المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة قصيرة /الزيتونة


فايزحليم
09-09-2008, 03:49 AM
" زيتونتنا من رحم أرضنا خرجت، في مجرى دمائنا انتشرت، وبحبات عرقنا ارتوت "


مدخل :

تقول الحكايا : منذ زمن بعيد عندما كانت قريتنا في حجم قبضة اليد، حضرت

طفلة صغيرة، لم ير أحد جمالاً مثل جمالها، لم يتخيل أحد من قبل وجود حُسن

كهذا، طرقت الطفلة أحد الأبواب بعد منتصف ليلة شتوية باردة، لم يعرف أحد

من أين أتت، أو إلى أين هي ذاهبة إلا إنها اسُتقبلت بكرم وحفاوة.

وضع أهل البيت المحظوظ القليل الذي لديهم من الطعام أمامها والكثير من

المودة حولها، أخبروها إنها تستطيع البقاء معهم لحين إيجاد أهلها، إذ ظنها

الجميع طفلة تائهة، لكنها رحلت قبل شروق شمس اليوم الذي حضرت فيه،

أخذت جرة الماء الموضوعة أمامها، دون أن تقول شيئاً، أيضاً، ظنها الجميع

بكماء، خرجت إلى الساحة المجاورة للبيت، خرج جميع سكانه لكي يروا إلى

أين هي ذاهبة .

تقـول العجائـز إنهن كانــوا يرون هالـة من نــور حولها، ركعت الطفلـة وسط

الساحة، حفرت حفرة صغيرة بيديها الاثنتين، أخرجت شيئاً من جيبها، وضعته

في الحفرة ثم ردمتها، سكبت كل ماء الجرة عليها .

عندما وقفت نظرت إلى مضيفيها، ابتسمت " ستكون قريتكم مباركة ..

تسامحوا " كانت هذه هي الكلمات الوحيدة التي نطقت بها قبل رحيلها، تقول

عجائز القرية، لم يكن صوتها مرتفعاً، لكن جميع الأهالي سمعوا كلماتها، حتى

النائمين منهم، أيضاً تقول عجائز القرية انهم وجدوا الجرة مملوءة إلى عنقها

بالماء .

بعد أيام قليلة من رحيلها ظهر عود أخضر في المكان الذي حفرت فيه الطفلة،

كان العود يكبر بشكل سريع خلال شهر تحول إلى شتله، ثم إلى شجيرة، مع

حلول - فصل الربيع – كانت الزيتونة في أتم نضوجها .

هكذا سميت قريتنا بقرية الزيتونة، ورغم الأسماء الأخرى المتعددة التي

أطلقتها كل سلطة جديدة أتت إلى القرية فإن اسم الزيتونة ظل هو الاسم

الوحيد الذي تُعرف به قريتنا .


الحكاية:

لم يكن العمدة سعيداً بالعدد الهزيل من سكان القرية الذين حضروا للاستماع

إلى خطبته العصماء، والتي اجتهد كل معاونيه في كتابتها له لإلقائها في يوم

عيد السلطة. كان العمدة غاضباً " أين بقية الأهالي .. ألم تُعلموا هؤلاء الحقراء

بموعد الاحتفال" مسعوراً كان حديثه …

" نعم معاليكم، لكن الجميع جالسون تحت الزيتونة المباركة فدرجة الحرارة

هناك اقل من نصف درجة الحرارة هنا " قال معاونه وهو يتصبب عرقاً " هذه

الحرارة اللعينة " زمجر العمدة .

أُلغى الاحتفال، ألغيت الكلمة، دعا العمدة مساعديه إلى اجتماع عاجل بمبنى

البلدية المكيف، هذه الشجرة الموبوءة تتحداه، تتحدى السلطة، انه مكان

تجمع السكان، مكان إقامة مناسباتهم، مكان لعب أطفالهم، ملجأهم من حرارة

الصيف، ملجأهم من أمطار الشتاء، لم تضربها صاعقة أبدا، فـروعها تحتوى

الساحة بكاملها، وُضع سورٌ حولها، دمرته رياح غاضبة، معجزة أخرى مثل

اخضرارها الدائم، وحبلها الذي لا ينتهي بالثمار والتي تمنحها لكل عابر سبيل

يجلس تحتها، وحتى عندما تم اختيار اسم جديد للقرية، اسم رائع، معبر،

يتماشى مع صرعة الأسماء الجديدة الممجدة للسلطة الحالية، ظل الاسم

حروفاً غير مقروءة، وتمسك الجميع بإسم قرية الزيتونة .

" لابد من اقتلاع الشجرة، قال العمدة … بهت جميع من كان بمجلسه، حاولوا

إخفاء تيار الخوف الذي اندفع داخلهم، إن مجرد التفكير في إيذاء الشجرة

المباركة قد يضرهم، ناهيك عن محاولة اقتلاعها .

ارتفع صمت قلق بالغرفة، قطعه صوت العمدة الغاضب " سكوتكم يعنى

موافقتكم .. فلنتوكل على الله " .

بدأت العملية ببث الخبر كإشاعة بواسطة مخابرات العمدة لاعتقال الأشخاص

الذين قد تكون لديهم ردود فعل قوية ضد اقتلاع الشجرة .

بعد ترحيل من وُصفوا بالخونة إلى سجن العاصمة أصبح التحدث عن الشجرة

المباركة أو الاقتراب منها جريمة يُعاقب عليها القانون .

صباح أحد الأيام التالية، أتى فريق يضم خمسة قاطعي أشجار مهرة من

العاصمة … نشر العمدة كل رجال أمنه، كل رجال مخابراته كل جواسيسه في

شوارع القرية وحول الشجرة .


■ تقرير مخابرات رقم "1" ( سرى جداً )


مقدم إلى صاحب الفخامة عمدة قرية الكرامة الشامخة المبجل

الموضوع : عملية اقتلاع شجرة الزيتون .

الأحداث :

الساعة السابعة صباح هذا اليوم : بدأ الفريق القادم من العاصمة العمل

على قطع النصف العلوي من الشجرة لتسهيل عملية اقتلاعها من الأرض .

الساعة العاشرة : ظهرت معالم الإعياء على جميع أعضاء الفريق الذي لم

يتوقف عن العمل منذ ثلاث ساعات وأقترح رئيسهم أن يستريحوا لمدة نصف

ساعة، لم يكن لدينا مانع من ذلك .

الساعة العاشرة والنصف وخمس دقائق : رجع الفريق إلى مكان العمل. لم

يصدقوا اختفاء أثار ضربات فؤوسهم من على جذع الشجرة، رفض اثنان منهم

الاستمرار، وقد تم التحفظ عليهم وإيداعهم السجن لحين التحقيق معهما .

الساعة الحادية عشر إلا خمس دقائق : باشر باقي أعضاء الفريق العمل مرة

أخرى .

الساعة الثانية عشر والنصف ، أنكسر إلى الآن ستة فؤوس ولاتزال الشجرة

كما هي ماعدا بعض الخدوش البسيطة .

الساعة الثانية بعد الظهر : لن يستطيع بقية الفريق إتمام عمله، لم يعد لديهم

أي فأس أخر بالإضافة إلى خوفهم وتعبهم الشديد .

التوصية : نوصى بالاستعانة بجرافة لاقتلاع الشجرة، آملين أن يكون الإجراء

فورياً نظراً لحالة التوتر التي بدأت تظهر بين سكان القرية .

مزق العمدة التقرير بكل ما في داخله من غضب، اتصل بالعاصمة لكي يرسلوا

له أكبر وأقوى جرافة لديهم .

■ تقرير مخابرات رقم "2" ( سرى جداً )


مقدم إلى صاحب الفخامة عمدة قرية الكرامة الشامخة المبجل .

الموضوع : عملية اقتلاع شجرة الزيتون .

الأحداث :

الساعة الخامسة صباح هذا اليوم : بدأت الجرافة العملاقة عملها بضجيج أيقظ

كل السكان الذين لم يُسمح لهم بمغادرة بيوتهم حسب أوامر معاليكم .

الساعة الخامسة والنصف : تمت عملية ربط الشجرة بسلاسل حديدية ضخمة

متصلة بالجرافة والتي ظلت تحاول سحبها لمدة نصف ساعة تقريباً تم خلالها

تغيير هذه السلاسل ثلاث مرات نظراً لانقطاعها .

الساعة السادسة وعشر دقائق : أفاد سائق الجرافة ان أفضل طريقة لاقتلاع

الشجرة هي دفعها بدلاً من سحبها .

الساعة السادسة والنصف : بدأت الجرافة في دفع الشجرة لمدة ربع ساعة .

الساعة السادسة وخمسون دقيقة : احترق محرك الجرافة، وتم التحفظ على

السائق بتهمة إتلاف ممتلكات الدولة وأودع السجن لحين إتمام التحقيق معه .

التوصية : نوصى بالاستعانة بفريق خبير في المتفجرات، حيث نرى ان تفجير

هذه الشجرة هو الحل الأمثل ونأمل أن يكون الإجراء سريعاً نظراً لحالة الغضب

التي بدأت تظهر بين السكان .

لم يكن الغضب أقوى مشاعر العمدة الآن … بين يديه الآن مشكلة كبيرة … لم

يتوقع إطلاقاً حدوثها … تراجعه يعنى نهاية أسطورة سطوته … تشويه صورته

القوية أمام أبناء القرية … اهتزازها في العاصــمة … وربما احتراقــها … فـي

اليد الأخرى، استمراره في العملية قد لا يعنى نجاحها، وإذا استمر ولم ينجح،

فالعاصمة بكل تأكيد لن تكون راضية عليه، وثورة أبناء القرية واردة، وإذا التقى

الأمران فسيكون دون أدنى شك الكبش الذي سيقدم قرباناً لهذه الشجرة

الحقيرة . استجمع العمدة القليل الباقي من شجاعته … تم على عجل

استدعاء فريق تفجير متخصص من العاصمة .


■ تقرير مخابرات رقم "3" ( سرى جداً )


مقدم إلى صاحب الفخامة عمدة قرية الكرامة الشامخة ورمز عزتها .

الموضوع : عملية اقتلاع شجرة الزيتون .

الأحداث :

الساعة الرابعة صباحاً : بدأ فريق التفجير عمله، حيث تمت إحاطة جذع

الشجرة بحزامين محتويين على 10 كجم من المادة المتفجرة

المسماة "تي.إن.تي" كما سُكب حولها ربع لتر تقريباً من المادة المتفجرة

المسماة "نتروجلسرين" .

الساعة الرابعة والنصف : أرفع إلى فخامتكم المبجلة، والسعادة والغبطة

تغمرني وكل المخلصين في قرية الكرامة الشامخة نبأ إزالة شجرة الزيتون

المقيتة والتي كانت عائقاً في مسار رقى قريتنا الشامخة وعمدتها المهيب .

الساعة الخامسة : تمت إزالة جميع مخلفات الشجرة وكذلك تم ردم الحفرة

الناتجة عن الإنفجار، وإزالة بقايا المنازل التي انهارت من جرائه، ولم تحدث

إصابات تذكر حيث تم بحمد الله وعونه إخلاء هذه المنازل من سكانها مسبقاً .

صباح اليوم التالي سار موكب العمدة مخترقاً الشارع الوحيد في القرية تسبقه

الموسيقى والفـرق الاستعراضـية وراكـبو الدراجات … سار الموكب صوب

الساحة، حيث كانت الزيتونة، نحو المكان الذي اختاره العمدة لإلقاء كلمته

التاريخية … ترجل متغطرساً، منفوخاً، سـار نحو قبر الزيتونة، فجأة توقف …

نظر إلى الأرض، انحنى نحوها، لم يصدق ما يراه لابد أن عينيه تكذبان، كان

هناك عرق أخضر صغير يبرز من الأرض … من القبر … عرق زيتونة، جذبه

بقوة، جذبه مرة أخرى، كان يتصبب عرقاً الآن، لم يعد متغطرساً، لم يعد

منفوخاً، ركض نحو أحد الحراس، افتك بندقيته، أطلق ما بها من رصاص تجاه

العرق الأخضر، رمى البندقية الفارغة، ركض نحو حارس أخر والذي أصر أن لا

يسلم له بندقيته، صفعه بكل ما لديه من قوة، حارس أخر فر من أمامه، نظر

حوله، انبعث من داخله ضحك هستيري عال … رمى بجسده الضخم على

الأرض، مستمراً في ضحكته معفراً رأسه بالتراب .


خاتمة :

منذ ذلك اليوم تعود سكان قريتنا على رؤية عمدتهم السابق يركض عبر أحياء

القرية وشوارعها المتربة … حافي القدمين عاري الرأس … يرمى بحجر كل

شجرة زيتون أنجبتها أرضنا بعد حادثة التفجير … لكن الغريب حقاً ان كثيرين

من عجائز القرية الطيبات أقسمن بأنهن رأين الطفلة الصغيرة ليلة الإنفجار،

رأينها تحوطها هالة من نور، رأينها راكعة تحفر في الأرض حفرة صغيرة بيديها

الاثنتين … تضع بها شيئاً ما … وأقسمن بأنها كانت تبكى بصمت وان دموعها

كانت تغطى الأرض حولها .

محمد علي محيي الدين
09-09-2008, 01:42 PM
الأخ العزيز فايزحليم

قصة رائعة تستحق القراءة لولا نقص بسيط رافقها هو صغر الحروف مما جعلني أضطر لنقلها وتكبير حروفها وقراءتها شكرا لك على كل حال وسيأتي اليوم الذي تلعن فيه الحروف الصغيرة

محمود ناصر
09-09-2008, 03:43 PM
شكرا لك على راعتك وقصة الزيتونة التى تحكي واقع حياة اكبر

شكرا لك لتميزك

مبارك لك وشام النخبة اخى الكريم المميز فى كل مجال

رنين منصور
10-09-2008, 09:34 AM
سردت فابدعت .. قصة .. مميزة ياسلوبها السلس .. وقوة معانيها ..


مع ارق التحايا

فايزحليم
10-09-2008, 04:24 PM
الأخ العزيز فايزحليم

قصة رائعة تستحق القراءة لولا نقص بسيط رافقها هو صغر الحروف مما جعلني أضطر لنقلها وتكبير حروفها وقراءتها شكرا لك على كل حال وسيأتي اليوم الذي تلعن فيه الحروف الصغير .

استاذى المبدع /

لقد بدئت فعلا بلعن الخطوط الصغيرة ...لم اقصد ان تكون صغيرة و حق الله

عدم معرفة فقط ...علاقتى مع التكنولوجيا مترديه ..

شرفتنى ...وكعادتك بتعليقك الهادف ...و روحك السامية .


ولك استاذى وصديقى كل المودة

فايزحليم
22-09-2008, 04:24 PM
شكرا لك على راعتك وقصة الزيتونة التى تحكي واقع حياة اكبر

شكرا لك لتميزك

مبارك لك وشام النخبة اخى الكريم المميز فى كل مجال

عزيزى محمود

اعتذر عن تأخرى فى الرد ...لكن انت اخوى ما بتزعل منى ...لشجرة الزيتون

مكانة خاصة جدا عندنا جميعا ...فهى شجرة مباركة ...اكرمت بذكرها فى

كتاب الله ...وهى ترمز الى الاصالة و العطاء ...وهنا تتشابه انت و هى .

فايزحليم
22-09-2008, 05:40 PM
سردت فابدعت .. قصة .. مميزة ياسلوبها السلس .. وقوة معانيها ..


مع ارق التحايا

العزيزة رنين

اشكرك صديقتى المميزة ...ودمتى... نظرة ...متألقة ...وبديعة ...في
رقة نسيم الفجر ...وفى رفعة نجم الشمال .

هِــنْـــــد الـْمـَشَـاعِـر
25-09-2008, 10:24 PM
.


.




سلآسه وشفافيه في الطرح واسلوب مشوق جداً


جعلني اقرأ وكأنها لن تنتهي ابداً ..ناهيك عن مضمونها الجميل


والهادف قصة ترمز للصمود والقوة اللتي اودعت في هذه الشجرة الطيبه

المباركه ؛؛


خآلص تقديري واحترآمي


.


.

محمد علي محيي الدين
25-09-2008, 10:49 PM
شكرا للأخ فائز حليم أو من قام بتكبير الحروف فقد أصبحت واضحة يكن قرائتهاِ

أسامة عبيد
26-09-2008, 02:44 AM
قصة جميلة جدا ..

ننتظر جديدك ..

فايزحليم
27-09-2008, 03:14 AM
.


.




سلآسه وشفافيه في الطرح واسلوب مشوق جداً


جعلني اقرأ وكأنها لن تنتهي ابداً ..ناهيك عن مضمونها الجميل


والهادف قصة ترمز للصمود والقوة اللتي اودعت في هذه الشجرة الطيبه

المباركه ؛؛


خآلص تقديري واحترآمي


.


.

اشكر مرروك العطر ...اريج ورد عابق تركتى خلفك ...
كل عام و انت و جميع احبابك بخير
ودمتى بكل المودة و الاحترام

فايزحليم
27-09-2008, 03:21 AM
قصة جميلة جدا ..

ننتظر جديدك ..

ارحب بك اخى الكريم بكل باقات الورد ...
...متألقا دائما ...شاكرا لك تزيينك متصفحى
وفى انتظار ابداعاتك ...عيدك سعيد مبارك
انت وجميع احبابك
ودمت بكل المودة

فايزحليم
27-09-2008, 04:27 PM
شكرا للأخ فائز حليم أو من قام بتكبير الحروف فقد أصبحت واضحة يكن قرائتهاِ

اعتذر لكم استاذى عن الحروف الصغيرة ...عدم
معرفة كيفية التعامل مع التقنية ....ولن ترى مستقبلا
سوى حروف كبيرة .
ولك استاذى و اخى كل المودة و الاحترام