المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نبتة برية


هدلاالقصار
12-06-2008, 09:49 PM
نبـتةٌ بريــةٌ



ضــاقَ الهمسُ فـي صـدري
هربْتُ مِنْ كَتِفِ الجدرانِ،
لأُدْخِلَ شمسَ النهارِِِ أوردتي
أسرعـتْ خُطواتي
أسرعـتُ بعدَها
أسرعـتُ قبلها
وصلتُ سلسلةَ أشجارِ النخيلِ الملتفةِ
توغلتُ في عمقِ الغابةِ،
راقصتْ قدماي العُشبَ
داعبَ العشبُ لغزَ الجسدِ وتنحى
احتضنتُ الأرضَ كالزهرةِ
شعّتِ السماءُ حولي كالنبتةِ.

حاول الشيطانُ إغواءَ خيالي
قـذفَ رِمشي الخطايا ورماها
رميتُ آلامَ الحزنِ الآتي مِنَ الجدرانِ!


انتفضَ جسدي كالرملِ وانتصبَ
حاولتُ البحثَ عن إسمي كالزهرةِ
عانقتُ أشجارَ النخيلِ الواحدةَ تلوَ الأُخرى
وسألتُ؟
لَمْ أجدِ الرَّدَ
توجّهتُ للأخرى
قبلَ السؤالِ .. سألَتني مَنْ أنت؟

هَمَّسْتُ أشواكَ العشبِ، لأسألَ؟
خَشخَشَ العشبُ واستبقَ السؤالَ!!
مِنْ أين أتيتِ أيُّتُها النبتةُ؟!
كطائرٍ مهاجرٍ لحقتْ بأوراقِ الشجرِ المتطايرِ
هربتْ مني كالرياحِ امتدتِ الأرضُ وهدأتْ

صرختْ أشجارُ الغابـةِ سكانَهَا .... تسألُ؟
سمعتُ لحـناًً قـديمـاً من خلفِ التاريخِ ينادي
سمعتُ لحـناً جـديـداً يذكرُني بطفولةٍ تاهتْ
سمعتُ لحـناًَ بعيـداً يصرخُ ... اِرجعْ هنا!!


سمعتُ لحـناً من خيوطِ الـذاكـرةِ يتأرجحُ
كطائرِ النورسِ التقطتُ تلك الأصواتِ
خَشيتُ الصوتَ ... كالخيلِ وفـزعتُ

هربتْ صرخةٌ مِنْ بين شَفَتَيَّ تسألُ
مِنْ أين الصوتُ يأتي؟
أنا منكُم
أنا مثلكُم
أنا إليكُم آتٍ
أنا كشجرةِ النخيلِ تراها في كلِّ الأوطـانِ
وهي لِنفسِها وطنٌ
لكنّ الرياحَ أبعدتني
فَلَمْ أَعُدْ أرى وجوداً لوطني
حتـى أصبحتُ بريةَ النبتةِ


أنا منكُم
أنا مثلكُم
... إليكُم آتٍ

سمعتُ بكاءَ الطيورِ فجأةً
نظرتُ السماءَ
رأيتُ شرنقةََ النهارِ تلتفُّ حولَ الشمسِ
صفقَّ الغروبُ بجناحيهِ حزناً
علمتُ أنَّ رحلتي لليابسةِ قد انتـهتْ

هربْتُ لِتلةٍ أُشاهـدُ الشمسَ والبحرَ
سمعْتُ صراخاً كالرعـدِ والبرقِ
انشـقَ البحرُ وابتلعَ الشمسَ
ليذهبَ النهارُ ويطفئَ الوهـجَ


رجعتُ للجدرانِ أتمرَّدُ
نظرتُ خلفَ النوافذِ أُودّعُ أسرارَ النهارِ
وضعْتُ السرَّ في خزانةِ الأسرارِ المليئةِ..

من خلفِ سِتارةِ الظلامِ أُسدِلَ الليلُ
جالستُ العَتْمَةَ أسألُ نفسي عن تلكَ النبتةِ
قرأتْ في عيوني عن ماضٍ قــد ولى
سمعتُ همسَ الليلِ ينادي القمرَ
فانسحبَ النهارُ من جَفْني
وأتاني سلطانُ النومِ
فأهـديتُ سِرِّي لفراشِ الليلِ.


من ديوان " نبتة برية"
عضو صالون القلم الفلسطيني

ابراهيم الايوبي
14-06-2008, 09:31 AM
عندما يخونك الخيال تتوارد الأفكار وتنهار المشاعر , لتكشف عن المستور في لحظة عصيبة , تتداركين الموقف ومع تعقيدات التكوين تبقين أنت الزهرة البرية

عبد الكريم عليان
15-06-2008, 10:58 PM
قلّما نجد شاعرا من الشعراء المعاصرين يتماهى مع الطبيعة كما تماهت شاعرتنا " هدلا " حيث تنازلت عن كبرياؤها إلى عشبة في الطبيعة لتغوص متشابكة في الأدغال مرة مع الشجر الشامخ ، ومرة مع نبات الأرض ..!
" هدلا " الشاعرة ذهبت بعيدا عن المألوف لتحاكي الطبيعة في شكل نبتة برية ! أي ابداع جميل هذا الذي انفردت به ..؟ أنسنة النباتات عرفناه من على شاشة التلفزيون في الأفلام الكرتونية عندما تقدم النباتات إلى أناس يتحدثون .. أما أنسنة النباتات في الحالات الشعرية ، هذا ابداع جميل لم نعهده عند الشعراء..عند " هدلا " الشاعرة في " نبتة برية "سيقف النقاد ومتذوقي الشعر حائرين مندهشين لهذا الشعر الفريد والنادر ..
استطاعت شاعرتنا أن تكون نبتة برية تهرب من أكتاف الجدران .. تسرع وتسرع لتصل أشجار النخيل الشامخة .. تتوغل في عمق الغابة الكثيفة لتراقص أقدامها العشب ..! يعود العشب ليداعب أسرار الجسد ..؟!
معاناة الشاعر المتمرد الذي يعيش في وطنه مغتربا عنه .. يتعذب بألم وقسوة .. دفع بالشاعرة " هدلا " الهروب من عالم الإنسان إلى عالم النبات ليحاور نفسه على أنه نبتة برية تنتمي إلى الأرض والشمس والماء والهواء .. ينتفض الجسد ليسألعن أسمه ..؟ يسأل الأزهار ، ويسأل النخيل ؟ لم يأتيه الجواب مباشرة .. يعود الشجر ليسألها .. فتجيب الأشواك بدلا عنه .. تعود لتسأل من جديد : كيف أتت هذه النبتة " هدلا "بأنها حملت أو علقت بأوراق الأشجار المتساقطة والمتطايرة مع الرياح .. أو أنها علقت أو قدمت في رجل طائر مهاجر .. لتنغرس وتهدأ لتستوطن أرض جديدة ...!
أي روعة تألقت مع هذه الأسئلة ( الحوارية السقراطية )التي تقودنا بها هدلا الشاعرة ؟
كيف تتوالد لديها الأسئلة بطريقة مسرحية عذبة تثير القارىء وتنقله إلى عالم آخر غير عالمه ؟؟
ها هي " النبتة البرية " تعود إلى إنسانيتها حين تسمع ألحانا تصدرها خشخشة الأشجار وحفيفها .. لتعيدها إلى طفولتها .. لتؤكد من جديد أن الرياح أبعدتها عن موطنها .. تردد بشكل غنائي : أنا منكم .. أنا مثلكم ..
بعد رحلتها الطويلة بين الأشجار والأشواك تنتقل مع تضاريس الطبيعة الجميلة ومناخها المتغير .. تعود لتكتشف نفسها بين الجدران تحاور نفسها المعذبة ، وتعترف بإنسانيتها .. تهدأ نفسها المتمردة لتخلد إلى سرها وتقبل أن تنام في فراشها على أمل أن يأتي صباح جديد يخفف عنها ، أو يعود بها إلى رحلة جديدة ..!؟