المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مدرسة الأمس ومدرسة اليوم


د.طلال حرب
06-02-2011, 11:52 PM
كان المعلم ،في مدرسة الأمس ، يدخل الصف حاملا ً كتبه وعصا غليظة .وكان كل معلم يحرص على أن يعطي تلاميذه قدرا ً معينا ً من العلم والمعرفة ، ثم يحرص على أن يحفظوا ما لقنهم إياه من علوم وآداب .وكان القصاص ،غالبا ً ، الضرب وهو نصيب كل تلميذ كسول ومهمل .
وكانت المدرسة بإشراف مدير .وكان المدير القدير والحازم يعطي المدرسة اسمه .فيقال مدرسة فلان ،ومدرسة فلانة ،دلالة على وجود مدير ذي دراية ،أو مديرة ذات عناية .
وكانت المدارس تقدم حصة أو أكثر للتربية الدينية .وبعضها يحرص على نقل تلاميذه الى المسجد الجامع لتأدية فرض الصلاة .وكان المعلم رجل علم ومعرفة ،محترم وقيادي .وكان التلميذ الكسول والراسب يشعر بالخجل والخزي ،ويعترف بتقصيره .
وكان عدد الناجحين ،في كل صف ،لا يتجاوز عدد أصابع اليد .وكانت نسبة النجاح في الشهدات الرسمية متدنية .لكن ساحة الفكر شهدت مفكرين كبارا ً وشعراء مميزين وأدباء خالدين .
أما مدرسة اليوم ،فإن المعلم يدخل الى الصف لينشط التلاميذ ،ويساعدهم على اكتساب العلم والمعرفة . ولا يحمل عصا ،بل يفضل عدم انزال القصاص بالتلميذ ،ويقوده بالموعظة الحسنة أو يترك له حرية التعلم .
ويشارك المدير في إدارة المدرسة لجان من الأهل ،بعضهم لا يتورع عن لوم المعلم على رسوب ابنه ،أو يرفض طريقته في التعليم ،وكأنه مسؤول تربوي لا يشق له غبار .
وبات التلميذ الذي لا يدرس ويرسب يجاهر ،في كثير من الأحيان ، بذم المدرسة ،ويعـبـّر صراحة عن بؤس الدراسة أو عدم جدواها ،ففلان لم يجد عملا ً ،وفلان ترك المدرسة وعمل وحقق ثروة .
وفيما كان الصف في مدرسة الأمس لا يحوي ،من وسائل التعلم ،إلا اللوح والطباشير ،فإن الصف في مدرسة اليوم ،مليء بوسائل معينة تبدأ من الخارطة الجغرافية ولا تنتهي عند العاقول (الكومبيوتر ) فضلا ً عن النشاطات اللاصفية .ومع ذلك فإننا نجد نسبة عالية من التسرب المدرسي ،ولا نجد فلاسفة كبارا ً أو شعراء مميزين بل نجد تيارات كتيار قصيدة النثر ،وتيار الحرية .وجماعات نوع من الموسيقى أو مجموعات تعيش كوحدات مغلقة .وبتنا نقرأ أخبارا ً عن تلميذات حوامل في مدارس العالم الأول . ونقرأ عن حوادث إطلاق نار ،وعن وجود عناصر أمنية في المدرسة بعد أن كانت إطلالة المعلم كافية لإحداث الهدوء والأمن .مدرسة الأمس عنوانها طلب العلم أما مدرسة اليوم ففيها أيضا ً التنافس والتحزب والصراع .
مدارس اليوم في جوها التنافسي الملتهب ،هل هي قادرة على تقديم متعلمين يقودون العالم بسلام وفعالية الى مستقبل أفضل أم يدخلونه في صراعات تزداد حدة ،ليس بين الدول بل على صعيد العائلة والعلاقات الفردية وتفاصيل الحياة اليومية .