سهام البيايضة
26-01-2010, 11:23 AM
عامل وطن
بقلم سهام البيايضة
تحت معطفه البلاستيكي الأصفر، كان يسير، قاطعا الشارع ذهاباً وإياباً، منتعلاً بقدميه جزمه سوداء، دعوت الله أن يكون قد ارتدى تحتها جوزاً من الجوارب آو جوزين فوق بعضهما البعض،فالبرد يحتاج إلى" الجرد"، ولا بد أن صقيع الجزمة، قارصاً ومؤلماً وهو يسير فوق الإسفلت .لا يظهر من رأسه إلا عينين، خلف قبعة سوداء غطت وجهه إلا منطقة الأنف والفم، التي اختفت بلثام آخر التف حول رقبته، وفوقها اعتلت قبعة المعطف البلاستيكي الأصفر، يردأ عن نفسه نسمات البرد القارص، مقاوما ًدفع هبات الهواء، التي تلطمه، ذات اليمين وذات الشمال، تكشف عن ملابسه الرثة المتكدسة فوق جسده، عندما يطير المعطف خلفه مبتعدا، تمنع أكتافه وذراعاه انفلاته عن جسده ،كشراع قارب يصارع موجاًً غاضبا مل شواطئ البشر ومراسيهم!.. متماسك بقوة جسده أحيانا ومستندا على مكنسته أحيانا أخرى.
لم يبرح مساحة واجبه، يحوم حول الحافلات التي تجمعت بين خطوط الانتظار في الموقف العام، طلاب وجنود ومسافرين كل قاصد وجهته، الوقت يقترب من الظهيرة والأعداد تتزايد، وأكوام النفايات تجمعت في الحاويات تنتظر سيارة البلدية لتحملها وتطحنها بعيدا عن الموقف.
أخذني التفكير بعيدا وأنا أشاهد أكوام تشهد على خطر بيئي :إنها نتيجة أنماط استهلاكية اعتدنا عليها وفضلات صناعية أصبحت تهدد بيئتنا وتهدد العالم. يحتاج بعضها أكثر من مئة عام ليتحلل أو يذوب" .
المطر ينهمر بغزاره والرياح تحرك أغصان الشجر وسيقانه القصيرة، تنتظر مواسم المطر لتكبر وتمتد إلى أعلى، وكأنها تبتهل تضرعاَ ورحمةً لله، عبر امتداد الأغصان واخضرار الأوراق .
مكنسة ومجرور، يستمر بجمع الأوراق التي التصقت بالإسفلت المبتل ،وبضربة سريعة من مكنسته يرفعها إلى مجروره الصغير،ثم يعود ليقطع الشارع من جديد ..يلتقط غلاف بسكويته رميت بإهمال، من يد شاب التهم حلوها وهو متوجه إلى احد الحافلات المتوقفة في الجانب الآخر .
الرياح تشتد، تبشر باقتراب المنخفض الجوي من أصل قطبي. صاحبنا، لا يزال حول الحافلات لا كلل لا ملل، يكنس الزوايا ويلاحق أوراق وأكياس بلاستيكية تناثرت من النوافذ والمارة، هناك أوراق صغيره تفنن صاحبها في تمزيقها، ربما كانت ورقة امتحان بنتيجة راسبة! أو رسالة من حبيبة هجرته!! .
لا زلت أبحر بأفكاري بعيدا: الرسائل احتمال غير وارد هذه الأيام !! بعد انتشار الهواتف النقالة والحواسيب، لم يعد هناك رسائل حب، ولا رسائل عتاب كل شيء أصبح" ديجيتلي".... الاحتمال الأول يبقى هو الأقوى"
تناثرت قطع الورق الصغيرة عبر المكان وكأنها مشهد سينمائي يحاكي هبوب عاصفة ثلجية.بعض القصاصات الصغيرة سقطت فوق رأسه ،أربكته ..لا بد أنها أزعجته، بحركة سريعة التف حول نفسه..احتار أي واحدة.. سيلتقطها أولا، وكم واحده سيصطادها وكم واحدة سيركض خلفها، اخذ يلف ويدور حول نفسه..يلف ويدور.. مع دورانه يطير معطفه خلفه مبتعدا عندما يواجه الريح ، ثم يعود إلى جسده عندما يعاكس اتجاه الريح .. ثم.. بتعب، جلس على حافة الرصيف المبتل..سكن للحظات.. ربما استحضر هموم قلبه ومسيرة حياته ورزق أطفاله !..مجرد لحظات..بعدها.. وقف من جديد يستند على مكنسته ..ثم مضى مبتعداًً.. مختفياًً وراء حافلة، يطارد من جديد علبه كرتون صغيره..قذفتها يدٌ مهمله!!
بقلم سهام البيايضة
تحت معطفه البلاستيكي الأصفر، كان يسير، قاطعا الشارع ذهاباً وإياباً، منتعلاً بقدميه جزمه سوداء، دعوت الله أن يكون قد ارتدى تحتها جوزاً من الجوارب آو جوزين فوق بعضهما البعض،فالبرد يحتاج إلى" الجرد"، ولا بد أن صقيع الجزمة، قارصاً ومؤلماً وهو يسير فوق الإسفلت .لا يظهر من رأسه إلا عينين، خلف قبعة سوداء غطت وجهه إلا منطقة الأنف والفم، التي اختفت بلثام آخر التف حول رقبته، وفوقها اعتلت قبعة المعطف البلاستيكي الأصفر، يردأ عن نفسه نسمات البرد القارص، مقاوما ًدفع هبات الهواء، التي تلطمه، ذات اليمين وذات الشمال، تكشف عن ملابسه الرثة المتكدسة فوق جسده، عندما يطير المعطف خلفه مبتعدا، تمنع أكتافه وذراعاه انفلاته عن جسده ،كشراع قارب يصارع موجاًً غاضبا مل شواطئ البشر ومراسيهم!.. متماسك بقوة جسده أحيانا ومستندا على مكنسته أحيانا أخرى.
لم يبرح مساحة واجبه، يحوم حول الحافلات التي تجمعت بين خطوط الانتظار في الموقف العام، طلاب وجنود ومسافرين كل قاصد وجهته، الوقت يقترب من الظهيرة والأعداد تتزايد، وأكوام النفايات تجمعت في الحاويات تنتظر سيارة البلدية لتحملها وتطحنها بعيدا عن الموقف.
أخذني التفكير بعيدا وأنا أشاهد أكوام تشهد على خطر بيئي :إنها نتيجة أنماط استهلاكية اعتدنا عليها وفضلات صناعية أصبحت تهدد بيئتنا وتهدد العالم. يحتاج بعضها أكثر من مئة عام ليتحلل أو يذوب" .
المطر ينهمر بغزاره والرياح تحرك أغصان الشجر وسيقانه القصيرة، تنتظر مواسم المطر لتكبر وتمتد إلى أعلى، وكأنها تبتهل تضرعاَ ورحمةً لله، عبر امتداد الأغصان واخضرار الأوراق .
مكنسة ومجرور، يستمر بجمع الأوراق التي التصقت بالإسفلت المبتل ،وبضربة سريعة من مكنسته يرفعها إلى مجروره الصغير،ثم يعود ليقطع الشارع من جديد ..يلتقط غلاف بسكويته رميت بإهمال، من يد شاب التهم حلوها وهو متوجه إلى احد الحافلات المتوقفة في الجانب الآخر .
الرياح تشتد، تبشر باقتراب المنخفض الجوي من أصل قطبي. صاحبنا، لا يزال حول الحافلات لا كلل لا ملل، يكنس الزوايا ويلاحق أوراق وأكياس بلاستيكية تناثرت من النوافذ والمارة، هناك أوراق صغيره تفنن صاحبها في تمزيقها، ربما كانت ورقة امتحان بنتيجة راسبة! أو رسالة من حبيبة هجرته!! .
لا زلت أبحر بأفكاري بعيدا: الرسائل احتمال غير وارد هذه الأيام !! بعد انتشار الهواتف النقالة والحواسيب، لم يعد هناك رسائل حب، ولا رسائل عتاب كل شيء أصبح" ديجيتلي".... الاحتمال الأول يبقى هو الأقوى"
تناثرت قطع الورق الصغيرة عبر المكان وكأنها مشهد سينمائي يحاكي هبوب عاصفة ثلجية.بعض القصاصات الصغيرة سقطت فوق رأسه ،أربكته ..لا بد أنها أزعجته، بحركة سريعة التف حول نفسه..احتار أي واحدة.. سيلتقطها أولا، وكم واحده سيصطادها وكم واحدة سيركض خلفها، اخذ يلف ويدور حول نفسه..يلف ويدور.. مع دورانه يطير معطفه خلفه مبتعدا عندما يواجه الريح ، ثم يعود إلى جسده عندما يعاكس اتجاه الريح .. ثم.. بتعب، جلس على حافة الرصيف المبتل..سكن للحظات.. ربما استحضر هموم قلبه ومسيرة حياته ورزق أطفاله !..مجرد لحظات..بعدها.. وقف من جديد يستند على مكنسته ..ثم مضى مبتعداًً.. مختفياًً وراء حافلة، يطارد من جديد علبه كرتون صغيره..قذفتها يدٌ مهمله!!