المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يتنفس الحب من تحت عباءاته


هدلاالقصار
29-06-2008, 03:53 PM
(2) الشاعر السعودي "إبراهيم عبد الله الجريفاني"
يتنفس الحب من تحت عباءاته


في مكتبة مطار بيروت الدولي استوقفني كتاب بعنوان " قلب من خوص" للشاعر والكاتب السعودي "إبراهيم عبد الله الجريفاني" سالت نفسي مبتسمة (مالي أنا والأدباء السعوديين في رحلتي ذهاباً وإيابا !!) وبعد دهشتي من هذه المصادفة الجميلة اشتريت الكتاب وأضفته إلى المجموعة التي اخترتها من أربعة دول خلال رحلتي التي قمت بها .
"إبراهيم عبد الله الجريفاني" السعودي هو من جالست حروف أقلامه وأحلامه طوال فترة انتظاري من صالة المطار حتى وصولي إلى القاهرة وأنا أسجل في ذهني محاوراته الذاتية منذ سؤاله الأول من نصه " هل يعود الأمس غداً" حتى ابتهالاته في النص الأخير " لم يا نفس .. مني تتنكرين؟ " وهو يتنهد ابتهالاته الدينية والروحانية، حتى البلاغة في أسئلته وسخريته من الحروب القائمة على الساحات/ وعن سيل الدم العراقي/ وسلة المشاورات بين سوريا ولبنان/ وبين أصابع القادة العربية التي لا تخلو من المهازل/ ومكائد الإدارة الأمريكية/ وعن التناقضات السيكولوجية والعقائدية/ واسهم العملات/ وتناقض الواقع المهني/ والعالم الذي شبهه الجريفاني بالمباراة الهلالية، "كما ركز على عقوبة جمهورية "الكلمات الخارجة عن النص" ربما هنا يقصد الشاعر عن بوح المعاني في مركبات الصحراء أو العقائد والتقاليد الموروثة في بعض المجتمعات، هذه هي كانت ترجمة عناوينه ونصوصه المتنوعة الذي طرحها على أوراقه بلغة بسيطة وغير ملونة أو معقدة .

في كل مرة يبدأ الجريفاني بعد النقطة الأخيرة من كل النص، حتى وانه لم يترك باباً مفتوحا للتناقضات إلا ودخله، ولم يترك باباً للوصول إلى تصوفه الذاتي إلا ودخله، حتى شكوكه في عروبته في قصيدة " عربي أنا بلا هوية ؟ " يضع فيها وساوس أفكاره بماء أسئلته :
ويسال: بماذا افخر؟/ بالهوية أم بالقضية المنسية؟/ فكل يوم تداس الكرامة العربية/ أشاركك العزاء في فقيدتنا الهوية/ تعالي معي لننعي الهوية/ حين تحبل النساء تسارع للولادة في الأراضي الأمريكية؟!/ والنار المشتعلة بالعراق ولبنان وغزة وحيفا، كما سخر من طوابير مواطني الهوية أمام السفارات الأجنبية .
نعم هذه هي أبجديات الشاعر إبراهيم بصدق رؤاه وشفافية أفكاره وجميع فلسفة مكوناته التي التقطها من النفوس حتى أصبح، كسنابل القمح يغذي نفسه على شعيرات الحياة الزاحفة نحوه، كقصيدة " حالة مزاجية غريبة" :
بعد أن تعلمت الترقب دون استحياء/ وأتقنت لغة الصمت/ وأتقنت لغة الصم/ وتعلمت لغة العيون/ ودروس القراءة بطريقة "برايل" . ليخرج بعد هذه الاستنتاجات أن كل الوجوه مقنعة/ منقبة/ متوحشة/ متلونة/ فاقدة للمصداقية/ حتى أفقدته التميز لجمالية الألوان .

وهل يعتقد القارئ أن الشاعر عبد الله هرب من خشونة السياسة أو انه نسي العراق حين عصفت به الأيام وقال، "إياك دجلة والفرات" :
يا عراق أسفاً عليك ... فقد مثلوا بجسدك
ولم يمنحوا الميت أكراماً الدفن بل جعلوه شاهد لخزيهم
وهنا ضاعت الأرض والقضية .

هذا هو الشاعر إبراهيم، يأخذك من السياسة إلى الحب/ الى البحث عن الذات /إلى الأرواح والتساؤلات/ وحتى القوانين والمحاكم الدولية/وقضايا التسليح / والتكنولوجيا،/ وعن الصديق والعود/ وعن الأيادي الخفية /والأسهم والعملات والبورصات والقوانين/ وللعلم ان عمليات البورصة هي من أحدى هوايات الشاعر المحببة، ولذلك يسال الدول الإسلامية في نصه عن استهلاك الدولار ويسال لماذا :
"ادفع دولارا ... تقتل عربياً" :
السؤال الذي ما زال يقلقني من هو العدو الحقيقي للدول الإسلامية ؟؟؟
والجواب لم يكن خافياً
ادفع دولاراً تقتل عربياً وتحرق أرضاً عربية
عجبي من زمن ندفع لنتقل عربيا !!! .

ومن سخرية القدر ومرارة الحزن أخذته الرغبة لدخول دنيا الأموات ولفحات الكفن/ ورائحة السدر/ وجنازة الموت /وهتافات التسبيح /والاستغفار /في القبر الذي اختار أن يموت ليوم واحد ويخاطب الأرواح ليكتشف أن الحياة فوق الأرض هي أكثر فجيعة وأكثر إيلاما من الحياة تحت الأرض .

ولن أنكر أن إبراهيم دفع بي لمشاركته في البحث بين أوراقه عن الحبيبة التي يريد أن تمتلكه/ تضمه/ بين ذراعيها/ تلهو معه فوق أمواج ليله/ تدغدغ أحلامه الساكنة/ داخل مراهقته التي لا يرضى لها النضوج أو زحفها نحو النسيان .
فهو لا يمل البحث عنها في شوارع "فردان" والمقاهي ومن النوافذ والمطاعم ومن فوق أمواج الشطآن حتى اغرق تفكيري في بحر أنثاه وملكوته المغطاة فوق لغته كأزهار الربيع وفاكهة الصيف بضوئه المغسول بالحزن وبياض ملاحقة أسئلته الضائعة في مملكته، إلى أن يهرب من واقع النهارات المغمس بالتناقضات ليعيش داخل فتنة الليل ببوحه بلا خوف ووجل من منتصف العمر المتأرجح بين السالب والموجب وداخل مركباته الصحراوية المكابرة ومن تحت عباءاته الشرقية المتحفظة وبانزلاق تنهدات الجسد الذي أعاده طفلا أو مراهقا كما اعترف في قصيدة " مراهق خمسيني" حين وصف نفسه بصدق وبما عاشته مخيلته بعينان ساخنتان حين رأى فتاة تفوق الجمال ووصفها بأجمل من الموناليزا "دافنتشي" كان صادقا نعم كان صادقا حين خرج إلى وعيه بعد خروجها من المقهى وبعد صحوته على صوت همساته المسكونة بزغردة الجسد حتى سال نفسه :
ترى هل عشته مراهقة قرب الخمسين
أم ان الله جميل يحب الجمال
سؤال ما زال محيرتي ؟ .

لم ييأس الجريفاني من البحث عن أنثاه المحببة له قلبا وقالبا حتى يتلمس عشقه من صدق صدرها . لذا نراه يتكلم عن الحنين والاشتياق والشهوات والارتجالات والتنازلات والهفوات ومحطات العمر، وهروب الزهرات من ملامح الأنثى، في عشقه وحنينه اللذان يسريان في شريانه النابض بالحب داخل حلقات عيناه ليطوف الليل فوق أحلامه .
شاعرا حالما مستنجد باللهفة وهلوسات الحب السريالي، يخاطب نفسه /حبيبته /معشوقة أحلامه/ ينزف أقلامه المدربة على بساطة مفرداته حين يخرج الصمت المؤجل من الأحلام والمقابر ومن قفز المعاني وأباريق اللهفة بينما ينتظر زراع امرأة تحتويه/ تحيطه في ملهماته/ تسكنه/ تحلم بدلا عنه/ تمتلكه/ تنطق كلماته/ يسلمها ألوان لوحاته/ واستعراضاته إيماءاته/ وروائح كلماته المعطرة بأزرار رحيق حفيف العبارات ورهيفها، الذي يجمعها بعنوان واحد " في قصيدة إلى من تسكنني .. شوقاً " .

ثم ينتقل بالبحث عن من تحبه في ملكوته ووجدانياته في نفوس البشر محاولاً التقاط ملامح حبيبته من كل امرأة، وفي جميع الوجوه وكأنه يبحث عن من تأنث ملابسه ومركبات أحلامه /ليترك لها عصمته الروحية وقيود أساور معصميه وانزلاق تنهدات مراهقته المكابدة / يحلق بأجنحة غزلياته المنهارة كالجبال في أنثى أمواج بحره المنهمك بتأملاته وتربص نظراته وترقباته بمن تجالسه نفسه يحاورها "يحاور نفسه" في قصيدة " البحر ووجهك وأنا " من خلف الزجاج الذي يفصله عن البحر يحاسب نفسه/ ويسألها إذا كان راضيا عن نفسه وما فعله وعن الخطأ والصواب /وما حققه/ وما لا يحققه/ ووو وهناك الكثير الكثير من المسائلات النقدية والفلسفية الحياتية عامة يصفها بصدقه اللا محدود وبأسلوبه العميق والمتمعن بحالته ومعرفته بما يريد وعلى من يبحث .
استنتاج:
في محصلة استنتاجي الذي لفت انتباهي من خلال قراءاتي لنصوص هذان الأديبان السعوديان المبدعان بين القاص عبد الرحمن الدرعان، من داخل الصحراء "الوطن" .والشاعر إبراهيم عبد الله الجريفاني، من خارج الصحراء "الوطن" .
أن تقارب أفكارهم ومعاناتهم المطروحة النابعة من موروثاتهم الآتية بالفطرة هي التي جمعتهم نحو إعادة صيانة الواقع وانفتاحهم على العالم الحديث كما اجتمعوا على التمرد على القيود الإنسانية الموروثة بالعادات المجتمعية والحقوق الإنسانية والمعنوية واختلافات العقائد، داخل أصوات طفولتهم، التي ورثوا نضوجها قبل البلوغ .
هذا طبعا باختلاف الأسلوب وطرق المعالجة .
أما التناقض فالقاص "عبد الرحمن" فان تأثير الموت لديه لعب دورا كبيرا في حياته الإنسانية كما ذكرت في مقالتي الأولي وعن معاناته من صفرة الصحراء وهضبات رمالها ومن كحلة سوارها وسذاجة تقاليدها ومؤامرات الموت وخدام الأرواح التي سلطت عتمتها عليه وآلمته وتربعت على نصوصه وأبطال قصصه وملاعب حروفه .
أما الشاعر الجريفاني، فعالج الموت بأن وضع نفسه ومخيلته في القبر ليوم واحد من خلال قصيدته " يوم أعلنوا وفاتي" وهو يتكلم مع سكان القبور/وزيارة الأحياء/ وكل من تبع طقوس الدفن / والتكبير/ والقراءات الدينية/ والندب /ومحاكاة الأرواح بكل جراءة ومودة ، فربما لأنه لم يشاهد إشارات الموت تحوم حول محبيه وإنما هو كان يحاول أن يعلم ما يجري تحت التراب فعاشها هذا الشاعر وعايشنا معه ليوم واحد بكل تفاصيله ،حتى عاد من تحت التراب ليعلن لنا بان حياة الأموات أكثر صدقا واقل ألاما .من الأحياء .
ففي كلا الحالتين والمعالجتين فلا يمكننا أن ننكر مركبات الإبداع الفنية والفلسفية في الطرح والمعالجة لهموم الصحراء التي اندحروا منها من خلال حروفهم وقوة تصورهم الفلسفي للواقع ومن خلال علاقتهم بالقلم والورق وأفكاركم الصوفية الموروثة بالمتناقضة مع الواقع الحديث، مهما اختلفت الأمكنة وتناثر الوصال السيكولوجي والعامل المتحرك وأساس أعمدة الصحراء، فتبقى الحروف الصادقة هي الموصلة والمعبرة لما يحمله الكتاب بشكل عام، أن اخلص للقلم حين تأخذه آلام الرؤية التي يجب أن نتوقف أمامها ونتأملها ولو من بعيد .
فأشكركم أيها المبدعان لما قدمتموه لي من خلال حروف إبداعكم الذي وسع أفاق معرفتي برؤى القلم الصحراوي ومن خلال تألق تلك السطور لأروي عطش صدق الكلمات وتنهداته الرمادية واحلق بأجنحة حروفكم الحائرة بين الواقع الموروث والواقع الحديث .
النهاية

محمد علي محيي الدين
11-09-2008, 09:08 AM
الزميلة هدلاالقصار
لك الشكر الجزيل على هذه البادرة التي أطلنا من خلالها على ما نجهل وتعريفك جاء في محله أمل أن تكون هذه الأولى تعقبها أخريات للأطلاع على الجديد في عالم الأدب

هدلاالقصار
11-09-2008, 12:55 PM
الزميلة هدلاالقصار
لك الشكر الجزيل على هذه البادرة التي أطلنا من خلالها على ما نجهل وتعريفك جاء في محله أمل أن تكون هذه الأولى تعقبها أخريات للأطلاع على الجديد في عالم الأدب



لأخي الزميل محمد علي محيي الدين
المتمكن من قراءاته والمحلق في سماء المعني
والمطرب في تقيمه
اقدم لك كل التقدير والاجلال لما ينثره تعقيك انثاء
مرورك الممهج دائما على صفحاتي
لك مني كل الاحترام والتقدير