المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وتمرد الحب


يمن وديع جزعة
06-01-2010, 06:56 PM
خَــرَجتْ من قمـقـم المشعوذين . بـعـد أن تـَـمـَـردتْ على الرجل الإله في زمن الشرائع ...


خــرجت وبــيدها حقيبة الخرافة . مليـئـة بالتــقاليد وأعرافــه . باكيــة تلتقط على الدرجة

الأولى من سلم الحياة أنـفـاسها . وهي تقول : ها قد تــخلصت من شـِـباكِ الواقع . وأتـيـتُ
إلى ساحة الحقيقة . وعلى مدخلها سأحرقُ تاريخاً من أصناف البؤس . والجهل و الخيانة...
وأسفاراً من القهر والظلم والمهانــة ...!
أشعلت ورقةً كـُـتبَ عليها قانون الواقع , وأر دفتها بأخرى عنوانها شرف الرجل المزعوم .
ورأيت صفحةً لم يــبقى منها إلا توقـيعٌ بأسفلها مـمـهـورٌ بخاتم الشريعة ... ولَـفتَ نظري كتابٌ
يمجدّ الأم وآخر به قصائد الغزل بالمرأة . وشدّني مجلدٌ كـُـتبَ عليه الدين والمرأة...
كانت حريصة على أن لا يبقى منه سوى الرماد . وفاتــني عناوين وعناوين وفصول سبقـتـني النار إلى التـهامها,
وكنتُ أسألها مراراً وهي مشغولة في نارها . ولم تلتفت إليَّ حتى انـتهت من حرق ما بجعبتها وتنهدت كـَمـَنْ يصل شاطئٍ آمـنٍ وقالت بثقةٍ دون أن تنظر إلى وجهي : ماذا تريد ..؟ وهي تراقبُ حدود ذلك الأفق البعيد .
سألتها متعجباً : ماذا تفعلين .؟ ومن التعب تلهثين .! والخوف باد ٍ عليك ومنه ترتجفين .
فهمست بثقةٍ : أنا أفعل ما يجب أن يكون منذ سنين . وحقاً إني تـَـعبِــِتُ وظنّوا بي أني
مريضة وكانوا واهمين . وما تراه علــيّ هو بقايا من الخوف الذي عشــتـهُ وسأسميه الماضي الحزين .
عاودتُ سؤالي :يا سيدتي هل لي أن أعرف شيئاً مـمـا تعنين .؟ فـَـرََمـَـقـتـني باستهزاء وخفــة :
أنا لستُ سيدتك فلقد تحررت من عبودية الألقاب ومجد المتسلطين .فلا تــُهـينـنـي. أما زلتم
أنتم الرجال تمجدون أغراضكم وممتلكاتكم وضحاياكم .؟ فأنا لست ملـكاً لأحد من البشر
ولا أمتلك سوى آلتـي هذه أعزف عليها لأنها تصرخ متـمردةً إذا آلمـتــها وتـئـن وديعةً إذا لامستها و تصمتُ بإباءٍ عند حدودها . تكلمنـي وأكلمـها . فلا معنى لها بدونـي , وأصبح مثلك بدونها .
فقلت : وماذا تحبين أن أناديك .. وبأيّ لقبٍ ترغبين .؟
نظرت إلي بوميضٍ عجيب يشعّ من عينيها الساحرتين مجيبة :أسمي الحرّة ويلقبونـنـي
بامرأة الزمان أمُّ الحريّة التي وأدها تدين الرجل في ساحة الحاجة والجهل عندما اغـُـتيل الإله, وسجن الوجود بالقدر . وغــَزَت مفاهيم الضرورات بقسوتها . وقصور الغايات بدهائها وكتب الأنبياء بتأويلها ..!
تلك الطفلة التي قــُتلت قبل أن تتكلم وصـُـلبت على خشبة الحاكمين ( وسكتت وهي تتبسم وكأنها تذكرت ما يسرّها وطال سكوتها ) فتكلمتُ بصوت ٍ يقطع ذلك الصمت كتقطيع السيوف في رقاب المجرمين ... بالله عليك ِ هل لي أن أعرف المزيد عن ابنتك ِ الحريّة .؟ لعلّي أواسيك ِ ببعض ٍ من الكلمات التي تخفف عنك ِ حزنك وتعيد إليك بعض الأمل. فانفجرت كالبركان الثائر : يا صديق لحظتي لقد عرف الناس عنها كل شيء . عرفوا
أنها ستسقي يوماً إذا كبرت كل الورود في البساتين . وستمحى عداوة الشعوب وتفـّرح المساكين .ستغنـيّ موّالها الذي يرّقــّص الملائكة ويطرب الخالدين .كانت ستبعد الخوف عن هذا الكون وتهذب الجبابرة حتى يرتقوا إلى درجة الو دعاء الطيبين ويدمروا أبراجهم بأيديهم مقـتـنـعـيـن.. ثمَّ أضافت : لو تــُرِكـَـتْ الحرية لما رأيت علماً رُسمَ عليه سيف ٍ مسنون ولا سجن ٍ يباع به الأفيون ولأصبح القضاة عن العمل عاطلون.
والجيوش تزرع وبأسلحتهم يحصدون . يا صديق حديثي : لو عاشت ابنـتـي لرأيت أحبار اليهود حول الكعبة يصطفون .وبأيديهم سعف النخيل وأغصان الزيتون . ولنظرت إلى قساوسة العصر وهم عن عـِظــَة الأحد محجمون . يغنون كتاب محمد ٍ ويرتلون .
وكنتَ سترى شيوخ من الإسلام أمــام جدار المـبكى وفي الكنائس ينشدون ويرنمون . وستدرك أن موسى ابن عمران وعيسى ابن مريم ومحمد المصان في حفلة حــب ٍ ونخبَ شعوبهم من الكوثر يشربون . وبأيديهم كتبهم يرتلون وينقحون . ويجمعوها في كلمة واحدة هي ( الحب )ولأجلها يتعانقون ... لو عاشت ابنتي لأصبحت الجنّة في ربوعكم وبها تمرحون .
ولهذا قــُتلت وتركوا منها أسمها و عليه يتخاصمون . يكابرون ويزايدون .( رغم أنها حرّة حتى من الأسماء ) وعندما تأكدّوا أنها ميـيـتـة أصبحوا على جسدها يرقصون . اعلم يا هذا : أنها تأبى أن تكون حيث يرغبون . لأنها ليست قيداً على أحد ٍ إليها يأتي الراغبون . لا تفرض نفسها على أحد ٍ وتموت إذا فرضت على واقع ٍ . أو جماعة ٍ أو فرد كما أنتم الآن ميّتــون. لا يحصرها مصطلح ولا يجليها عمل ٌ ولا تعيش مع سلاح ٍ أو إكراه يزعجها التحريم وما تحللون . ليس عليها قيد لأن مـَـنْ صنعها ليس عليه قيود . وكل صانع ٍ سيظهر نقـصـه في صـنـعه . وعللكم بادية ً في ما تفعلون . ظاهرة ً في ما تصنعون عندئذ ٍ قاطعتها قائلاً : وماذا بعد الحرّية ..؟
تنهدت بحسرة ٍ وتمتمت بشفاه يائسة : إما أن يسموّ إليها ويشربوا من دمائها ويصفــوّا برائحتها أو يبقوا مع حرياتهم المستنسخة التي ستقودهم إلى حيث يجهلون .. واد ٍ للفناء هو مصير المقصرين أليس بهذا كنتم توعدون . .
ساد صمت لبرهة من الزمن قطعته بقولي : إذا سمحت لي بسؤال ٍ أخير ... ومن أنت ِ .؟
ضحكت بوداعة وقالت : أنا أنت عندما تغسلك الحرية . أنا زوجك عندما تكحلها الحرية أنا ابنتك وابنك عندما تربـيـهـما وتهذبهم الحرية أنا طريق الكاملين ميعاد المحبين كما بشرتم ولم تصدقوا .. وغابت عن عيني عندما مـرَّ بــيــنــنا مراهق ٌ ينادي إلى الجهاد وأمّه خلفه تبكي و تستجديه ليعود ولم يسمعها لأن مجموعة ً من العميان بأصواتهم يهللون لــه ويحرّضون .





يمن وديع جزعة

عبدالسلام عمر سوف
06-01-2010, 08:04 PM
الاخ الكاتب المبدع والمتألق يمن ...بصراحة وبكل صراحة الحرية لا ولن تعود ابدا والبتة لان الحرية وكما قال فيها الشابي : وللحرية الحمراء باب... بكل يد مضرجة يدق ولاثبت لك هذه القصيدة صودرت من معظم المناهج الدراسية ووضعت بدالها قصائد في الغزل والحب .

تحسين عباس
08-01-2010, 12:59 PM
اطربتني لغتك الشعرية بتشويقها وممارستها لكل اساليب الابداع .
قد استمتعت كثيراً عندما قرأت عن كائنك الانثوي في طلبه للحرية .