المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شاكر السماوي تجربة متميزة في الشعر الشعبي الحديث


محمد علي محيي الدين
10-07-2008, 09:48 AM
شاكر السماوي تجربة متميزة في الشعر الشعبي الحديث
محمد علي محيي الدين
لكل شاعر من الشعراء تجربته ولكل لونه،وقد تميز بعضهم بطريقة خاصة في كتابة القصيدة قل أن يدانيه أحد فيها،أو يسايره في صياغة كلماتها ومعانيها وكان لكل واحد منهم طريقته وأسلوبه وكلماته المتميزة التي أصبحت دالة عليه تجعل الدارس يستطيع تلمس قصائده ومعرفتها من أسلوبها وكلماتها وهي غفل من أسم الشاعر،اعتمادا على ما فيها من صور تميز بها شعره عن الآخرين.
فالشاعر الكبير مظفر النواب له قاموسه الشعري المتميز عن أقرانه من الشعراء،وله طريقته الخاصة في كتابة القصيدة التي جعلته مدرسة قائمة بذاتها نهل منها الكثير ممن عاصره أو جاء بعده ،ولا زالت المدرسة النوابية حافلة بالدروس الجديدة لمن يحاول مجاراتها والسير على منوالها،والكثير من قصائده تتميز بنكهة خاصة قل أن يجاريه فيها أحد ،وأن المحاولات لترسمها جاءت دون الأصل رغم تفاوت النفس الشعري لهذا الشاعر أو ذاك.
وكذلك الشاعر الكبير عريان السيد خلف،فقد تميز بطريقته الخاصة في هندسة القصيدة،وأعتمد لغة تميزت بعمقها الريفي الغارق بالغريب من الكلام العامي،والمفردة التي لم تكن وارده في قاموس غيره من الشعراء المعاصرين،وكانت قصائده الكثيرة واحدة في استهلالها وهندستها وقاموسها الشعري المتميز،والذي يمكن تمييزه والإشارة إليه لمن شدا شيئا من المعرفة بمعاني الشعر ومبانيه ولغته الفنية.
وثالث المدارس الحديثة في الشعر الشعبي شاعرنا الكبير شاكر السماوي الذي تميز بطريقته الخاصة ومعجمه اللغوي الحاوي للكثير من الرموز التي تفرد بها عن مجايليه من المدرسة السماوية التي برزت أواسط الستينيات ممثلة بالفقيد عزيز السماوي وشاكر السماوي وناظم السماوي ومحمد كاندو السماوي وغيرهم من خارج الجغرافية السماوية،فكان للسماوي شاكرا طريقته المعروفة في هندسة القصيدة ومفرداته المتميزة على الآخرين،وظهر تأثيرها في الكثيرين ممن عاصروه أو جاءوا بعده من شعراء المدرسة الحديثة،رغم أن المفردة الشاكرية دخلت في القاموس الشعري لمن تأثر به وهو ما يمكن تلمسه في الكثير من النتاج العراقي لجيل السبعينيات ممن لا زالوا يواصلون عطائهم في الساحة الشعرية،ولو قيض لهذه المدرسة أن تأخذ مداها كما قدر لغيرها،لأمتد الشعر الشعبي بأفاق واسعة في الحداثة،وأدت إلى نهاية المدرسة القديمة بأخيلتها ومعانيها وطابعها التقريري الاستعراضي الذي فرض نفسه بعد أن خلت الساحة من كبار الشعراء،لتتمدد الأصوات الشعرية التي لا تحمل في طياتها سمة واضحة للحضور الشعري بعد أن فرض النظام البائد رموزه البعيدة عن الأصالة والإبداع فغابت عن الجمهور العراقي الأصوات التي تميزت بقدراتها الشعرية أمثال كاظم إسماعيل الكاطع وكامل العامري،وكاظم غيلان وزامل سعيد فتاح،وفالح حسون الدراجي،وجمعة ألحلفي،وجاسم التميمي وفالح الطائي وآخرين من أفاضل الشعراء ،مما جعل المدرسة الحديثة تعيش غربتها وسط الكم الهائل من القصائد الكلاسيكية التي ما كان لها أن تبقى لو قيض لشعراء المدرسة الحديثة مواصلة عطائهم،وتقديم نماذجهم الحرية بالأتباع،فكان أن لجأ الجيل الجديد إلى الأساليب القديمة بما تحمل من معاني وأسلوب تقريري يفتقر للصورة الرمزية التي لها مدلولها الكبير في تعدد المعاني واكتنازها بالبديع من الصور الزاهية،ورغم ذلك فبشائر الجيل الجديد الذي نهض من تحت الركام بدء يأخذ الطريق السليم بفضل الرعاية الكاملة للشعراء المتميزين عريان السيد خلف ،كاظم إسماعيل الكاطع، حمزة ألحلفي ،عماد المطار يحي ،نوفل الصافي ،علي الربيعي وغيرهم من الشعراء المتميزين بعطائهم الثر،وقدرتهم الفذة على بناء القصيدة الحديثة بعيدا عن التقريرية والرتابة ،وبروز أصوات شابة واعدة سيكون لها مكانها المتميز في لوحة الشعر الشعبي العراقي.
ويمكن تقسيم شعراء المدرسة الحديثة إلى ثلاثة أنماط،النمط الأول الذي أعتمد الرمزية للتخلص من الرقيب وحساب السلطة،وتأثر بالمدرسة السريالية،أمثال شاكر السماوي علي ألشباني،كاظم ألركابي طارق ياسين،إسماعيل محمد إسماعيل ريسان الخز علي،عزيز السماوي وغيرهم،والشعراء الإيحائيين الذين يشابهون الرمزيين في منطلقاتهم ولكن بحدود محدودة أمثال،ناظم السماوي،رياض النعماني ،ذياب كزار،رحيم ألغالبي،كاظم غيلان،مكي الربيعي،كامل ألركابي،فوزي السعد،،ستار شعابث، وغيرهم والقسم الثالث من مازج بين الفنيين أمثال كاظم إسماعيل الكاطع،كريم ألعماري،كاظم الرويعي،زهير الدجيلي،محسن الخياط،،محمد كاندو وغيرهم
لقد أكتنز شعر استأذنا الكبير الشاعر السماوي،بالمفردة المتميزة والصورة الجميلة،باعتماده لقاموس خاص وكلمات انفرد بها عن الآخرين،فالجرح كان صورة أنماز بها شعره وأصبحت دلالة واضحة لصورة تقترن دائما بأسم السماوي عندما جعل الجرح قضية ينافح عنها في دلالة واضحة لانتمائه ،وأستلهم من التراث العراقي أماكنه المعروفة ،فأور وآشور ونفر و كيش وبابل وسومر تطوف حنايا شعره ليجعل منها صور زاهية تعني بامتدادها الكثير لمتذوق الشعر وبغاته،وأستلهم من التاريخ العربي الإسلامي هاماته المعروفة بمواقفها الرافضة لأنواع الظلم والتسلط ،فكانت ثورة الحسين وما رافقها من أحداث مادة لاغتناء شعره بالكثير من صور التضحية والفداء،ولا يجد غضاضة في كتناء الصورة الأمثل لمواقف أبي ذر الغفاري والحسين الحلاج والمختار و قرمط وغيرهم ممن كانوا علامات في التاريخ تمثل الإباء والشموخ والتحدي والوقوف بوجه الحكام الظلمة،والانحياز إلى جانب الكادحين،وجعل من جيفارا ومن سار في دربه صورة ناطقة للثورة الحية التي كان صداها يزعج الخائفين من لظاها، وللإلمام بالصور المختزنة في روائعه لابد لنا من أيراد نماذج من شعره وبيان خصائصها التعبيرية:
گاع اتمحلت بالديم... ما بيهاش: لا حراء
لا مختار، لا حمدان، لا خضر اليمر بيها
ولا تموز ينبع من شواطيها،
ولا حلاجها امن يموت...
چفة اوياه... وكت الموت...
بالدم يستر انزوفه..
وجرحه الكبير ينزف في أزقة الشعر باحثا عن ضماد يقطع جريانه:
ما مش جرح ...
أحدي وصده الهيمه.. يرد ما مش جرح
...
جرح يلتم ..جرح يدي
وجرح ما طاوع الشدي
وجرح صبت جروح الغير بيه وزاد عن حدي
والصورة الشعرية يستطيع القارئ تلمسها في الكثير من القصائد الرائعة،فهو يستنهض الجماهير للثورة بطرحه لصورة الثائر الرمز جيفارة،وقرامطة البصرة في حربهم الضروس على السلطة العباسية ،ومحاولتهم لبناء صرح الثورة،مرورا بكومونة باريس التي فتحت الأبواب الرحبة لثورة الشعوب المقهورة:
(خطف بايع جرايد عالرصيف يصيح
اقره
جيفاره ابآخر اخباره
او فرش وجه الجريدة اعله الدنك والناس بيه تحجي
جيفاره عبر حدر السروج الطاحت ابمدريد..
مهر امقرمطه اعيونه
او بالعندي
اجاهم صوت من ثاني رصيف يصيح
بالعندي خبرها يكول:
- عبر فوك الركاب الهتلر أبرلين
روبسبير كومونه
ويناغم الثورة الفلسطينية بقصيدته التي أستنهض بها الهمم للدفاع عن فلسطين مستلهما من الثورة الكوبية ملامح فجر جديد أذن أن يكون للشعوب تأثيرها في مسار الحدث:
يا عاري
يمجفن عله عيوني الصبح:
- ما فززك رشاش جيفاره ولا مدفع فتح؟
ما غركك..
دك الشموسي الأبحر أبنعشه عله روج الجرح..
وصرخته المدوية عندما عاد ألجواهري الخالد إلى العراق وأستقبله بهلهولته الحزينة التي كانت قنبلة الموسم لما فيها من جرأة،وصور رائعة واستعراض حي للماضي الحافل بالمضامين الثورية التي كان عليها الجمهور آنذاك،وكانت قنبلة الموسم وصرخة في سماء الوطن:
يا غريب الدار ..داري تعنتك..
روجه تشيل أشراعك الشاطيها
يا غريب الدار أجنك ..الفرات ودجلة جنك
جفوف شهكت تشبك اللي خياله كمرة
حنت الوادي وشواطي ريت منسيه عليها
يا سمانه..يا سمانه البركعتنه وبركعت جعفر وأخوته
بيوم جيتك طلعت صفوف الجماجم من كبرها
ترد سلامك ذاك يا ليلة كدرها
البيه يجدد حديها
وصعدت أتفوج على كمرة لنجوم تمر عليها تحني أديها
يا غريب بدار غيرك ..كلي كلي بالله كلي
شنهو بصرك بالغريب بداره
يلي تقره الغيب يلي
يلي لحنك للجروح أضماد كلي
يمته نلكي
أبيت يحمي وما تحدنه أسواره
إلى قصائده الأخرى الخالدة التي كانت فتحا في الشعر الشعبي الحديث ومدرسة تخرج فيها العشرات من الشعراء،فقد كان أنيقا في اختيار المفردة،وفي زياراته لنا في أواخر الستينيات كان يجلس في مكان منزو في صحن الأمام القاسم مع الأستاذ جاسم الصكر والشهيد علي الصكر سدنة المرقد الشريف ليستمع إلى (نواعي) النسوة الريفيات يستلهم منهن المفردة الجميلة والصورة المتميزة،وكانت رائعته عن المطربة صديقة الملاية عندما جعلها العوز والفاقة تستجدي المارة في بغداد دافعا للحكومة العراقية لتخصيص راتب شهري لها ولمعاصريها من الفنانين،فقد كانت قصيدته تلك ،جهاز تنبيه مروع للسلطة القائمة عن إهمالها لرواد الفن والأدب ،وكانت ناقوس يقرع ليوصل صوته إلى من في آذانهم وقر.
أن الحديث عن الشاعر السماوي يطول ويطول وقد أثرت الاختصار،ولي أن أقول كلمة أخيرة،أن السماوي سيبقى ذلك السماوي في شموخه الفني،وإبداعه المتميز رغم روياه القاتمة لطبيعة الأوضاع،مما لا يقلل شيئا من منزلته في عالم الشعر والأدب،ومكانته بين شعراء الجيل.

عبد الكريم عليان
20-07-2008, 11:38 PM
ولك أخي محمد منا كل التحية والتقدير
أطلعتنا وعرفتنا على ما هو جميل كنا نشتهيه
ومنك نتعلم كل ما نبتغيه
للعراق الحضارة
ولنا في أثر روادها القدماء والمعاصرين أحلى تجارة
ومنك يا محمد الشطارة
ومن السياب إلى السماوي إلى النواب
إنشاء الله بترجع العراق
للمجد والنضارة
ولك يا محمد من فلسطين
أحلى نوارة ..

محمد علي محيي الدين
21-07-2008, 08:35 AM
أخي الكريم الزميل الرائع عبد الكريم العليان
شكرا لردك القيم ومشارتك الرائعة وأكبارك لمدرسة الشعر الشعبي العراقي ورجالها المتميزين وفقنا الله وأياكم لما فيه خير الأمة ورقيها ودمت بخير.