المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : منتهى القلق .. حكاية رجل كان على شفير الجنون


د احمد الباسوسي
02-06-2010, 01:45 PM
عمر البردويلي (اسم مستعار ) (28) عاما ، متقاعد ، وكان يعمل سابقا بوزارة الدفاع برتبة رقيب ، مطلق منذ عشرة شهور مضت ، بعد زواج دام أقل من خمسة أعوام بشهور قليلة ، لديه من زواجه ابنتين ، الكبرى أربعة سنوات والصغرى سنتين. تعيشان مع والدهما في منزله . أنهى تعليمه الثانوي وتقدم للالتحاق بمعهد تجاري ،ولم يسجل الكورس الأخير لرسوبه واعتراضات والده وإلحاحه عليه بدخول العسكرية .جاء للعيادة محول من الطبيب النفسي بالعيادة الخارجية بغرض العلاج النفسي، تميز مظهره الشخصي بلحية كثيفة متدلية على صدره ، وهندام خليجي غير منسق إلى حد كبير ، وقدرة غير محدودة على الكلام المتصل دون توقف (الثرثرة) Talkative .
الشكوى
يقول المريض " عندي عوار في عضلات القلب ، وعسر في الهضم ، وإمساك ، وتسارع في ضربات القلب . انتفاخ في البطن ، غازات ، قالوا معاك ارتخاء في صمام المعدة ، مرات اشعر بتنميل وخدلان في جسمي كله ".
فالمريض يعلن ابتداء أعراضا جسدية خالصة ، تبدوا للوهلة الأولى غير متعلقة بالطب النفسي ، والشيء اللافت الذي يدخله في دائرة المرض النفسي هو عرض الثرثرة الزائدة عن الحد ، حيث يبدو كونه عرضا لموقف هوسي Manic Situation متوقع .ويبدو إن المريض فضل إعلان هذه البداية الجسدية الصريحة تجنبا للفت الانتباه أو الشك في كونه مريضا نفسانيا الأمر الذي قد يدخله في دائرة العار كونه مريضا نفسيا (يستخدم هنا ميكانيزم دفاعي ضد قلق غير محتمل من مجرد إدراك كونه مريضا نفسيا) . ويجب أن نضع في اعتبارنا المظهر البدوي الخالص الذي يحرص المريض على الظهور به والحياة الخشنة التي حرضه والده عليها عن طريق رفضه لاستكمال دراسته التجارية ودفعه للالتحاق بالجيش.
بداية البداية
يقول المريض" قبل سبع سنوات كنت زين) أواخر عام 2002) ، كنت في الدوام طالعين دورة تدريبية ، فجأة طحت عليهم ، جالي مرض في الحلق ، شيء يقرصني في الداخل ، وحكة في جسمي ، وبعدين حكة في البلعوم وبعدين صار إسهال وجالي حبوب في جسمي وتروعت (خفت) . روحت المستشفى العسكري تجمعوا عليا خمس دكاترة وحللوا وشخصوا وقالوا اشتباه تسمم خفيف . طلعوني ومن هذاك اليوم وكل يوم يطلع شيء جديد ، حكة ، نشفان الريق ، رجعة خفيفة ، أكثر ما يجييني المغص والترجيع " .
فالبداية على ما يبدوا أخذت طابعا انشقاقيا Dissociative ، اخذ شكل الإغماءة (الطيحة حسب ما ذكر) . وإذا افترضنا وجود أسبابا طبية لعرض الإغماءة وهذا لم يتأكد منه أطباء المستشفى العسكري على وجه اليقين (قالوا اشتباه تسمم خفيف) فإننا قد نعتبر تلك الإغماءة مجرد ميكانزم دفاعي انشقاقي ضد الانعصاب الناتج عن كونه بالدورة التدريبية العسكرية وربما يدعم هذه الفرضية موقف والده الصارم من رفضه استكمال دراسته بالمعهد التجاري وإلحاحه عليه بدخول العسكرية ويبدوا إن مريضنا امتثل لرغبة والده على حساب رغبته الشخصية . والمريض يكشف عن طابع شخصي ذو دلالة يقول " لما كنت صغير في المدرسة كنت أخاف من الولاد ، ومنطوي في البيت ، والوالد كان شديد ، عصبي ، دايما يطجني (يضربني) ويتهاوش معي (يتعارك معي) ". فالمريض يكشف عن سمات شخصية بدأت ملامحها في التشكل أثناء مراحل النمو والارتقاء (وفقا للتاريخ الشخصي ) تميزت بالخوف وتجنب الصراع (أخاف من الولاد) ، والانطوائية والانعزال داخل المنزل ،وهي سمات تعكس مدى هشاشة الشخصية من جانب . وقمع والدي صريح اتخذ أشكالا من الاعتداءات اللفظية والجسدية . وربما يكون هذا السلوك من قبل الوالد له دخل باكتسابه شعور الخوف والانعزالية وتجنب الصراع مع الأولاد الآخرين في طفولته. ومريضنا يعزو ذلك القمع ألوالدي الصريح إلى عصبية الوالد . والغريب إن يستمر نمط هذه العلاقة بين الابن وابيه حتى بعد أن تزوج وأنجب وطلق امرأته أيضا . يقول المريض " كان شديد عليا ولحين شديد أيضا . لو شاري حاجة لولادي اخبيها عنه لانه بيهاوشني ". والتاريخ الشخصي للوالد يكشف عن تعرضه لحادثة سيارة عنيف ودخوله في غيبوبة مدة ستة أشهر كاملة. يقول المريض "عقب الحادث صار عصبي حيل ". أيضا تزوج باخرى بعد أم المريض ، وعمل عسكري بالجيش ثم مراقبا بالبلدية قبل أن يتقاعد . وللحق فان التاريخ الشخصي للوالد ربما لا يكشف عن نمطا للشخصية غير عادي (Abnormal) بالمعنى المرضى للكلمة بقدر ما يكشف عن درجة مفرطة من الرغبة في الاحتواء والهيمنة إضافة إلى العصبية والقلق المكتسبين نتيجة لعوامل شخصية وثقافية . وعلاقة المريض بوالده غير محسومة أو قل متأرجحة بين الحميمية الطبيعية و التوتر والتشكك والخوف معظم الأحيان لذا لم يستطيع المريض حسم نوعية ومسار العلاقة مع والده للان . والأم في أواخر الأربعينات (47) عاما مقارنة بالوالد الذي يقف عند منتصف الخمسينيات (55) عاما .ربة منزل ، عانت من مشاكل مع الأب بسبب المرض النفسي، هكذا يقول المريض " والدتي مريضة نفسيا ، راجعت الطب النفسي وصرفوا ليها علاج . لحين لا تراجع ولا تآكل علاج ، يجيلها كتمة في الصدر وسرعة في ضربات القلب ولو راحت العرس تتعب ، مكان فيه عرس وأغاني تتعب" . فنحن هنا بصدد تاريخ اسري ايجابي للمرض النفسي في العائلة يتعلق بالأم التي زارت مستشفى الطب النفسي مرة واحدة وتسلمت علاجا ولم تداوم عليه . ولكن من وصف المريض للحالة يبدو إنها لم تصل إلى درجة التفسخ Disorganization (فصام بأنواعه المختلفة).بدليل استقرار الحياة الزوجية (على الرغم من الزواج الثاني للأب) ، وعدم ظهورها في العيادات الخارجية لمستشفى الطب النفسي أو العيادات النفسية الخاصة مرة ثانية وعلى الرغم من عدم انتظامها في تناول الدواء الذي وصفه لها طبيب العيادة الخارجية بمستشفى الطب النفسي كما لا يمكن الزعم بان لديها اضطرابا وجدانيا Mood Disorder (قطبيا أو ثنائي القطب) يحمل أعراضا هوسية واكتئابية موسمية . فشخصية الأم حسب وصف المريض متكاملة Integrated لكنها على ما يبدو تعاني من نوع من اضطرابات القلق النفسي يسمى باضطراب الهلع أو الفزع Panic Disorder وهو احد اضطرابات القلق النفسي، يتميز بنوبات مباغتة من الخوف والأعراض الجسمية التي يعتقد المريض إنها عضوية في أصلها لذلك يهرع إلى المستشفى خوفا على صحته وحياته . وتتكرر النوبات بشكل سريع أو متباعد وقد ينتج عنها نوع من السلوك التجنبي لبعض المواقف التي ترتبط في ذهن المريض بالنوبات فيما يطلق عليه الخوف من الأماكن المفتوحة أو المغلقة . ولكي يتم تشخيصها لا بد من ظهور أربعة أو (أكثر) من الأعراض التالية بشكل مباغت وتصل ذروتها خلال دقائق : خفقان وتسارع في ضربات القلب، التعرق ورعشة الأطراف، إحساس بالاختناق وغصة في الحلق ، ألم في الصدر وعدم الراحة، غثيان أو انزعاج في البطن ، الدوار ، عدم التوازن والثقل بالرأس، الشعور بان الحياة مثل الحلم ، الخوف من الجنون أو فقدان السيطرة على النفس، الخوف من الموت ، التنميل ، زخات البرودة أو الحرارة .والمعلومات المتاحة من الابن عن حالة الأم لا تكفى بالتأكيد لوضع صورة إكلينيكية دقيقة نوعا ما عن الوضع التشخيصي للام لكنها ترجح مزاعمنا خاصة إذا اعتبرنا حالة الأم التشخيصية بمثابة المفتاح الأساسي لشخصية المريض . حيث إن زملة أعراضه المرضية يمكن اعتبارها نموذجا كلاسيكيا لأعراض الجسدنة فنراه يجأر بالشكوى ويقول"عندي عوار في عضلات القلب ، وعسر في الهضم ، وإمساك ، وتسارع في ضربات القلب . انتفاخ في البطن ، غازات ، قالوا معاك ارتخاء في صمام المعدة ، مرات اشعر بتنميل وخدلان في جسمي كله ".وكلها أعراضا تصب في خانة اضطراب الجسدنة Disorder Somatization.
وهذا المرض معروف منذ ايام القدماء المصريين . لكن بريكت الفرنسي(1859) تمكن من وصفه بدقة فيما سمي لاحقا بزملة بريكت Briquit Syndrom واخيرا اطلق عليه اضطراب الجسدنة . ويصيب نحو (0.2-2) % من السيدات و 0.2% من الرجال . ومعظم المرضى باضطراب الجسدنة لديهم سمات شخصية تتميز بالانطواء والشك والوسوسة . والمريض يعلن في تاريخه المرضى وحاضره ايضا تلك العلامات التشخيصية الدالة . فالى جانب الانعزاليه التي شرحها في متن الشكوى في البداية يقرر شكوكا وسواسية جسيمة يقول عن زوجته " كنت احبها وايد . جبت لها سيارة ووظيفة . لكن شعرت انها اتغيرت من ناحيتي . كنت اروح ليها الدوام لكن مالاحظت شيئ . علاقتها ساءت بامي وابوي . لاحظت انهم متغيرين في يوم جابوني واصروا اني لازم اطلقها . حاولت افهم أو اعرف السبب .لكن رفضوا يقولون لي اي شيئ . قالوا انها موش زينة وتعاملهم موش كويس . وانا والدي ووالدتي عندي اهم شيئ . استجبت لرغبتهم وطلقتها واخذت البنتين عندي . كنت احبها . ظليت متاثر فترة ومتضايق واسال ابوي وامي عن السبب اللي خلاهم يكرهونها بهذا الشكل .. بعد مدة طويلة من الرفض وبعد الحاح شديد مني . قال لي ابي “ لقينا ارقام تليفونات على هاتفها النقال .وكان فيه شباب يتصلون عليها “ . ثارت ثائرتي .. اتجننت .روحت عندهم وانا غاضب وكنت عايز ارشها بمدفع رشاش وانتقم لشرفي . هداني ابوها وامها وقالوا الكلام ده موش مضبوط . وهيه مريضة وساعات تتصرف تصرفات موش مضبوطة .. انا احبها ولازلت احبها . حاولت ارجعها . لكن وابوي وامي رافضين نهائي . وانا ما اقدرشي اخالف رغباتهم . حاولت اتفق مع اهلها واجيب لها بيت واقعد مع زوجتي واولادي تاني . في البداية اهلها اصروا اني اجيب موافقة ابوي وامي . لكني اصريت اني ارجع مراتي وعيالي تاني . اهلي عرفوا باصراري قالوا لي نفس القصة القديمة بان فيه شكوك انها على علاقة باشخاص اخرين غيري . ثارت ثارتي من جديد . اصبحت اشك في اولادي .. لازم اسافر لندن اعمل لهم تحليل ال (DNA) لاني متاكد انهم موش اولادي . وساعتها هاقوم ارشها بالرصاص " . هكذا انتهت الكلمات بانفعال غاضب و بتوتر داخلي ملحوظ استدعى تهدئته بعد ان تطايرت قطرات دموعه على غير العادة . والمعلومات المتاحة التي تقاطرت اخيرا بدموع المريض والتي جلت في نهاية الأمر عن انفجار انفعالي وصعوبة في السيطرة على ذلك الانفعال . اضافة الى التشوش الفكري المؤقت والذي انعكس في صورة وساوس وشكوكا قد يكون مردها للحالة المرضية أو تداعياتها (تأثيراتها المتمثلة في الاسس الضلالية لافكاره) وقد يكون غير ذلك . اي لاتكون بالضرورة ذات اساس ضلالي . بمعنى ان معتقد المريض يكون منبني على اسس واقعية صحيحة . ولكني عادة لا ارجح هذا الاحتمال لاسباب تتعلق بالتاريخ المرضي الطولي المتعلق بالحالة . وأيضا تاثيرات الحالة المرضية المزمنة على النسق المعرفي والانفعالي لدى الشخص . بالاضافة لتأثيرات التاريخ الاسري الوراثي (الام مصابة تقريبا بحالة مرضية مشابهة) . وتبين بحثيا ان نحو (10-20)% من اقارب الدرجة الاولى لديهم تاريخ مرضى بنفس المرض . وايضا تلك الحالة من العصبية والحساسية المفرطة التي انتابت الاب عقب حادث السيارة العنيف . اذا من خلال تلك المعلومات المتاحة من قبل المريض فقط (وهذا في حد ذاته لا ينسجم والدقة العلمية المطلوبة سواء في التشخيص المبدئي أو الفهم المتعمق للحالة لبحث سبل المساعدة الممكنة والمتاحة لا حقا) نتوصل الى الحقائق التالية.
اولا: ان تلك الحالة من اضطراب الجسدنة Somatization Disorder ليست كلاسيكية . بمعنى عدم الاقتصار على الانشغال باعراض جسدية والبحث في عيادات الاطباء عن حلول لتلك الاعراض والشكاوى فقط . بل هناك علامات لأعراض هوسية مثل الثرثرة ، تطاير الأفكار Flight Of Ideas (نسبيا) ،النشاط الزائد في بعض الاحيان ، عدم وضوح وانتظام التفكير ، بالاضافة لهذا الكم من القلق الذي امكن ملاحظته بواسطة اكثر من زميل قابل المريض ، وكانت تظهر علاماته اثناء المقابلات الاكلينيكية والجلسات العلاجية لاحقا .
ثانيا:ان الافكار الوسواسية بحيويتها الدافعة المتدفقة والمتجلية في عدة صور مثل الانشغال الوسواسي الدائم بسلامة اعضاء جسده . والانشغال الوسواسي (المتأرجح) بزوجته سواء برغبته في عودتها اليه مرة اخرى او بخيانتها له وانجابها اطفالا ليسوا من صلبه . كل ذلك يمثل محورا هاما في تفكيره وفي توافقه (المرضى حاليا) . وتعمل هذه الافكار الوسواسية بمثابة ميكانزم دفاعي متميز للحفاظ على كيان المريض . أو هي بمثابة " العكاز" او الدعامة الاساسية لحركته في الواقع من خلال تخفيف التوتر والسيطرة على حالة القلق الجامحة . وهي طريقة كما ذكرنا مرضية وتدعم دائرة النشاط المرضى بجميع صوره . وتدفع بالتوافق النفسي الى اقصى درجاته السلبية والمهددة بتفسخ حقيقي في الشخصية .
ثالثا: ان تلك الحالة المفرطة من القلق والتي استرعت انتباه اكثر من زميل تعكس بقوة ذلك المدى الذي بلغته شخصية المريض من هشاشة وضعف . وربطا بالتاريخ الطولي للحالة الذي تميز بانعزاليه مفرطة ورغبة دائمة في تجنب الآخرين . ورغبة ايضا في تجنب الصراعات نستطيع التقرير بان تلك الحالة من الازدواجية بين ضعف وهشاشة المريض من جانب (وراثيا وبيئيا نتيجة لممارسات الوالد القمعيه عليه معظم الوقت) وبين تلك المتطلبات الاجتماعية المفروضه على من هم على شاكلته من منظور ثقافي (لاحظ ان المريض نشأ في بيئة بدوية جافة وخشنة ويتوقع من الذكور فيها ادوار خاصة ) فان ثمة ضغطا نفسيا هائلا اثقل كاهله ولم يستطيع احتماله فلجأ الى ذلك الميكانيزم الدفاعي المنقذ وهو الانشغال الدائم بجسده ثم وساوسه التي حركها كل هذا القلق الذي ائتنس له وبه في معظم الاحيان .
رابعا: الغلاف الاسري المحيط بالمريض تميز بالضعف والتفكك ايضا . ما بين والد متسلط . يستسهل القمع والانفعال المنفلت . وام مغلوبة على امرها مريضه بالقلق والخوف الدائمين .وزوجة غير محددة الملامح (مريضة حسب وصف والديها وربما تعاني من اضطراب الشخصية من النمط البيني ) من الواضح ان لديها شطحات ربما اصطدمت مع معايير اسرة الزوج . ولاحظ والديها تلك الشطحات لكنهم استخدموا كلمة " مريضة " في وصفهم لتلك الشطحات غير المحددة بيقين . لكن الوالدين اصرا على رفض عودتها للانتماء للعائلة من جديد. هذا السياق العائلي الهش غير الداعم للمريض في معاناته من القلق غير المحتمل وصرخات اعضائه الداخلية . نجح هذا السياق في دعم وتنشيط الحالة المرضية . واضطر المريض الى اللجؤ بقوة لميكانزمات الدفاع المعوقة املا في الاحتفاظ بكيانه كاملا وغير متناثر .
المسار ... والعلاج
انتظم المريض في في برنامج طويل المدى للعلاج النفسي انبنى على عدة اسس وهي:
اولا: التأكد من اقامة علاقة علاجية قوية بين المريض ومعالجه يتم بمقتضاها التوقيع على اتفاق (مكتوب أو غير مكتوب ) بان يتاكد المريض من جدية المعالج في مساعدته وصدقه في هذا السبيل . وانه سوف يبذل قصارى جهده من اجل ذلك وفي مقابل ذلك يعطي المريض للمعالج ثقته الكاملة . ورغبته الخالصة في مساعدته عن طريق تنفيذ تعليماته بدقه واطلاعه اولا باول على الصعوبات التي يواجهها اثناء رحلة العلاج وايضا على الانجازات التي تتحقق . وفي حالتي مع المريض كان الاتفاق غير مكتوب . لكن المريض التزم بكل شيئ بحماسة وحميمية ملحوظة .
ثانيا: السيطرة (قدر الامكان) على تلك الحالة من القلق الداخلي عن طريق التدريب على تمرينات الاسترخاء باشكال وصور مختلفة وممارستها في الظروف العادية (بانتظام) . وغير العادية (اثناء التعرض لمواقف ضاغطة غير متوقعة) . وايضا التدريب على اساليب مناسبة لتجنب وايضا صرف الانتباه (عن التركيز في الاوجاع الجسدية التي تدهمه من جراء اعراض الجسدنة ) في الكثير من الاحيان.
ثالثا: الامتناع عن زيارات المستشفيات وعيادات الاطباء والتوقف نهائيا عن اجراء اية فحوص طبية الا باذن مسبق .
رابعا: التعرض لبعض المحاضرات النفستعليمية Psycho -education التي تركزت حول طبيعة مرض الجسدنة . والحيل النفسية التي يلجأ اليها الجسد لتخفيف القلق والتوتر نتيجة للظروف الخاصة التي يمر بها المريض والسمات الشخصية التي تميزه . وعدم جدوى البحث لدى اطباء الباطنة وغيرهم عن حلول . خاصة انه سبق وانجز هذه الفحوصات كثيرا ولم تفض الى نتيجة . وان عليه ان يتاكد الآن من سلامة اعضائه الجسدية .
خامسا: التعرض لاساليب مختلفة من العلاج النفسي المعرفي والسلوكي بهدف عام وهو تغيير نمط الحياة Live Style Change واهداف اخرى نوعية تفضى الى نفس النتيجة مثل رفع درجة درجة تأكيد الذات ، رفع درجة كفاءة الذات ،رفع درجة الثقة بالنفس ، رفع درجة الوعي بطبيعة الاعراض وميكانزمات الدفاع المعوقة التي تزيد من صعوبات التكيف مع الواقع والآخرين . تكثيف العمليات المعرفية والتحليلية التي تستهدف انجاز نضج نفسي Psychological Maturation مناسب و تهدف هذه العمليات الى الجنوح للاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرار . ومقدرة اكبر على تحمل الألم والتغيرات في نمط وايقاع الحياة . واستيعاب تناقضات وتقلبات الواقع والآخرين باستراتيجية مختلفة اكثر توافقا واتساقا مع واقع المريض الجديد .
واخيرا انتظم المريض في برنامج العلاج النظامي مدة اربعة اشهر متصلة حدثت خلالها تغيرات ايجابية مثل ترسيخ علاقته بالمعالج . وارتفاع درجة ثقته بنفسه الى حد بعيد مقارنة بالسابق . وايضا امتناعه الفعلي عن زيارة الاطباء للشكوى . على الرغم من شكواه لي بصورة يومية عبر الهاتف عن الآلام التي يعاني منها (نفس الصورة السابقة) لكني كنت الزمه بتنفيذ اتفاقنا السابق . وكان يفعل . لكني سمحت له مرة بزيارة الطبيب عندما دهمته نوبة انفلوانزا حادة وظهر الضعف من خلال صوته عبر الهاتف . لكن الامر لم يمنع من حدوث عدة انتكاسات متعلقة بهذا الصدد . كما ظهر في بعض الاحيان اكثر قلقا وهوسا .. ونشطت الافكار المتعلقة بخيانة زوجته في فترة من الفترات وكان غاضبا جدا و لكن تم استيعاب الموقف . وفي مرات تالية نشطت النوبات الهوسية بدرجة ملحوظة لدرجة ظهوره كثيرا في المطاعم ومحاولة المبادرة بالتحدث ومغازلة الفتيات هناك بحثا عن زوجة (كان يشكو كثيرا من ان العائلات ما ان يكتشفن ان لديه ملفا بالطب النفسي سرعان مايرفضون تزويجه من فتياتهم ) . وتعرض لمشكلات بسيطة من جراء تلك السلوكيات . وفي جلسات العلاج النفسي ربما كان يجد الاجابة عن اشياء تعتمل داخله . المهم اقلع في نهاية الامر عن تلك السلوكيات . انقطع العلاج النظامي وبدأنا فترة العلاج غير النظامي بعد ان اطمئننت الى استقرار الحال واصبح يمارس حياته بتوافقية مع الواقع مقبولة للغاية . بدأنا نلتقي مرة كل شهر تقريبا واحيانا ابعد من ذلك . لكن اتصالاته الهاتفيه لم تنقطع . حدث المزيد من التحسن واصبح اكثر نضجا (تحملا لتقلبات الواقع وغموضه وصبرا على تناقضات الواقع وغموضه ايضا ) . اخبرني انه اخيرا عثر على بغيته . اخيرا تمت خطبته لفتاه تعمل طبيبة وهو سعيد جدا وايضا والديه اللذين سعيا الى ذلك بشدة .
الآن انتظم في عمل اخر ... ويسعى بقوة لاتمام زيجته .. ومايزال على اتصال بي للمتابعة والاطمئنان على مساره وانا سعيد بذلك
د. احمد الباسوسي
albasosi@hotmail.com

ليل حسن
10-07-2010, 09:12 PM
حالته آلت إلى خير بفضل من الله
ولكن هناك من لايزال يعاني في كل لحظه
ويرفض الإعتراف بمرضه فكيف يتم علاجه
هنا مشكلة يصعب حلها فكثيرون يعانون ولكنهم ينكرون
والضحايا أسر مفككه وأولاد مشردون معرضون للمرض
أو السجون نتيجة الضغوط النفسيه
طرح جميل ونهاية رائعة
لك خالص الشكر أستاذي

د احمد الباسوسي
11-07-2010, 10:15 AM
الاستاذة الفاضلة ليل حسن ... وتحية عطرة لمرورك وتعليقك الكريم .. واتفق معك في اولئك الذين يعانون في صمت اما خجلا او مكابرة او انكارا للمرض ويبتعدون كثيرا عن المساعدة والعلاج الذي يمكن ان يصحح مسار حياتهم ... وصاحبنا بطل قصتنا كان جادا جدا في ممارسة العلاج ... ربما بسبب العلاقة التي ادركها وايقن ان شخصا ما جادا جدا في مساعدته فاستمر في العلاج حتى النجاة ... يمكن للاخرون الذين يعانون البحث بجدية عن شخص ما جاد قد يرشدهم الى صلاح السبيل وتنقذ الاسر من التفكك .. ولايدخل السجون من لاداعي لهم ... تحياتي

سارة نافع العطيوي
29-03-2011, 02:15 PM
شكراً لك د:احمد
قصه ممتعه...
تقبلو تحياتي....

معاذعبدالرحمن الدرويش
01-04-2011, 08:42 AM
د أحمد باسوسي
شكرا على الشرح المفصل للحالة و العلاج
ادامك الله بصحة و خير و ادام علينا الصحة و العافية