المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أساليب الطلب في سورة يوسف ح/4


كريم برهان الجنابي
25-09-2012, 01:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

إســـــلوب الإسـتـفـهــام


أولاً: الإستفهام في اللغة :
الإستفهام مصدر الفعل ( استفهم ) مشتق من الفهم ، وهو معرفة الشيء ، وذلك ما ذكره إبن منظور بقوله : " الفهم معرفة الشيء – استفهمه : سأله أن يفهمهُ."0(1)
ثانياً: الإستفهام في الإصطلاح:
ذكر الجرجاني أن الإستفهام هو:" استعلام ما في ضمير المخاطب، وقيل هو طلب حصول صورة الشيء في الذهن، فإن كانت تلك الصورة وقوع نسبة بين الشيئين أو لا وقوعها ، فحصولها هو التصديق وإلاّ فهو التصوّر". (2)
والإستفهام هو إسلوب من أساليب الطلب يراد به حصول طلب الفهم.(3)
ولا يتقدم شيء على الإستفهام أي أن الإستفهام له الصدارة في الكلام ، فلا يجوز – مثلاً – أن نقول : سافر هل خالد ؟.(4)
وللإستفهام أدوات تستعمل أدواتٌ هي : الهمزة – هل – أم – مَنْ – ما – كيفَ – كم – أين –أنّى – أيّان – متى.(5)
وهذه الأدوات تستعمل لطلب التصور ما عدا حرف الإستفهام (هل) فإنها لطلب التصديق فقط، حيث يكون الجواب عنها ( بنعم أو لا) ، والهمزة لطلب التصور والتصديق.(6)

.................................................. .................................................. ..................... (1) لسان العرب. 12/539
(2) التعريفات. 18
(3) ينظر : عروس الأفراح. 2/514
(4) ينظر .المفصل . 415
(5) ينظر : الكتاب . 4/233.ومفتاح العلوم. 418
(6) ينظر: موسوعة النحو والصرف والإعراب .51
" وجميع أدوات الإستفهام مبنيّة ، ماعدا (أي) فهي معربة".(1)
أما ماورد من أدوات الإستفهام في سورة يوسف فهي: الهمزة – هل – ما – ماذا – كيف – أم.
بالإضافة الى ( كأيّن ) وسيأتي الكلام عنها منفردة.









ثالثاً : حرفا الإستفهام

أ. الهمزة
وهي أُم أدوات الإستفهام (1)، تدخل على الجملة الإسمية والجملة الفعلية(2)، ومن دخولها على الجملة الإسمية في سورة يوسف قوله تعالى (يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) يوسف:39
وتختص الهمزة بجواز حذفها ودخولها على الجمل المنفية(3)، نحو قوله تعالى (أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنْ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ) يوسف: 80
وقوله أيضاً ( فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون) يوسف:96
ودخولها على الجمل المثبتة، بخلاف بقية أدوات الإستفهام فإنها تدخل على الجمل المثبتة فقط.(4)
ولها الصدارة في الكلام بدليل دخولها على حروف العطف: الواو ، ثم ، الفاء(5) نحو قوله تعالى(أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) يوسف 107
وقوله تعالى(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) يوسف : 109
وتدخل على الشرط نحو : أإنْ تقرأ أقرأ؟ وتدخل على ( إنّ) نحو قوله تعالى (قَالُوا أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ) يوسف:90
تلك هي مواضع وصيغ ورود " الهمزة" في سورة يوسف.

.................................................. .................................................. ....................(1) ينظر : شرح المفصل.5100
(2) ينظر: المصدر نفسه. 5/99
(3) ينظر:همع الهوامع في شرح جمع الجوامع. 2/482
(4) ينظر: المصدر نفسه . 2/482
(5)ينظر المصدر نفسه . 482/2


















حذف همزة الإستفهام

ان من خصائص الهمزة جواز حذفها إذا دلَّ عليها دليل، أي أن تكون بعدها "أم" المتصلة ، وهذا ما ذكره سيبويه ، في حين أن الأخفش أجاز حذفها وإن لم تأتِ بعدها "أم".(1)
وحذفت همزة الإستفهام في سورة يوسف في قوله (فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) يوسف:70
(إنكم لسارقون) " قيل انها جملة استفهامية، والتقدير : أإنكم لسارقون؟ بحذف همزة الإستفهام ولا يخشى ما في هذه الوجوه من البعد"(2)
"إنكم لسارقون: إن كان بأمر يوسف (ع) فلعله أريد بالسرقة أخْذَهم له من أبيه على وجه الخيانة كالسراق،(...) أو يكون معنى الإستفهام أي: أئنكم لسارقون؟"(3)
وذكر القرطبي الغرض من حذف الهمزة الإستفهام بقوله: " والغرض ألاّ يُعزى الى يوسف (ع) الكذب".(4)



.................................................. .................................................. ......................(1) ينظر : الجني الداني في حروف المعاني. الحسن بن قاسم المرادي،34
(2) الميزان، 11/225
(3) روح المعاني .13/33
(4) الجامع لأحكام القرآن. 9/151
















ب . هـــل

أداة استفهام تدخل على الجملة الإسمية والجملة الفعلية (1) وفي سورة يوسف دخلت على الجملة الفعلية فقط ( في موضعين) أحدهما في قوله تعالى(قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ) يوسف :64
والآخر في قوله تعالى (قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ) يوسف:89
وهل له موضعان:
[k1] (http://www.arabelites.com/vb/#_msocom_1) "الموضع الأول: أن تكون للإستفهام ، غير عاملة لعدم اختصاصها بالأسماء والأفعال، وما لم يختص لا يعمل.
والموضع الثاني: أن تكون بمعنى (قد) "(2) كقوله تعالى (هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر) الإنسان: 1 . أي : قد أتى.
وهي قسمان بسيطة وركبة:
" بسيطة وهي التي يطلب بها وجود الشيء أو لا وجودهُ ( كقولنا: هل الحركة موجودة)أو لاموجودة؟
ومُرَكّبة وهي التي يطلب بها وجود شيء لشيء أو لا وجود له ( كقولنا: هل الحركة دائمة) أو لا دائمة؟ فإن المطلوب وجود الدوام للحركة أو لا وجوه، وقد أخذ في هذه شيئان غير الوجود ، وفي الأول شيء واحد فلذلك كانت مركبة بالنسبة اليها فالوجود في البسيطة محمول وفي المركبة رابطة".(3)

.................................................. .................................................. ....................(1) ينظر : شرح المفصل. 5/99
(2) رصف المباني في حروف المعاني . 469 – 470
(3) المطوّل، شرح تلخيص المفتاح ،للعلامة التفتازاني،411















ومن خصائص (هـل ) أنها للتصديق فقط، ودخولها على الجمل المثبتة فقط بخلاف الهمزة ، وعند دخولها على الفعل المضارع تخصه بالإستقبال. (1)
" فلا يجوز أن نقول: هل تضرب زيداً وهو أخوك؟ لأن هذا استفهام توبيخ ، والتوبيخ لا يكون على الحال أو الماضي
، واستفهام التوبيخ لا يكون إلاّ بالهمزة ، ويصح أن نقول : أتضرب زيداً وهو أخوك؟ توبيخاً على ضرب واقع". (2)

بالإضافة الى ان هل " لا تدخل على الشرط ، ولا على (إنَّ) ولا على إسم بعده فعل في الإختيار ، بخلاف الهمزة،... وانها تقع بعد العاطف لا قبله".(3)

وان الإٍستفهام بـ (هل) أقوى وأكثر توكيداً من الهمزة ، بدليل إقتران (هل) بـ (مِنْ) الزائدة للتوكيد.(4)
نحو قوله تعالى ( هَلْ ترى مِن فُطُور ) .الملك: 3

.................................................. .................................................. .......
(1) ينظر: مغني اللبيب. 1/657
(2) عروس الأفراح. 2/525 – 526
(3) مغني اللبيب. 1/658
(4) ينظر: معاني النحو. 4/214




















رابعاً: أسماء الإستفهام:


أ. مــا
إسم استفهام يستعمل " للسؤال عن الجنس، نقول: ما عندك؟ بمعنى : أي أجناس الأشياء عندك؟"(1)
" ويجب حذف ألف (ما) الإستفهامية إذا جُرَّت وإبقاء الفتحة دليلاً عليها *، نحو: فِيمَ – إلامَ – علامَ – بِمَ "(2)
وقد وردت (ما) في سورة يوسف في خمسة مواضع. ( ما لك – ما بال النسوة – ما خطبكنَّ – فما جزاؤه – ما نبغي ).
وذلك في الآيات القرآنية الآتية:
قال تعالى(قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ) يوسف:11
وقوله تعالى( فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) يوسف:50
وقوله تعالى(قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ) يوسف:51
وقوله تعالى(قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ) يوسف:74
وقوله تعالى(وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا) يوسف:65
قوله ( ما نبغي) قيل أن (ما) استفهامية ، فالمعنى يكون :" يا أبانا ما الذي نطلب من سفرنا الى مصر وراء هذا؟ فقد أوفي لنا الكيل ورُدّ الينا مابذلناه من البضاعة ثمناً.(...) وقيل : للنفي أي ما نطلب بما أخبرناك من العزيز وإكرامه لنا الكذب فهذه بضاعتنا ردت الينا."(3)
.................................................. .................................................. ..................(1) مفتاح العلوم. 420
· لم ترد (ما) مجرورة في سورة يوسف*
(2) مغني اللبيب. 1/572
(3) الميزان في تفسير القرآن.11/218



ب. ماذا
يأتي إسم الإستفهام (ماذا) في العربية بأوجه عديدة ذكرها ابن هشام الأنصاري (ت 761هـ) في ست نقاط:
1. " أن تكون (ما) استفهامية و (ذا) إشارة "(1)
2. " أن تكون (ما) استفهامية و(ذا) موصولة"(2)
3."أن يكون (ماذا) كلّه استفهاماً على التركيب"(3)
4."ان يكون (ماذا) كله إسم جنس بمعنى شيء أو موصولاً بمعنى (الذي)"(4)
5." ان تكون (ما) زائدة و(ذا) للإشارة" (5)
6." أن تكون (ما) استفهامية و(ذا) زائدة"(6)
وفي سورة يوسف وردت (ماذا) في موضع واحد، في قوله تعالى( قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ) يوسف:71




.................................................. .................................................. .. .....
(1) مغني اللبيب.1/576
(2) المصدر نفسه .1/567
(3) المصدر نفسه.1/577
(4) المصدر نفسه. 1/578
(5) المصدر نفسه. 1/579 . (6) المصدر نفسه. 1/580










ج. كيف

أداة من أدوات الإستفهام يستفهم بها عن الحال، كقول سيبويه : " كيف على أي حال"(1)
و " كيف جارٍ مجرى الظروف ، ومعناه السؤال عن الحال، نقول : كيف زيد ؟ أي : على أي حال هو ؟.
وفي معناها ( أنّى )(2) كقوله تعالى ( فآتُوا حَرْثَكُم أنّى شِئتم ) البقرة:223 .
وقد وردت أداة الإستفهام (كيف) في سورة يوسف في موضع واحد، وذلك في قوله تعالى (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) يوسف:109.


د . أَم
وهي أداة استفهام وتكون أما متصلة ، مسبوقة بالهمزة نحو) : أقام زيد أم عمرو ؟) حيث يكون ما بعدها مفرداً ويجاب عنها بأحد الشيئين ( أي أن يكون الجواب إما زيد و إما عمرو) ويمكن تقديرها بـ (أيهما وأيهم) وتسمى أيضاً ( المعادلة).
وأما تكون منفصلة أو منقطعة وسميت بذلك لأن الكلام بعدها منقطع أو منفصل عمّا قبله.
وتكون مسبوقة بالإستفهام أو الخبر ، وتقع بعدها جملة ، ويمكن أن تقدر بـ (بل) ويجاب عنها بـ ( نعم أو لا)(3).

.................................................. .................................................. ............(1) الكتاب . 4/233
(2) المفصل في صنعة الإعراب. 211
(3) ينظر: المقتضب 3/233. وينظر: شرح جمل الزجاجي . 1/193 .و ينظر: رصف المباني. 187



ووردت (أم) في سورة يوسف متصلة ( معادلة) . حيث سبقت بهمزة ووقع ما بعدها مفرد ويُجاب عنها بالتعيين.
وذلك في قوله تعالى على لسان النبي يوسف ( عليه السلام):( يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) يوسف:39.





















كـأيـِّـنْ

كأيِّنْ : " إسمٌ معناهُ معنى (كم) في الخبر يُكثر به عدة ما يضاف اليه".(1)
و لـ (كأينْ ) لغاتٌ عديدة وقراءات مختلفة، منها: " كأيِّنْ ، كاءِ بوزن كاعِ وكيءٍ بوزن كيْع وكأيٍّ بوزن كَعَيٍّ وكاءٍ بوزن كعٍ"(2)
اما من حيث تأهيلها فقيل أنها مركبة وقيل بسيطة.
اما تركيبها فهي " مركبة من كاف التشبيه وأيٍّ المنونة"(3)
" ولهذا جاز الوقف عليها بالنون ،لأن التنوين لما دخل في التركيب أشبه النون الأصلية ، ولهذا رُسِمَ في المصحف نوناً، ومن وقف عليها بحذفه اعتبر حكمه في الأصل وهو : الحذف في الوقف.
وقيل الكاف فيها هي ( الزائدة) ، وقيل هي إسم بسيط واختاره أبو حيّان"(4)
وان (كَأيِّنْ) تتفق مع (كم) في خمسة أمور : " الإبهام والإفتقار الى التمييز والبناء
ولزوم التصدير وإفادة التكثير تارة وهو في الغالب(...) والإستفهام أخرى ، وهو نادر ولم يثبته إلاّ ابن قتيبة وابن عصفور وابن مالك، واستدل علي بقول أبي كعب لابن مسعود رضي الله عنهما ،" كأيّ نقرأ سورة الأحزاب آية" فقال: ثلاثاً وسبعين.


.................................................. .................................................. ............(1) شرح المفصل . 3/180
(2) المفصل في صنعة الإعراب .222
(3) مغني اللبيب. 1/373
(4) همع الهوامع. 2/502



وتخالفها في خمسة أمور:
أحدها : إنها مركبة و(كم) بسيطة(...) والثاني:ان تمييزها مجرور بمن غالباً(...) والثالث: انها لا تقع استفهامية عند الجمهور. والرابع:انها لا تقع مجرورة، خلافاً لابن قتيبة وابن عصفور،(...) والخامس: ان خبرها لا يقع مفرداً"(1)
وردت (كأيّنْ) في موضع واحد في سورة يوسف في قوله تعالى(وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) يوسف:105
ومعناها " كم من حجة ودلالة في السموات والأرض تدل على وحدانية الله تعالى(...) يبصرونها ويشاهدونها ( وهم عنها معرضون)".(2)
إذن فإنَّ (كأيّنْ) جاءت بمعنى (كم) ، وموقعها الإعرابي مبتدأ مبني على السكون في محل رفع. وتمييزها (أيةٍ) مجرور بـ (من) الزائدة وخبرها الجملة الفعلية ( يمرون عليها)(3) ليس مفرداً.


.................................................. .................................................. ............(1) مغني اللبيب. 1/373-374-375
(2) مجمع البيان. 5/518
(3) ينظر: معجم إعراب ألفاظ القرآن الكريم،محمد سيد طنطاوي. 319









المعاني المجازية لإسلوب الإستفهام

يخرج الإستفهام من معناه الحقيقي الى معنى مجازي يُعرف من سياق الكلام.
والمعاني التي خرج اليها الإستفهام في سورة يوسف هي :
أولاً: التقرير
" وهو حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه إثباتاً ونفياً لغرض من الأغراض"(1)
قوله تعالى(يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) يوسف:39
أي " أأن تكون لكم أرباب شتى يستعبدكما هذا ويستعبدكما هذا خيرٌ أم ان يكون لكم ربٌ واحدٌ قهار لا يغالب ولا يشارك في الربوبية"(2)
وذكر الطبرسي أن ظاهر الآية " الإستفهام ، والمراد التقرير وإلزام الحجة"(3) ويحتمل الإستفهام هنا أيضاً معنى التوبيخ.
قوله تعالى(فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) يوسف: 50
( فسأله ما بال النسوة...) أي " فاسأل الملك أن يتعرف حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ليعلم صحة براءتي ، ولم يفرد إمرأة العزيز بالذكر ، حسن عشرة منهُ ورعاية أدب لكونها زوجة الملك".(4)
فقد أراد يوسف (ع) أن يعرف حال النسوة، لذا فإنّ الإستفهام هنا لغرض التقرير.



.................................................. .................................................. ............(1) الموسوعة المختارة .280
(2) الكشاف. 2/453
(3) مجمع البيان. 5/451
(4) المصدر نفسه . 5/463






قوله تعالى (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوء) يوسف : 51
" إن الرسول رجع الى الملك وأخبره بما قاله يوسف(ع) فأرسلَ الى النسوة ودعاهن وقال لهن: ما شأنكن وماأمركن إذ طلبتن يوسف عن نفسه ودعوتنه الى أنفسكن؟ " قلن ما شاء الله ما علمنا عليه من سوء، هذه كلمة تنزيه أي نزهن يوسف عما اتهم به"(2)

لذلك فإن الإستفهام هنا لغرض التقرير.









.................................................. .................................................. .................................................. (1) مجمع البيان . 5/463
(2) روح المعاني . 13/33-34

ثانياً : التذكير
يأتي الإستفهام بمعنى التذكير فإن قوله تعالى (فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنْ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ) يوسف :80
جاء الإستفهام ( ألم تعلموا..) بمعنى التذكير ، لأن الأخ الأكبر ليوسف أراد ان يُذَكِّر اخوته بما فعلوا بيوسف (ع) ، وانهم قد نقضوا العهد مع أبيهم حينما قال لهم ( لن أرسله معكم حتى تأتونِ موثقاً من الله لتأتنني به) لذلك فإن الإستفهام بهذا المعنى يكون لغرض اليذكير.(1)
ويحتمل الإستفهام أيضاً ( في هذه الآية) معنى التقرير.
قوله تعالى (قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ) يوسف:89
ذكر القرطبي ان الإستفهام هنا خرج لمعنى التذكير ،فإن (ع) أراد ان يذكر اخوته بما فعلوا بأخيهم يوسف حينما كانوا صغاراً جهالاً ( إذْ أنتم جاهلون) ويحتمل الإستفهام هنا أيضاً التوبيخ.(2)
إذن فالقرطبي ذكر ان الإستفهام هنا بمعنى التذكير والتوبيخ. وذكر الطباطبائي ان الإستفهام ( هل علمتم..) تذكير من غير توبيخ، وذلك بقوله:" قولهL هل علمتم ما فعلتم بيوسف..) تذكير من غير توبيخ ومؤاخذة ليعرفهم مَنُّ الله عليه وعلى أخيه"(3)
وذكر الطبرسي ان الإستفهام في قوله( هل علمتم..) خرج لمعنى التقرير.(4)
" قال إبن الأنباري: هذا استفهام يعني به تعظيم القصة ،ومعناه : ماأعظم ماارتكبتم وماأقبح من قطيعة الرحم وتضييع حقه"(5)
ومن ذلك تبين ان الإستفهام في هذه الآية الكريمة خرج لمعانٍ متعددة ( التذكير، التوبيخ، التقرير، تعظيم القصة).
.................................................. .................................................. ...............(1) ينظر: مجمع البيان. 5/493-494 (4) ينظر :مجمع البيان. 5/503
(2) ينظر: الجامع لأحكام القرآن. 9/167
(3) الميزان. 11/238 (5) المصدر نفسه. 5/506


قوله تعالى( فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) يوسف:96
( ألم أقُل لكم ) أي: "ألم أقل لكم إني لأجد ريح يوسف"(1)
فالإستفهام هنا لغرض التذكير بما قاله يعقوب (ع).، ويحتمل أيضاً معنى التقرير.

ثالثاً : النصح والإرشاد
قوله تعالى(وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) يوسف : 109
الإستفهام في هذه الآية الكريمة ( أفلا تعقلون) خرج لـ " بيان النصح وإن ما يدعون اليه وهو التقوى ليس ما وراءه إلاّ ما فيه كل خيرهم وجماع سعادتهم."(2)

رابعاً: التعجُّب
قوله تعالى(قَالُوا أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا) يوسف: 90
إن يوسف(ع) حينما قال لإخوته ( هل علمتم ما فعلتم بيوسف) " ثم تبسم- وكان إذا تبسم كأنَّ ثناياه اللؤلؤ المنظوم – فشبهوه بيوسف فقالوا له على جهة الإستفهام: ( ءإنك لأنت يوسف)"(3)
"وهذا كلام متعجب مستغرب لما يُسمع فهو يكرر الإستثبات"(4)
وذكر الآلوسي أنه:"إستفهام تقرير، ولذلك أكّدَ بـ(أن والاّم) لأن التأكيد يقتضي التحقق المنافي للإسفهام الحقيقي،ولعلهم قالوه استغراباً وتعجباً"(5)
.................................................. .................................................. ...............(1) روح المعاني. 13/71 (2) الميزان. 11/281
(3) الجامع لأحكام القرآن.9/168 (4) الكشاف. 2/482 . (5) روح المعاني. 13/62


قوله تعالى (قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ) يوسف :11
حيث ذكر الآلوسي أن :" الإستفهام بـ (مالك) فيه معنى التعجب والكلام ظاهر في أنه تقدم منهم سؤال أن يخرج عليه السلام معهم فلم يرضَ أبوهم بذلك"(1)


خامساً: التوبيــخ

" ويقال أيضاً التقريع على إنكار أمر على أحد"(2)
قوله تعالى(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) يوسف: 109
فقد ذكر الآلوسي أن الإستفهام ( أفلم يسيروا) خرج لمعنى التوبيخ والتقريع.(3)
وذكر الطباطبائي ان الإستفهام هنا" إنذار لأُمة النبي (ص) بمثل ما أنذر به الأمم الخالية"(4).
.................................................. .................................................. .................................................. (1)روح المعاني . 11/529 (4) روح المعاني . 13/86
(2) الموسوعة المختارة. 280 (5) الميزان. 11/281














سادساً : الإستفهام الإنكاري
" فقد يكون الإستفهام به لطلب فهم السامعين لذلك الشيء المنكر فينكرونه"(1)
وهو " إما للتوبيخ بمعنى : ماكان ينبغي أن يكون ،(...) وأما للتكذيب بمعنى: لم يكن"(2)
قوله تعالى(أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) يوسف:107
(أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله) أي :" عقوبة تغشاهم وتشملهم، والإستفهام إنكار فيه معنى التوبيخ والتهديد" .(3)

سابعاً: الـنــفي
قوله تعالى(قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين) يوسف: 64
أي " لا آمنكم على بنيامين في الذهاب به"(4)
وذكر الآلوسي أن قوله تعالى ( هل آمنكم عليه) " استفهام إنكاري". (5)







.................................................. .................................................. ...................................... (1) عروس الأفراح. 2/549 (2) الإيضاح في علوم البلاغة. 113
(3) روح المعاني. 13/85 (4)مجمع البيان. 5/478
(5) روح المعاني. 13/16









[k1] (http://www.arabelites.com/vb/#_msoanchor_1)