المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة قصيرة : طقوس في مدن النساء


جاسم محمد صالح
24-06-2008, 07:56 PM
طقوس في مدن النساء

جاسم محمد صالح
gassim2008@gmail.com

جو رهيب يحيط بهذه المدينة … يحرق اجفان الناس باعواد من الكبريت ... الارض ساخنة كجبهة الشمس هواؤها رهيب مليء بكل شيء مخيف انه غريب عنها وعن كل شيء فيها ... كيف اتى ؟ وكيف وصل ؟ اسئلة تدور في مخيلته كدوران دودة تريد الخلاص من كوّتها المظلمة .
كل شيء في هذه المدينة بعيد عن التصور , البيوت ليس مثل بيوتنا , الشوارع تختلف عن شوارعنا , علامات التعجب تعيش في كل شيء من اشياء هذه القوقعة التي اعجب ما فيها نساؤها العاريات من كل شيء .
الكبريت يحترق في جيبه وسيكارته بعدُ لم تحترق ,كان تصوره بعيدا اكثر مما نعتقد , لا شيء يملا نفسه , فالأشياء نفسها تحتاج لمن يملؤها , الفراغ فيها ازلي كهذا العالم , انه يمتد في رحابها بلا توقف ,هناك أكوان تنتهي خلف النظر, اما هي فانها لا تنتهي ولا تعرف حدودا للانتهاء .
الإحساس بالفراغ في هذه المدينة شيء في غاية الإزعاج فهو يبعث صورة لاناس ميتين في المخيلة ، العالم معد للتفكير , حسن لا خرج سيكارة أدخنها :
-ترى كم الوقت ؟.
-لا اعرف ...
اليد الأخرى كانت تبحث عن سيكارة وعن علبة الكبريت لقد عثرت على علبة الكبريت وعلى السيكارة , هذا اول النصر , لم اعد خائبا , فالشفاه تطمع في لفافه تبغ , أحرقت السيكارة وشربت عود الكبريت ,لا عفوا كنت مخطئا , لم اكن افرق بين السيكارة وبين عود الكبريت , فكل شيء في هذه المدينة غير معروف , لكنني عرفت , أخيرا بدلت العود بالسيكارة , رميت العود على الارض ليحرق شعر امراة اخرى , اخذت سيكارة من شفاه امراة كانت تدخن , كانت قبيحة لكن شفتيها كانتاغير مصبوغتين باحمر الشفاه , حسن هذا مقبول , وضعت السيكارة في فمي , لم تدخن المرأة الا شيئا قليلا , هذا شيء في غاية الأهمية ,اذن المرأة هنا مفيدة , انها تدخن فهي تملك هموما ، التدخين اذن وسيلة لمحو الألم ، المدينة غير فاضلة نساؤها غير فاضلات أيضا ، هذا لايهم , المهم ان افكر بذاتي , لتكن المراة ما تكون , المهم انها امراة في الحالتين تملك العواطف والاحاسيس وهذا هو المهم.
بوابة المدينة واسعة وكبيرة ولكن ماذا ؟ لا ادري ولا أستطيع ان اقول انها بوابة عجيبة , انها مصنوعة من الرجال , وبدون وعي ركضت كالطفل اليهم اتفحصهم الواحد بعد الاخر ، لا … لم اجد احدا منهم , فهم غرباء عني , ولكن لا... انهم ليسوا غرباء , انهم مثلي, انا…لا فرق بيني وبينهم , احب مثلما يحبون , اتكلم مثلما يتكلمون , ولكن يا ترى هل سأصلب مثلما يصلبون ؟…لا اعلم.
مجموعة الخواطر تهشمت فوق راسي , هم رجال وانا رجل , قد يكون الحب فيهم هو حكم الاعدام, لا اريد ان اصلب , لانني لم اجرب بان احب ذات يوم , الامر غير مهم … ان التي احببتها قبل الف عام غير موجودة في هذه المدينة ، اذن لا احد يعرف من انا ؟ وهل انا في قوقعة المجهول ؟ , ام انا انسان آخر ؟.
الامر سهل واسهل منه ضياعي في هذه المدينة , فقد احب فيها امراة لا … ليس مهما هذا , فالحب قد يسبب الاعدام للانسان في هذه المدينة ، الفضيلة غير معروفة هنا , اذن قد اكره احدا في هذه المدينة , قد أكون ذلك , فهذا شيء معقول في كل مكان,هناك شعارات مكتوبة في سحابات العالم المهزوز , لا حب مع الحياة , ولا خير مع الحياة ، لا مثالية مع الحياة , كن سارقا تحيا كن لصا تحيا وبالذات مع نساء المدينة الجميلات , حسن دعني من كل هذا , فانا عندما ادخل بيتا او حانة خمر … او بيت دعارة , افكر بلحظة التوجه ولا املك ارتباطا بالماضي وحتى الحاضر, فكيف بي والمستقبل ؟.
هناك ارتباط بين الخمرة والمرأة المومس ونادل الحانة غيرالنظيف وكذا الكاس, اذن لاحرق المعميات , فانا مقبل على ابواب مدينة جديدة ومن غير المعقول ان افكر بالمدن القديمة ,لانسَ المدن ... لانسَ العالم ومدَرّستي الجميلة وكل شيء .
البوابة تفتح , لا ادري بل قد اكون اكثر دقة اذا قلت تتلاشى من دربي , لا ادري … اين ذهبت الباب ؟ واين ذهب اولئك المصلوبون في ارتفاعها الشامخ ؟ … بحثت عنهم في الشرق … في الغرب في كل مكان لم اجد لهم مكانا , انهم اختفوا كاختفاء المثل على الارض .
جلست ثم وقفت وبعدها جلست ثم وقفت , لايهم المهم اني ملات جوفي بالدخان الذي املا به الكون , انحت به الصخور, دخان السيكارة شيء جميل كالمراة المشبوهة , ملامحي أشاهدها بوضوح … شفاهي تنفرج رويدا رويدا , انها تشبه الثقب في الكواكب المهجورة , ابتعدت شفاهي الواحدة عن الاخرى , العيون الناعسة تستيقظ ، النوم شيء جميل في هذه المدينة , النهار هو الاخر يحترق في رأس لفافتي الملتهب , الارجل تتحرك , الكواكب المهجورة كلها تتحرك , فلا غرابة اذن في تحرك نساء هذه المدينة , فالتحرك في المدار المعين شيء جميل حينما يتوقف الاخرون عن الحركة , هناك ايضا حروف تتحرك في دفتر مذكراتي حول امرأة أحببتها قبل ميلادي, قانون التحرك مثل قانون الجاذبية, كل شيء في الكون يخضع له , حروف مذكراتي النسائية تتحرك وتختلط مع حروفي الاخرى, الحب صار كرها , اذن فليسقط الكره , فهو ابغض ما في عالمي المرفوض , انه ابغض من البغض ذاته .
لم استطع ان اعيد ذاتي الى ما كانت ، لاني لا استطيع ان اتحرر من جاذبية الارض , ترى كيف سقطت تفاحة "نيوتن" ؟… ابفعل الجاذبية ؟… ام بفعل قوى اخرى ؟ لا ادري , فهذا الشيء من الضروري ان لا اتطرق اليه في هذه المدينة , فلقد عاهدت نفسي بان لا اعيش الماضي , حسن لن انسى بعد الان ، ساضع اشارة فوق عينيّ كي اتذكر القسم , وضع الاشارة غير مهم الان ، فانا لست غبيا والامر جد بسيط ولا يوجد ابسط منه , فالامر لايتعدى ان يكون نسبيا وساذجا .
النساء عاريات في هذه المدينة وهذا شيء جميل لنا نحن الرجال ، حسن المدينة جميلة لانها لا تملك محلات لبيع الأقمشة , اذن لا توجد مساومة مشبوهة حول شيء ما بين البائع والشاري, المدينة شريفة بمعنى الكلمة :
- قف يا هذا ولا تعط أحكامك الهوجاء لاتكن متسرعا , فالتسرع غير محمود وبالذات في الأشياء المهمة , فكر يا هذا .
الناس عراة وانا ألبس ثيابا ... حسن ماذا افعل ؟ ، نعم... صرت عاريا , التعري شيء جميل , ففي هذه المدينة لا توجد قوانين تضع العراة في السجون , المدينة متقدمة كثيرا , اصبحت بلا ثياب , رجل عارٍ في مدينة النساء , ترى هل اصبحت امرأة ؟ لا ادري... فكل الذي ادريه اننا نتشابه في صفة واحدة ؟ التعري شيء رائع انها خطوة للالتقاء مع المراة في كل الدروب , فهناك أشياء لا زالت تفصلني عنها ... عن المراة التي تعيش في خاطري .
النساء يملكن شعرا طويلا , شيء جميل هذا , فلقد ملات ديواني تغزلا بشعر اسود …اصفر… احمر… بالوان كثيرة , انا لا املك شعرا طويلا, فشعري قصير, أأبقى بدون شعر؟ الامر جد محرج , ماذا افعل؟ تذكرت شيئا ، مددت يدي ، وضعت شعرا لامراة فوق رأسي ، الشعر ليس حقيقيا فقد يكون شعر حصان... او ثور ... وحتى الحمار ، لا يهم ، المهم انه شعر طويل اضعه فوق رأسي وكفى , لكي لا اكون غريبا في المدينة .
يدي المقيدة ، انها انقذتني من موقف محرج، فقد رجعت الف عام الى الوراء لاسرق (باروكة ) استاذتنا الجميلة , لا عفوا ... طالبة ثرية, فقد يكون هذا الشعر من شعر زوجها ... المهم ان (باروكة) استاذتي لا زالت فوق راسها تتباهى بها بين طلابها ، والطالبة المسكينة اصبحت بلا (باروكة) هكذا الصدف تكون ، المهم انني لم اضع فيها .
كثير من اجدادي انتهوا اليها دون ان اعلم ، الضياع حقيقة يعيشها الانسان ومادمنا نحن باحثين عن الحقيقة فطرفا الحقيقة التي نمرّ عليها هو الضياع نفسه لا غير ، ولكن الوجود اجمل احيانا من التلاشي , لذا فقد احببت الوجود من اعماقي .
-شيء عجيب ... هذا العجب الذي نحياه
-اين ؟
- في المدينة
- لا اوافق
- حسن لا توافق , كل شيء يسير لذاته , الكواكب المهجورة تتحرك ولا يهمها ان اختلفنا حول وقوفها أوتحركها.
قالوا :
- انها واقفة
قلت :
- لا ... انها تتحرك .
قالوا:
- كيف تعرف ؟
قلت:
- اعرف... وكفى
صمتوا ... صمت ، فكرت في مدينتي ، المدينة الجديدة ، النظام موجود بكثرة، اذا اين الذين قالوا:
- المراة لا تصلح للنظام ،
- انهم ماتوا .
- من هم ؟
- افلاطون ؟
- وبعد؟
- اعداء المراة .
- ماذا قالوا ؟
- انها عبد لاهوائها وشهواتها .
- هذا صحيح ولكن الى حد معقول .
المدينة خالية من التضارب ، كل شيء مرتب والنظام صحيح ، هذا غريب ، نحن في ارضنا نتعاون نساء ... ورجالا في تنظيم الارض .
- الانسات وحدهن ينظمن المدينة ، فكر ياهذا ،
- فكرت .
- هل توصلت الى سبب ؟
- لا
- انه انت
- انا ؟
- نعم
- كيف ؟
- لا ادري
السلب لا يولد الشرارة ، هناك موجب هو انتْ ، انهم الرجال الذين قدحوا الشرارة في الارض ،انهم لم يخلقوها هنا لانهم غير موجودين ، والانسات ضعيفات ليس بمقدورهن ان يعملن شيئا ،
- اعترض... كلامك تحيز الى النساء اكثر من اللازم ،
- لا يوجد تحيز في الامر ، الامر واضح ، سنرى ان كنت على حق … سنرى
تلفت الى اليمين والى الشمال افكر كالمذعور ، الشرارة المحرقة ، الشرارة اللعينة قد توقد في هذه المدينة ، وانا الذي احرقها ، انا الانسان الصغير المتهالك , الامر مهم والمدينة في يدي ولكن قد يكون الامر سهلا .
تناولت الهواء بيدي وفحصته بتمعن ، انه يحوي اوكسجينا ، الامر سهل فالشرارة لا تحترق ولا تحرق شيئا سوى ذاتها ، اذا لا خوف على مدينتي الجميلة ولا خوف على نسائها الجميلات ، فانني لم ارَ واحدة منهن بالرغم من ان عددهن كعدد الرمل .
اذا لا تقدم في دروب المدينة ، عفوا ... لابتعد عنها ، انها شيء تافه ، انها لا تملك رجالا ، فهي لا تساوي شيئا ، فما اتعسك انت يا مدن العالم الخالية من الحنين ، يا مدن الضياع في الافق المتداعي , انني الفظك من تأملاتي ، فانني اريد ان تسطع الحقيقة في كل النوافذ ولتغلق الشبابيك المهشمة ، فليس بامكان الشمس ان تخط حروف ازليتها المتناهية فوق الزجاج المتناثر .

نافع العطيوي
25-06-2008, 12:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ العزيز/ جاسم محمد صالح
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أرحب بك أخي الكريم هنا في ملتقى أدباء ومشاهير العرب . الف هلا بك وحياك الله بين إخوتك أعضاء الملتقى الكرام . داعي الله المولى القدير لكم بالتوفيق والسداد وان تجدون هنا ما يسركم ويسعدكم . ونحن بدورنا أخي الكريم سعداء بتواجدكم على صفحات ملتقانا المتواضع . الف هلا بكم وحياكم الله . وكل الشكر لكم على الموضوع القيم والشقيق بنفس الوقت كانت قصة جميلة جداً استمتعت بقراءتها سلمت أناملك . وكل الشكر الجزيل على اختيار الموقع . أخ جاسم الف هلا أسعدتنا بوجودك . اكرر شكري لكم أخي الكريم . دمت بحفظ الرحمن

صمود جمال الشمالي
25-06-2008, 08:20 AM
قصة رائعة

تشعرني وكأن الجو هذا جو حقيقي
اي ان التشبيه متحرك
تحياتي لك

أحمد عدوان
25-06-2008, 01:30 PM
مرحبا بضيفتنا الاستاذ جاسم محمد صالح
عدد ما خطته الأقلام من حروف
وبعدد ما أزهر بالأرض زهور
مرحبا ممزوجة .. بعطر الورد .. ورائحة البخور
مرحبا بك بين إخوانك وأخواتك .. في
موقع ملتقي(( أدباء ومشاهير العرب))

قصة واقعية جميلة تحلق بنا الي عنان السماء امتعتنا اخي الكريم ولكن اخفتنا باعواد الكبريت

معاذعبدالرحمن الدرويش
25-06-2008, 07:23 PM
قصة ممتعة حقا يا اخ جاسم تأخذك منمنماتها الواقعية إلى البعيد
" التدخين اذن وسيلة لمحو الألم "
هذه هي الحقيقة الموجعة و التي تنعكس على كثير من جوانب حياتنا
تحياتي اخ جاسم
دمت بكل الخير و دام قلمك

محمد علي محيي الدين
17-07-2008, 06:21 PM
الأخ جاسم محمد صالح
ما أجمل أن يغور الكاتب في النفس ستجي خفاياها ويظهر كوامنها بأسلوب يتصف بالسلاسة وبمفردات تجعلك تعيش في واقع حي ،وكم جميل أن يتفاعل القاريء مع فكر الكاتب اذا كان بهذه الواقعية ،شكرا على مروركم الكريم هذا ونأمل بالجديد المفيد في المستقبل مع المودة