غائبة حتى تعيش بين فئة من ذوي الظروف الخاصة، فلم يستيقظ ذلك الضمير حتى يقول لمن في قلبه مرض: اتق الله! واعلم بأنك ملاقيه، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره.. فتلك الحسناء اليتيمة التي تطاردها الذئاب البشرية يريدون عرضها وشرفها إلا أن الفطرة الإيمانية التي تتمتع بها تلك الفتاة خلقت عندها القوة على تحمل البلاء والنضال ضد الأشرار، فدافعت عن كرامتها وجوهريتها رغم مرارة الفقر وتعاسة الأيام وألم الجوع وحاجتها للمادة ،حيث كتب لها القدر بأن تكون يتيمة ، ولكن ضعفاء النفوس تجردوا من الضمير والإنسانية، فأرادوا تغريرها بأموالهم الباهظة.. فعندما كانت طفلة رضيعة قدر الله لوالديها بحادث، وقد توفيا في الحال، ونجت هذه الصغيرة، فأخذوها إلى دار الرعاية، فنالت التربية في الدار، وتعلمت الحياة وأصولها..
وبعد أن بلغت الرشد أدركت كيف تسير الحياة وكيف تصان كرامة الإنسان وكيف تحافظ على حقوقها، فأخذت تفكر في سبب دخولها إلى الدار لاسيما وأن أغلب نزيلات الدار من الأطفال اللقطاء وقلة من الأطفال الأيتام، لا يُعرف هذا من ذاك.. وهذه من هاتيك إلا المشرفات اللاتي يعملن في الدار. تقول هذه الفتاة: لقد تفتحت عيني على الدنيا وأنا في دار الرعاية، فلم أكن أعي ما يدور حولي، وكنت أسأل: أين أبي؟ وأين أمي ؟
وكنت أسأل المشرفة عن قصتي، فشرحت لي حقيقتي وهويتي بعدها استسلمت لأمر الله وقضائه، فعشت مع غيري من الأطفال الأيتام واللقطاء، ولكن عندما فهمت الفرق بين اليتيم واللقيط أخذت أتضجر من بعض المشرفات عندما ينادونني ( ببنت الحرام ) ، فتأثرت من ذلك النداء، وكان يصيبني البكاء كثيرًا من هذه الألفاظ غير اللائقة في مجتمعنا.. ولكن من يردع هؤلاء النسوة ؟ لاسيما وهن يدركن تمامًا بأنه ليس لنا عائل أو رقيب يأخذ بحقنا . فالصبر والصمت حليفنا والعيش في كنف الذل حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.. ومع الأيام والسنين كبرت في عمري، وأصبحت أفكر في العيش وفي مستقبل أفضل من هذا السجن الكئيب، فطلبت من مديرة الدار المساعدة في البحث عن عمل في الدار، فكان لي ذلك فأخذت بزمام العمل بمثابرة واجتهاد كمشرفة إدارية ولكن أعداء النجاح لم يقدرن وضعي، فأخذن يسعين خلفي بالقيل والقال والنفاق حتى أطاحوني، فقدمت استقالتي، وخرجت من الدار إلى شوارع المدينة بحثًا عن ملجأ أستر نفسي فيه .. فتذكرت فتاة كانت معي في الدار صديقة حميمة تكبرني سنًّا حيث خرجت هي الأخرى منذ زمن، وأعطتني رقم جوالها حتى أتصل عليها للسلام عليها والاطمئنان عليها أو أذهب إليها وقت حاجتي لها .. وبالفعل عندما خرجت اتصلت عليها، ووصفت لي عنوانها، وذهبت إليها، وعشت معها في شقة صغيرة، وكانت معها ابنتها الصغيرة ..
فصديقتي هذه قد تزوجت وهي في الدار، فأنجبت طفلتها، وطلقها زوجها، وقذفها وابنتها في الشارع، فوجدتها المسكينة مريضة بأنواع المرض وحياتها أصبحت مهددة بالموت من جراء هذه الأمراض، فكانت توصيني دائمًا بابنتها التي لم تتجاوز الـ10 سنوات، فعشت معهن وكأننا أسرة واحدة.. نداوي بعضنا بعضًا، ونونس وحشتنا، ونفضفض لبعضنا البعض، وكنت أعطف عليها وأحزن على مرضها عندما تشتد أوجاعها فأفزع لها بحثًا عن من يتصدق عليها بدواء، فلم أترك تاجرًا أو رجل أعمال أو مسؤولاً إلا وطرقت بابه، وأحكي لهم قصتي وقصتها، وكنا نتوجع من بعض ردة الفعل القاسية لدرجة الملل حتى زهقت من هذا التسول، فصرت أبحث عن عمل استقي منه الكفاف والعفاف، فكلما أذهب إلى شركة أتعرض لبعض التحرشات والمناوشات الجارحة، فأخذت أبكي على حالي في هذا المجتمع الذي لا يرحم عزيز قوم ذل، ومن الذئاب البشرية المفترسة التي تجردت من الإنسانية. وفي يوم من الأيام كنت راجعة إلى بيتي أتصبب عرقًا من طول المشوار وقهر الحياة، وإذ بذاك الشاب يوقف سيارته بجواري، ويعرض عليَّ المساعدة، فوقفت أستمع إليه لعل الخير قادم، فقال: يا أختي أنتِ فتاةٌ في ريعان شبابك.. حرام عليك تهدرين حياتك تحت أشعة الشمس الخارقة، فتعالي أوصلك إلى بيتك، فقلت له: أنا فتاة يتيمة وشريفة، فإذا كنت تريد مساعدتي فأعطني مما أعطاك الله .. أما أن أركب معك فهذا مستحيل.. فقال: خلاص.. أنا سوف أوصلك وأعطيك ما يقدرني الله به.. فرفضت الركوب معه قطعيًّا، فقال: أعطيني عنوانك وأنا سوف آتي بالأرزاق إلى بيتك بعد صلاة مغرب ذلك اليوم، فأعطيته عنواني ورقم هاتفي ، فذهب ..
وبالفعل جاء وقت المغرب وإذ بهذا يطرق باب الشقة.. فوالله العظيم لم أخف في حياتي مثلما خفت من هذا الرجل لدرجة أني حدثته من خلف الباب، فقال: افتحي حتى أدخل الخيرات.. وأنا أنظر من عدسة الباب لم أر شيئًا، ولكن كنت أقول لربما كان الخير في سيارته، ففتحت الباب برواده بسيطة، وما إن أحس بفتحة الباب إلا وأخذ يدفعه بقوة يريد أن يكسره ويدخل علينا، فأخذت أصرخ حتى فزع الجيران وأمسكوه، فقال لهم: أقصد الخير.. وعندما سألوه عن الخير لم يجدوا معه إلا نواياه الخبيثة، فهَمُّوا أن يسلموه للجهات الأمنية، ولكني تنازلت عن حقي، فذهب في حال سبيله، فرجعت أبكي في حضن صديقتي، فلم تمض ساعة إلا وجرس الباب يرن، وإذ بابن الجيران يطرق الباب، وترك لنا أرزاق الله خلفه، فأخذناها، وشكرنا الله عليها.. وفي اليوم الثاني في المساء وأثناء خلودنا إلى النوم إذ بصديقتي تصرخ ألمًا من أزمة المرض الذي تعاني منه وكأنها تودع الحياة، وتوصيني على ابنتها، فلم أحتمل مشاهدة منظرها وهي تتجرع آلام المرض، وكان الليل دامسًا، والشوارع خالية، والخوف ينبض في داخلي، فذهبت إلى أقرب مستوصف، وأحضرت الطبيب ليكشف عليها، فعندما جاء الطبيب وكشف عليها قال: إن حالتها خطيرة وتحتاج إلى دواء خاص، فكتب لنا نوع الدواء بعد أن وعدته بأنني سوف أعطيه أجرته حال توفر المبلغ، فتعاطف مع حالتنا، وتنازل عن المبلغ .. أما الدواء فلم أستطيع شراءه لأنه غالي، ولا نملك سعره، فجاء فاعل خير وأعطانا الدواء. وتكمل الحسناء حديثها عن الواقع الذي تعيش فيه فتقول: أعرف فتيات من اللقيطات والأيتام هربن من الدار لم يتركن حال سبيلي، فعرفوا عنواني وجاؤوني يطلبن العيش معًا، ولكني رفضت ذلك وبقيت مع صديقتي المريضة التي أعدها كأختي الكبيرة.. وبعد فترة عرفت بأن البنات الرفقة لم يتحملن عذاب الفقر والجوع، فانقسمن إلى قسمين:
الصالحة والطالحة. الصالحة هي التي أكملت حياتها والتحقت بالجامعة بعد تخرجها من الثانوية في الدار وأنهت دراستها الجامعية، ولكن لم يستفدن من شهادتهن فكانت إحداهن تبحث عن عمل حتى ولو فرَّاشة في إحدى المدارس رغم حصولها على الشهادة الجامعية ومحاولاتها مع الجهات المعنية تطلب مراعاة ظروفها الاجتماعية، إلا أن الوضع لا يهم طالما كونها يتيمه . أما القسم الآخر من البنات فأخذن يسلكن الطرق الوعرة ونزع الحياء، فأصبحن يعشن في أزمة ضمير، فخرجن إلى المجتمع يبعن أعراضهن وشرفهن بعرض من الدنيا حتى ألبسهن الشيطان بردة سوداء مليئة بالعفن والشر رغم أني رأيتهن يلبسن أحلى الحلي والزينة والعيش والرفاهية والضحكات المتعالية، إلا أنني عندما أنظر إليهن وأتمعن في إحداهن أجد هذه الضحكات مجرد علامة على قناع مغطى على الوجه، غير أن الحقيقة نار تحرق في أحشائهن.. كيف لا وهن ينظرن إلى من حولهن من الفتيات ممن يعشن في حياة كريمة وزهد مع أزواجهن وأطفالهن يمشون في طريق الخير والسعادة وهن كل يوم في مكان ومع أوجه جديدة؟! كما أنني أعلم يقينًا بأن هؤلاء الفتية غير راضين على الوضع الذي هن فيه، ولكن ضعف الوازع الديني وأزمة الضمير المفقودة ولعب الشيطان على عقولهن وطلب الحاجة والهروب من جحيم الفقر مهد لهن ذلك.. وتضيف الحسناء قولها: إنني عندما أخلد إلى النوم تأخذني الأفكار، تسرح
بي في فلك هذه الحياة وعذابها الذي لا يرحم. فالناس الذين تحولوا إلى ذئاب مفترسة كل يريد أن ينهش فريسته ثم يرمي بها لغيره حتى تصبح جثة هامدة تشم رائحتها من بعيد، فيمشون من جنبها ملثمين بعمائمهم، فهؤلاء الفتيات لم يفكرن في حقيقة هذه الحياة وحقيقة هذا الكون وحقيقة هذه المرأة التي كرمها الله وأعلى شأنها، فكنت أفكر في منزلة الصبر على هذا البلاء والرضا على هذا القضاء الذي هو في الحقيقة نعمة كبيرة ينال صاحبها الدرجات العلى في الجنة، وهذا الذي جعلني أصبر على هذا البلاء.. فكنا نأكل العيش اليابس على شربة من الماء والسكر ونتلحف البساط الذي نجلس عليه ، ومع صبرنا هذا لوجه الله إلا أن الله يكرمنا بأن لا يحسسنا بالجوع المميت وكأن بطوننا مليئة بالزاد، وكأن الرزق يطرق بابنا في بعض الأيام . إلا أن هناك ما نغص حياتنا.. إيجار المنزل الذي نسكنه كيف نأتي بقيمة إيجاره ؟ وهذا الذي جعلني ألجأ إلى الصحف لكي أنشر قصتي وأجد العون من عباد الله.. اتصلت بأحد المحررين وأخبرته بقصتي، وقد زودته ببعض الأوراق والمستندات التي تثبت حالتي .. وبعد فترة نشرت الصحيفة قصتي، فصاحت تلك الضمائر الحية ملبية، وكانت ذا صدى واسع، فقد توافدت الاتصالات علينا .. كلٌّ يمد بما تجود به نفسه، فهناك من تبرع لنا بدفع إيجار الشقة مدى الحياة وآخر تبرع بجلب الأرزاق، وقد كان من ضمن المتبرعين سيدة تبرعت حيث طلبت مني أن أسكن معها في قصرها ( لي ما لها وعلي ما عليها ) وأن تمدني بكل شيء .. فزوجها –دائمًا- مشغول، ولا يسكن قصرها سوى هذه السيدة وأطفالها والخدم والمربيات ، وطلبت مني أن أكون لها بمثابة الأخت رغم وجود الفارق الطبقي بيننا ، ولكني رفضت ذلك حتى لا أبتعد عن صديقتي اليتيمة وأكون ناكرة للمعروف.. وذلك التاجر الذي طلبني للزواج السري ولكن رفضته خوفًا من مشاكل قد لمحتها على بعض صديقاتي عندما تزوجن وبعد أن رزقهن الله بخلفة تطلقن وأصبحن يحملن بدل الهم همومًا، فتخيلوا هناك مطلقة وأولادها دون مأوى ولا عيش، وهذا الذي سبب لي هذا العزوف عن الزواج؛ لأن بعض الرجال يكون ذا لهف وشغف قبل الزواج وبعد أن يقضي نزوته يبدأ بالمضايقة، بعد ذلك يكون الطلاق، فيرميها ، ويطوي صفحاتها؛ لذلك قررت أن أعيش وحيدة بنت العفاف والكفاف أعيش في الدنيا بسيطة وأموت دون أن أخلف ورائي ظالمًا أو مظلومًا.
ملاحظة بسيطة وهامة
السادة والسيادات الأفاضل اسمحولي بأن اجعل جميع تعليقاتكم حول هذا الموضوع في كتابي النسخه الثانية في آخرة وباسماءكم حيث خصصت في آخر الكتاب ملحق خاص لنشر تعليقاتكم حول هذه القصص التي نشرتها لذا آمل تكرمكم بالموافقة والله يحفظكم