المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة بعنوان(الحياة مليئة بالاحداث المتباينة والمواقف المتفاوتة)


وائل الدغفق
27-09-2008, 01:31 PM
وائل الدغفق 22/9/2006م التاسعة مساء

الحياةُ مليئةً بالأحداث المتباينةُ والمواقف المتفاوتةَ، والتي نتعايشُ معها، فإما نتجرّع مرارتُها أو نسْعدُ بقدومِها.

نعم إنها لحظاتٌ تمرُ في عمرنا القصير ولكنّها مواقف لا تنسى وتظل ذكرى مرتبطةٌ بوجداننا تسطّر لنا قانوناً يعتمرنا وتلازماً يربطنا .
لستُ انوي ذكر الكثير، فلربما ذكر حادثة واحدة تعطي المعنى والمغزى لما ذكرتُ.

ذاتَ يومٍ من أيام الشتاء الباردة ، وأنا متلفع بالصوف أقي جسدي لفحات الهواء الباردة ،ووالداي في غرفة المعيشة وقد تَوَسّدُوا الوسائد ويتحادثون عن مشاغل الحياة ، وبينهم إبريقُ شاي الزنجبيل ذو الرائحةََ الطيبة وأنا ارمقهم بنظرات حيال ماّ وصلو إليه من عمرٍ مديد وكيف بهم وقد حققوا أهدافهم من تكوين أسْرَتِنَا الصغيرة أنا وأختي وأخي الصغير ، ويظلني وأنا في نظراتي لهم شبح الخروج من كنف هذا البيت الوديع ، والذي الفته والفني ، وأحببته وأحبني ، وقد جاوزت التاسعة عشر ومازالت فكرة الزواج تراودني بين الحين والأخر .
لست خائفة منها بل متوجسة من النقلة الكبيرة .
سيكون ذلك لا محالة ،وهي سنة الحياة ، فسيأتي ذلك القَدَر ونكّون أسرة يعْمُرَها الحبُ والودُ، وسأكون ربةُ منزلٍ احضن أبنائي ، وأحفظ ود زوجي .
طفت بخيالي وأنا اشرب جرعة من شاي الزنجبيل ، بيتي الصغير وبنتي نورة بالصف الثالث متوسط وولدي احمد بالصف الأول ثانوي وأنا اعمل مدرّسة ، وأبو احمد يعمل في احد الدوائر الحكومية ،إنها عائلة هانئة وسعيدة ، يدخل احمد سن الرجال واضع همّي بمتابعة همومه واحتياجاته ، ونورة تكبر وتعمل معي في كل شاردةٍ وواردةَ بالبيت ، فهي وردةُ البيتِ وزينتهُ، وابواحمد يظل زوجاً وفياً متعاهداً أبنائي بالحبِ والعون .
لحظاتٌ جميلة تلك التي نعيشها أنا وابواحمد فلم نكن نوفّر شيئاً لأبنائنا فهم أملُنا وهدفُنا من الحياةِ ، ورُغْمَ حرص أبو احمد على عدم تسليم احمد سيارة فقد ألحَحْتُ عليه بتسليمه، فهو قد كبر ونضج في نظري ، ولي مآرب في أن يخدمني في مشاويري الخاصة فمشاغل ابواحمد كثيرة ووجود احمد مخرجا لنا ومتنفسا .




أخيرا تمت الموافقة بتعهدي له بالحفاظ على احمد من التهور والخروج بلا حساب ، لقد كانت سعادتي في احمد وتعهده بخدمتي والوقوف على احتياجاتي أنا وابنتي ، فكنت أرى فيه الرجل والمسئول رغم صغر سنه فهو لم يتعدى السادسة عشر .
كان شعوري آنذاك جميلا ، فلم أضع أي أهداف مستقبلية ،بل كان جُلَّ اهتمامي بالآنيَََّة واللَّحظة التي أنا بها ، ورُويداً رُويداً حتى سار الأمر إلى غير ما ارتجيت ، فاحمد لم يسعه المكان ولا الزمان فظل يتأَََخر عنَّا ، وان قدم متأخرا نشم رائحة السجائر ،فحين نسألهُ يتهرب بالأجوبة المختلقةَ.
عرفت من جارتنا أم خالد إن ابنها يُرافق احمد وإنهم يتسكعون بالسيارة ويشربون الدخّان، ولكن صَمَمْتُ إذني وأقنعتُ نفسي بعدمِ صحةُ ذلك الأمر.
قلقت عليه ولم ابلغ أباه فاعرف أبو احمد عصبياً وقد يحصل مالا تحمد عقباه، فسكتتُ عن الأمر وقلت في نفسي لعل احمد يتوب عما يفعله ولست، اندم أكثر من ندمي على كتماني الأمر.
مرت الأيام واحمد تغيرت أخلاقه وظل يعاند ويتهجم على أباه بالصوت بعد أن سحب أباه منه مفاتيح السيارة وحَرِمَهُ منها ، ولكن لم تنتهي المشكلة على هذا الأمر فقد ظلَّ يراودني شكا في تصرفات احمد وذلك بعد أن فقدت جزء من مال لي قد احتفظت به في درج الدولاب ، وشككت في احمد فهو في الآونة الأخيرة يكثر الخروج والمطالبات المالية التي لاتنقطع ، فأباه لايسمح له بأكثر من مبلغ يسد حاجته ولكن مطالب احمد تجد عندي موافقة فعطف الأم يضعف أمام إلحاح الأبناء ، ولكن لم يكتفي احمد بل ظل يطلب ويتأخر في المجيء مساءً ، وفي ليلة باردة من ليالي الشتاء وأنا في الصالة اشرب كوبا من شاي الزنجبيل إذ بابنتي نورة وقد جاءت مسرعة إلي ونَفَسُهَا يتسارع والفظاها تتلعثم ، فوجهها الشاحب لايبشر بخير ، لقد استطعت أن افهم بعضا مما قالت وبكلمات متقطعة !!!
أفزعتني وأرعبتني بما وصلني منها حين ذكرت أن احمد قبض عليه وهو يعاقر المخدرات..!!!
لم أتمالك نفسي ودارت الدنيا برأسي فانا السبب وأنا التي أوصلته إلى تلك الحال فلم أكن أرى إلا مصلحة نفسي ، دارت السنة بلحظة ولم استطع أن أتابع التفكير حتى سقط كوب الشاي من يدي على الأرض محدثا جلبة ،

وصوت أمي وهي تحدثني ...: ابنتي عسى ماشر...!

آوه .. إنني في بيت أبي... أنا لم أتزوج .... أنا كنت احلم !!

يالفرحتي ..لقد عشتُ حياةً أخرى بحلوها ومُرها ،حتى تملّكتني وعشتُ في ثناياها وكأنها حقيقة .

آه ...كم كنت حمقاء في وقوفي مع ابني في الخيال ..احمد !!

آه... الحمد لله أنهُ حلم..!!

لقد تجرّعت المرارة في حلمٍ بدا لي في بدايتهِ السعادة.
كم هذه الحياة مليئة بالمواقف والأحداث المتفاوتة التي نعيشها ونحلم بها.
كم كانت سعادتي وشقائي في لحظات شرب كوب شاي الزنجبيل وبين السعادة والشقاء جرعة واحدة...!!

محمد علي محيي الدين
27-09-2008, 03:15 PM
الزميل وائل الدغفق

شكرا على هذا السرد الجميل نتمنى لك التوفيق وأن تكون بخير وعافية